رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل الرابع وعشرون 24بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل الرابع وعشرون 24بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات
✧❀༺༻❀✧
رواية: ❝الـمــاســة الـمــكـســورة2💎💔
العودة (عناق الدم)❞
بقلمي: لَـيْـلَـةعَـادِلْ
✧❀༺༻❀✧
{ لا تشبههم، فالأشرار بلا مبدأ، وانتقم… لكن بميزان العقل لا بوحل الغضب. كن ظلا لا يرى، شبحا أسود يسرق الطمأنينة من عيونهم، دون أن تفقد نفسك في الطريق.}
الفصل الرابع والعشرين🤫♥️
[ بعنوان: العقل المظلم ]
نظر إليه سليم بجدية ثقيلة، وكأن الفكرة نفسها تُرهقه قبل تنفيذها، ثم قال بصوت خافت لكنه حاسم: متردد علشان الخطة دي هتحتاج إني أدخل ماسة فيها، وأنا مش عايز ادخل ماسة في أي حاجة ممكن تضرها.
قطب مكي حاجبيه، وقال بعدم فهم: يعني إيه؟ مش فاهمك؟!
تنفس سليم بعمق، ومال بجسده إلى الأمام، مفسرا بدهاء: بفكر أوصلهم للي هما عايزينه؛ إن أنا وماسة بينا مشاكل، وعلى وشك الطلاق.
توقف لحظة، ثم أكمل بصوت أثقل وأكثر دهاء: عايز نأرجع القصر، وأتعمد أطلعها قدامهم بصورة وحشة، أزعق، وأضرب، وبين إن العلاقه ما بينا وصلت للنهاية، واني رجعت زي زمان مش بتعامل غير بايدي، لحد ما تضطر تطلب منهم المساعدة.
ضيق مكي عينه بعدم استعاب، وتساءل: تطلب منهم المساعدة أزاى؟!
أجابه بلا تردد بإبتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه: إنهم يهربوها هي وأهلها..
ثم أضاف بتركيز شديد ببريق يلمع بيعينه: وساعتها، علشان يبقى في تواصل، هيدوها موبايل، الموبايل ده بقى هو مفتاح اللعبة كلها..
رفع مكي حاجبه باهتمام: أزاي؟
اجاب بنبرة واثقة وكأنه يحكم خطته: الأرقام اللي هيتواصلوا بيها مع بعض لازم تبقى معانا، لأن حتى لو هكرت كل تليفوناتهم بكرة، ولا كأنك عملت حاجه؛ لإن مش هي دي الارقام الحقيقية بيتعاملوا فيها مع بعض لما بيبقوا بيدبروا لحاجه.
تساءل مكي بقلق: وهتوصل لإيه لما تمثل أنت وماسة قدامهم انكم مش طايقين بعض.
تنفس سليم بعمق، ثم رفع عينيه نحوه، وفي صوته هدوء ثقيل يخفي تحته عاصفه ودهاء: أول حاجة هعمل لهم اللي هما عايزينه، واعرف هما عايزين يوصلوا لايه من الموضوع ده، غير الحاجات اللي فهموها لماسة، وهعرف كمان كل واحد دوره إيه في اللعبة دي، ومين عمل إيه، مين بيحركها، ومين بينفذ، ومين بيتفرج، ومين رأس الافعى..
ثم شدد صوته، هو يعود بظهره للخلف بإبتسامة شيطانيه: وأهم خطوة إن المكالمات كلها هتبقى معانا ساعتها هنسمع اللي محتاجين نسمعه، لحد ما أمسك على كل واحد فيهم شوية حاجات تنهيه.
هز مكي رأسه متسائلا باستغراب: طب ما أنت ماسك على عماد إنه متجوز سارة، ودي لوحدها كفيلة تنهيه، صافيناز هتقتله بإيدها من غير ما توسخ إيدك.
هز سليم رأسه رافضا تلك الفكرة، قال بنبرة حاسمة: مش هحرق نفسي بدري، لو عملت كده دلوقت، مش هستفيد حاجة! ورقة سارة دي هتبقى آخر ورقة ألعب بيها، بعد ما أعرف كل اللي محتاج أعرفه وأوصل لكل حاجة..
توقف لحظة ثم تابع بنبرة أعمق وأقسي: وزي ما أنت قولت، صافيناز لو عرفت اكيد هتقتله، وقتل صافيناز ليه مش هيشفي غليلي يا مكي...
رفع عينيه وفيهما نار مكبوتة، وخرجت كلماته بكرهيه: أنا مش عايز موتهم يجي بسرعة، أنا عايزهم يدوقوا من العذاب إللي أنا دوقته، وزي ما هما داسوا على نقطة ضعفي، أنا كمان هعرف أزاى أوجع كل واحد فيهم من نقطه ضعفه.
أبتسم إبتسامة خالية من أي دفء: ولما استكفي من عذابهم، يبقوا يقتلوا بعض، مش فارقلي..
استوحشت عيناه وتابع: لكن الموت دى راحه، هخليهم بيتمنوها ومش طايلنها.
صمت مكي لوهلة، كأنه يزن الخطة في عقله، شعر أن سليم على صواب؛ فحرق كل شيء دفعة واحدة لن يفيده في شيء، نعم، سيتخلصون من عماد وصافيناز، لكنهم لن يحصلوا على جميع المعلومات التي يبحثون عنها، خصوصا عن ما يخص الحادثة، تلك النقطة التي يشكون أنها المفتاح الحقيقي لكل ما يحدث.
هز رأسه، وقال مؤيدا بنبرة هادئة لكنها محسوبة: عموما، الفكرة حلوة بس لازم تتعمل بالمظبوط، علشان يصدقوا إنكم فعلا عندكم مشكلة كبيرة وإن الطلاق هيبقى حقيقي..
ثم نظر له بترقب، وتساءل: طب أنت اتفقت مع ماسة؟
أشاح بوجهه إلى الجهة الأخرى، والحزن يثقل ملامحه، حتى الآن لم يستطع مسامحتها؛ قلبه يئن وجعا لأنها لم تصارحه طوال تلك السنوات، صحيح أنها كانت محقة في خوفها، لكن ذلك لم يخفف من انزعاجه ولا من مرارة ما يشعر به.
رد سليم بجمود، ممتزج بمرارة واضحة: متكلمتش معاها من ساعة ما جينا، زعلان ومتعصب منها جدا.
تنهد مكي ومال للامام، قائلا بهدوء وعقلانية: طب بالعقل كده، أنت مستني منها تقولك أزاى بعد كل اللى عاشته دى؟
انتفض سليم بانفعال، وحدق فيه بنظرة حادة: يعني إيه هتقولي أزاي؟ أنت كمان هتعصبني؟
رفع مكي يده مشيرا لتهدئته، وصوته أصبح أهدأ: طب أهدي، أنا كمان اتضايقت، بس لما فكرت شوية وأنا برا، حسيت إنها عندها حق.
رفع سليم عينيه نحوه بضجر، ولكن مكي لم يتوقف وأكمل مفسرا بنبرة آسفة: جابوها من نقطة ضعفها يا سليم، وأنت عارف كويس، نقطة الضعف دي بتعمل إيه في أي إنسان، مهما كان جبروته.
تابع بهدوء يحمل معرفة طويلة: أنت نفسك يا سليم يا راوي، معرفتش توصل للحاجه بعد الحادثة، لأنك مش عارف تدور الا بالطريقة اللي ممكن تخليك تستخدم طرق زمان، اللي بسببها ممكن تخليك تخسر ماسة.
صمت لحظة، ثم تابع: زمان كنت بتدخل أي حاجة بقلب جامد، لأن مكانش عندك حاجة تخاف تتوجع عليها، بس بعد ما ماسة دخلت حياتك، بقيت بتحسب كل خطوة ألف مرة.
نظر له بثبات، وأضاف: فتخيل بقى ماسة وهي أصلا ضعيفة من جواها وخبرتها قليلة في الحياة، هتعمل إيه لما تتحط في نفس الموقف؟
نظر إليه سليم بصمت للحظة، وكأن الكلمات غرست في قلبه، كان يعرف معنى أن تكون للمرء نقطة ضعف، فيُضرب منها بلا رحمة، لكنه، كأي زوج، كان يتمنى أن تراه زوجته حصنا لها تستمد منه القوة لا وهنًا، ولا تسمح لأحد بأن يتجرأ عليها مثلما فعلوا.
تنفس سليم بعمق، وكأنه يحاول كبح نار مشتعلة داخله، مرّر يده على وجهه، ثم قال بصوت مثقل: أنا عارف وفاهم ده كله، بس كان نفسي تقولي، كان نفسي مراتي تكون قويه بيا ومتخافش، واللي يقولها كلمه ترد عليه ب10 ويخافوا منها ويعملوا لها حساب، كان نفسي تقولي، كنت هقدر أحميها..
صمت لوهله ثم قال: بس أنت عندك حق هما جابوها من نقطه ضعفها..
رفع عينيه قليلا، نظرة فيها مرارة واعتراف موجع:
وفعلا طلعوا أقوى بكتير ما كنت متوقع، وأنا غروري وكبريائي كانوا عاميني، وخلوني متوقعتش إنهم يوصلوا للقذارة دي...
ضغط على أسنانه، وعض شفته السفلى بعصبية وهو يهز راسه: بس هي مش قوة ولا جمدان منهم إنهم يأذوا ماسة كده لا، هما بس لعبوا لعبة مستحيل تيجي في دماغي، لعبة قذرة، اللي يدخل للست من خوفها، ويكسرها بالطريقة دي، ده واحد ضعيف مش قوي..
وقف فجأة، تحرك خطوتين في المكان ثم استدار بعينين تقدحان شررا: إنما أنا بقى هوريهم القوي بيعمل إيه، وهلاعبهم بلعبتهم وأدوقهم من نفس الكاس، بس بمعلمة..
نهض مكي توقف أمامه ونظر له بثبات، وقال وهو يربت على كتفه: هنعمل كل اللى أنت عايزه، بس إهدى على ماسة هي غصب عنها برضو..
صمت سليم لحظة، ثم أومأ برأسه ببطيء، كأنه يجبر نفسه على الهدوء.
وفجأة رفع صوته، بنبرة فيها شيء من السخرية الخفيفة: ادخلي يا ماسة، أنا شايفك من تحت عقب الباب…
كانت ماسة بالفعل واقفة، تتصنت عليهم خلف الباب، وحين استمعت لصوته ارتسمت إبتسامة واسعة على وجهها، فتحت الباب، ودخلت وهي تقول بخفه: على فكرة مسمعتش حاجة، صوتكم كان واطي.
نظر لها سليم نظرة طويلة، فيها بقايا غضب، وحب، ووجع لم يهدأ بعد، ثم قال بهدوء مقصود: طب تعالي اقعدي..
جلس على المقعد بينما جلست هي على الأريكة متشابكة الأصابع، وعيناها معلقتان بوجهه بحذر، وجلس مكي على المقعد أمام سليم.
انحنى سليم قليلا للأمام، وأسند كوعه على ركبتيه، وقال بنبرة جادة: قولي لي ايه رأيك في الخطه اللي أنا قولتها لمكي، أنا فعلا محتاج مساعدتك.
نظرت له وحاولت تصنع عدم الفهم، وقالت بمرواغه: انا مسمعتش حاجه، خطة إيه.
تنهد بضجر ونظر لها: متحوريش يا ماسة أنا عارف انك سمعتي، ايه رأيك، موافقة؟!
نظرت إليه، وقالت بتردد: أننا يعني هنمثل عليهم؟ نبان قدامهم إننا مش طايقين بعض؟
ابتسم إبتسامة خفيفة، وقال بثقة: بالظبط، وأنتِ طبعا بتحبي التمثيل، و أكتر واحدة هتعرف تلعب الدور ده.
صمتت لحظة، ثم رفعت عينيها نحوه وهي تزم شفتيها بأسف: أنا موافقة أعمل اللي إنت عايزه، والفكرة عجباني، بس مش هتنفع، في حاجة تايهة عنك.
نظر لها سليم ومكي باستغراب وهما يعقدان حاجبيهما، سألها مكي متعجبا: ليه؟ مش هتنفع؟!
شبكت أصابعها بتوتر، وقالت موضحة بإبتسامة صغيرة مترددة: علشان ببساطة، هما شافونا كذا مرة كويسين مع بعض، وقت ما كنت فاقدة الذاكرة، وفي حفلة خطوبة رشدي، ولما روحت معاه المجموعة، وفي الفرح امبارح كمان، فأزاي بقى فجأة كده هنروحلهم ونقنعهم إننا مش طايقين بعض؟
ضرب مكي بكفه على فخذه: صح! أزاي نسينا الموضوع ده؟!
لكن سليم كان له رأي آخر، ملامحه لم تتغير، وكأنه واثق تماما من الخطة التي وضعها، ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية خفيفة: هتنفع عادي جدا.
نظرت إليه ماسة باستغراب، ثم اندفعت كلماتها بقلق واضح: أزاي يا سليم؟! رشدي شافني وأنا خايفة عليك! أنا وقفت قدامه وقولتله تفتكر إيه اللي يخليني مناديش لسليم وأقوله على كل القرف اللي أنت بتعمله ده؟
صمتت لحظة، ثم أضافت بصوت أخفض: قالي هقتله، ومش هعز رصاص مسدسي عليه.
اسودت عيناه: بقي هو قالك كده، ماشي، هنبقي نشوف مين فينا اللى مش هيعز رصاص مسدسه على التانى.
نظرت إليه بارتباك وقلق: لا يا سليم أنت مش كده، أنت وعدتني مش هتعمل حاجه حرام ولا هتقتل حد تانى، وسليم مش بيخلف وعوده.
أشاح بنظره وقال بهدوء محسوب وهو يهز رأسه، كأنه يلقي حكما نهائيا: خلينا في موضوعنا، قوليلهم إنك كنتي بتمثلي، وأني كنت مهددك بأهلك، وبالمعاملة اللي هعاملهالك قصادهم اللي هتوصل أحيانا للضرب، هيصدقوا.
اتسعت عيناه بصدمة: ضرب؟!
هز رأسه بخفة: كده وكده يعني يا ماسة، مش هضربك بجد، هنظبطها سوا.
تدخل مكي وهو يفرك ذقنه بتفكير: هو الموضوع على قد ما هو حلو، بس فعلا لازم يتعمل صح.
أكمل سليم، ناظرا إلى ماسة بثبات: زي ما قولت يا ماسة، إحنا هنرجع القصر، وأنتِ تبقي هتكوني مكشرة، هما أكيد هيستنوا اللحظة اللي أكون مش موجود فيها، ويستفردوا بيكي، وقتها هنسمع كل حاجة وأنا هبقى معاكي.
تنفست بعمق، ثم قالت محاولة إخفاء قلقها بابتسامة خفيفة: أنت مش قلقان؟
نظر إليها بجدية: ماسة أنا مش بجبرك علي حاجه لو خايفه ومش عايزه خلاص، ونشوف أي حل تانى.
هزت رأسها نافيه وقالت بثقه وهي تنظر داخل عينيه بثبات وعشق: لا مش خايفه طول ما أنت معايا يا سليم، ومتأكده إنك مش هتسمح إن حد فيهم يعملي حاجه، أنا بس محتاجة أظبط الموضوع علشان أمثل صح ويقتنعوا.
ضحكت بخفة محاولة كسر حدة الأجواء: بس متقلقش عليا، هتفرج على كام مسلسل وفيلم قبلها، وهبهرك.
ضحك سليم، وهو يهز رأسه: لا، مادام هتتفرجي على مسلسلات، أنا منبهر من دلوقتي.
سألته ماسة، وقد عاد القلق يطل من عينيها: طيب وأنت ناوي تعمل إيه معاهم؟ يعني بعد ما تعرف كل حاجة؟
سكنت ملامحه فجأة، وخفتت ابتسامته، وصار صوته أثقل وهو يقول: بصي رشدي أنا خلاص عرفت هعمل فيه إيه.
توقف لحظة، كأن الفكرة تستقر داخله، ثم قال ببرود قاتل بعينين تشتعل بغل: هحرقه بمي، زي ما حرقني بيكي.
لكن صوته انخفض أكثر قائلا بشيطانيه: بس أنا مينفعش أروح لمي وإيدي فاضية، لازم أروح وأنا معايا كتير، وحقيقي مش مزور..
زفر بحدة، وهو يعض على شفتيه: مشكلتي إني مكنتش قذر زيه، ولا فكرت أمسك عليه صور وفيديوهات بكل القرف اللى كان بيعمله زمان..
صمت لحظة، ورفع عينيه بثقة مظلمة: بس عمومًا هدور في الدفاتر القديمة، وهو كده كده مش هيمشي عدل كتير، ده نجس...
ثم أضاف ببرود: أما عماد وصافيناز؟ معايا ورقة تخليهم يخلصوا على بعض..
رفعت حاجبيها بدهشة: ورقة إيه؟
رد سليم بلا تردد: عماد متجوز على صافيناز صاحبتها الانتيم.
اتسعت عينا ماسة: ينهار أبيض! أمال الحب اللي بينهم ده إيه؟
ابتسم ابتسامة جانبية باردة: تمثيل يا حبيبتي.
ثم أكمل بجدية: المهم نروح ونمثل، ونجمع كل المعلومات اللي محتاجينها، وبعدين نشوف هنعمل معاهم ايه.
قالت ماسة بصوت مكسور بطيبه: أنا مي صعبانة عليا أوي..
نظروا إليها باستغراب، كيف لها أن تقول ذلك بعد كل ما فعله رشدي معها؟ فهي تملك قلبا أبيض، لا يحتمل فكرة الانتقام من أشخاص لم يرتكبوا الذنب كاملا.
ردت على نظراتهم بسرعة، وكأنها تدافع عن نفسها: متبصوليش كده..
تنهدت بعمق موضحه بنبرة مريرة: بجد صعبانة عليا، شكلها بتحبه، وبجد حرام، متستاهلش اللي هيحصل ده..
سليم بجمود واضح: ميصعبش عليكي غالي.
هزت رأسها، ومالت نحوه وقالت برجاء يملؤه الطبيبه: لا يا سليم، بجد حرام بلاش، بلاش مي، هي ملهاش ذنب حاجة.
تدخل مكي بدهشة: أنتِ اللي بتقولي كده؟
أومأت بقوة بعينين تترقرق بالدموع موضحه بنبرة متأثر: أيوه، لأني أكتر واحدة فاهمة الإحساس ده وعارفاه كويس..
رد سليم بنبرة أبرد، كأنه يبرر لنفسه قبلهم: أنت كمان مكانش ليكي ذنب، هو اللى بدأ، وبعدين أنا مش وسخ زيه، أنا مش ههددها..
ثم أضاف موضحا بنبرة باردة: أنا بس هعرفها تاريخه الاسواد، هي بقي تسامح متسامحس مليش دعوه..
ابتلعت ريقها، وقالت بصوت موجوع: بس برضو إحساس إنك تتخذل في اللي بتحبه ده إحساس بشع..
نظرت له في عينيه مباشرة وهي تشير نحو قلبها بوجع: بيسكر القلب صدقني..
صمتت لحظة، وكانها تتذكر ما عشته من وجوع وخوف وخذلان وانكسار، وقالت بمرارة: أنا جربته وعشته..
دمعت عيناها: وبيقتل ألف مرة أكتر من أي تهديد.
تنحنح مكي وقال بواقعية قاسية: يا ماسة، لازم تفهمي الدنيا دي لازم تعيشي فيها قرش.
