القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية ابناءيعقوب الفصل الرابع عشر والخامس عشر بقلم ولاء رفعت على حصريه

 

رواية ابناءيعقوب الفصل الرابع عشر والخامس عشر بقلم ولاء رفعت على حصريه 




رواية ابناءيعقوب الفصل الرابع عشر والخامس عشر بقلم ولاء رفعت على حصريه 







أوهمتك برحيلي فراقبتك من بعيد، رأيتك بخير ولم تشتكِ الفقد، فقررتُ الرحيل لتبقى بخير أكثر. 

بعد مرور أكثر من شهرين... 

مازال الوضع كما كان عليه، كلما يريد الاقتراب منها تصرخ في وجهه وتهدده بقتله وقتل نفسها، وفي آخر محاولة قد لجأ إلى القوة والعنف معها لأخذ حقه الشرعي عنوة، استطاعت الإفلات من بين ذراعيه وركضت نحو النافذة المفتوحة تخبره بتهديد: 

- أقسم بالله لو قربت مني لهرمي نفسي من الشباك وهيقولوا إنك اللي رمتني.

زفر بضيق وضجر قائلًا بنبرة تخلو من الصبر: 

- خلاص يخرب بيتك، أبو الجواز وسنينه، كان يوم أسود لما أتجوزتك، هسيب ليكي البيت عشان ترتاحي. 

غادر المنزل وذهب إلى أحد النوادي الليلية التي يتردد عليها دائمًا، فتقابل مع ابن خالته الذي يرتشف النبيذ من الكأس ويسأله: 

- مالك يا ابن خالتي؟ حزين ومهموم ليه كد؟ دا أنت حتى عريس جديد.

لوح جاسر بيده ثم قال: 

- بلا جواز بلا قرف، تصدق من يوم ما أتجوزنا وأنا مش عارف أقرب منها، كل ما أجي جمبها يا ترفع عليَّ السكينة وتهددني يا إما تجري وعايزة ترمي نفسها من البلكونة. 

وسوس إليه باقتراح شيطاني كالعادة: 

- خدها بالقوة، في الأول والأخر دي مراتك.

ارتشف من الكأس وأجاب:

- يا عم دي ممكن تخلص عليَّ بعدها. 

قهقه حمزة وقال بسخرية: 

- اعترف إنك جبان وخايف منها. 

رمقه بازدراء قائلًا: 

- ما تبطل هزارك السخيف دا يا عم الرذل، مش ناقصك على المسا. 

- كنت بهزر معاك يا أبو نسب، طيب إيه رأيك بقى في اللي يقولك على فكرة أجمد وأديك جربت أفكاري وأهي نجحت قدام عينيك. 

أطلق زفرة وقال بنفاذ صبر: 

- أخلص واشجيني. 

ظهرت على ثغره تلك الابتسامة الشيطانية فقال: 

- فيه مثل بيقولك ما يكسرش الست إلا الست. 

سأله بدون تمعن في الكلمات التي ذكرها إليه: 

- أخونها قصدك؟ ما هي عارفة من يوم ما أتجوزنا إني كل يوم بسهر هنا وبروح مع بنات ليل، ولا فارق معاها، بالعكس بحس إنها مرتاحة بكدا.

لكزه في كتفه وأجاب: 

- فتح مخك بقى، خيانة إيه اللي بتتكلم عنها دي؟ على أساس إنها بتموت فيك! أنا قصدي إنك تجيب لها ضرة. 

ردد جاسر بتعجب: 

- أتجوز عليها!

ـــــــــــــــــــ

في اليوم التالي... 

تجلس على الأريكة أمام التلفاز وتقشر الخضروات داخل إناء متسع ومستدير، عاد زوجها من الخارج يحمل من الهموم أطنانًا على كاهليه المنهكين من فرط ما يحمله منذ وفاة الحاج يعقوب. 

توقفت هويدا عن ما تفعله وسألته: 

- مالك المرة دي يا أبو محمود؟ ليكون البت مريم اتطلقت من جوزها. 

أطلق الأخر زفرة مطولة لعلها تخفف عما يحمله بداخله فأجاب: 

- ياريته يطلقها ويسيبها في حالها، أنا سمعته كان بيحكي في التليفون مع الحاجة راوية واللي فهمته شكله مش مرتاح مع مراته ومش عارف يتصرف معاها وحلف بيمين طلاق تلاتة ليتجوز عليها. 