هز كتفيه كأنه يجعلها أن تتدرك قساوه الحياه: لو فضلتي فيها سمكة هتتاكلي..
ردت بشمئزاز وضيق: دي قوانين غابة.
رفع سليم رأسه، وصوته خرج منخفضا لكنه واقعيا وهو ينظر داخل عينيها: هي فعلا غابة، سبق قولتك كتير الدنيا مش فستان بورد مليان فراشات..
نظراته اسودت وهو يضيق: هو مرحمنيش، ولا رحمك.
مال نحوها أكثر، ونبرته تقطر غضبا: كان ممكن يوجعني من أي حتة باي طريقه تانيه..
ثم شد على كلماته بقرار لا راجع فيه: بس هو اختار يوجعني بيكي، يبقي يتحمل نتيجه اختياره، العين بالعين والسن بالسن والبادي اظلم، الموضوع منتهي عقاب رشدي هو اللى اختاره بأيده، مش ناقص بس غير إني أجمع شويه صور وفيديوهات علشان تصدق.
تبادلت معه النظرات للحظة طويلة، كانت تعرف أنه محق، لكن قلبها كان يرفض أن يظلم أحد آخر كما ظلمت هي، أرادت أن تأخذ حقها لكن بطريقة أخرى، أقل قسوة ووجعا لإنسانة بريئة لا ذنب لها، غير أن الواقع بدا كجدار مصمت، لا يترك لها خيارا ثالثا تعرف سليم جيدا لم يغير قرارة مهما حدث.
تنهدت بعمق، ثم هزت رأسها بإيجاب بطيء، ونظرت إليه بنظرة تحذير صادقة: المهم، أوعى تظلم، أو تتحول من مظلوم لظالم.
رد بهدوء مختصر، وكأنه يحسم الأمر: متقلقيش.
تنفست بعمق، ثم قالت بخفة وقد عاد الحماس لعينيها: طيب هنبدأ إمتى؟ أنا متحمسة أوي..
نظر لها بصرامة مشوبة بالقلق: مش هتدخلي القصر غير وأنتِ لايف معايا على التليفوني، أمانك أولا.
ثم أضاف: واعملي حسابك هتلبسي إسورة تتبع.
هزت رأسها بثبات: ماشي..
تابع سليم بعملية وهو يشير بيدها نحو: مكي يوم الأحد هيركب المكرفونات والكاميرات في القصر، ومن بعدها هنبدأ.
قالت ماسة باستغراب: طب ليه مش بُكره؟
تنهد موضحا: علشان بُكره مش كلهم بيروحوا المجموعة، إنما يوم الأحد هيبقوا كلهم هناك علشان اجتماع مصنع البترول الجديد فخلينا بعد بكرة، علشان يبقي القصر فاضي ومكي يقدر ينفذ بهدوء من غير ما حد يحس بحاجه.
نظر إلى مكي وقال: زي ما قولت يا مكي، يوم الأحد تنفذ في وقت الاجتماع، مش عايز خرم ابره في القصر مش متراقب، وأنا هحاول اقعدهملك في الاجتماع على قد ما أقدر.
قاطعته ماسة برجاء: طب طالما هنروح بعد بكره، ممكن بكره نروح عند ماما؟
نظر لها باستغراب، فنظرت له برجاء وقالت موضحه: لازم نروح ونفهمهم أنا ليه وديتهم هناك..
رد سليم بسرعة، بنبرة حاسمة: يا ماسة مش وقته، وبعدين أنا بُكره ناوي أروح أشوف عثمان ونقرّره..
مالت نحوه، وقالت بإصرار ورجاء: مفيهاش مشكلة يعني لما نروح لماما بدري، ولما نرجع تبقي تروح تعمل اللي أنت عايزه مع عثمان ده..
ابتسمت بحنية تحاول اقناعه وهي تمسك يده: يا سليم يا حبيبي أنا إمتى هروح لأهلي وأفهمهم وأطمنهم؟ مش إحنا أول ما مكي يزرع الميكروفونات المفروض نروح القصر عشان نمثل؟
نظرت له وكانه وتفسر له: وأنت طبعا هتحبسني زي زمان، والله أعلم هنخلص إمتى..
اوما برأسه إيجابا بصمت، فقالت بهدوء وعقلانية: طيب واللي هناك دول مش لازم يفهموا إيه اللي بيحصل، خصوصا إخواتي، أنت عارف دماغهم عاملة إزاي؟!
نظر لها طويلا، وصدى كلامها انعكس في عينيه لكنه مازال متردد.
تنهد، مكي ثم أمال رأسه موافقا وهو يشير بيده: ماسة بتتكلم صح، بُكره أنسب وقت، أنا أصلا بُكره هبدأ أشتري وأظبط موضوع المايكات مع المهندس، وأشوف كل اللي هنحتاجه بالكميات، فعلي ما أخلص تكون أنتم رجعتوا
هز سليم رأسها فورا وقال بحسم: لا، أنت هتيجي معايا..
أومأ مكي موافقا: مش مشكلة، أنا هظبط مع المهندس، وأبقى أروح أشوفه، وبعدين نطلع سوا عند عثمان..
ابتسمت ماسة فجأة، وبنبرة لعوب قالت: بقولك إيه يا سالوملوم، ما تيجي نقوم نمثل مشهد من اللي هيحصل في القصر؟
تنهد سليم بزهول، من أفعالها الطفوليه: شوفي بتقول إيه، وإحنا في إيه..
نهضت وجلست على ذراع المقعد، تميل ناحيته بعينين لامعتين: إيه المشكلة يعني؟ هو إحنا مش هنمثل؟ نجرب، ومكي يقيم.
رفع حاجبيه باستنكار: يا ماسة، بطلي لعب، إحنا في مصيبة..
ضحكت بخفة، لكن صوتها خرج صادقا: على فكرة، أنا حاسة بالمصيبة دي وعايشاها بقالي سنين..
نظرت له برجاء: اسمعني والله دي فكره حلوه لازم نجرب.
ابتسمت بمكر: خليك معايا، نجرب كده، نشوف الضرب هيبقى عامل إزاي.
أضافت بمزاح: صوتك وطريقتك! وحوار الضرب ده بالاخص، لأن أنت إيدك طرشة بصراحه.
اتسعت عيناه قال معلقا: طرشة؟! ايه اللفظ ده تدني في اللغة فظيع!
ضحكت وهي تهز كتفيها، وقالت بطريقة الاستقراطيه مازحه: خلاص إيدك بتوجع جامد، كده حلو؟
ضحك رغما عنه، وضرب كفا بكف: حاضر يا ماسة، هنمثل مع بعض في أوضتنا، براحتنا.
ثم أضاف وهو يتنهد: ممكن بقي تسبينا نركز في اللى إحنا فيه.
قرصته من خده وهي تضحك: والله إحنا هنبقي كابلز تحفة، المنتجين هيتخانقوا علينا..
ابتسم مكي، وهو ينهض: طيب، أنا هسيبكم تكملوا بورفات، وهقوم أشوف الحاجات اللى ورايا، في حاجة تانية عايزها مني يا سليم؟
نظر إليه بابتسامه، وهز برأسه: لا، تمام.
هز مكي رأسه بإيجاب، وربت على كتف سليم بدعم وغادر، بينما ماسة أمسكت يد سليم، ونظرت داخل عينيه بعشق صادق: حبيبي، أنا هعمل عشا لازم تاكل.
شدت على يده: وحياتي يا سليم، إنت من امبارح مكلتش، وأنا مستنياك وجوعت أوي.
أدار وجهه قليلا: مش قادر مليش نفس، كلي إنتِ.
اقتربت أكثر، وقالت بإصرار حنون: لا، هناكل سوا.
ثم سألت بخوف خفي وهو تمد يدها على وجهه: وحياتي، ولا أنت لسه زعلان مني؟
تنهد ونظر لها وهو يمد وجهه باسف موضحا: مش زعلان، بس واخد على خاطري.
أضاف بعتاب: مكنتش أتمنى تبقي ضعيفة ومش واثقه فيا كده بعد كل السنين دي.
خفضت رأسها: أنا آسفة.
رفع وجهها بين كفيه، صوته خرج أهدى لكنه حاسم وهو ينظر داخل عينيها: ماسة إنتي مينفعش تخافي
ثم قالها بعمق: مراتي مينفعش تخاف من حد
اقترب أكثر: لازم تستقوى بيا، وتعرف إن وراها جيش يقدر يحميها.
نبرته كانت وعدا: أوعي تخافي من حد تانى، وثقي فيا مستحيل أسمح أن حد ياذيكي او يأذي اهلك تاني.
هزت رأسها بإيجاب، وابتسامة مرتعشة عبرت دموعها: أنا بثق فيك يا سليم.
اقتربت منه، ووضعت قبلة عميقة على شفتيه، تبادلاها بحب، كأن كلا منهما يسحب من الآخر قوة ودعم.
وبعد لحظات، ابتعدت ماسة ببطء: هروح أحضر العشا.
هزّ رأسه بإيجاب، فنهضت وهي تتحرك ببطء، تتطلع إليه بنظرة دافئة، ثم مازحته: حضر نفسك للمشهد.
ابتسم لها ابتسامه صغيرة، بينما ألقت قبلة في الهواء بخفة، محاولة أن تخفف عنه ثقل قلبه، ثم استدارت ومضت.
وبقي جالسا مكانه، يراقبها وكأن قلبه هدأ قليلا،
لكن العاصفة لم تنتهِ بعد.
على اتجاه آخر، لم ينتظر مكي طويلا.
ضيق الوقت لم يكن في صالحه، وأي تأخير قد يكلفهم ما لا يحتمل، لذلك بدأ فورا بتنفيذ أولى خطواته
فوضع جميع الحراس، بلا استثناء، تحت المراقبة الدقيقة تم اختراق هواتفهم، وتتبع تحركاتهم الرقمية، وفحص حساباتهم البنكية وحسابات عائلاتهم، بحثا عن أي مال مشبوه أو أثر لا يليق بحياتهم الظاهرة.
ففي نظر مكي، الخيانة قد لا تقال لكنها دائما تترك رقما خلفها وبالطبع ذلك الامر يستغرق وقتا طويلا لذلك فكر أن يقوم بعمل اختبار لخمسه من الحراس، مستهدفا أكثرهم قوة ونفوذا، وأولئك الذين بدوا ـ ظاهريا ـ الأكثر مصداقية.
قصر الراوي 10:00مساء.
الجست هاوس
كانت نالا تجلس على الأرض تمسك التابلت بيديها الصغيرتين، وتتحدث عبر الشاشة مع لوجين وياسين، اللذين بدا أنهما في محل ملابس.
كانت الابتسامات بينهما مشرقة وبريئة، وقالت لوجين وهي تمسك فستانا بحماس: اجبلك الأحمر ولا الأصفر؟
نالا بتفكير طفولي: مش عارفة، الاتنين حلوين.
ثم ذمت شفتيها قبل أن تسمع رد لوجين: خلاص، هجبلك الاتنين، وهجيب واحد بينك ليا وليكي نفس الموديل علشان نبقي نلبسهم سوا.
نالا بفرحة واضحة: ماشي.
ياسين مبتسما: نونو حبيبتي، هقفل دلوقتي وأكلمك تاني، أوكيه؟
نالا: ماشي، باي يا جوجا.
أغلقت نالا التابلت، وفي تلك اللحظة دخلت هبة تحمل بين يديها كوب شوكولاتة ساخنة.
هبة بحماس: عملتلك الهوت شوكلت.
نالا ببراءة: ميرسي يا مامي.
جلست هبة أمامها، تتصنع الهدوء: كنتي بتكلمي مين؟
نالا وهي تعبث بالتابلت: كنت بكلم بابي وجوجا، جابتلي بلوزة صفرا وحمرا، وفستان بينك زيها نلبسه مع بعض، أنا بحبها أوي.
رفعت هبة حاجبها ببطء، ومرت الغيرة في عينيها كوميض خاطف: وانتِ ليه بتحبي لوجين؟
نالا بطفولة صافية: علشان عسولة.
صمتت هبة لحظة، كانت تعرف أن الوقت قد حان، إن أرادت إخراج نالا من القصر، فعليها أن تبدأ من هنا، من قلب الطفلة، ومن مشاعرها تجاه لوجين، وحين يعود ياسين ستكون الكراهية قد زُرعت جذورها.
هبة بنبرة هادئة تحمل خبثا ناعما: أمم، بس أنا عايزة أقولك حاجة، بلاش تحبيها أوي؛ علشان هي مش بتحبك.
نظرت اليها نالا باندهاش، وهزت رأسها باصرار: لا جوجا بتحبنى، وبتجيب لى لعب ولبس وحاجات حلوه كتير.
واصلت هبة بسم مغلف: كانت بتعمل كده علشان عايزة بابي يحبها، وتاخده منك وبس، هي بتعمل كده قدامه، لكن لو عملتي حاجة غلط هتحبسك في أوضة ضلمة،
وتكسر لعبك كلها.
اعترضت نالا بسرعة، بملامح مرتبكة: لا جوجا بتحبني يا مامي، مش هتعمل كده.
نزعت هبة التابلت من يدها بحزم خفيف: لا يا نالا، مش بتحبك، وهتعمل كده، وأنا جيت هنا عشان مخليهاش تعملك حاجة، واحميكي منها.
نالا ببراءة مترددة: بس هي بتجبلي لعب كتير.
ابتسمت هبة ابتسامة جانبية خبيثة: ما قولتلك كانت بتعمل كده علشان تضحك على بابي وتفهمه إنها بتحبك، وتاخد بابي منك زي ما أخدته مني، هي حرامية.
نظرت نالا لها بخوف خفيف: بس بابي بيحبها يا مامي، وهي طيبة خالص.
اقتربت هبة وهمست بتحذير: المهم خدي بالك، وأوعى تعملي حاجة غلط، علشان متحبسكش في أوضة ضلمة.
نالا بصوت خافت مرتعب: حاجة غلط زي إيه؟
عدت هبة على أصابعها: يعني تنامي جنب بابا زي زمان،
تخرجي معاهم، تكسري حاجة، تلعبـي بمكياجها…
ثم أضافت بابتسامة قاتمة: ساعتها هتحبسك في أوضة ضلمه، وتكسر لعبك.
ارتجف قلب نالا قليلا، بينما ابتسامة هبة باتساع، وشعرت أنها دقت أول مسمار في النعش.
تساءلت نالا بارتعاش: طب واعمل ايه يا مامي؟!
ضمتها هبة بحنو وقالت ابتسامه ماكرة: متخافيش يا روحي، أنا طول ما أنا معاكي لا يمكن أخلي حد يعملك حاجه ابدا.
صمتت قليلا ثم تابعت بمكر: بس يا نونو، عايزاكي لما بابي يكلمك تانى عيطي وقوليله إنك مش عايزه تعيشي هنا، وإنك عايزه تيجي معايا ونعيش عند نانا سامية وجدو زيدان، ماشي ؟
هز نالا رأسها بخفوت وخوف وهي داخل أحضانها: حاضر يا مامي.
ربتت هبة عليها بابتسامه منتصره وقالت: شطوره يا روحي.
فيلا سليم وماسة، 11:00 مساءً
كانت ماسة انتهت من تحضير الطعام، ثم وضعته على السفرة، ونادت سليم ليتناول العشاء.
جلس أمام الطبق، لكن يده كانت ثقيلة، يعبث بالشوكة دون شهية واضحة، لم يغب ذلك عن عيني ماسة، التي راقبته في صمت لحظة، ثم قالت بنبرة حنونة: سليم أنت لازم تاكل.
رفع عينيه إليها، ثم عاد ينظر إلى الطبق وهو يحرك الشوكة ببطء: والله يا ماسة ما قادر.
اقتربت منه أكثر، وقالت بإصرار لطيف: لا، هتقدر علشان خاطري.
نهضت من مكانها، وجلست على قدمه، وأحاطت ذراعيها برقبته، ثم نظرت إليه بدلال واضح: هناكل سوا، وهتأكلني بإيدك كمان.
أمسكت بالشوكة، وضعت قطعة جبن فيها، ثم أدخلت الشوكة بين أصابعه وهي تبتسم: اكلني.
ابتسم رغم تعبه وأطعمها فضحكت بخفة، ثم قطعت قطعة لانشون وقدمتها له بنفس الطريقة، تردد لحظة، ثم أكلها، وقال وهو يزفر بتعب: خلاص بقى، بجد مش قادر.
رفعت حاجبيها بتحدي مصطنع: هو إيه اللي مش قادر؟ هتاكل يعنى هتاكل، أنا عامله حاجات خفيفه، يلا كل بدل ما أنيمك على الأرض والجو برد.
وبإصرار ممزوج بالدلال، بدأت تطعمه؛ مرة بالتحايل، ومرة بالضحك، ومرة بنظرة دافئة لا تقاوم، حتى انتهى الطبق أخيرا.
بعدها، نهضا معا، وصعدا إلى غرفتهما، وقد خفّ عن قلبه بعض ما كان يثقله.
غرفة سليم وماسة
دخلا الغرفة معا، وفور دخولهما ذهبت ماسة لتجلب له بيجامة وقالت بابتسامة خفيفة: تعالى الأول خد حمام، أنت من الصبح مغيرتش هدومك.
رد بوجه شاحب: لا، أنا مش قادر دلوقتي، هلبس علطول وأنام.
مسحت ماسة جبينه وقالت بلهجة حازمة: وأنا قولت هتاخد حمام علشان تهدى شويه، يلا.
أمسكت يده ورافقته إلى الحمام، فتحت الصنبور وملأت البانيو بالمياه الدافئة، ثم اخذت تساعده في خلع ملابسه، ثم ساعدته في التمدد لكي يسترخي وكان مستسلما لها بشدة..
أخذت تسكب المياه على شعره وجسده بلطف، تحاول أن تخفف عنه ثقل اليوم وضعت الشامبو على شعر وأخذت تمسح على شعر وجسده بيدها برفق بعينين تحمل حبا خالصا، لكن سليم كان علقه بعيدا تمام، لم يتبادلون أي حديث.
وبعد الانتهاء، ساعدته على ارتداء ملابسه، ثم قامت بتمشيط شعره ورش عطره، كأنها أم تهتم بابنها بحب وحنان.
بعد الانتهاء قالت بمغازل: بقينا قمرات.
ثم وضعت قبله على خده.
رفع عينه عليها و تحدث أخيرا بامتنان: تسلم ايدك يا حبيبتي.
توقفت أمامه بابتسامة مرحة: بص احنا أكلنا، وأخذنا الحمام، ولبسنا، يلا نعمل بقي المشهد يا كراميل.
جلس على الفراش بابتسامة مثقلة: يا بنتي، بطلي عبط واقعدي بقي.
رفعت ماسة حاجبها باستنكار: هو إيه اللي عبط؟ لازم نتدرب بجد، مش هينفع نروح كده مرة واحدة.
رفع سليم قدمه وتمدد على الفراش، وشبك يديه خلف رأسه، وهو ينظر للأعلى: والله يا ماسة ما قادر على شقاوتك دلوقتي خالص.
نظرت له بعينين مملوءتين بالفضول والحرص، لكنه نظر لها بطرف عينه، وكأنه يترجاها ألا تثقل عليه: وحياتي بلاش النهارده، دمي مش خفيف، وممكن أعمل حاجة تزعلك.