عقبت زوجته بتهكم: 

- يخرب بيته هو لحق يزهق منها وعايز يتجوز عليها كمان؟ يا عيني عليكي يا مريم، الظاهر بختك زي أمك الله يرحمها. 

وهنا أراد أن يلقي عليها بالخبر الصاعق: 

- تخيلي عايز يتجوز مين؟ 

ردت وهي تلوح بيدها بعدم اهتمام:

- هتلاقيها واحدة من الستات اللي ماشي معاهم. 

أخبرها بهدوء يُحسد عليه: 

- ده عايز يتجوز أمنية. 

انتبهت جميع حواسها لاسيما سمعها، فسألته لتتأكد: 

- أمنية مين بالظبط؟ قصدك أمنية بنتك؟! 

أومأ إليها بحزن: 

- للأسف يا هويدا أيوة. 

نهضت وأطلقت صوتها الجهوري الغاضب: 

- وانت ازاي تسكت له يا عرفة! هو أنا بنتي بايرة عشان تتجوز واحد لسه ماكملش شهرين جواز وفوق دا كله تتجوز على ضرة وضرتها تبقى بنت عمتها؟ إن كان اللي بيتكلم مجنون يبقى المستمع عاقل. 

- يا ولية اهدي، فيه إيه؟ انتي شوفتيني وافقت؟ أنا نفسي عمري ما هوافق على حاجة زي كدا حتى لو فيها طردي من المحل المرة دي. 

جلست واضعة كفيها على فخذيها وعيناها تنضح بنيران كالشرر، تخبره بأمر: 

- انت اتصل بيه دلوقتي وقوله البت مش موافقة، ولا إحنا موافقين، وعنده البنات قد كدا ولا هو خلاص عشان عرفة غلبان ومش هيقول لا. 

تردد في فعل ما أمرته لكنه وجد لا فائدة من المماطلة فقال لها: 

- حاضر هتصل بيه بالليل. 

صاحت بحسم: 

- لا، دلوقت حالًا: 

خرجت ابنته من غرفتها ووقفت أمامهما عاقدة ساعديها أمام صدرها، تنظر بتحدٍ وإصرار قائلة: 

- أنا موافقة يا بابا. 

ــــــــــــــــــ

اقترب رجل متوسط الطول يحمل دفترًا ورقيًا وحقيبة سوداء، تقدم منه أحد العمال وسأله: 

- خير يا أستاذ؟ 

أجاب الرجل بجدية: 

- أنا معايا إنذار من الضرايب وعايز أقابل صاحب سلسلة محلات الجاسر اللي كانت اسمها يعقوب وأولاده. 

ظهر على ملامح العامل التوتر فأخبر الرجل: 

- طيب استني هشوفه موجود جوا ولا لأ؟ 

كان جاسر يجلس خلف المكتب ويراسل إحدى الفتيات.

فقاطعه العامل يخبره: 

- إلحق يا جاسر بيه، راجل بيسأل عليك وبيقول إنه عايز يقابلك وإنه من الضرايب.

أخرج من درج المكتب ورقة مالية وأعطاها للأخر و أمره قائلاً: 

- خد أديله الميتين جنية دي في جيبه، وقوله يقولهم إنه ملاقنيش. 

أجاب العامل: 

- ده بيقول معاه إنذار يا بيه، يعني شكله مبلغ وقدره، والضرايب ممكن تيجي تحجز على المحل دا وباقي المحلات. 

ضرب يده على سطح المكتب وصاح بغضب: 

- أول وآخر مرة تتدخل يا حيوان في اللي ملكش فيه، أنا عارف أنا بعمل إيه، غور يلا اعمل اللي قولت لك عليه. 

نظر العامل إلى الأسفل بحزن وقال: 

- أمرك يا بيه. 

ذهب فقال جاسر: 

- وإيه حكاية الضرايب اللي ما بتخلصش دي كمان؟ دول بياخدوا أكتر من اللي بكسبه، منهم لله هم و مراتي اللي منكدة عليَّ في ساعة واحدة. 

استدار بزاوية بالمقعد الجالس فوقه، فتح الخزنة وأخذ مبلغ من المال وقال: 

- لما أروق على نفسي شوية، هروح أسهر مع البت سماح فرفشة، أهي تزيح عني الهم والنكد اللي عايش فيه من يوم ما أتجوزت البومة مريم. 

ــــــــــــــــ

تجلس أمام التلفاز تشاهد أحد الأفلام الأجنبية الرومانسية وبها حكايات عن الحب والفراق، ظلت تتأمل ذلك المشهد وكان البطل قد رأى حبيبته برفقة رجل أخر في احتفال، جعلها تتذكر ذلك المشهد الذي لن تنساه قط، نظرة عيناه التي تلاقت بعينيها، وكم الاتهام الذي وجهه إليها من خلال تلك النظرة التي أخبرتها إنها قد أصبحت أمامه مجرد خائنة. 


أخذت هاتفها من فوق المنضدة التي أمامها وترددت قبل أن تجري الاتصال عليه، كل ما تريده أن تدفع عنها اتهاماته لها وتخبره أن هذا الزواج كان رغمًا عنها. 


قامت بالاتصال، تلقت رسالة صوتية مسجلة محتواها أن الرقم غير موجود بالخدمة، يبدو إنه أوقف الخدمة لهذا الرقم واستبدله بأخر، هل قرر استبدالها من حياته كما استبدل شريحة الاتصال؟ 


فقررت أن تتصل بخالها والذي أجاب عليها: 


- أزيك يا مريم، عاملة إيه يا بنتي؟ 


- الحمد لله يا خالو، أنا بخير.


- دايماً يا بنتي. 


- تسلم يا حبيبي، بقولك يا خالو عايزة أسألك بس يا ريت ما تفهمش سؤالي غلط، بس غصب عني والله. 


أدرك خالها ماهية سؤالها قبل أن تتلفظ به فأخبرها بحزم: 


- غلط يا مريم وأوعي تعملي كدا، انتي دلوقتي ست متجوزة، حتى لو ما بتحبيش جوزك بس لو سألتي على راجل تاني كان ما بينك وما بينه أي مشاعر دي تعتبر خيانة، وأنا ما ربتكيش على كدا أبداً، انتي بينضرب بيكي المثل في الأخلاق والأدب. 


أجابت على مضض: 


- حاضر يا خالو اطمن بالتأكيد ماكنتش هعمل كدا، كان مجرد سؤال مش أكتر. 


- اوعي تكوني زعلتي يا بنتي؟


طيف ابتسامة لاح على ثغرها فقالت: 


- وهزعل من إيه؟ مفيش حاجة، ابقى سلملي على أمنية وطنط، سلام. 


أنهت المكالمة وعادت لمتابعة الفيلم، صدح رنين جرس المنزل فأمسكت بجهاز التحكم الخاص بالتلفاز وضغطت على زر كاتم الصوت ثم ذهبت لترى من الزائر، نظرت عبر فتحة الباب أولاً: 


- مين؟


أجابت في الخارج: 


- أفتحي يا مريم أنا خالتك راوية. 


قامت بفتح الباب فألقت راوية التحية فرحبت بها مريم مشيرة إليها نحو الداخل: 


- أتفضلي يا طنط، حضرتك تحبي تشربي إيه؟


- أنا مش جاية عشان أشرب، أنا عارفة إن ابني مش هنا وزمانه سهران في الكباريهات، وأنا اللي كنت بقول ربنا هداه واتجوز رجع أنيل من الأول، ليه سيباه يعمل كدا يا مريم؟


تعجبت من لوم هذه السيدة وكأنها لا تعلم طريقة زواج ابنها منها تحت التهديد والمساومة، جزت على أسنانها ثم قالت: 


- أعتقد حضرتك مش واضحة لك الرؤية خالص، ابنك مين اللى ربنا هداه؟ ابنك يقول للشيطان قوم وأنا أقعد مكانك. 


نظرت إليها والدة زوجها بلوم وعتاب: 


- ما هو ده دورك يا بنتي، المفروض تخليه يتغير، أنا عارفة إنه فيه كل العبر، مش لو حبتيه وغيرتيه يمكن ينصلح حاله ويرجع الحقوق لأصحابها و يبقي كسبتي فيه ثواب. 