رمشت بعينيها، شاعرة به ومتفهمة لما يمر به، لكنها في الوقت ذاته كانت تشعر بمسؤولية تجاهه، لم تكن تريد سوى أن تخفف عنه ما يثقله، ومع ذلك لم تزح ابتسامتها عن وجهها، وقالت بلطف ودلال: هسيبك ترتاح النهارده بس بكرة هنبدأ بروفات فاهم.
سليم بهدوء متعب: آه، بكرة، بس دلوقتي ننام.
ابتسمت بهدوء وذهبت لتبديل ملابسها، لكنها كانت تتابعه بعينين حذرتين، تشعر أنه لا يزال غارقا في أفكاره ونيران قلبه مازالت تشتغل داخله، بعد أن انتهت، تمددت على الفراش بجانبه، ومازال ينظر للسقف بعينين مشوشتين.
وضعت يدها على قلبه وكأنها تربت عليه: اهدى، علشان خاطري، اهدى.
نظر لها بعينين متعبتين: مش عارف يا ماسة، روحي وجعاني اوي.
رفعت جسدها واقتربت منه، ومالت بجسدها عليه، وقبلته بخفة: سلامة روحك يا حبيبي، يا احلى كراميل، سليم احنا لسه مع بعض، وده كفايه.
نظر في عينيها لوهلة، وكأنه يتوسلها بصمت، قال بحب، وعيناه وقد غامت بدموع حبيسة، وهو يضع كفه على وجنتها برفق: ماسة، أوعديني مهما حصل ومهما عملوا، تكوني قوية، وتحمي نفسك، ومتخليش حد يستغلك كده تاني.
ابتسمت وهي تهز راسها بإيجاب: وعد، مستحيل أغلط الغلطة دي تاني، بس علشان خاطري، ريح قلبك شويه، إحنا خلاص بقينا كاشفينهم.
تنهد تنهيدة طويله مريرة: مش قادر.
ابتسمت بتشجيع: لا هتقدر، سلوملوم حبيبي قوي ويقدر علي أي حاجه.
تبادلا النظرات للحظه، وشعرت أنه يحتاج إلى ما هو أعمق من الكلام، وأكبر من النظرات، وأصدق من أي طبطبة عابرة؛ شيئا يخفف عنه ثقل ما عرفه ذلك اليوم، ويسكن نارا تشتعل في صدره، راودها شعورا بأن قربهما في تلك اللحظة قد يهون عليه ولو قليلا، فاقتربت منه، ووضعت قبلة دافئة على شفتيه، قبلة امتدت في صمت حنون، لا رغبة ولا اندفاعا، بل دعما وطمأنينة.
أخذت تطيل قبلتها بحرارة، وراحت قبلاتها تهبط إلى عنقه، ثم شرعت تفتح أزرار بيجامته وهي ما تزال تقبله، ثم بدأت تمسح على صدره وجسده بيدها بحركات انثوايه لتحرك رغبته وتذيب رجولته، تريد أن تذيبهما معا في تلك اللحظة؛ ليس بدافع الرغبة أو الشهوة، بل كان هدفها أن تهدئ غضبه، وأن تطفئ ما يتأجج داخله.
لم يتجاوب معها في البداية؛ وظل متصلبا، وغارقا في ألمه، ثم شيئا فشيئا لانت ملامحه، واستسلم لذلك القرب، كأن روحه وجدت أخيرا من يحمل عنها بعض الثقل.
وبعد وقت، نرى ماسة نائمة على صدره وهو عاري الصدر ويغطيان جسدهما بالغطاء، بينما كان هو يدخن سيجارة، ويبدو عليهما أثر ملحمة من العشق.
قال سليم مبتسما بنبرة مازحة: اتعلمتي فين الكلام ده؟ إوعي تقولي شوفتيه في فيلم، علشان هديكي بظهر إيدي.
رفعت عينيها إليه بصدمة: إيه ده اشمعنا.
رد موضحا وهو يخرج دخان سيجارة: لا، ما هو ده بالذات مش هينفع أبقى كيوت معاكي، ولا تقوليلي شفتيه ف فيلم، يلا قولي اتعلمتي منين؟
ضحكت وقالت موضحه: مشوفتوش في فيلم، مش بيجيبوا الكلام ده عيب، اتعلمت منك، عملت معاك زي ما بتعمل معايا، أنا بس فكرت فيه وحسيته، علشان أنت لما بيحصل بينا ده، بتبقى مبسوط بعدها وتنسى أي توتر.
ابتسم لها، وقبلها من جبينها قائلا بحنو عاشق: أنا مبسوط عشان أنتِ معايا، وأخيرا زيحتي اللي في قلبك وقولتي
ثم تابع وهو يمرر يده على ظهرها العاري: وشاطرة أنك عملتي كدة، فعلا فرق معايا.
قالت بمزاح: طب بما إن مزاجكك راق، قوم بقي نعمل مشهد، وحياتي.
رد بهدوء وهو يمرر انامله على وجنتيها: والله خلصان دلوقتي خالص يا قطعة السكر، وعد، بكرة لما نرجع من عند مامتك العب معاكي براحتك.
قالت بلهجة مؤكّدة: أنت وعدت.
أجابها: وسليم قد وعده.
تبسمت وقبلته من خده: طب يلا ننام، اقفل السيجارة دي.
تبسم ومد يده أطفأ سيجارته، ثم ضمها بين ذراعيه، وقبلها بعضهما في خدهمها، ثم غرقا معا في سبات عميق.
فقد نجحت ماسة أن تخرج سليم من ضيقه ونيرانه، حتى لو بشكل بسيط، صباح هادئ
وعلى اتجاه آخر.
استأجر مكي عددا من الأشخاص المجهولين، لا رابط بينهم ولا ملامح تثير الشك، وحرص على أن يظهروا بمظهر مرتب وهادئ، يوحي بالثقة والمال والنفوذ، زودهم بمعلومات دقيقة عن أماكن تواجد بعض أفراد الحراسة؛ أحدهم كان يجلس في مقهى، بينما الأربعة الآخرون حصلوا على أرقامهم مباشرة، وتلقى كل واحد منهم اتصالا منفردا يطلب مقابلة خاصة في مكان محايد.
كان صبحي أول من تلقى الاتصال، لم يتجاهله، لكنه لم يطمئن له كذلك، وافق على اللقاء وهو متأهب لكل الاحتمالات، عرض عليه هناك مبلغ خيالي "خمسة ملايين دولار" مقابل معلومة واحدة فقط عن سليم أو نقطة ضعف له، لم يتردد صبحي في الرفض، بل كاد يفتك بالرجل لولا أنه فر هاربا، ليعود بعدها ويبلغ مكي بكل ما جرى، تفصيلا لا نقص فيه.
الأمر ذاته تكرر مع البقية، كل حارس تعرض لمحاولة استدراج، سواء عبر اتصال أو لقاء مباشر، لم يحتفظ أحدهم بالأمر لنفسه، الجميع دون استثناء أبلغوا مكي، حتى الحارس الذي جرى التواصل معه داخل المقهى، والذي تعامل مع الموقف بحذر شديد، وأوصل كل التفاصيل فورا.
بذلك، اعتبر مكي أن المجموعة اجتازت الاختبار الأول بنجاح، لكن هذا لم يكن سوى البداية.
بدأ على الفور بمراقبة هواتفهم، فتم تهكيرها وتفتيشها بدقة، كما خضع الرجال أنفسهم لمراجعة أمنية غير مباشرة، دون أن يشعروا بأنهم تحت المجهر، وفي الوقت نفسه، بدأ مكي بنشر إشاعة محسوبة بينهم: أن هناك خائنا داخل دائرة الحراسة، وأن الحذر واجب، وأن أي تصرف مريب يجب الإبلاغ عنه فورا.
لم يكتفِ بذلك، بل بدأ يزرع الشك بينهم ببطء مدروس، وجعل كل واحد منهم يشعر أن الآخر محل ريبة، دون اتهام صريح، فقط إشارات، ولمحات، وتلميحات كفيلة بإشعال القلق.
هكذا صار كل رجل يراقب زميله، وكل خطوة محسوبة، وكل تصرف محل تحليل.
كان الهدف واضحا: إن وُجد خائن، فسيسقط وحده، أو سيدفع غيره للسقوط معه.
ومع اقتراب اليوم التالي، كان مكي بحاجة إلى تقرير سريع، حتى وإن كان مبسطا، لم يكن مطلوبا كشف الجميع، بل تحديد ثلاثة أو خمسة على الأكثر، يمكن الوثوق بهم مؤقتا، هؤلاء فقط هم من سيبدأ سليم بالتعامل معهم في المرحلة القادمة، ريثما يتم التفرغ لكشف بقية الحراسة لاحقا، الوقت لم يسمح بأكثر من ذلك، لكن الخطة كانت قد وضعت وبدأت تؤتي ثمارها.
المالديف 12:00 ظهرا بتوقيت المالديف.
كان الصباح ساحرا؛ المياه صافية والمناظر خلابة، داخل الكوخ، كانت مي نائمة بين أحضان رشدي، وهما في ثبات عميق.
بدأ رشدي يحرك جفونه ببطء، ونظر إلى جانبه، وجدها مستغرقة في النوم، فتأملها للحظات بعشق صامت، ثم نهض متوجها إلى المرحاض، أخذ حماما سريعا، ثم خرج إلى الخارج وهو يلف منشفه حول خصره.
كانت مي لا تزال مستغرقة في نومها، فتوقف يتأمل انعكاسها في المرآة بابتسامة ترتسم على شفتيه.
في تلك اللحظة رن هاتفه، فدخل الحمام مرة أخري وأجاى: ألو، تمام، ربع ساعة وهكون عندك.
وبالفعل بدأ في تبديل ملابسه بسرعة، ثم نزل إلى بهو الفندق، التقى بشاب وأخذ منه اكيس الكوك التي يحتاجها، ثم عاد إلى الكوخ.
كانت مي قد استيقظت تتوقف في منتصف الكوخ ويبدو عليها القلق، وحين وقعت عيناه عليها قال بإبتسامة وبطريقة المعتادة: صباح الورد يا مشمشة، صحيتي امتي؟
نظرت له بقلق، وتساءلت: كنت فين؟
اجابها مبتسما: كنت بطلب فطار.
رفعت حاجبها بتعجب: ومطلبتوش بالفون ليه؟
رد موضحا: عادي، حبيت أتفرج على الشروق.
اومأت براسها: طيب.
هم رشدي بالتحرك قائلا: هدخل أخد شاور واغير هدومي، علشان ننزل البيتش.
مي متعجبة: ماشي، مش هنفطر لأول؟
رشدي باستعجال: هنفطر على البحر؟ يلا اللبسي…
أومات بالموفقة.
وبالفعل، دخل رشدي مسرعا، وهو يشعر بشيء من الشوق ينهش جسده؛ فقد مرت الليلة دون أن يأخذ جرعته، ويبدو أنه لم يعد قادرا على الصبر أكثر.
أغلق الباب خلفه وشغل الدش حتى لا يثير شكوكها، ثم فتح أحد الأكياس، ووضع كمية على يده، واستنشقها بسرعة، وسرعان ما شعر براحة مؤقتة تسري في أوصاله، كأن جسده التقط أنفاسه أخيرا.
أخرج علبة الدواء من جيب بنطاله، وألقى ما بها في الحمام وغسلها جيدا، ثم بدأ يُفرغ الأكياس في الزجاجة الخاصة بالدواء، ثم شد السيفون.
فتح الرف المخصص للأدويه، وجده فارغا، فوضع الزجاجة في الرف الاخير من الداخل، ثم أخذ يضع أمامها الشامبو، ومزيل العرق، وبعض متعلقاته الشخصية، كأن كل شيء في مكانه الطبيعي، حتي لا يلفت الانتباه.
في تلك الأثناء، كانت مي قد دخلت حماما آخر، توضأت بسرعة وخرجت تؤدي صلاتها سريعا قبل أن يشعر بها رشدي، ثم بدلت ملابسها وارتدت مايوها شرعيا.
وبعد لحظات، خرج رشدي، وقد ارتدى مايوه وتيشيرت، مستعدا للنزول إلى البحر، وكأن شيئا لم يكن.
رمقها بعينيه بإعجاب صريح، وقال بغزل دافئ: إيه الجمال ده؟
نظرت إلى نفسها بتلقائية، ثم إليه بابتسامة خجولة:
بجد؟ شكلي حلو؟
اقترب منها خطوة، وصوته صار أهدى وأكثر دفئا: قمر يا مشمش، يلا بينا.
ابتسمت، وضعت البرنيطة على رأسها، ثم تحركت معه، ويدها في يده، نحو يوم جديد على البحر.
فيلا سليم وماسة، 10 صباحا.
استيقظت ماسة مع أولى خيوط النهار، بينما كان سليم لا يزال غارقا في نومه، تحركت بحذر، ووقعت عيناها على جاكيت بيجامته الملقى علي الأرض قرب السرير، فالتقطته وارتدته، قبل أن تتجه إلى الحمام لتأخذ حماما ينعش جسدها ويصفي ذهنها.
وبعد قليل، خرجت ترتدي برنصا ، وتلغ شعرها بمنشفة، اتجهت إلي المرآه ووقفت أمامها تجفف شعرها بالاستشوار، وما إن انتهت حتى ثبتت عينيها على انعكاسها، وفكرة عابرة تسللت إلى رأسها.
قررت أن تدرب نفسها على التمثيل، وأن تختبر ردود أفعالها.
ابتسمت ابتسامة مشرقة، وبدأت تستعرض ملامح مختلفة أمام المرآة؛ مرة بالبكاء، وأخرى بالضجر، ثم انتقلت إلى الحزن، لم تتوقف، بل راحت تسخر من نفسها، تكرر المحاولات، حتى أدركت أن معظم ردود أفعالها خرجت مبالغا فيها أكثر مما ينبغي.
أثناء ذلك، بدأ سليم يتململ في نومه، مد يده إلى جواره فلم يجدها، فتح عينيه على مهل، ووقعت عيناه عليها واقفة أمام المرآة، فانعقد حاجباه باستغراب مما تفعله تلك الطفلة التي يعشقها.
ابتسم بخفوت، وجلس على السرير مسندا ظهره، وأخذ يتأملها بابتسامة صافية، لكن مع أحد ردود أفعالها المبالغ فيها، لم يستطع كبح ضحكته، فانفجر ضاحكا رغما عنه.
التفتت ماسة إليه بابتسامة: أنت صحيت؟ صباح الخير يا سلوملوم
رد بابتسامة: صباح النور، بتعملي إيه يا مجنونة، واقفة قدام المرايا بتكلمي نفسك!
ضحكت بخفة وقالت: كنت بتدرب يا سلوملوم علشان أشرفك.
ثم جلست أمامه ومررت يدها على وجنته بحنان: قوم يلا خد شاور على ما أعملك الفطار.
أومأ برأسه وهو يتمطى: ماشي.
وبالفعل، ذهب إلى الحمام لأخذ حمام سريع، بينما توجهت ماسة إلى المطبخ وأحضرت فطورا خفيفا، وضعته على صينية وصعدت به إلى الأعلى.
في الغرفة.
أنهى سليم حمامه وخرج مرتديا برنصا، ويجفف شعره بالمنشفه، وفي هذه الأثناء دخلت ماسة حاملة صينية الطعام فلما رآها، صفر بإعجاب قائلا: فطار في الأوضة كمان؟ دي إيه الدلع ده كله!
ردت بابتسامة وهي تضع الصينية على الطاولة: هو أنا لو مدلعتش الكراميل بتاعي، أَدلع مين يعني؟
ثم سحبته من يده قائلة: تعالي يلا نفطر، أنا هموت من الجوع.
ضيق عينيه بمشاكسة: مش ملاحظة إنك بقيتي تجوعي الفترة دي كتير؟ الشهية ما شاء الله!
اتسعت عيناها، وذمت شفتيها بحزن مصطنع: أخص عليك يا سليم، أنت هتعد عليا الأكل؟ دي بدل ما تقولي ألف هنا على قلبك يا حبيبتي.
وضع قطعة جبن في فمها بمداعبة: ألف هنا على قلبك يا حبيبتي.
شرعا بعد ذلك في تناول طعامهما وسط جو من الود والمشاكسات الطريفة من ماسة، التي كانت تحاول بالضحك والمرح التهوين عليه.
بعد انتهائهما من الفطور، نظرت إليه بجدية وقالت: يلا بقى ندرب على المشهد، أنت قولتلي بكره احنا بقينا بكره اهو.
هز رأسه بقلة حيلة: ندرب على إيه يا ماسة؟ الله يهديكي!
أمسكت بيده بحماس: يا سليم، صدقني لازم ندرب، علشان نبقى مقنعين، وبعدين أنا لازم أعرف هتعمل الضرب أزاي.
ثم رفعت إصبعها أمامه محذرة: والله يا سليم، لو سوقت فيها وضربت بجد أو وجعتني، لأفضحك قدامهم واخاصمك تلات أيام!
نظر لها بدهشه: أنتِ مجنونه والله، فاكره هضربك بجد؟!
اقتربت منه بجدية مصطنعة: طب قولي هتضربني أزاي؟
رفع يده ملوحا بخفة، كأنه سيصفعها، وسرعان ما سقط الألم على ملامحها بشكل مدروس، ووضعت يدها على خدها واتسعت عيناها: أنت بتضربني يا سليم؟ أنت اتجننت؟
ثم صاحت، ببكاء مصطنع ومبالغه: أنا بكرهك!
رد ببرود مفتعل: أنتِ اللى بتكرهيني؟! ده أنا مش طايقك.
هزت رأسها بسرعة: لا، زعق أكتر من كده.
قال وهو يدير وجهه بعيدا: أنا مش طايق أبص في وشك.
ابتسمت بخفة: أيوه كده حلو، شطور يا سلوملوم.
أمسكها من ذراعها مندمجا في التمثيل: يلا ادخلي جوه غوري.
ودفعها بخفة، فتأوهت وهي تضحك: أنت بتوجعنى على فكرة بالراحة!
تنهد قائلا بمزاح: لا تمثيلك ضعيف، أنتِ محتاجة تدريب جامد.
لوحت بيدها: معلش ركز معايا، كشر وشدني كده، واعمل كده بعينك، وامسكني من دراعي وزقني، بس زقة خفيفة.
نفذ ما تطلبه، فتراجعت خطوة ثم ابتسمت بحماس وطفولة: شاطر يا كراميل، كده حلو، والله أحنا دوتو يجنن.
ثم تراجعت للخلف: تعالي نبدأ المشهد من الأول علشان نحفظه.
ضحك عاليا وهو يهز رأسه بغلب وقلة حيلة: يا بنتي أنتِ مش عايزة تروحي عند مامتك؟
وضعت يدها على صدرها بإلحاح طفولي: طب نعمل المشهد ده وخلاص، وحياتي.
بدأت تقلب ملامحها فجأة، وصاحت بانفعال: أنا بكرهك، عارف يعني إيه بكرهك؟ يا أخي طلقني بقى وسيبني!
اقترب منها فجأة، وأمسكها من ذراعها بقسوة محسوبة: مش هطلقك وهسيبك كده، تتمني الموت ومتلاقيهوش مش عايز أسمع حسك، فاهمة؟
ثم دفعها بعيدا، تراجع خطوة وسأل: إيه رأيك؟
صفقت بحماس: لا، جامد! هيبقى حلو قوي بجد، إحنا لو منتج شافنا هيخطفنا نعمل فيلم عن قصة حياتنا، ابن الناس الغني اتجوز البنت الفقيرة الخدامة، وتتصارع الأحداث بوم بوم!