قد فاض بها الأمر ولم يعد للصبر مكانًا، الكل يلقون عليها اللوم وكأنها هي الجانية وليست المجني عليها، صاحت بكل ما يجيش في صدرها: 


- انتي أصلًا بتقولي إيه؟ ابنك اتهم خالي بقضية سرقة لفقها له عشان يساومني علي تنازله عن المحضر مقابل إنه يتجوزني، ووافقت غصب عني عشان الراجل اللي رباني وعمره ما خلاني محتاجة حاجة". 


اقتربت خطوة وعيناها تنضح بالشرر وتلوح بيدها مردفة: 


- ابنك اللي أكل ميراث أخوه ومليون في المية زَور في الأوراق، وعارف إن أنا وأخوه بنحب بعض و أتجوزني عشان يقهره مش عشان بيحبني، و انتي جاية تقولي لي حبيه! أنا بكرهه وكل يوم بكرهه أكتر وبدعي عليه، ومش هقولك غير حسبي الله و نعم الوكيل عشان معرفتيش تربي. 


لم تكن راوية قادرة على الرد، تعلم أن مريم لديها كل حق في كل كلمة، و تذكرت ما تم تداوله بين أهل الحارة و هو أن ابنها يريد الزواج من ابنة خالها عرفة، لكن وجدت أن هذا لم يؤثر في مريم سواء علمت بذلك أم لا. 


- حقك عليَّ يا مريم، ومعلش جيت أخدت من وقتك، عن إذنك. 


قالتها وغادرت خالية الوفاض، تاركة مريم في بحر من الأحزان. 


****


الفصل الخامس عشر


تجبرنا الحياة على خوض معارك نحن الطرف الأضعف فيها، ومع ذلك علينا الصمود حتى الرمق الأخير، فكيف لنا أن نحارب في معركة خاسرة مجهولة النتائج؟! 


مرت أيام معدودة وتم زواج جاسر وأمنية في حفل عائلي، فكلا والديها رافضين هذه الزيجة التي ستأتي من خلفها الخلافات والمصائب كما أخبرتها والدتها، لكن كان إصرار ابنتها عجيباً، فهي تخوض معركة وتريد أن تنتصر فيها بشتى الطرق. 


كانت مريم حينذاك تتصفح حسابها علي تطبيق التواصل الاجتماعي (الفيس بوك)، وقع أمامها اقتراح إرسال لطلب الصداقة، خفق قلبها حينما رأت الاسم بالإنجليزية وصورته داخل الشركة التي رأت إعلان لها من قبل، أخذت تتصفح حسابه وعلمت إنه شريك مالك لهذه الشركة، ضغطت على اسم الشركة وكان أزرق اللون فانفتحت الصفحة الخاصة بالشركة، في الأعلى خريطة للموقع الجغرافي وأسفله تفاصيل والعنوان، التقطت علي الفور صورة للصفحة والجزء الخاص بالعنوان. 


وصل إلي سمعها صوت زغاريد يدوي صداها في الخارج، هذا الصوت ليس بغريب عنها، فهي تعلمه جيداً، أسرعت إلي باب الشقة وقامت بفتحه لتجد جاسر يرتدي حُلة سوداء وتمسك بساعده ابنة خالها التي ترتدي ثوب زفاف أبيض، حدقت إليها أمنية بنظرة لإغاظتها وقالت: 


- معلش بقى يا مريم نسينا نعزمك على فرحي أنا وجاسر، أصل مفيش واحدة عاقلة هترضى تحضر فرح جوزها. 


لم تشعر مريم بأي مشاعر سلبية نحو ابنة خالها، بل أسعدها أنها تزوجت من الرجل الذي أحبته وتمنت أن تكون زوجة له، فابتسمت وقالت لها نقيض ما كانت تتوقعه: 


- ألف مبروك يا أمنية، أنا فرحت لك قوي.


جز جاسر على أسنانه بغيظ من ردة فعل مريم والتي تبدو أنها سعيدة بزواجه، عقبت هويدا بعدما تنفست الصعداء خوفاً أن تنشب معركة بين ابنتها وبين مريم: 


- الله يبارك فيكي يا حبيبتي، طول عمرك عاقلة ما شاء الله عليكي. 


نظرت مريم إليها وقالت: 


- تسلمي يا مرات خالي، يعلم ربنا إن أنا بعتبر أمنية زي أختي وأكتر، والنهاردة فرحت لها جدًا.


ثم حدقت في جاسر وهي مازالت تبتسم قائلة بتمني:


 - عقبال يا جاسر لما نتطلق. 


أقسمت إنها ترى نيران من الجحيم تندلع داخل عينيه، وقبل أن يقترف فعل أحمق معها أمام زوجة خالها و ابنتها قالت: 


- عن إذنكم هروح أنام، تصبحوا على خير. 


أغلقت الباب قبل أن يفتك بها جاسر أمامهم، فصب غضبه علي والدة أمنية قائلًا: 


- مش زغرطي يا حماتي ووصلتي بنتك لحد باب الشقة؟ يلا بقى انزلي لعمي عرفة تحت هتلاقيه بينادي عليكي. 


نظرت إليه بامتعاض وقالت: 


- مقبولة منك يا بني، أهم حاجة عايزاك تاخد بالك من بنتي. 


صاح الأخر بنفاذ صبر: 


- ما أنا واخد بالي منها اهو، ليه محسساني إن هاكلها، يلا بقى أتكلي علي الله.


لكزته أمنية وأخبرته بنهي: 


- اتكلم مع أمي عدل يا جاسر" 


تسحبت والدتها و هبطت علي الدرج، بينما جاسر لم يتحمل أكثر من ذلك فقبض علي عضد أمنية و دفعها أمامه: 


"قدامي يا عروسة، وأنا هوريكِ هاتكلم ازاي. 


و بعد قليل... 


كانت نافذة غرفة النوم التي تتمدد فيها مريم مقابل نافذة غرفة النوم داخل الشقة المقابلة، دوي صوت صرخة ابنة خالها وأتبعه صوت جاسر يوبخها: 


- اكتمي صوتك دا خالص. 


أدركت ما يفعله معها فوضعت الوسادة على رأسها، لا تريد سماع أي شيء أخر، تذكرت ما ستفعله غداً، ابتسمت وظلت تفكر في الرجل الوحيد الذي امتلك قلبها وإنها سوف تراه غداً برغم خوفها من ردة فعله. 


ــــــــــــــ


ترجلت من السيارة أمام مبنى الشركة وأخذت تتأمل البناء من خلف نظارتها الشمسية السوداء، دقات قلبها تخفق بقوة، عليها أن تتشبث بثباتها حتى لا تنهار أمامه، لديها يقين إنه سيلقي عليها أقسى الكلمات من لوم و عتاب. 


دخلت إلي بهو الاستقبال فوجدت فتاة استقبلتها بابتسامة وسألتها بلباقة: 


- اتفضلي يا فندم، أنا تحت أمرك. 


بادلتها مريم الابتسامة وأخبرتها: 


- أستاذ يوسف موجود؟


أومأت الفتاة إليها وقالت: 


- آه يا فندم، أقوله مين؟ 


كان يوسف في غرفة المكتب يتابع طلبات العملاء على الحاسوب ويتواصل مع الشركات التي يشتري منها المنتجات المطلوبة. 


طرقت الفتاة الباب، فقال: 


-أدخل.


دخلت إليه وقالت: 


- مستر يوسف، فيه واحدة عايزة تقابلك اسمها... 


قاطعتها مريم التي ودخلت للتو: 


- أزيك يا يوسف؟


وبعد أن خرجت الفتاة وأغلقت الباب، جلست مريم أمام المكتب، ما زالت تحتفظ بجمالها وسحرها الذي لا يليق إلا بها، أنيقة وثيابها تنم عن ذوقها الرفيع، يبدو أن شقيقه يغدق عليها بأمواله التي سلبها منه، ضاحكة ساخرة اختتمت تلك الأفكار داخل رأسه. 


خلعت النظارة الشمسية فنظر إليها بجدية وسألها: 


- يا ترى إيه سبب الزيارة يا مدام مريم. 


كانت وقع ذلك اللقب كالسكين التي اخترقت قلبها، وبدون تردد أنكرت بدفاع: 


- أنا مش مدام يا يوسف. 


أطلق زفرة غير مكترث إلى ما تخبره به، فسألها بأسلوب أكثر فظاظة: 


- أُمال تبقي إيه يا مرات أخويا. 


صاحت بنبرة على مشارف البكاء: 


- والله العظيم ما كان بإيدي، أخوك هدد خالي يطردوا من المحل وعشان يضغط عليَّ أكتر اتهمه بالسرقة و جاب شهود تبعه يشهدوا زور وكان شرطه عشان يتنازل عن المحضر إنه يكتب عليَّ. 