ضحك معلقا: بوم بوم إيه بس؟ يلا يا بوم بوم، البسي، علشان منتأخرش، النهارده يوم طويل.
اقتربت منه مبتسمة: طيب خد بوسة.
قبلته، وأخذ يبتسم على طفولتها التي تروق له دوما.
المالديف.
في الطعم.
جلسا رشدي ومي في مطعم مطل على البحر، يتناولان الفطور ويحتسيان الشاي، بينما تمتد أمامهما المياه الصافية بلا نهاية.
تساءل رشدي: ايه رايك في المكان؟
نظرت حولها بإعجابٍ صادق: تحفة بجد، حبيت المكان اوي، بس هو مفيش أماكن خروجات؟
ابتسم وهو يشير بيده نحو البحر: لأ فيه، بس هنركب قارب كده وبصراحة الجزيرة هنا جميلة، مش محتاجين نروح المدينة ولا الزحمة، خلينا هنا نعمل مرة دايفينج، نشوي، نخيم، ونبات في اليخت، سيبي نفسك بس ليا وأنا هبسطك يا مشميشواا.
مي بابتسامة مطمئنة: ماشي.
أكملا فطورهما بهدوء، ثم توجها نحو الشاطئ، وقد بدأ اليوم يعدهما بالكثير.
عند شاطئ البحر
خلع رشدي التيشرت وجلس معها على المقاعد المنفردة على الشاطئ، يتابعان الشمس، يحتسيان عصير الأناناس وظل هكذا لوقت، ومي كل بضع دقائق
تخطف نظره إليه بتردد يبدو انها تريد ان تقول شيئا لكن لا تعرف كيف، وفجاه ابتلعت ريقها ونظرت إليه، ثم قالت وهي تشير له: بقولك إيه، ما تلبس التيشرت بتاعك.
نظر لها وهو يشرب من الشاليمو، وعينه عليها: ألبس ليه؟
ضحكت وهي تهز رأسها: مش حلو كده، قاعد تستعرض عضلاتك.
رفع حاجبه بدهشة مصطنعة: يا سلام! أنا كده عندي عضلات؟ مشفتنيش زمان! ده أنا خسيت النص.
تنهد بحسرة مازحة: فكرتيني بالذي مضى، وبعدين إحنا على البحر يا مي، المطلوب مني ألبس إسدال يعني؟ عجيبة دي!
ضحكت وهي تلوح بيدها: يا سيدي مقصدش، خلاص اقعد براحتك.
وفي تلك اللحظة، مرت مجموعة الفتيات يرتدن مايوهات ذات قطعتين يظهرن أكثر مما يخفين، فنظر لهم رشدي لا إراديا…
انتبهت مي لنظراته وذمت شفتينا بضجر، وضغطت على اسنانها الاماميه، وفجأة عدلت جلستها، ومدت إيدها وضربته بقوة على صدره: اتلم!
صرخ وهو يمسح على موضع الضربة متعجبا: انت اتجننتي يا مي! إيه ده!؟
مي بغيظ: اه اتجننت وهفقعلك عينك الاتنين! لم نفسك!
رشدي متأوها: حرام عليكي، كسرتي قفصي الصدري! ايه ايدك دي، مرزبة!
رفعت حاجبها بشدة وتوقفت: ده أنا هموتك، ما تحترم نفسك شوية!
توقف أمامها باستغراب مدعيا البراءه: أنا عملت إيه؟!
نظرت إليه بغيظ: يعني مش عارف؟
اقترب منها قليلا، وصوته بقى ناعم: لا مش عارف، أنت اللى قارشه ملحتي معرفش ليه.
تساءلت بضيق: يعنى مقعدتش تبص للبنات اللى لابسين من غير هدوم بعنيك اللى عايزه تتخزق دى؟!
هز رأسه قائلا ببراءه مصطنعه: أنا يا مشمش ابص!! استغفر الله، يارب اطس في نظرهم إن كنت بصيتلهم ولا عيني لمحتهم.
ابتسمت رغما عنها، وقالت ساخرة: يا سلام.
ضحك واقترب منها قائلا: وحياة عبدالسلام، وبعدين هو أنا يعنى لقيت اللى يلبس لى من غير هدوم زيهم وقولت لا، ما أنت مقعدانى جمبك زي أختك اهو خليني ساكت.
نظرت إليه بارتباك وخجل وصاحت بضجر وهي ترفع أحدي حاجبيها: يعنى بصيت اهو!
فقال باستعباط: إيه!
زغرت له قائلة: رشدي! متستعبطش.
ضحك واقترب منها محاولا تغير الحديث: بقولك إيه يا مشمش ما تيجي ننزل الميه؟
هزت رأسها برفض: لا، أنا عايزة أفضل قاعدة كده، وبعدين أنا مش طايقاك دلوقتي.
تنهد بملل وهو يضم بكفيه كتفيها: خلاص بقى يا مي، وبعدين بقالنا ساعة ونص قاعدين، لا نزلنا ميه ولا عملنا حاجة.
قالت بهدوء هي تنظر أمام البحر بتأمل: سيبني، أنا بحب أتفرج على الميه واستجم..
ابتسم بحماس وهو يشدها: يلا يا مي ننزل.
ردت بإصرار: مش عايزة..
رفع جاجبه وكأنه ينوي على شيء: يعني مش هتنزلي؟
هزت رأسها برفض: لا انزل أنت.
قال بهدوء سابق للعاصفة: تمام.
وفجأة، ومن دون أي إنذار، حملها بين ذراعيه متجها نحو البحر، فصرخت وضربته بيديها: رشدي! نزلني!
قذقها في الماء في مكان عميق قليلا، ووقف يضحك.
بدأت مي تطوف بارتباك، تصعد وتهبط، وهي تصرخ: الحقني يا رشدي بغرق.
ضحك أكثر: بتمثلي، لامسه الأرض.
صرخت: مبعرفش اعوم الحقني!
نظر لها بجدية مفاجئة: أنتِ بتغرقي بجد؟.
قفز مسرعا وأمسكها من خصرها، فضربته على كتفه وعضته، صرخ: آه!
وقال بضجر: أقسم بالله أكتر حاجة بكرهها في حياتي حد يعضني! بس
ردت عليه بغضب: أنت اللي جزمة! حرام عليك!
قال وهو يضحك: أنتِ لو فردتي رجلك هتلمس الأرض والله
أمسك بيدها، وقال بتشجيع: امسكي في إيدي واهدي.
وقفت، واكتشفت فعلا أن الماء يصل فقط الى اعلى خصرها، نظرت له بغيظ: برضو أنا مكنتش عايزة أنزل الميه.
قال وهو يقترب منها: ده شهر عسل يا مي، يعني نستمتع.
ثم أضاف ضاحكا: وبعدين إحنا كرجالة الجواز بالنسبة لنا هو شهر العسل بس، بنبقى فيه عسل على الآخر، فالحقيني بقى قبل ما اتغير.
قالت وهي تبتسم: لا والله، ناوي تتغير يعني؟
ضحك وهو يقرب منها خطوة: شوفتي؟ أنا صريح معاكي إزاي.
وفجأة، بحركة طفولية، غرفت مي كفها من الماء ورشته عليه.
واتسعت عينيه بدهشة، ثم ضحك وقال: آه كده؟ تعالي
وردها برشة أقوى، فضحكت بصوت عالي، وبدأ الاثنان يقذفان الماء على بعضهما، ويضحكان ويلعبان كالأطفال.
كانت ضحكتها هذه المرة مختلفة؛ أخف، وأصدق؛ فخفة دم رشدي وطريقته في الهزار كسرت جزءا من الحواجز التي كانت بداخلها في ليلة أمس، فشعرت لأول مرة منذ ليلة زفافهم أنها مرتاحة، أن الجو آمن.
بعد أن تعبا، خرجا من الماء، وجلسا قليلا يلتقطان أنفاسهما، فقالت وهي تمسح الماء عن وجهها: خلاص، كفاية لعب، تعبت.
ابتسم وهو ينظر لها: ماشي يلا.
وجلسا مرة أخرى على الشاطئ، يستمتعان بالأجواء الهادئة ونسيم البحر المنعش، ثم طلب رشدي طاولة، وأخذا يلعبان معا، ويتبادلان الضحكات واللحظات الخفيفة، وقضيا وقتا ممتعا، كأن العالم كله قد توقف عند تلك اللحظة
علي اتجاه آخر في اسكتلندا
خرج ياسين ولوجين من الفندق، والهواء بارد قليلا، لكنه منعش، كانت الجبال الخضراء والضباب الخفيف يملأ المكان، والأنهار تتلألأ تحت الشمس الباهتة.
اخذ يتحركان في شوارع المدينة، تتنقل أعينهما بين المباني العالية والقديمة، وكأنهما دخلا رواية تاريخية، أو عادا إلى أساطير قديمة مليئة بالغموض والجمال، التقطا الصور في كل زاوية، ضحكاتهما تتناغم مع صوت المدينة، واخذ يتوقفا عند عربات الطعام المنتشرة، ويتذوقا الأطعمة الشعبية المختلفة بابتسامات عريضة.
ثم اخذ يتميلان بخفه، على انغام الموسيقى الاسكتلندية الشهيرة التى تعلو في الشوارع، وكأن العالم كله توقف من أجلهم للحظة، كانت الجولة في منتهى الجمال، والسعادة غمرت قلبيهما بشدة، وجعلت كل لحظة لا تنسى.
وفي نهاية الجولة، جلسا في أحد المطاعم لتناول الغداء، أمام بعضهما، يتبادلان النظرات، والضحكات، وكأن كل ما سبق مجرد إعداد للحظة هادئة من الراحة والتمتع ببعضهما.
مسكت لوجين يده وهي ترتجف من البرد: ايدك سقعه خالص، تحب نرجع الفندق.
فابتسم لها وضغط على يدها بلطف: مش مهم البرد، المهم إن أنا معاكي.
تطلعت إليه، وابتسمت بخجل: ياسين أنا جيت هنا كتير، ويمكن اكلت كل الاكلات دي، ورحت كل الاماكن دي، واتصورت كل حاجه هي هي، بس الاحساس المره دي مختلف تماما.
أمسك يدها، ووضع قبله عليها: وأنا كمان فرحان أوى، وحاسس بسعاده بقالي سنين محستش بيها، يمكن من ساعه ما خلفت بنتي.
لوجين بابتسامه حب: وانا اوعدك كل اللحظات الجايه في حياتنا هتكون سعاده وبس.
وأثناء ذلك، جاء النادل بالطعام، فأخذا يتناولان طعامهما، وقالت لوجين: الاكل ده هيعجبك اوي.
ياسين بابتسامه: أنا واثق فيكي، في زوقك.
وبعد أن تناولت طعامهما، أكمل سيرهما حتي وقفا عند جسر صغير يطل على نهر، وأخذ ياسين يلتقط لها العديد من الصور، ثم مد يده لتضع رأسها على كتفه.
ضحكت لوجين بخفة، وقالت: عارف حاسه أننا في فيلم رومانسي او في روايه من روايات اللي بحبها، الجو، والضباب، وإنت معايا والسعاده اللي احنا فيها
ضحك ياسين، وقبل جبينها برفق: بس ده حقيقي وإحنا مع بعض، مفيش رواية ولا فيلم يقدرو يخلونا أسعد من كده.
ابتسمت له، وقالت بصوت خافت مليء بالحب: أنا بحبك أوي يا ياسين.
ضمها بقوة إلى صدره: وأنا بموت فيكي.
أخذها يدور بها برفق وسعادة، كأن العالم كله توقف للحظة، والفرح يتدفق منهما بلا قيود.
ثم تقدما في الممر الحجري، وجلسا بجوار بعضهما أمام النهر، وتبادلا الحديث بحب.
سيارة سليم، 11:00 صباحا.
كانت ماسة وسليم يجلسان في المقعد الخلفي، بينما تولى مكي القيادة، لم يكن في السيارة سواهم؛ يحيط بهم صمت ثقيل يقطعه صوت الطريق فقط.
التفتت ماسة إلى سليم، وقالت باستغراب: أشمعنا المرة دي مخلي مكي اللي يسوق؟ فين السواق؟
أجابها بهدوء محسوب، وكأنه يزن كلماته: قولت نخلينا براحتنا، عشان لو حبينا نتكلم في أي حاجة محدش يسمعنا، اي حاجه هتحصل الفترة الجايو لازم تفضل بينا إحنا التلاتة وبس.
ثم نظر إلى ماسة نظرة سريعة قال: هنقعد معاهم شوية، وبعدين أنتِ هتروحي، وأنا أروح على عثمان.
تشنجت ملامحها فورا: لا أنا عايزة أجي معاك.
التفت إليها بحزم: مش هينفع.
ارتفع صوتها، وقبل أن تكمل اعتراضها، رن هاتفها، فقالت: استنى أرد على صاحبتي.
رفعت الهاتف بسرعة: ألو؟ إيه يا روحي عاملة إيه؟
صمتت لحظة، ثم اتسعت عيناها: أمتى ده؟! بكرة؟! يا نهار أبيض بكرة أزاي؟! ده دكتور مجنون! وعليه درجات؟! طيب خلاص ماشي، ابعتيلي كل حاجة على الواتس، أنا في مشوار دلوقتي مع جوزي، لما أرجع هكلمك، يلا باي.
أغلقت الهاتف ونظرت إلى سليم بوجه شاحب: تصور بكرة عندي امتحان!!
رد ببرود مقصود: وإيه المشكلة!
انفجرت متذمرة: إيه المشكلة ايه بس؟ أنا بقالى يومين مسحولة في اللى أنا فيه دي ومفتحتش كتاب، وده تقييم عليه درجات كبيرة! والدكتور دى أصلا رخم.
ثم أضافت بنبرة مزاح: حظك حلو وفلت مني يا سلوملوم، هبقي أرجع أذاكر فعلا، علشان المصييه اللى مستنياني بكره دى.
حدق فيها فجأة: وأنتِ متصورة إني هخليكي تروحي الجامعة بكرة أصلا؟
رفعت ذقنها بعناد: أيوه هروح، بقولك عندى امتحان!
قال ببرود: هبقي اكلم الدكتور يعديكي.
ضحكت بمرارة مازحه: مش كفاية عديتنى سنة كاملة، هو أنا مش مكتوبلي أكمل في الجامعة دي خالص؟! حاسة إنها نحس، مبكملش فيها شهر على بعضه! ويحصلي مصيبه.
ثم تابعت بنبرة استهجان: وبعدين أنت ايه مشكلتك دلوقتي؟ ولا حد خاطفني، ولا حد مهددك! أحنا عارفين كل حاجة خلاص، إيه اللي يمنعني أروح؟
رد ببرد وهو ينظر لها: وأنا ابررلك ليه؟! أنا مش عايزك تروحي.
اقتربت أكثر، بعينين مشتعلة: لا، حبيبي كلمة مش هبرر دي تقولها للناس التانية، مش ليا.
شد على فكه بحسم: خلصنا يا ماسة قولت مفيش مرواح في حتة، اكبري بقي وبطلي عند، واتحملي مسؤولية المصيبة اللي إحنا فيها شوية بقي.
انفجرت بعصبيه وعناد: المصيبة دى، لولا أني حكتلك عنها امبارح، مكنتش هتعرف عنها حاجة! وكنت هعيش حياتي عادي، وبعدين الحراس هيبقوا معايا، وبعد كده أصلا لما نرجع القصر مش هعرف أخرج ولا اروح إلا على الامتحانات، يعني بكرة ومش هروح تاني!
حدق فيها بحدة: هو مفيش سمعان للكلام ليه أنا عايزة افهم؟
قبل أن ترد، رفع مكي عينه في المرآة، وقال بهدوء: بصراحة يا سليم هي عندها حق، أنت لولا انك عرفت السر امبارح، كنت هتسيبها تروح.
رد سليم بضيق: بس دلوقتي بعد ما عرفت لا.
حاول مكي إقناعه: هي هي يا سليم صدقني، وبعدين أنا هبقى معاها.
سخر سليم: أنت معاها إزاي؟ أنت ناسي إنك بكرة هتروح تركب المكرفونات؟
تنفس مكي ثم قال: اه صح، خلاص عشري وراوية يبقوا معاها، خليها تروح بكرة، وبعدها نشوف الدنيا هتمشي أزاي.
أمسكت ماسة يديها معا، بنبرة رجاء صافي: آه والنبي يا سليم، وحياتي سيبني أروح.
ظل صامتا للحظة، صدره يعلو ويهبط، ثم زفر بعمق، وكأن القرار ينتزع منه انتزاعا: روحي.
ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بحماس طفولي: أنت أحلى كراميلا في الدنيا!
ثم التفتت إلى مكي وضحكت: وأنت كمان أحلى صديق في الدنيا.
مالت للأمام ناحيته قليلا، وقالت بعينين لامعتان: وعد لما نرجع هعملك أحلى كاستر، ورز بلبن، وطاجن وورق عنب بالكوارع!
ثم رفعت حاجبها بثقة: وأنا لما بعمله بيطلع خطير، حتي اسألوا.
ضحك مكي بخفة، بينما ابتسم سليم رغما عنه، لم يعرف من أين جاءه هذا الهدوء، وسط كل ما يحيط بهم من مصايب، لكنه قال بنبرة نصف مازحة: أقسم بالله محسساني إننا رايحين نلعب في المراجيح بكرة، ولا في أي إحساس بالمسؤولية!
هزت كتفيها بلا مبالاة مصطنعة: مش هقولك تاني، أنا عايشة في الحوارات دي من سنين يا حبيبي.
تنهدت بخفة: علشان كده جالي تبلد.
ثم اقتربت منه أكثر، وعلقت ذراعها بذراعه، وقالت بدلال أنثوي واضح، وهي تبتسم بخبث لطيف: وبعدين أخاف لية؟ وسالوملوم حبيبي معايا وجنبي.
ثم التفت لأمام قائلة: صح يا مكي؟
ابتسم مكي وهو يثبت عينيه على الطريق: صح.
ابتسم سليم، ثم مد يده ببطء، وأحاط ذراعيه حول ظهرها، يجذبها إليه قليلا، لم يتكلم اكتفى فقط بأن يضمها إليه، وكأن هذا العناق اعتراف صامت بأنها رغم كل الفوضى ما زالت نقطة أمانه الوحيدة.
الإسكندرية، 11:00 صباحا.
كانت آلاء تتحرك في شوارع المدينة المختلفة، لكنها لم تبتعد كثيرا عن محيط المنزل، كانت تدخل المحال الصغيرة، والبقالات، والصيدليات، تسأل عن أي فرصة عمل، فهي لم تكن تتقبل فكرة أن تعيش عالة على مصطفى، لا هي ولا والدتها، أرادت أن تعمل حتى لو لم يكن المقابل سوى مبلغا صغير، بالكاد يكفي لشراء الخبز.
وبعد بحث شاق، وجدت سوبر ماركت يوافق على تشغيلها، غمرها شعور كبير بالسعادة، وعادت إلى المنزل وقلبها أخف مما كان، لكن أثناء عودتها، تصادفت فجأة بصوت كلكس ومصطفي ينادي بأسمها.
وقفت أمام سيارته، فنزل هو الآخر ونظر لها باستغراب، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة: كويس إنك عرفتي تخرجي لوحدك وتتمشي، بس كنتي فين كده؟
عدلت حقيبتها، موضحة: لا أنا مكنتش بتمشي، كنت بدور شغل.