رفع إحدى حاجبيه بتهكم يخبرها: 


- وانتي لو كنتي لجأتي ليا وقتها ماكنتش هعرف أجيب لخالك حقه وأخلي جاسر يلزم حدوده؟ بس الظاهر الموضوع كان على هواكي. 


صرخت بنفي: 


- ورحمة ماما أبداً والله ما حصل، انت ليه مش عايز تصدقني؟ أنا بقالي شهرين في عذاب، عايشة في تهديد، كل يوم بنام والسكينة تحت مخدتي عشان لو قرب مني، أنا محافظة على نفسي يا يوسف. 


اهتز قلبه لما تفوهت به ولا يعلم ماذا يفعل، وكأنه مقيد بأغلال في قاع محيط مظلم، نهض من المقعد وذهب نحو النافذة مولياً إليها ظهره فسألها: 


- وإيه المطلوب مني أعمله ليكي؟ عايزاني أروح لأخويا أقوله عن إذنك ممكن تطلق حبيبتي عشان أتجوزها أنا! 


نهضت ووقفت خلفه وقالت: 


- أنا فعلًا كل يوم بطلب منه الطلاق فبيسبني ويمشي أو بيمد إيده عليَّ، أنا عندي استعداد أروح حالًا لأي مكتب محامي وأرفع عليه قضية طلاق، بس عايزة أعرف أنت هتسامحني ونرجع لبعض ولا لأ؟ 


التفت إليها وكان بداخله ما زال يلقي عليها اللوم، فقرر أن يختبرها بإجابة على نقيض ما يريده فأجاب: 


- لو قلت لك لأ؟ 


تراجعت خطوتين إلى الوراء وهي تحدق إليه بصدمة قائلة: 


- بقولك إيه، أنا ولاهكمل معاه ولا هرجع لك، أنا بكره اليوم اللي دخلت فيه وسطكم يا ولاد يعقوب" 


قالتها وركضت مغادرة المكان، بينما هو تسمر في مكانه حاول أن يستوعب نتيجة قوله لها وإجابتها التي جعلته يشعر بالندم، ذهب ليلحق بها منادياً: 


- مريم؟، يا مريم؟" 


انطلقت سيارة الأجرة التي كانت تنتظرها في الخارج، ظل واقفاً ينظر في إثرها و يديه خلف رأسه.


ـــــــــــــــــ


استيقظت على صوت رنين جرس المنزل، خرجت من الغرفة منهكة القوى، تشعر بدوار خفيف، كافحت هذا الشعور ولاسيما عندما رأت خالتها سعاد بعد أن فتح ابنها الباب لها. 


- أنتم لسه نايمين لحد دلوقت! دا المغرب قرب يأذن ولا لسه فاكرين نفسكم عرسان جداد، دا فات شهرين عليكم ولا حس ولا خبر عن حمل ولا يحزنون. 


أجاب حمزة بضجر: 


- فيه إيه يا أمي على المسا، انتي جاية تطمني علينا ولا تقعدي تدينا محاضرات ورمي كلام زي كل مرة؟ 


رمقته والدته بامتعاض وازدراء: 


- اخص، مراتك لحقت تغيرك من ناحية أمك، ما هو طبعًا هاتجيبه من برة؟ دي بنت راوية، أختي وأنا عارفها قوية، بتعرف تعمل اللي عايزاه وبتاخد اللي على كيفها زي زمان" 


لم يفهم ابنها ما تقصده من وراء حديثها المبهم عن شقيقتها، فقال: 


- مالها رقية بس عملت لك إيه؟ ما هي في حالها. 


وضعت سعاد يدها على خصرها وقالت: 


- ما هو المفروض تنزل تطمن على خالتها و تشوفني عايزة إيه وتيجي تساعدني، أُمال أنا جوزتك في الشقة اللي فوقي ليه؟ 


كانت رقية تقف في الرواق تستمع إلي ما تقوله خالتها مما جعل داخلها يستشيط غضبًا عندما أجاب زوجها على والدته: 


- حاضر يا أمي أول ما تصحى كل يوم هخليها تنزلك تعملك كل اللي انتي عايزاه، مرضية يا حاجة؟ 


رفعت جانب فمها بسخرية، خرجت رقية من الرواق إليهما: 


- أنت بتقرر على مزاجك ولا كأني الجارية اللي أشترتها أمك من سوق النخاسة، بقولك إيه يا خالتي أنا أتجوزت ابنك بعد ما عصرت على نفسي شوال لمون، فمش ناقصة شغل حموات بالله عليكي. 