عقد حاجباه باستغراب: شغل إيه؟
آلاء بهدوء: شغل يا دكتور هو له معنى تاني؟
مصطفى معلقا: وشغل إيه ده بقي، وليه؟
تنهدت آلاء وهي ترفع كتفها: لقيت سوبر ماركت في آخر الشارع هشتغل فيه.
مصطفي بتنهيده: ليه يا آلاء، هو أنتِ ناقصك حاجه؟!
هزت رأسها، وردت بعزة نفس: لا يا دكتور، بس كتر خيرك لحد كده، أنا لازم انزل واشتغل واصرف على نفسي وعلى ماما.
مصطفي بنبرة معاتبه: ليه حاطه فرق ما بينا كده يا آلاء، مكنتش متوقع إنك حساسه للدرجه دى.
آلاء بخجل: مش حوار فرق والله، بس أنا كده هبقي مرتاحه أكتر، أنت كتر خيرك على اللى عملته، وإنك مقعدنا في بيتك، وكفايه المشاكل اللى سببتهالك في الشغل وكمان مع عيلتك، فمش هزود حملك بمصاريفنا كمان.
هز رأسه بقلة حيلة: طب وهتشتغلى ازاى بمنظرك ودراعك دي؟
لمست زراعها، وابتعلت غصتها وقالت: أنا متعوده على كده يا دكتور متخافش عليا هعرف اتعامل.
تنهد وقال: طب يلا على البيت يا آلاء، وشيلي حوار الشغل دى من دماغك خالص، أنتِ دلوقتي مراتي على فكرة وملزمه مني، يعنى مش بتصدق عليكي، دى حقك.
هزت رأسها بارتباك: لا يا دكتور، إحنا عارفين كويس إن اللي بينا ده مسمهوش جواز، حتى لو في نظر القانون جواز، بس احنا عارفين إنها مجرد لعبة لعبناها علشان الموقف اللى اتحطينا فيه.
هز مصطفى رأسه: صح لعبة، ولحد ما اللعبة دي تخلص أنتِ ملزمة مني، وزي ما بتقولي في نظر القانون وفي الشرع، أنتِ مراتي.
ثم تنهد بضيق وقال بنبرة تمزج بين الانزعاج والضجر: بطلي الحساسية دي بقي! وبعدين هتسيبي والدتك لوحدها إزاي؟
آلاء موضحة: عادي أنا طول عمري بسيبها.
قاطعها مصححا: بس اللي فهمته، إن عمتك والجيران كانوا بياخدوا بالهم منها وأنتِ في الشغل، هنا بقي مين هياخد باله منها؟
قالت بهدوء: هقدر أخد بالي، وهتصرف متقلقيش عليا.
زفر مصطفي باختناق، ومسح بيده على وجهه بتعب وارهاق: يا آلاء بالله عليكي أنا عندي مليون حاجة تانيه أركز فيها، وحياتي اتقلبت فجأة، فارجوكي متبقيش انتِ والمشاكل عليا.
تنهد وقال برجاء: الله يهديكي بطلي الحساسية دي، لو حاسة إنك متضايقة قوي كده، يا ستي اعتبري اللي بتاخديه مني ده سلفة، وبعدين ابقي رضيهالي لما تتعيني في الكليه وتقبضي علي قلبك اد كده.
ثم أضاف بمزاح لكسر حدة الأجواء: أنا نفسي مش هسيبك وهاجي اقولك هاتي الفلوس اللى عليكي.
اتسعت عيناها بصدمه، ورمشت بعينيها تحاول استيعاب ما يقول، فعن أي تعين يتحدث؟! شعرت بكلماته تنزل عليها بوجع شديد، وكادت دموعها تنهمر، فحلم تعينها بعد أن كان قاب قويسين أو أدني منها فجأة تبخر من بين يديها وأصبحت تراه حلم بعيد المنال.
تحمحمت تجلى حنجرتها وقالت بخفوت وابتسامه متحسرة: تعين ايه بقي، ما خلاص!
عقد حاجبيه ونظر لها باستغراب: خلاص ايه؟ مش أنتِ كنتي بتتطلعي من الأوائل السنين اللى فاتت، وخلاص دى آخر سنه!؟
هزت رأسها بمرارة: أيوه، بس أنت شايف اللي حصل، هروح أزاي؟!
ابتسم مصطفى محاولا التخفيف عنها: هتروحي زى الناس ما بتروح تحضر المحاضرات وتمتحن وتطلع من الأوائل وتتعين.
خفق قلبها بفرحه خافت من تصديقها، فتساءلت بارتجاف: أنت بتتكلم على الموضوع كأنه بسيط!
اومأ لها وتابع ببساطه: علشان هو بسيط فعلا، أنا نازل النهارده القاهره وهروح أعمل محضر واخوكي مش هيعرف يتعرضلك بعده، وبكره هروح الكليه اجيبلك محاضراتك علشان تذاكري، وكده كده احنا الفتره الجايه كنا هنسيب اسكندريه ونرجع القاهره يعنى هترجعي لحياتك عادى جدا.
ثم تنحنح، وأشار بيده بحزم لطيف: واسمعي بقي يا أستاذة آلاء، أنتِ من النهارده مفيش وقت للدلع، فيه مذاكره وتركيز وبس، علشان أنتِ لو مجبتيش الأولى السنه دى هيكون عقابك عسير معايا، وقد اعذر من أنذر، اتفقنا؟
كانت آلاء تستمع إليه وقلبها يخفق فرحا، وعيناها تلمعان بسعادة نادرة، لم تعتد يوما تلك المعاملة الهادئة الدافئة التي يغمرها بها مصطفى، فشعرت أخيرا بقيمتها وبأنها تستحق هذا الاهتمام، خاصة بعد عمر طويل عاشت معظمه بين الخوف والقلق والعذاب.
نظرت له بابتسامة وهزت رأسها بإيجاب: اتفقنا.
مصطفى بنبرة مرحة: طب تعالي بقي يا أستاذة اليسا، نتمم على اتفاقنا واعزمك علي آيس كريم يجري وراكي في الحلم من تأنيب الضمير، لو مجبتيش الأولى.
ابتسمت بخفوت، ونظرت إليه باستغراب: اليسا!
اومأ ضاحكا: ايوه اليسا، علشان مرهفة الحس زيها، بتحبي الأيس كريم ايه؟
قالت بخجل: بالشوكولاتة.
مصطفى: طيب يلا!
وبالفعل تحركا معا نحو البحر، وجلسا على المقاعد. جلب لها مصطفى الآيس كريم كما تحب.
سرايا منصور، 2:00 ظهرا.
دخل سليم وماسة السرايا، بينما توقف مكي في الحديقة ينتظر مع عشري.
بعد ترحيب ومصافحات سريعة، جلس الجميع في الهول، كان الصمت مسيطرا على الوجوه إلا من ملامح عمار، الذي لم يخفِ استياءه لحظة واحدة.
تساءل مجاهد بقلق وهو ينظر بارتباك لسليم: خير بقى يا بنتي؟ فهمينا إيه حصل.
تنفست ماسة بعمق، ثم قالت بثبات: خلاص يا بابا، أنا حكيت لسليم كل حاجة.
تنهدت سعدية براحة واضحة، وقالت وهي تهز رأسها: الحمد لله يا بنتي إنك حكيتي له أخيرا، وسمعتي الكلام، هو دى الصح واللى كان المفروض يتعمل، المهم أنت ناوي على ايه يا سليم؟
مال سليم لأمام قليلا، وقال بصوت هادئ لكن حاسم: ناوي أنا اللى اسوق اللعبه المره دى، هعمل نفسي كأني لسه معرفش حاجة، ونرجع القصر وهنمثل عليهم إننا مش طايقين بعض وإن هي عايزة تمشي، وأنا زهقت منها، ونشوف بقى هيعملوا إيه، وهنقدر نطلع منهم إيه وبعدها يبدأ الشغل.
صمت لحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية: أهم حاجه أنتم تفضلوا هنا الفتره دي، علشان كده أأمن ليكم.
هزت سعدية رأسها موافقة: ماشي يابني ربنا يقويك، أحنا معاك في أي حاجه عايزها.
ولكن الصمت لم يدم، اعتدل يوسف في جلسته، وقال معترضا بصوت خرج حادا: يعنى ايه نفضل هنا الفتره دى؟! وشغلنا وحياتنا نعمل فيهم ايه؟! وبعدين أمان من إيه؟ ومن مين؟! أنتم بتتكلموا بالألغاز كده ليه، ما تفهمونا إيه إللى بيحصل.
باقي الفصل هنا👇
باقي الفصل الرابع والعشرون (2)
وصل الحلقة (الف ) لايك عشان اكمل باقي الرواية
ولكن الصمت لم يدم، اعتدل يوسف في جلسته، وقال معترضا بصوت خرج حادا: يعنى ايه نفضل هنا الفتره دى؟! وشغلنا وحياتنا نعمل فيهم ايه؟! وبعدين أمان من إيه؟ ومن مين؟! أنتم بتتكلموا بالألغاز كده ليه، ما تفهمونا إيه إللى بيحصل.
دخل عمار على الخط، وقال: بالظبط إحنا مش تحت أمرك يا سليم بيه، تعالوا هنا نروح واقعدوا هنا نقعد؟! خطة إيه دي اللي تحبسنا بيها هنا وتمنعنا نعيش حياتنا؟
تبادل سليم نظرة سريعة مع ماسة، ثم عاد بعينيه إليهما، ونبرته لم تفقد هدوءها: ده مش حبس دي حماية ليكم، وماسة هي اللى طلبت كده.
رفعت ماسة يدها قليلا، تحاول تهدئة الجو: عمار، يوسف، علشان خاطري اتحملوا شوية بس لحد ما نشوف هنعمل إيه...
يوسف باعتراض: بس يا ماسه إحنا من حقنا نفهم إيه إللى بيحصل، مش معقول هنفضل زى الأطرش في الزفة كده؟!
تبادلت ماسة وسليم النظرات من طرف أعينهما، أومأ لها سليم برأسه إيماءة خفيفة، فهزت رأسها بإيجاب، ثم تنهدت وقالت: حاضر، أنا هفهمكم كل حاجه.
وبدأت تروي لهم كل شيء، بدايه من تهديدات رشدي لها، إلي اللحظه التي أخبرت فيها سليم بكل شيء، وعقب انتهائها انتفض عمار وصاح بغضب وغير تصديق: أنتِ بتقولى إيه يا ماسه، يعنى طول الفتره دى أنتِ متهدده واحنا كمان حياتنا مهدده وأحنا منعرفش!!
ثم أشار نحو سليم قائلا بحدة جارحه: والبيه اللى عاملنا فيها تسعين راجل في بعض، ومسيب كلابه علينا يبهدلوا فينا طول الفتره اللى فاتت دى كان فين وهما بيعملوا فيكي كده وأنتِ في بيته؟ ولا هو شاطر بس يرفع مسدساته علينا إحنا ويعمل علينا راجل وأخواته مدينه على قفاه.
نهضت سعديه بغضب وضربته على كتفه قائلة بضجر: اسكت يا قليل الأدب قطع لسانك، إيه اللي بتقوله ده؟ عيب تقول على جوز أختك كده.
في تلك اللحظة، شعر سليم بوخزة حادة في قلبه، انعكس أثرها على ملامحه، لكنه حاول إخفاءها، لم تغفل ماسة عن ذلك لحظة؛ تعرف أن كلمات عمار لمست جرحا عميقا داخله، فنهضت وصاحت به بحدة: احترم نفسك يا عمار ومتقولش على سليم كده، هو مكانش يعرف حاجه، هما ضحكوا عليا ولعبوها صح.
ضحك عمار بسخرية جارحة، وقال باستخفاف: ومقولش عليه كده ليه إن شاء الله، مش دى اللى حصل؟! أنتِ كنتي في حضنه وفي بيته، وأخواته كانوا بيدخلوا لحد أوضة نومه ويهددوكي! يبقى هو لا عرف يحافظ عليكي، ولا عرف يحمينا! ومن دلوقتي إحنا هنأمن نفسنا بنفسنا.
نهض سليم وتحرك سليم خطوة للأمام، وصوته خرج ثابتا لكنه مجروح: أنت حق يا عمار، بس مين في الدنيا ممكن يفكر إن اخواته يعملوا فيه كده، حتى لو هو عارف إن الدم اللي بيجري في ايديهم كله حقاره وخسه، بس مهما كان ذكائك خارق عمرك ما هتفكر إن أمك واخواتك اللي بتاكل معاهم عيش وملح، يوصل بيهم الجحود للدرجه دى، ويعملوا في مراتك كده!
صمت لحظه، يحاول ابتلاع غصته، وقال محاولا التماسك: بس صدقني الوضع دلوقتي مختلف، أنا دلوقتي اللى ماسك بذمام الأمور وقادر إني أضمنلكم أمانكم.
ضحكه عمار باستخفاف، وقال متعمدا التقليل منه: والنبي متفردش نفسك أوي كده، أنت لو قادر تأمن على نملة، مكانش حصل لماسة كل ده، ولا كانت حياة أبويا وأمي، وأنا، وأخويا، وأختي، اتقلبت على كف عفريت!
ثم تابع وهو ينظر أليه باحتقار وتقليل: لا وكمان عايز تاخدها ترجعها في وسطهم تانى بعد ما عملوا فيها كل دى، كده أنت راجل يعنى وبتعرف تجيب حقك!!
نهض مجاهد وتدخل بحزم: عمار خف، إيه إللى أنت بتقوله لجوز أختك دى، اتلم شويه.
رد عمار بعصبية: هي كلمة الحق دلوقتي بتزعل؟
وقفت سلوى وقالت بارتباك: مش حق يا عمار، هما فعلا ضحكوا علينا، وهددونا وفي الآخر طلعوا كدابين، والفديوهات مش حقيقية!
قالت ماسة بصوت مختنق: يا عمار بطل الجنان ده والنبي، وافهم حجم المصيبه اللى أحنا فيها بقي.
ضحك عمار ضحكة قصيرة بلا روح: المصيبة اللي أنا مش قادر أفهمها إنك أزاى قبلتي على نفسك، تفضلي على ذمته بعد اللى بيقوله دة.
التفت إليه سليم فجأة، وعقد حاجبيه: يعني إيه؟ تقصد ايه؟
اقترب عمار منه خطوة حتي وقف أمامه مباشرو، وقال استهزاء ممزوج بالازدراء: يعني لو راجل غيرك، كان يخاف على مراته! مش يتفق معاها ويرجعوا القصر
كأن ولا حاجة حصلت!
قاطعتهم ماسة بسرعة: على فكرة أنا اللي طلبت من سليم.
اتسعت عينا عمار بدهشة ممزوجه بالسخرية: أنتِ؟ أنتِ اللي طلبتي؟! وهو وافق؟ مخافش عليك؟ هو من إمتى كلام الستات بيمشي في مصايب زي دي؟
ثم تابع بنبرة لازعه: أنا أصلا مش فاهم أنتِ ازاى مأمنه على نفسك معاه بعد كل اللى حصلك، واللى عرفناه دى؟!
تدخلت سعدية بعصبية: في إيه يا واد يا عمار عامل شبه الديك الشركسي ليه وعمال تتني وتتفرد علينا؟ ما قولنا جوز أختك مكانش يعرف حاجة!
رد عمار بحدة: ده سبب ادعي يخلينا منثقش فيه!
فضل عامل نفسه الجامد، وفي الآخر طلع واخد على قفاه!
في تلك اللحظة، هوي مجاهد بيده علي وجه عمار بصفعة قوية شقت أجواء المكان، دون إنذار.
تجمد الجميع في أماكنهم، صدمة لم يتوقعها أحد، وكأن الزمن توقف لثواني ثقيلة.
وضع عمار يده على خده، و اتسعت عيناه بذهول، وقال بصوت مخنوق: أنت بتضربني يا بابا علشانه؟!
صرخ مجاهد، وصدره يعلو ويهبط بغضب مكبوت: أيوه هضربك وأكسر عظمك كمان! علشان أنت مش محترم!ولا عامل حساب لحد؟!
كانت كلماته كالسياط، لا تقل ألما عن الصفعة نفسها، بينما ظل عمار واقفا، يحدق فيه، عاجزا عن الرد تتصارع في داخله الصدمة والغيظ معا.
صاح عمار بحرقه: وأنا قولت ايه يعنى لكل دى، مش هي دى الحقيقة، رد يا أستاذ سليم! واحد غيرك بدل ما يقولها اخدك ارجعك وسطهم تانى كان فرغ رصاص مسدسه في دماغهم واحد واحد، ولا أنت مبتعرفش تطلع مسدساتك إلا علي الغلابة وبس؟
صرخت فيه سعدية: بس يا واد بقي اتلم، كفاية!
تحرك سليم للأمام ونظر داخل عينه، وقال بصوت هادئ لكن قاتل: أنا قادر اعمل فيهم كده فعلا يا عمار، قادر اجيب مسدسي وافرغه فيهم واحد واحد، بس هل ده هيجيب حقكم؟
هز رأسه: لا، القتل سهل وبيريح، لكن إنك تعيش الانسان في وجع وهو مش عارف الضربة جاية له منين هو ده اللي صعب، وهو ده اللي أنا ناوي اعمله معاهم، لأن زي ما قولت أنا شاكك إنهم ممكن يكونوا ورا الحادثه اللى حصلتلنا، بس محتاج اتأكد.
نظر إليه من أعلى إلى أسفل، ثم أطلق ضحكة قصيرة ساخرة، مليئة بالاستهزاء، وقال ببرود جارح: هو ده بقى الكلام؟ اللي بتضحك بيه عليها؟ وبتحاول بيه تبرر ضعفك قدامها؟ بعد ما داسوك برجاليهم زي الصرصار؟
اقترب خطوة، ونبرته ازدادت احتقارا: الكلام ده يخيل علي ماسة، مش عليا، وقعاد هنا، مش قاعد.
ساد صمت ثقيل للحظة، كانت كفيلة بأن تجعل الإهانة أعمق من أي ضربة.
تقدمت ماسه وتساءلت باختناق، وعيناها تترقرق بالدموع من شعورها بالضغط: والله العظيم حرام عليك اللى بتعمله دى، يعنى مش قاعد هنا ؟
رفع رأسه قائلا بجمود: يعنى أنا مليش دعوة بأهله، وكل القرف بتاعه دى، أنا مش هوقف حياتي علشانه، وهنزل حالا القاهره اشوف ورايا ايه ومش قاعد هنا ثانيه كمان.
صاحت سعدية: بطل جنان يا عمار!
تنفس بعنف ثم قال موجها كلامه لماسة: اما أنت يا ماسه مش قدامك غير حل واحد.
سألته وهي ترتعش: اللي هو إيه بقي؟
قال ببرود قاتل: تختاري، يا أحنا يا هو!
نظرت إليه بصدمه وعينان دامعتان، وخرجت الكلمات من شفتيها بصعوبه: يعنى ايه؟!
عمار بجمود: يعني تطلقي ونرجع نعيش حياتنا الطبيعيه من غير خوف ومشاكل وحراس بنتحامي فيهم، وسبيه هو بقي يحلها مع أهله، إن شالله يولعوا في بعض.
صرخت سعدية: اسكت! كتك داهية!
لكن عمار لم يسمع أحدا: جوزك ده رفع مسدسه عليا قبل كده، وأهله هددوكي بينا، وضربوا بابا بالعربية
وكان ممكن يموت، وحطوا سم لسلوى، ووقفوا قناص ليا وليوسف ولأمي، ولسه لحد دلوقتي بيهددوكي!