- شوف البت قليلة الرباية اللي بترد على خالتها ولا كأني عدوتها، ماله ابني يا بنت راوية؟


عقب ابنها ويحدق لزوجته بوعيد: 


- سيبك منها يا أمي، شكلها حبت الضرب وما بتتكيفش غير لما بتاخد العلقة عشان تتظبط. 


أجابت والدته: 


- وكمان منكدة عليك حياتك يا حبيبي! مش كفاية إنك سترت عليها بدل ما كانت تبقى فضيحتها بجلاجل على كل لسان. 


اتسعت عينيها وهي تنظر إلي زوجها فتهرب من النظر إليها، فأردفت والدته: 


ما تستغربيش، ابني ما بيخبيش عني حاجة، وخدي بقى عندك أنا اللي قلت له يعمل فيكي كدا، عشان يكسرك ويكسر أبوكي، وأهو أبوكي مات بحسرته بعد ما عرف اللي حصل معاكي، بس ما يعرفش إنه غصب عنك، لا فهم إنه بمزاجك. 


وفي لحظة كانت رقية تقبض على تلابيبه صارخة به: 


- اللي بتقوله أمك دا صح؟، رد عليَّ؟ وقول إنها بتكدب عشان تغيظني، ساكت ليه؟


وعندما لم تجد منه ردًاً أو نفيًا، رفعت يدها وهوت بها على خده: 


- آه يا ابن الـ..." 


قبض على يدها وصاح كالعاصفة الهوجاء: 


- انتي كدا اتعديتي حدودك على الآخر، وربنا لهربيكي من أول وجديد. 


لم يكن لديها طاقة لتتحمل إهانة وضربًا مبرحًا فاستسلمت إلى الدوار الذي داهمها. 


أسرع حمزة بالاتصال على الطبيب وجاء لفحصها، يخشى أن يصيبها مكروهًا يودي بحياتها، ظل منتظراً الطبيب الذي يفحصها بعد أن علق لها محلول مغذي واستيقظت من الإغماء. 


خلع الطبيب السماعة فسألته سعاد بقلق: 


-هي بخير يا دكتور؟ 


نظر إليها بوجوم ثم نظر إلى حمزة وأخبره: 


- المدام بتتعرض لعنف جسدي ونفسي واضح عليها من آثار العنف اللي على جسمها ومن الصدمة النفسية اللي هي فيها. 


تدخلت سعاد حتى تبعد الاتهام عن ولدها قائلة: 


- عنف إيه بس يا دكتور؟ دي بنت أختي قبل ما تكون مرات ابني، وجوزها بيحبها، الموضوع وما فيه كانت نازلة تشتري حاجات من السوق وقعت على السلم فأغمى عليها. 


رمقها الطبيب غير مصدق فسألها باستنكار: 


آثار الضرب الموجودة على جسمها فيها القديم وفيها الجديد، هي على طول بتوقع من على السلم يا حاجة؟ 


- أصل يعني... 


لم تجد ردًا مقنعًا فقال الطبيب: 


- على العموم أنا هكتب لها على علاج تستمر عليه ومقويات عشان واضح جداً حالتها الصحية ضعيفة، ودا ما ينفعش لحالتها وغلط عليها وعلى الجنين، المدام حامل.


ــــــــــــــــ


تمكث في الغرفة منذ مجيئها، وجدت من يطرق باب الشقة، ذهبت لتفتح فوجدتها ابنة خالها: 


- هاتسيبيني واقفة على الباب كدا كتير يا مريم؟ 


أشارت إليها مريم بالدخول فدخلت وهي تتأمل الأثاث والفرش: 


- زي ما توقعت، عامل الحلو كله ليكي، وأنا بقى اللي اتجوزها عشان يغيظ بيها مراته. 