اقترب خطوة: إحنا مش هنعيش تحت رحمتهم، هو معرفش يحميكي، ولا يأمنك في بيته، يبقى العيشة معاه ملهاش لازمة، يا إحنا يا هو.
نظر إليها بتحذير قاسي، ورفع إصبعه قائلا: بس خدى بالك قبل ما تختاري، لو اختارتيه تاني، يبقي تنسي إن ليكي أخ أسمه عمار.
صرخ مجاهد: عماااار كفاية!!
تدخل يوسف حين شعر أن عمار بالغ في الأمر كثيرا: مش للدرجه دى يا عمار، أهدى، دى برضو ماسه.
رد عمار بعناد: لا مش ههدي، أنا كمان متهدد! واللى حصل لأبوك وأمك وحصلها مش شوية.
قالت سعدية: إحنا قابلين، ملكش دعوة.
نظر إلى ماسة، وقال وهو يركز النظر في عينيها: قولتي ايه يا ماسه، يا أنا يا سليم.
انفجرت ماسة في البكاء:حرام عليك ارحمني، ايه اللي بتقوله ده!
قال سليم بهدوء موجوع: عمار أهدي بس، وحاول تبطل اندفاع، وخلينا نتكلم بهدوء.
قاطعه عمار بجمود: أنا قولت اللي عندي، يا أنا يا أنت!!
شعر سليم بغصة قاتلة تعتصر قلبه، ذلك الاختيار كان أقسى من أي رصاصة عرفها يوما؛ فهو يعرف تماما قيمة عمار وعائلتها بالنسبة لها، فهم يمثلون لها الحياه.
تردد القرار في صدره كطبل حرب؛ قلبه يدق بعنف، وأنفاسه تتسارع حتى كادت تفضحه، ورغم ذلك، أجبر نفسه على الثبات من الداخل، منتظرا ردها بخوف..
أما ماسة، مسحت دموعها بسرعة مرتعشة، محاولة استعادة سيطرتها قبل أن تنهار أمامهم جميعا، ثم دون تفكير ودون كلمة واحدة تراجعت خطوة إلى الخلف وشبكت أصابعها في يد سليم بقوة، فنظر إليها وتلاقت عيناهما، بنظرة قالت كل ما عجزت الكلمات عن قوله.
شدت ماسه على يده، ورفعت رأسها، وعيناها لا تزالان تلمعان بالدمع، وقالت بصوت لا يحتمل النقاش: يبقى سليم يا عمار.
وما إن استقر قرارها في أذنيه، حتى خفق قلب سليم بسعادة جارفة، شعر بالأمان يتسلل إلى صدره لأول مرة منذ بدأ هذا الكابوس، وكأن ثقل العالم انزاح عن كتفيه فجأة.
أدرك في تلك اللحظة أن حبهما لم يهتز ولم تكسره المخاوف، ولم تضعفه الاختيارات القاسية، بل ازداد صلابة لأنهما اختارا بعضهما، مهما كان الثمن.
لكن الحزن وخزه في اللحظة نفسها؛ لأنه أدرك أنها اضطرت للاختيار، وهو يعرف جيدا ثمن هذا القرار عليها.
تجمد عمار في مكانه، ثم قال ببرود صادم: تمام، أنتِ اللى اختارتي، وأنا من اللحظه دى لا أنتِ أختي ولا أعرفك.
قال عمار كلماته والتفت مغادرا بخطوات سريعه غاضبه، ركض سليم خلفه، وهو ينادى: يا عمار استنى بس!
لكن عمار لم يلتفت اليه، واندفع إلى الخارج بعصبية، ويوسف كان هو الآخر يركض خلفه وهو يحاول أن يوقفه
يوسف: يا عمار، استنى ميصحش اللى بعمله دى.
توقف عمار فجأة، واستدار بعينين مشتعلة: خلاص هي اختارت.
اقترب سليم خطوة، وتساءل: طب أنت رايح فين؟
عمار بحدة: أنت بالذات ملكش دعوة، سامع؟ محدش يجي ورايا سامعين، خليكم معاه.
قال كلماته وأكمل تحركه للخارج، هم يوسف بالتحرّك خلفه، لكن سليم أمسك ذراعه: سيبه.
يوسف بقلق: اسيبه ازاي يعني؟
سليم بهدوء: متقلقيش عليه؟
رفع هاتفه واجري اتصال بمكي: عمار هيخرج دلوقتي، روح وراه أنت وكام واحد من الحراس وشوف هيوصل لفين، وخدوا بالكم منه كويس ميغيبش عن عينكم لحظة.
هزّ مكي رأسه بإيجاب واغلق هاتفه، وتحرك خلف عمار مسرعا ومعه اثنان من الحراس.
داخل السرايا
اقتربت سعدية من سليم وتساءلت بقلق: سليم هو عمار كده في خطر؟
هز رأسه يطميئنها: لا، متقلقيش.
اقتربت ماسة، أمسكت بذراعه وعيناها دامعتان: أنا عايزة أمشي.
نظر إليها، شعر بوجعها: حاضر.
تدخلت سلوى بتوتر: طب وهنعمل إيه؟ ماسة إحنا مش هينفع نفضل هنا فعلا، لازم نشوف حل تاني.
ماسة بتعب: سلوى أرجوكي بلاش ضغط، أنا مش ناقصه ارحموني.
سلوى بتوضيح: يا ماسة إحنا عندنا حياتنا؛ امتحانات وشغل، مش هينفع نفضل محبوسين هنا، وبعدين هيعرفوا منين إنك حكيتي أصلا، بالعكس اختفائنا دى ممكن يشككهم أكتر.
ماسة بغضب: افرضي عملوا حاجة، اخاطر بيكم ليه؟! مش قادرين تتحملوا شويه!!
يوسف بهدوء: مش كدة بس، مش هينفع ننحبس هنا فعلا، طب نروح ونيجي.
زفرت ماسة بضجر: يييوه.
شعر سليم بالضغط الواقع عليها، فتدخل بهدوء: ماسة بتثقي فيا.
نظرت إليه طويلا، ثم هزت رأسها بإيجاب، فقال بحنو وهو يربت على ظهرها: خلاص، سيبي الموضوع عليا.
ثم التفت موجها حديثه للجميع: ممكن بس يا جماعه تستحملوا وتستنوا يومين؟ أكون ظبطت الأمور.
اومأت سلوى: ماشي معاك لحد آخر الأسبوع، أكتر من كده مش هقدر.
تساءل مجاهد بقلق: طب وعمار؟
سليم باطمئنان: متقلقش هيكون تحت عيني.
تمتمت سعدية بغيظ: أخص عليك يا عمار، والله دى ما تربيتي ابدا!
شدت ماسة يد سليم بوجع، فما فعله عمار مازال يثقل قلبها بشدة: يلا بينا.
اوما سليم: طيب عند إذنكم يا جماعة.
وبالفعل تحركا نحو الخارج، وعندما اقترب من السيارة، نظر لماسة بلطف ومسح على شعرها: عشقي، ادخلي استنيني في العربية لحد ما أتكلم مع عشري.
هزت رأسها بإيجاب ودخلت.
عشري: خير يا ملك؟
سليم موضحا: عرفان هيبعت رجالة هما دلوقت جايين في الطريق، أمن معاهم، وبعد ما تخلص معاهم أرجع القاهرة علشان تكون مع ماسة بكره، فاهم؟
اومأ برأسه: تمام يا ملك.
رفع سليم هاتفه واتصل بمكي قال: مكي انت ورا عمار.
جاه صوت مكي من الطرف الآخر: اها.
سليم منتبها: خليك ورا، سيبه براحته، بس ركب جاهز تتبع في العربية اللي معاه، وخلي وراه حراسة، أنا راجع القاهرة دلوقتي، هروح ماسه واطلع على المخزن عند عثمان خلص مع عمار وتعالى على هناك.
مكي بايجاز: تمام.
صعد سليم إلى السيارة وهو يقول لعشري: خد بالك.
هز عشري رأسه بثقة: متقلقش يا ملك.
تحركت السيارة، وماسة تحدق أمامها، وعينيها تمتلئ بالدموع وقلبها يؤلمها، لا تزال غير قادرة على استيعاب ما فعله بها عمار، وضغط عائلتها الذي أثقل قلبها.
مسح سليم علي كتفها برقة، كأنه يذيب كل توترها بلمسة بسيطة: قطعة سكر أنتِ كويسة؟
نظرت له، والحزن يكسو وجهها: أمم، بس متوقعتش إن عمار يعمل كده.
ابتسم سليم بهدوء محاولا تهدئتها: كلام، مجرد كلام لحظة عصبية صدقيني.
قالت برجاء: خد بالك منه وحياتي، خلي الحراس يركزوا كويس.
سليم مبتسما: متقلقيش.
اقترب منها، أخذها بين أحضانه، وقبل يدها برقة، مستندا برأسه إلى رأسها ظل هكذا للحظات ثم قال: عارفة، خوفت؟ متختارنيش.
نظرت له بعينين مشبعتين بالقلق والثقة المترددة: مش بتثق فيا ولا ايه؟!
أجابها وهو يؤمي برأسه: بثق طبعا، بس عارف إن أهلك…
قاطعتها بابتسامة: متكملش، أنتِ متعرفيش قيمتك عندي يا سليم.
ابتسم بحب: لا عرفت خلاص.
ثم وضع قبلة طويلة على جبينها، وضمها إليه بحب صامت، بينما أسندت هي رأسها على كتفه، كأنها وجدت فيه الأمان الذي فقدته في كل شيء حولها.
المالديف، 5:00 مساءً بتوقيت المالديف
في أحد المطاعم.
كان المطعم مفتوحا على البحر مباشرة، طاولات خشبية بسيطة، شموع صغيرة تتحرك نيرانها مع النسيم، وصوت الموج ينساب كأنه جزء من الموسيقى الهادئة التي تعكس روح المكان السماء صافية، والنجوم متناثرة كحبات لؤلؤ، والجو يحمل دفئا مريحا لا يمل.
كانت مي تجلس أمامه، عيناها لا تستقران، تدوران حول المكان بانبهار صادق.
مالت قليلا للأمام وقالت وهي تبتسم: المكان حلو أوي يا رشدي بجد، بصراحة متوقعتش إنك تجيبني حتة زي دي، قولت هتوديني مكان مطرقع كده.
ضحك بخفة، وهو يعدل جلسته: لا ما هو أنا عارف إنك ملكيش في الطرقعة،فقولت نيجي مكان على مزاجك.
نظرت له بشيء من الفضول: هو أنت أصلا عارف المكان؟ ولا أول مرة تيجي؟
قال بثقة هادئة: لا، جيت هنا كذا مرة، المكان ده بتاعنا، ملكنا.
اتسعت عيناها بدهشة حقيقية: بجد؟
هز رأسه مبتسما: أيوه، إحنا لينا سلسلة فنادق في أماكن كتير في العالم.
قالت وهي تنظر حولها مرة أخرى: طب حلو، المكان جميل اوى بجد، وذوقه رايق، عجبني.
وصل الطعام، وضعه الجرسون ورحل، وكان السمك هو الطبق الرئيسي.
نظر رشدي إلى طبقها ثم رفع حاجبه مازحا: ها؟ تحبي انضفلك السمك زي المرة اللي فاتت؟ ولا اتعلمتي؟
ضحكت بخفة: لا متعلمتش، تعالى علمني.
ابتسم، ونهض من مكانه وجلس بجانبها، قرب الطبق وبدأ يشرح لها بهدوء كيف تقطع السمكة، بحركات واثقة وبسيطة، وكانت هي تتابعه بانتباه حقيقي، بعد أن انتهى، علقت وهي تضحك: برغم جنونك بس ابن ناس برضو.
ضحك عاليا وقال: في شوية قواعد كده ماشي عليهم، يعني مشطحتش اوي.
نظرت إليه نظرة طويلة ثم قالت بصدق: اقولك لك على حاجة؟ برغم جنانك وتمردك ده، أنت بتعجبني أكتر واحد في إخواتك.
رفع حاجبه متفاجئا: أنت بتقولي كده بس علشان أنا جوزك.
هزت رأسها نافية: لا والله، بكلمك جد، أنا بحب فيك إنك عايشها ببساطة، من غير قناعات ولا تزييف، آه جنانك ساعات بيزيد بس في نفس الوقت مقبول وحلو.
مد يده، أمسك يدها برفق، ووضع قبلة خفيفة عليها، وقال بنبرة دافئة: والله مفيش غيرك إنت اللي حلو يا حلو.
ضحكت برقه، فقال رشدي بمداعبة: امتي بقي والأربع أيام دول يعدو..
نظرت له باستغراب: أربع أيام ايه؟
ابتسم ابتسامة جانبية ذات معنى: اللى احنا فيهم اخوات، ومن بعدهم مفيش مهرب.
احمر وجهها قليلا، وفهمت قصده، فأدارت وجهها بعيدا بارتباك، قائلة: أقسم بالله أنت قليل الأدب.
ضحك وقال وهو يميل ناحيتها: بس بتحبيني.
نظرت له بتهديد مصطنع: طب يلا كل وأنت ساكت، علشان مقلبش عليك، واوريك محمود.
ضحك، وبدأ يتناول طعامه، بينما كانت الأمواج تواصل عزفها الهادئ، والنجوم تشهد على بداية ألفة لم تكن مخططة لكنها كانت حقيقية.
❤️_______________بقلمي_ليلةعادل
الإسكندرية، 4:00 عصراً.
منزل مصطفي
كان مصطفى يجلس مع عائشة ونبيلة وإيهاب، يتبادلون الحديث في جو يغلفه القلق.
تساءل إيهاب بقلق: يعني أنتِ خلاص هتستلم الورق وتسافر؟
اومأ مصطفي براسه موضحا: أيوه، عايز أخلص، وأحط النقط على الحروف، وأرجع سمعة آلاء.
تنهدت نبيلة وهي تشبك يديها: : ربنا يستر طريقك يا ابني.
نظر إليه إيهاب متسائلا: طب أنت كده غيرت رأيك بخصوص قعدتنا في القاهرة؟
هز مصطفي رأسه موضحا: لا لا، هنروح عادي، بس لما أخلص من موضوع أخو آلاء الأول.
نبيلة بقلق: طب ما تخلي أخوك يروح معاك؟
اشاره مصطفى بيدة: لا، خليه هنا.
شدت نبيلة على كلماتها: لحسن أخوها دى يعمل فيك حاجة وأنت لوحدك.
مصطفى بثبات: مش هيعمل حاجه متخافيش، ولو حصل، هعمل محضر علطول.
إيهاب بقوة: عموما، لو حصل أي حاجة كلمني ابعتلك ناس لحد ما أجيلك.
ابتسم مصطفى ابتسامة خفيفة، ثم قال بلهجة رجاء: إن شاء الله خير متخافوش، المهم خدوا بالكم من آلاء، ويا ماما علشان خاطري اهدي على البت شويه.
رفعت نبيلة حاجبها بضيق: في إيه يا مصطفى؟ حد قالك إني أمنا الغولة؟
مصطفى بنبرة مازحة: لا بس مش عارف مالك يا بلبلة الفترة دي، بقيتي صعبة.
نبيلة بصدق: أنا بس خايفة عليك، بس متقلقش سافر يا ابني، وربنا معاك.
في تلك اللحظة، طرق الباب، فنهض إيهاب وفتحه، فوجد محمد يقف عند العتبة، فقال مرحبا: حموز تعال عاش من شافك
دخل محمد قائلا: السلام عليكم.
ما إن رآه مصطفى حتى تجهمت ملامحه، ونهض قائلا بجمود: طب أنا هقوم أجهز؛ علشان ألحق أسافر.
اقترب محمد منه خطوة: استنى يا مصطفي نتكلم.
مصطفى بحدة: لا معلش مش فاضي، سلام.
قال كلماته وخرج مسرعا، واغلق الباب خلفه، فساد الصمت للحظة، وشعر الجميع أن هناك شيئا ثقيلا انكسر في الهواء.
شد محمد فكه بضيق، فنظر إليه إيهاب وتساءل بقلق: انتم متخانقين ولا ايه؟ تعالي احكيلي إيه إللى حصل.
اومأ محمد برأسة وجلس يروي لهم ما حدث، ومع كل كلمة، كانت ملامح الاستياء ترتسم على الوجوه.
محمد بتبرير: أنا عارف إني غلطان ومكانش ينفع اكلمه كده على النقطه دى بالذات لانه حساس ليها، بس والله ما كنت أقصد، أنا كنت متعصب من تصرفاته علشان بيدخل نفسه في مشاكل على الفاضي.
وضعت نبيلة يدها على صدرها بأسف: أنا اللي غلطانة عشان كلمتك واشتكتلك، وخليتك تعمل اللي عملته.
عائشة بحدة: هو ده مبرر؟ علشان تقول على مصطفى الكلام ده.
خفض محمد رأسه قليلا: أنا آسف والله، بس اعمل إيه؟ مصطفى دايمًا بيدخل نفسه في مشاكل مش قدها، أنا اتصلت بالمستشفى، وسمعت كلام زعلني عليه، وعلى اللي بناه طول سنين، سمعته بجد بقت وحشه.
لم يعرفوا ماذا يقولون، ربما كان في بعض ما قاله حق، لكن الطريقة والكلمات التي اختارها كانت قاسية أكثر مما تحتمل.
إلا أن عائشة لم تكن مثلهم عقلها كان يسير في اتجاه آخر، رمقته من أعلى إلى أسفل بنظرة باردة، شعرت أن قلبه غليظ، وأن اعتذاره لا يشبه الندم بقدر ما يشبه التبرير.
تابع محمد موضحا بنبرة تحمل في طياتها الندم: أنا من امبارح بحاول أكلمه، ومش بيرد، فجيت علشان أعتذر له، أنا ميهنش عليا اسيبه زعلان مني، أنا عارف اني غلطان.
قال إيهاب بهدوء يطمئنه: اصبر عليه شوية، لحد ما يهدى، وكلمه تاني مصطفى قلبه طيب.
تنهدت نبيلة بأسف: بس أنت غلطت لما فتحت موضوع زمان يا محمد.
أجابها بصوت خافت: والله ما كان قصدي، أنا بس خايف عليه.
رد إيهاب بعقلانية: حصل خير، دلوقتي هو محتاجنا جنبه أكتر من أي وقت تاني، مش محتاج حد يقف ضده لحد ما يخرج من الأزمة اللي هو فيها.
هز محمد رأسه موافقا: عندك حق.
ثم التفت إلى عائشة قائلا بابتسامة: عاملة إيه يا شوشو؟
أجابت بهدوء: تمام، هقوم أعمل حاجة نشربها.
ودخلت إلى الداخل، لكنها لم تتجه لإعداد مشروب، بل انسحبت هربا من الحديث معه، فما فعله مع مصطفى جعلها تدرك أشياء كثيرة، أشياء شعرت أنها لم تعد تحتمل التأجيل، وأن عليها أن تتخذ بشأنها قرارا حاسما.
❤️_______________بقلمي_ليلةعادل
المخزن، 7:00 مساءً.
أصوات صراخ حادة تمزق المكان، صوت رجل يصيح بالألم، يتداخل معه صوت ضرب عنيف يملأ المخزن.
ومع الاقتراب، يتضح المشهد: نرى عثمان مقيدا إلى عمود حديدي، يداه مرفوعتان إلى أعلى ومشدودتان بقيود قاسية تزيد من ألمه، وجسده مغطى بالكدمات الزرقاء، وجهه متورم، وآثار الضرب المبرح واضحة على كل شبر فيه.
كان مكي ينهال عليه بالضرب بلا رحمة، وهو يصرخ فيه ويمسكه من ياقة قميصه: انطق كنت بتعمل إيه مع عماد؟!
لكن عثمان، رغم الألم، ظل ثابتا على كذبته، يهز رأسه بعناد: معملتش حاجة، والله ماعملت حاجة!
ثم صاح بأعلى صوته باستنجاد: فين سليم؟! أنا عايز سليم، فين سليم؟!
في تلك اللحظه، دخل سليم بهيبة باردة، وتوقف أمامه مباشرة، نظر إليه بهدوء قاتل، وابتسامة أبرد من الجليد ارتسمت على شفتيه: أنا جيتلك أهو يا عثمان.
رفع عثمان رأسه بصعوبة، يلهث، وصوته يرتجف: أنت .. أنت بتعمل فيا كده ليه؟
ثم تابع بانكسار مصطنع: أنا عثمان يا سليم، الراجل بتاعك المخلص، انت أكتر واحد أنا بحبك أزاى.
اقترب قليلا وهو يبكي بتمثيل: دى أنا فديتك بحياتي مرتين، معقوله تشك فيا؟!
كان سليم يستمع إليه بصمت، وعينيه متسعتين بدهشة ممزوجة بالاشمئزاز من كذبه، وهو يمرر أصابعه على لحيته ببطء مريب، ثم قال ببرود قاتل: وايه كمان؟
شعر عثمان أن سليم عاد لشخصيته القديمة؛ فهو يعرف تلك النظرة جيدا، لكنه أبى أن يعترف، وقرر أن يواصل التمثيل ربما يقنعه: سليم بيه، أنت مش مصدقني؟ أنا مستحيل أخونك.
ضحك سليم ضحكة عالية، رنانة، لكنها مليئة بالسخرية وقال بنبرة خافضه باردة: عثمان أنت لسه فيك نفس تكذب وتمثل؟
هز عثمان رأسه بعناد: أنا مبكدبش أنا..
وقبل أن يكمل، نزلت لكمة سليم على وجهه بقسوة، أدارت رأسه جانبا..
قال سليم بصوت منخفض مخيف بعينين غامت بسواد خطر: أكتر حاجة بكرهها الكذب والتحوير، هات من الآخر يا عثمان..
ثم أضاف وهو يحدق في عينيه: عملت كده ليه؟ خونتي ليه؟
رد عثمان وهو ينظر داخل عينه بحسم: أنا مخونتكش، والله قابلته بالصدفة!
تساءل مكي باستهجان: والتليفونات اللي لقيناها معاك؟
نظر له عثمان وأجاب بنبرة مستفزة: تليفونات شخصية عادية!
هز سليم رأسه ببطء، كأنه يحاول كبح غضبه المتصاعد، ثم اقترب منه فجأة، وأمسك وجه بين كفيه بقسوة، حتى اختلطت أنفاسهما، وحدق داخل عينيه مباشرة كأنه يمنحه الفرصة الأخيرة.
كانت نظرته حادة، مشتعلة بشرر ما قبل العاصفة، وقال بنبرة هادئة، لكنها محملة بكل ما هو أخطر من الغضب: عثمان أنت وقعت خلاص، صدقني الحقيقة هتنجيك مش من الموت بس من العذاب، ليه مصمم تحميه؟
ثم صرخ بنبرة موجوعة: خنتني ليييييه يا عثمان؟
قال عثمان بثبات: مخنتكش.
ارتسمت على شفتي سليم ابتسامة خفيفة لا تشبه الضحك في شيء، ابعد يديه من على وجهه، وهو يهز رأسه وكأنه حسم أمره، ثم ابتعد خطوات للخلف وقال: طيب أنت مسيبتليش حل غير الحل ده.
وفجأة أشار بيده، فدخل أحد الحراس، ومعه امرأة وولدان في سن المراهقة، وفتاة صغيرة، مكبلين ويضعون ملصق على فمهم ويبكون.
اتسعت عينا عثمان، وصرخ بجنون وتوسل: لااا! عيالي! مراتي، لا يا سليم أبوس إيدك!
اقترب منه سليم وقال ببرود قاتل: ليه لا؟ هي مراتك أحسن من مراتي؟ لما هربتها وهي بالمنظر دي في نص الليل، وقفت قدامي وقولتلي أنا معرفش حاجة، وسبتيني ست شهور عايش متعذب، كان عادي!!
ابتلع عثمان ريقه بارتباك، وقال بصوت مهتز: أنا معملتش كده، النور كان قاطع وقتها ومشوفتهاش.
ابتسم سليم ابتسامة باردة، وفجأة انقلبت ملامحه، واقترب منه، ووجه له لكمة قوية وهو يقول بحدة: قولتلك مبحبش الكذب، ماسة حكتلى كل حاجه واتعرفت على صورتك.
تهدج صوت عثمان: أنا أنا عملت كده عشان خوفت عليها، بس.
ضحك سليم ضحكة قصيرة خالية من أي رحمة: يا حنين!
اقترب أكثر وأضاف بقسوة: وسيبتني ست شهور متعذب علشان خايف عليها؟ طب ومخوفتش عليها وأنت بتهربها بالمنظر دى في نص الليل من غير حتى ما تسترها.
ثم صرخ: خونتني ليه يا عثمان؟! كنت بتعمل إيه مع عماد؟
هز رأسه متمسكا بادعاؤه الواهي: قولتلك شوفته صدفه والله شوفته صدفه.
تنفس سليم ببطء، ثم قال بنبرة أخطر من الصراخ: طيب، مادام أنت مصمم، انا هعرف انطق..
وأشار برأسه إشارة خفية، فتقدم أحد الحراس وأخرج المسدس وأشهره على رأس زوجه عثمان وأولاده، فدوى صوت صراخهم المكتوم من خلف الملصق الذي على فمهم.
فصرخ عثمان بذعر وتوسل: سليم بيه ابوس رجلك، متدخلش مراتي في الموضوع! لو عندك حساب صفيه معايا أنا متصفيهوش مع مراتي ولا ولادي أبوس ايدك! هما ملهمش ذنب.
اقترب سليم منه، وصوته خرج هادئا لكنه قاتل: يا سلام؟ وأنت لما صفيت حسابك مع مراتي كان ليها ذنب؟
توقف لحظة ثم قال: ليه أنت كمان محاسبتنيش أنا؟ ليه دخلت ماسة في الموضوع؟
اقترب أكثر، وصرخ: انطق كنت بتعمل إيه مع عماد.
ثم أضاف بتهديد: وإلا وحياة ربنا وحياة ربنا لأحسرك عليهم قدام عينك دلوقتي، وأنت عارف كويس سليم اللي أنتم صحيتوا شخصيته القديمة ممكن يعمل إيه.
اقترب منه سليم وتساءل بوجهه مظلم: انطق، كنت عايز تاذي ماسة ليه؟!
رفع عثمان عينيه فجأة، وانفجر كل ما كان يخفيه، من الغل، والكره، والحقد دفعة واحدة، وهو يقول بصوت مبحوح، مشحون بالسم: أنا لو بإيدي ابعد ماسة عنك علشان بس أحرق قلبك عليها وأشوفك متعذب هعملها، لو بأيدي امسك قلبك ده وأحطه بين إيديا وافتته؟ هعملها ومش هتردد لحظة...
توقف ثواني، ثم أكمل بضحكة مريضة: زمان كنت غبي لما اتفقت على خطفها مع محمود وعماد، وزعلت اوي إن محمود مقتلهاش، ولما سقطت كنت بتمنى تموت، بس للأسف محمود طلع خرع ومعرفش يموتها، وكل مره مكانتش بتموت وكانت بسبع ترواح وبتفضل عايشه.
اقترب برأسه للأمام رغم القيود: بس لما شوفت دموعك، وشوفت قد إيه أنت منهار ومتعذب بعد ما هربت، عرفت إن أنا كنت حاسبها غلط، موتها كان رحمة ليك، على الأقل كنت هتبقى عارف قبرها فين، وتروح تعيط هناك..
ضحك بسخرية قاتلة: إنما إنها تعيش معاك في حضنك، وهي متعذبة، وأنت متعذب، ومش عارف تديها أمان، بتنام مغمض عين وفاتح عين، كده أنا آخد حقي أكتر وأكتر...
خفض صوته، كأنه يتلذذ بالاعتراف: أنا كنت بعيش أسعد لحظات حياتي يا سليم، وأنا شايفك متعذب وهي بعيدة عنك.
ثم قال ببرود صادم: ولعلمك بقى أنا اللي حرقت الفيديوهات، وأنا اللي كنت عارف من أول لحظة إنها مسافرة فين ومع مين، شوفتها وهي بتركب عربية مصطفى، وشلت كل حاجة علشان متوصلهاش..
تابع بلا توقف: جبت رقم العربية، وعرفت مكانها، وكل مرة تحاول توصل، أنا اللي كنت بقضي على أي خيط، وأنا اللي كنت ببلغ العلايلي والصياد وكل أعدائكم بمواعيد التوزيع، وخط سير الشحنات، وأماكن الحراس، وعددهم، وقوتهم، وسلاحهم.
رفع ذقنه بتحدي: يعني لو بإيدي أحرق قلبك أنت وأبوك وأمك؟ مش هتأخر لحظة..
وقف سليم مذهولا، بؤبؤ عينيه متسع، أنفاسه ثقلت، لا يفهم من أين جاء كل هذا الكره!! فهو لم يفعل له شيئا ومع ذلك، كان هذا الجحيم كله ينتظره.
تابع عثمان، وقد ازدادت نبرته وقاحة: ولما أخدت رصاصتين مكانك؟عملت كده علشان أكسب ثقتك،
علشان أبقى من الحراس اللي معلهمش العين، أصلي عارف إن ثقتك مش سهلة، حتى لما حصل هجوم محمود.
ثم قال ببرود مروع: أنا متضربتش بالرصاص، أنا اللي ضربت الرصاصة لنفسي وقتلت نجاتي، نجاتي معملش حاجة أنا اللي سلمته، أصل كان لازم خروف أضحي بيه علشان المسلسل يتصدق.
تابع بنبره اكثر غلا بكراهيه تخرج من عينه دون ندم: ولو رجع بيا الزمن هعمل كده ثاني والثالث وألف.
ظل سليم ينظر إليه طويلا، كأنه يحاول استيعاب حجم ذلك الغل والكراهية!! كان الذهول يقيد ملامحه، والكلمات تخرج من فمه بصعوبة: إيه كل الكره ده؟
سكت لحظة، ثم أعادها بصوت مبحوح: ليه كل الكره ده؟ كل ده شايله في قلبك ليا، ليه؟! أنا عملتلك ايه لكل دى؟! بلاش أنا، ماسه مالها بكل الغل دى؟!
وفجأة انقض عليه كوحش أفلت من قيوده، وبدأ ينهال عليه باللكمات بكلتا يديه، يضربه بعنف أعمى، وهو يصرخ في وجهه: ليه عملت كده؟! ليه عملت كل ده؟! ليه كل الكره ده يا حقير؟! يا ابن الكلب! ليه؟! كل السنين دي بتخوني وأنا معرفش.
حاول الحراس التدخل، تجمعوا حول سليم، يشدونه بعيدا عنه قبل أن يفتك به.
كان يدفعهم بعنف، ويضرب بقدميه، وعينيه تقدحان جنونا، كأنه وحش مفترس فقد السيطرة.
دخل مكي بينهم، ممسكا بسليم بكل قوته: خلاص يا سليم! هيموت في إيدك!
صرخ سليم وهو يحاول الإفلات: يموت في ستين داهيه!
احكم قبضته على سليم يحول بينه وبين عثمان: مش قبل ما نعرف منه اللى عايزين نعرفه.
ثم التفت بوجهه لعثمان صارخا: عملت كده ليه يا عثمان؟! انطق بدل ما أقسم بالله وأفرغ رصاص مسدسي في دماغك حالا قدام عيالك، عمل معاك ايه سليم لكل دى يا كلب؟ وماسة ذنبها إيه؟! عملت كده ليه؟!
كان عثمان يلهث، صدره يعلو ويهبط، وقال بصوت متقطع: علشان ادوقه من نفس الكاس، واعيشه نفس العذاب اللي أنا عيشته.
نظر له سليم ومكي باستغراب، فأضاف وهو يضحك بمرارة: عملت في مراتك زى اللى عملته في جميله، هي أه ملهاش ذنب، بس جميلة كمان مكانش ليها ذنب علشان تعمل فيها اللى عملته!
تجمد سليم في مكانه، ونظر إليه بذهول: جميلة؟ جميلة مين؟!
رفع عثمان رأسه بصعوبة، ونظر إليه بنظرة حاقدة تحترق بالكراهية وقال وهو يلهث: جميلة! لحقت تنساها؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة سخرية موجعة، وقال بمرارة: جميلة اللي أنتم قتلتوها بعد ما اغتصبتها بدم بارد وسافرت.
اقترب صوته من الانكسار، وعيناه تلمعان بالدموع: إيه؟ نسيت؟
هز رأسه ببطء: بس ذنبك ميتنسيش.
ارتعشت نبرته، وخرج الوجع دفعة واحدة: أنا كنت هتجوزها، كانت هاخدها وابعد
ثم صرخ، كأن قلبه ينتزع: بس أنت قتلتها! قتلتها بعد ما أخدت شرفها بالغصب كأنها ولا حاجة! بتدوسوا علينا عادي، علشان إنتم كبار، فاكرين نفسكم فوق كل البشر.
رفع رأسه بتحد: بس أنا وريتك إنك ولا حاجة، فضلت سنين بضحك عليك ومستغفلك، وخد بالك أنت مجبتنيش هنا ولا خليتني أتكلم، غير لما استخدمت حيلك الجبانة زيك..
تدخل مكي بصوت متماسك: كنت تعرف جميلة منين؟
نظر إليه عثمان، وصوته هادئ لأول مرة: كنت بحبها وهتجوزها، بس صاحبك اغتصبها وقتلها.
سرح سليم لثواني، كأن المشهد كله مر أمام عينيه،
ثم فجأة، ضحك، ضحكة قصيرة جافة، وقال ببرود مستفز: كل ده عملته علشان جميلة؟
اقترب خطوة، وقال بنبرة ثابتة: بس أنا مغتصبتهاش، هي عملت كده معايا بمزاجها، تقدر تقول كانت بتدور على صيده تقيله.
صرخ عثمان بانفعال: كداب!
رفع سليم حاجبه باستخفاف: وهكدب عليك ليه! هخاف منك!!
ثم قال بوضوح قاتل: هي اللي جتلي بمزاجها لحد اوضة نومي.
ابتسم بسخرية: ضحكت عليك يا مغفل..
وأشار إليه بإصبعه: وأنت صدقتها يا غبي، هي اللي جتلي لحد عندي وسلمتني نفسها بمزاجها، والهانم هي اللي طردتها تاني يوم، وأنا أصلا مكنتش موجود وقتها.
اقترب أكثر وهمس: حتى قتلها كان بسبب غبائها، ومعرفتش إلا بعدها.
((فلاش باك…))
قبل خمسة عشر عاما.
💕_______________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي – غرف الخدم، 2:00 بعد منتصف الليل.
كانت جميلة تقف أمام المرآة، تلك الفتاة التي رأيناها من قبل، تصفف شعرها الطويل بعناية، وتضع مساحيق التجميل بجرأة، أحمر ناري يعلو شفتيها، وكحل داكن يحيط بعينيها، يمنحهما نظرة جريئة لا تخلو من الطموح.
كانت ترتدي قميص نوم خفيفا، تلف فوقه روبا وتتركه مفتوحا قليلا.
خلفها جلست فتاة أخرى، قريبة من عمرها، تراقبها بقلق واضح، وقالت بنبرة خائفة بعدم رضا: والله العظيم اللي أنتِ بتعمليه ده هيوديكي في ستين داهية.
التفتت اليها جميلة، وهي تمسك أحمر الشفاه بين أصابعها بثقة ساخرة: هيوديني في ستين داهية ليه بس؟
ردت عليها بتهكم: علشان اللي في دماغك ده مش هيحصل.
ثم اشارت بيديها وكانها توقظها من حلم كبير: سليم بيه، يخرب بيتك!
ثم أضافت بسرعة: طب ما تشوفي رشدي؟ ده حتى بيروح مع أي واحدة!
ابتسمت جميلة نصف ابتسامة، وهي تضع الروج بدقة: ما هو عشان بيروح مع أي واحدة ملوش لازمة يا ماما.
ضحكت بسخرية وتابعت بنظره بها طمع: وبعدين ده مهزأة البيت، ولو حصل بيني وبينه أي حاجة، أول ما أمه ولا ابوه يشخط فيه، هيعملها على روحه ويقولي أمك في العش ولا طارت.
وتابعت بعينين تلمع بالمكر والدهاء: إنما سليم بيعرف يقول لأ، وبعدين أنا بسمع الباشا دايما يقول إنه هو اللي هيبقى الكبير.
تنهدت الفتاة بسخرية: وأنتِ فاكرة لما يبقى الكبير هيفكر يتجوزك؟
هزت رأسها بأسى: يابنتي عيشي عيشة أهلك، عمره ما هيبصلك.
ثم همست: آخرك تبقي من حريمه.
زفرت جميلة وهي تغلق صباع الروج، وجلست امامها ثم قالت بهدوء مريب، كأنها تحدث نفسها: أنتِ متعرفيش أنا ناوية أعمل إيه، وحياتك لهخليه يتجوزني..
نظرت لها تلك الفتاة نظره مستنكره غير راضيه، فردت جميلة على تلك النظرة وهي تقول بثقه غريبه: أنتِ مش هتصدقي غير لما تلاقي نفسك شغالة عندي.
ترددت الفتاة، ثم سألت: طب وعثمان؟ هتعملي معاه إيه؟
نهضت جميلة، وارتدت عباءتها بإهمال: عثمان؟
ابتسمت بسخرية خفيفة: أبويا وأمي موافقين عليه، شايفينه أمله، معرفش على ايه؟
ضحكت باستهزاء: ال ايه؟ حارس وبياخد قرش كويس، بس في الآخر اسمه حارس.
نهضت تلك الفتاه واقتربت منها، وضربت على كتفها بخفة، صوتها يرجف بقلق: يا جميلة فوقي، اللي إنتِ ماشيه فيه ده طريق خطر، انا خايفه عليكي، انت بس اللي هتداسي.
ابتسمت جميلة ابتسامة واسعة، مملوءة بالغرور: متخافيش عليا يا غادة.
اقتربت منها أكثر: بكرة هبقى ست البيت ده كله.
ثم غمزت لها: بس متخافيش يا بنت هنفضل اصحاب، وهخليكي المساعدة بتاعتي، وهخلي سليم يجوزك لمكي صاحبه.
ثم التفتت نحو الباب وهي تقول بلهجة آمرة: يلا، اخفي بقى، روحي نامي..
فتحت الباب وأضافت: أنا هطلع بره أستناه.
خرجت جميلة من الغرفة بخطوات واثقة، دون أن تلتفت خلفها.
بينما ظلت صديقتها واقفة مكانها، تنظر إلى الباب المغلق بقلق ينهش صدرها، ثم ضربت كفّا بكف، وهمست بخوف حقيقي: ربنا يسترها عليكي يا جميلة…
ابتلعت ريقها وأضافت بصوت مرتعش: أنتِ بترمي نفسك في النار والله.