زفرت مريم بضجر فسألتها: 


- عايزة إيه يا أمنية؟ مش اتجوزتيه خلاص؟ 


التفتت إليها وأخبرتها بتعجرف: 


- اتجوزته آه، بس أنا اللي المفروض أحق بيه في كل حاجة، هو يكون ملكي أنا من غير واحدة تانية تشاركني فيه، حتى لو كانت الواحدة دي انتي. 


عقدت مريم ساعديها أمام صدرها وقالت: 


- وأنا مستغنية عنه ومش عايزاه، وروحي اسأليه بنفسك، قولي له مريم طلبت منك الطلاق كام مرة وهو هيقولك، فبلاش بقي دور اللوم والعتاب لأني ماخطفتهوش منك وعلي يدك اللي حصل. 


جزت أمنية على أسنانها بحنق وقالت: 


- ماشي يا مريم، لو انتي فعلًا صادقة خليه يطلقك، أو خلي أبويا يرفع لك قضية طلاق عليه. 


اقتربت منها ابنة عمتها ووضعت يديها على كتفيها قائلة بنبرة لكسب ودها واستعادة صداقتها من جديد: 


- من غير ما تقولي ده اللي هيحصل، وأوعدك إنها هتكون آخر ليلة ليا هنا، بس بالله عليكي سامحيني وبلاش النظرة اللي بشوفها في عينيكي، كأني غدرت بيكي.


ابتسمت إليها أخيرًا وربتت على يدها الموضوعة على كتفها وقالت: 


- أنا فعلًا كنت متضايقة منك قوي، وكنت خايفة لأكرهك بس ماقدرتش، هقولك على حاجة وتصدقيني، فرحتي امبارح كانت نقصاكي.


عانقتها مريم في الحال وربتت عليها بحنان وحب بين أخوة وأصدقاء تعاهدوا على الوفاء بينهما، لذا قررت أن تنفصل عن هذا الأحمق الذي يحاول أن يجعلها تخسر حبيبها وصديقة عمرها. 


و بعد أن ذهبت أمنية إلى منزلها، سمعت مريم صوت الباب يُفتح بالمفتاح فعلمت إنه هو، وقفت تنتظره داخل الغرفة حتى تسمعها ابنة خالها وتتأكد من صدق حديثها. 


دخل إلى الغرفة ورآها تقف وتنظر إليه ودون أي مقدمة في الحديث قالت: 


- طلقني يا جاسر. 


ابتسم بتهكم وقال: 


- قديمة شوفي لك حاجة غيرها. 


قررت استخدام لهجة أشد حدة ربما كلمات تهينه وتجرح كرامته لعله يفعل ما تريده: 


- خلي عندك كرامة وطلقني لأني عمري ما هحبك ولا هكمل معاك، ولو ما طلقتنيش بمزاجك هرفع عليك قضية طلاق ولا أقولك هخلعك. 


مرت لحظات قاطعها صرخة حادة خرجت من حنجرتها وهذا لأنه جذبها من خصلاتها وأخذ يصفعها: 


- أنا عندي كرامة مش عند أهلك، ومش هطلقك ومن هنا ورايح هعملك زي الخدامة. 


وكاد يضربها للمرة العاشرة تمكنت من دفعه عنها صارخة: 


- ابعد عني يا مجنون. 


جذبها من ذراعها قائلًا: 


- أنا فعلًا مجنون وهطلع جناني كله عليكي يا بنت الـ... " 


قامت بعضه من يده فتأوه بألم، فاستغلت تلك اللحظة وركضت إلي الباب، قامت بفتحه قبل أن يلحق بها، وجدت أمنية تحدق إليها بخوف وشفقة عليها، صرخت مريم إليها: 


- كلمي خالي بسرعة. 


أغلقت الباب خلفها وتشبثت بالمقبض حتى لا يمكنه فتح الباب، فأخبرتها أمنية: 


- اهربي يا مريم، بابا لو جه هيخليكِ ترجعي لجاسر، أبويا وأنا عارفاه، ضعيف الشخصية. 


الباب يهتز خلفها، تنظر إليه تارة وإلى ابنة خالها التي تحثها على الهرب تارة أخرى و صياح جاسر من الداخل كالوحش الكاسر جعلها تحسم قرارها فوجدت أنها لا تملك سوى الفرار. 


 الرابع عشر والخامس عشر 


 يتبع....

#ابناء_يعقوب

#ولاء_رفعت_علي


تكملة الرواية من هناااااااا 

 لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملةمن هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات

close