وساد صمت ثقيل، كأن الغرفة نفسها كانت تشهد على ما سيأتي.
بعد ساعه
كانت جميلة متوقفه امام نافذة مطله على الحديقة تنظر سليم وهي ترتدي عبايا سوداء وترمي طرحه على شعرها تظهر أكثر مما تخفي.
بعد قليل، جاءت سيارته وتوقفت أمام القصر، فارتسمت على شفتيها إبتسامة واسعه وتحركت لاستقباله.
وبعد لحظات ترجل سليم من السيارة، ودخل القصر، وفور دخوله اقتربت منه مسرعة لتنفيذ خطتها: سليم بيه…
رفع عينيه نحوها وقال بصوت متعب: جميلة!
كان يبدو عليه أثر الشراب، فقالت بدلال: حمد الله على السلامة يا سليم بيه، أعملك حاجة؟
هز رأسه وهو يتحرك: متشكر.
تحرك وبدأ يصعد السلم، لكنه كاد أن يتعثر، فركضت نحوه وأمسكته بسرعة: تعالي، أوصلك.
كانت نظرتها تحمل شيئا غامضا، ساعدته حتى وصل إلى غرفته، وأجلسته على الفراش.
قال سليم بفتور: متشكر يا جميلة.
ولكنها جلست إلى جواره، وراحت تمسح على كفه المستند إلى الفراش، وقالت بنبرة مملوءة بدلال مقصود: متشكرتنيش يا سليم بيه، إنت متعرفش غلاوتك عندى ولا ايه، دى أنت غالي عليا أوى.
نظر بطرف عينه على يدها ثم نظر لها وتبسم بخفة:
عارف…
ثم أنتبه لما ترتدي وعلق: بس أنتِ لابسة كده ليه؟
أجابته بدلال مثير: كنت مستنياك علشان أستقبلك، أنت متعرفش غلاوتك عندي، ده انا بحبك اوي والله يا سليم بيه، وبزعل اوي لما بتسافر، ما تاخدني معاك
تبسم متعجبا: أخدك معايا فين؟
قالت وهي تمرر أصابع يدها على عنقه، بنظرات حارة تحاول بها أن تذيب صلابته: أمريكا، علشان اخد بالي منك، هو انت متعرفش غلاوتك عندى؟
اقترب أكثر وقال بنبرة واهنة: ما قولتلك عارفاها.
ابتسمت إبتسامة صغيرة لكنها انثوايه لعوب، تبادل النظرات للحظه، واقتربت منه وطبعت قبله عميقه علي شفتيه، وأخذا يتبادلها للحظه.
ثم ابتعدت عنه بطريقه تشعل النيران به أكثر، ثم نهضت وخلعت العباءة بطريقة مثيرة، كاشفة عن ثوب نوم عاري
قال سليم بمغازله: أوووه ده احنا طلعنا جامدين.
ابتسمت وهي تميل عليه بانوثه وتلقي عليه العبايه: أنت لسه شوفت حاجة اصبر.
ثم غمزت له.
تقدمت وشغلت الموسيقى، وربطت طرحتها على خصرها، ثم بدأت تتمايل على أنغام الأغنية بحركاتٍ تشعل فيه نيران الرغبة، كان يحرك رأسه وهو يغني منسجم مع حركتها والانغام، كما كان يبدوا عليه الآثارة من حركتها، مدت يدها فجأه جذبه إليها، وشرعا يرقصان معا، كانت تعتمد أن تقوم بوضع لمسات لعوبة محسوبة على جسدة لتثيرة، وعندما شعرت ان الوقت قد حان، دفعته برفق إلى الخلف ليستقر على الفراش، واقتربت منه بخطوات واثقة، تعرف تماما ما تفعل، وتدرك أثر كل حركة ونظرة، حتى غمره ذلك الإحساس وأسدلت الستارة على اللحظة.
في اليوم التالي
كان سليم نائما على بطنه في ثبات عميق، ظهره عاري، وجسده مغطّى من الأسفل بغطاء. كانت تمام جميلة بجانبه، ظهرها عاري جزئيًا لكنها تغطي نصف جسدها بالغطاء. بعد وقت، بدأ سليم يتململ من النوم، واستيقظ، نظر بجانبه فرأى جميلة مسح على وجهه بنوعٍ من الندم والضيق ثم تحرك نحو الحمام، مرتديًا سرواله الداخلي فقط.
أخذ حمّامه، ثم بدأ يرتدي ملابسه على مهل.
كانت هي ما تزال غارقة في سباتٍ عميق، ساكنة كأنها منفصلة عن العالم.
ومن حينٍ لآخر، كان يرفع عينيه نحوها يسرق نظرة أثناء ارتدائه،
لكنه توقّف فجأة…ما لفت انتباهه تلك البقعة الحمراء.
تحرّك نحو الفراش ببطء، وهو يغلق أزرار قميصه عند معصمه، ثم أزاح الغطاء قليلًا.
وهنا كانت الصدمة اتّسعت عيناه للحظة، واستقرت الحقيقة في صدره ثقيلة؛كانت عذراء.
زفر باختناق، كأن الهواء ضاق من حوله، لكن ملامحه سرعان ما تماسكت.
لم يسمح للفكرة أن تطول…أعاد الغطاء إلى مكانه، واستدار دون كلمة.
تحرّك إلى الخارج، تاركًا خلفه كل شيء كما هووكأن ما حدث لا يعنيه.
بعد وقت – حديقة القصر
دخلت سيارة فخمة الحديقة، واستقبلها الحراس عند الباب ترجلت فايزة، كانت اصغرا سنن، لكنها تحرّكت بخطوات محسوبة وواثقة.
استقبلها رشدي في الهول بابتسامة خبيثه: حمد الله على السلامة.
ردّت باقتضاب وهي تخلع نظارتها الشمسية: الله يسلمك…
نظره من حوله: امال فين بابا واخواتي
موضحه: الباشا في المجموعه واخواتك حفله هناك كده المطرب مش عارفه اسمه ايه كده وهيحضروها ويجوا بكره .. فين سليم؟ سافر؟
قال رشدي بنيرة مكر ساخر: لا، بس عمل لك مفاجأة جامدة جدًا.
ارتفعت حواجبها بدهشة: مفاجأة إيه يا رشدي؟
ضحك رشدي بخفة شيطانيه قال بنوع من الشامته والكرهيه: الأستاذ اللي بتقولي عليه… ما فيش منه. قضى ليلته امبارح مع الخادمة.
تجمّدت فايزة: انت اتجننت؟ فاكرة زيك؟
رشدي بهدوء، بنبرة ماكرة تحمل في طياتها شياطين الخبث، كأنه يريد أن يطعن سليم أمام عائلته، ويخرجه من ثوب الفضيلة الذي يرتديه في نظر الجميع
قال كانه يبخ سم: مش مصدقة؟ اطلعي شوفي على الأقل أنا بعمل كده بره… مش في القصر.
قالت بحدة: لو بتكدب…
قاطعتها مبتسما: اطلعي شوفي جميلة… وهي على سريرٍ في حضن الأمير.
جزت فايزة على أسنانها حتى تآكل صريرها في قلبها، ثم اندفعت الدراجة صاعدة بسرعة، الهواء يصفع وجهها، بينما وقف رشدي مبتسمًا بشماتة،
كأنه أخذ بثأره.
صعد خلفها يراقب، ليرى سليم وهو يُوبخ كما يفعلون به عادة، يريد أن يروي غله من الفخ الذي وقع فيه، غلٌّ مختلط بالانتقام والصمت.
غير مدرك أن سليم قد غادر القصر منذ ساعات، تاركًا الفراغ والغضب يتجمع في صدره.
غرفة سليم
فتحت فايزة الباب بهجوم، وما إن وقعت عيناها على جميلة النائمة، حتى اشتعلت النيران داخلها، وكس الغضب ملامحها القت حقيبتها بغضب، ثم اندفعت نحوها وهي تصرخ: بتعملي إيه على سرير ابني يا قذرة!
صحّت جميلة بخضه: الهانم!
سحبتها فايزة من شعرها، وقالت بغضب: تعالي هنا يا حقيرة! فاكرة نفسك إيه عشان تنامي على سرير اسيادك؟
صفعتها على وجهها، بينما كانت جميلة تصرخ تتوسلها: أبوس إيدك يا هانم… سبيني، ده سليم بيه!
قاطعتها فايزة وهي تهوي على جسدها ضربًا، تصرخ بانفعال: سليم! إيه يا حشرة؟!
ثم سحبتهاوفايزة من على الفراش من شعرها بقسوة.
كانت جميلة لا ترتدي سوى قميص نومها العاري
صاحت فايزة بغضب: إنتِ مش هتفضلي هنا لحظة بعد كده… يا قذرة، يا رخيصة!
بكت جميلة متوسلة: أبوس إيدك، ما تعمليش كده… سيبيني ألبس طيب!
صرخت فايزة بازدراء: لا، هتخرجي كده، عشان تعرفي إزاي تتعدّي على أسيادك، يا رخيصة! يا زيالة.
تعالت صرخات جميلة: أبوس إيدك، يا هانم خليني استر نفسي.
لكت فايزة كانت مجرد من الإنسانية صخرجت بجبروت بطوقسوة وهي تجرها على الارض: لا هتنزلي كدة زي مجبتك من على سرير سيدك يا مجرمه يا منحطه يلا.
صرخت جميلة تحاول ان تستنجد بسليم لا تعرف انه خرج:… سليم! يا سليم، الحقني!
ردّت فايزة بحدة قاتلة:اسمه سليم بيه، انتي نستي نفسك يا حشرة !
أخذت تجرّها على الأرض بعنف، غير عابئة بصراخها أو توسلاتها.
كانت جميلة تحاول، بيأس، أن تمسك بأي شيء يستر جسدها، لكن فايزة كانت بلا رحمة؛ تنتزع من يدها كل ما تقع عليه أصابعها، وكأنها تتعمّد تجريدها قبل طردها.
قبضت على يدها بقسوة، ثم دفعتها بعنف حتى كادت تسقط، وهي تصرخ فيها: هاتي هنا!
شدّت ذراعها بقوة أكبر وهي تسحب من يدها طرحتها.. سيبي من إيدك!
ثم دفعتها نحو الخارج وهي تزأر:… يلا برّه!
كانت فايزة تمتلك قوة جبارة لا تستطيع تلك الفتاه أن تصدها.
التفتت جميلة إليه برجاءٍ يائس، عيناها مغرورقتان بالدموع: رشدي بيه… أبوس إيدك… الحقني!
لكنّه أشاح بوجهه عنها ببرودٍ تام، كأنها لا تعنيه، وقال بلا اكتراث: أنا مالي.
صرخت فايزة، وصوتها يشقّ المكان: يلا من هنا يا مجرمة!… يلا!
واصلت جرّها بعنف عبر الممرات ثم الدرج، غير عابئة بتعثّرها أو توسلاتها، حتى هبطت بها إلى الأسفل.
وفي منتصف الحديقة، دفعتها بقوة فجائية.
سقطت جميلة أرضًا سقوطًا مهينًا، منكفئة على نفسها، عارية من كل ستر…
أمام أعين الحراس والخدم جميعًا.
ساد صمتٌ ثقيل، وارتفعت أيدٍ إلى الأفواه بذهولٍ وصدمة، بينما بقيت جميلة ملقاة على الأرض، مكسورة… لا أحد يجرؤ على الاقتراب.
ثم التفتت إلى الحراس وقالت بصرامة:
البنت دي تترمي في الشارع زي ما هي كده، فاهمين؟ ومحدش يدخلها هنا تاني.
ثم بصقت بازدراء: اتفّوا.
تحرّكت فايزة إلى الداخل بخطوات حادّة، بينما ظلّت جميلة ملقاة على الأرض، تحاول بيدين مرتعشتين أن تغطّي صدرها، تبكي بصوتٍ مخنوق.
كانت آثار أصابع فايزة واضحة على جسدها ووجهها؛ كدمات حمراء، وصفعات لم تُمحَ بعد.
تقدّم اثنان من الحراس، تردّد واضح على وجهيهما: لازم تمشي… ما ينفعش تفضل كده.
حاولا جرّها، لكن فجأة ظهر عثمان، صوته حاسم:
سيبوها… أنا اللي هطلّعها.
تردّد أحد الحراس: بس يا عثمان…
التفت إليه بحدّة: هو إيه اللي بس؟! أنا هخرجها، وأودّيها عند أهلها.
أومأ برأسه إيجابًا، ثم انحنى نحوها، خلع جاكيته بسرعة وغطّاها به تحرّكت معه وهي تبكي، جسدها يهتز من شدّة الانهيار.
فتح لها باب السيارة، وأدخلها برفق.
ثم دخل السياره وانطلق، الصمت ثقيل، لا يُقطعه سوى شهقاتها.
كان ينظر إليها بطرف عينه بصدمة، ثم يعيد بصره إلى الطريق.
وفجأة، ضغط على الفرامل وأوقف السيارة.استدار نحوها، صوته منخفض لكنه مشدود:أنا عايز أفهم اللي حصل…
تابع بلوم: إنتِ يا جميلة… إنت تعملي كدة؟!
رفعت عينيها إليه فجأة، عيناها محمرّتان، وصوتها خرج مكسورًا: أنا إيه؟
ثم صرخت بانهيار: إنت فاهم إيه؟!
تنفّست بصعوبة وأضافت: سليم… سليم اغتصبني.
اتّسعت عينا عثمان بذهول: سليم؟
هزّ رأسه ببطء: سليم مشي من بدري
ابتلعت ريقها، وتدفّقت الكلمات من فمها وهي تبكي:
امبارح بالليل طلب قهوة… أنا اللي طلعتها له كان شارب اغتصبني..
صوتها انكسر أكثر: لما حاولت أشتكي للهانم لما رجعت الصبح عملت فيّ كل ده
سألها بحذر: إنتِ متأكدة إن سليم… مش رشدي؟
نظرت إليه وكأن السؤال طعنة جديدة: يعني إيه متأكدة
اقترب صوتها من الصراخ: يعني إنت مش مصدّقني ليه يا عثمان؟!
ثم انهارت تمامًا، وضعت كفّيها على وجهها:
انا ضعت ضعت
شهقت: أهلي لو عرفوا… هيموتوني.
"وظلت تبكي وتمثل عليه أنها اغتصبت، ولم يحدث ذلك على أرض الواقع كما رأينا في المشهد في حلقات المسابقة عندما حاولت إقناع عثمان أن سليم اغتصبها.
على اتجاه اخر في سيارة سليم
كان سليم يقود السيارة بسرعة، والأغاني الصاخبة تتدفق من الراديو، لكنها لم تلهيه عن ما يجول في رأسه.
تذكر ليلة أمس… ما حدث مع جميلة. شعور بالضيق اجتاحه، خصوصًا عندما تذكر أنها كانت عذراء.
رغم ذلك، حاول أن يبرّر لنفسه ما حدث، مذكرًا نفسه أنها جاءت بقيادتها، هي من فرضت نفسها، وهي من أغوته.
واصل القيادة، متجهًا نحو المطار، حيث استقبله مكي، ثم سافر إلى أمريكا.
لم يتحدث عن الموضوع أبدًا، تاركًا كل شيء خلفه.
عند هبوط الطائرة للتَّرانزيت، جلس سليم في الكافيه، ومرت ساعات وهو ينتظر الطائرة الأخرى.
الثقة في نفسه لم تفارقه، حتى جاءه اتصال هاتفي من عزّت.
رن الهاتف، رفعه: ألو…؟
سمع صوت عزّت من الطرف الآخر، مشحون بالغضب:
إيه اللي عملته ده، جميلة يا سليم؟ ما لقيتش غير جميلة!
تنهد سليم ببرود، محافظًا على هدوئه: حضرتك متصل بيا عشان تقول الكلام ده؟
رد عزت بضجر: أكيد متصل… عشان أقولك الكلام ده، وإحنا بنعيب على رشدي.
صمت سليم للحظة، ثم أجاب: هي اللي جات عندي
عزت بتهكم ممزوج بلوم: انا مش متصل بيك عشان اسالك عشان واعرف البدايه عند مين، انا بتصل عشان اقول لك وصلت بيكي للخدامه
رد سليم بسخرية جامدة: هو انت مشكلتك ان هي خدامه لكن لو حد اني كانت عادي
رد عزت بشدة: هو انت شايف
قاطعه سليم بنبرة قاطعة، لا تتحمل النقاش: اللي حصل… حصل خلاص.
ثم أضاف ببرود: سلام دلوقتي… أنا مش فاضي.
نظر مكي إليه بدهشة، محاولًا فهم الموقف:
نظرك ليه؟… إيه اللي حصل؟
أجاب سليم باختصار… هقول لك بعدين.
على اتجاه آخر، في القصر مكتب عزت
رفعت فايزه عينيها وقالت بسخط:
طبعا قفل وما اداكش اي مبرر ولا اعتذر حتى.
ظفر عزت وهو يضع هاتفه على المكتب: خلاص يا فايزة… الموضوع انتهى هي… مشيت من هنا.
فايزة بضجر، افترض بقى إنها عملت حاجة كانت عذراء. احنا خلصنا من موضوع صفاء بالعافيه.
رد عزت بجبروت: لو عملت حاجة تتخرّس يا فايزة ايه جميله دي اللي انا هعمل لها حساب او افكر فيها خلاص موضوع انتهى.
وخلال الأيام التالية
تقدّم عثمان لخطبة جميلة، محاولًا أن ينهي الموضوع ويستر عليها، لكنّها لم تكن راضية.
لم يكن عثمان ما تريده، ولم يكن زواجهما تعويضًا عمّا خسرته.
عائلتها لم يعرفوا الحقيقة؛ كل ما وصلهم أنّها طُردت من القصر لأنها «لا تسمع الكلام» وتشاجرت، وانتهى الأمر عند هذا الحد.
لم يسأل أحد، ولم يبحث أحد خلف القصة.
لكن جميلة لم تستطع الاقتناع بذلك المصير.
حاولت مرارا أن تذهب إلى القصر، أن تتحدث إليهم، أن تُجبرهم على الاعتراف، أن تفرض زواجها من سليم بحجة أنّه اغتصبها…
لكنهم لم يصدّقوها، وطردوها مرة أخرى دون تردّد.
ومع كل مرة، كان الإهانة تتضاعف.
سئم عزت منها، أراد أن يتأكد من نقطة واحدة فقط:
هل اغتصبها سليم فعلًا؟ اتصل به وسأله مباشرة.
أكد له سليم، دون تردد، أنه لم يفعل شيئًا غصبًا عنها، وأنها هي من جاءت إليه بإرادتها.
وصدّقه عزّت، لأنه يعرف أن سليم لا يكذب، حين علم سليم بما ينوي والده فعله، حاول منعه:
اقترح أن يعطوها مبلغًا كبيرًا من المال، وأن يُنهوا الأمر بهدوء، معتبرًا أن دافعها الأساسي كان المال
وأنه سقوم للاتصال به ويحاول معها وافق عزت في البداية لكن قبل ان يعود سليم لمصر لكي يتحدث معها بيوم واحد فقط
كانت جميلة لم تعد قادرة على القبول بعثمان، ليس بعد كل ما حدث، وليس بعد الفضيحة التي لحقت بها بين الخدم وأهل القصر.
عندها فقط، شعرت أن كل الأبواب أُغلقت.
وأن ما خسرته لن يعود. فقررت أن تجرب آخر ما تملك…أن تفضحهم. أن تهددهم.
كان ذلك هو جرس الإنذار الأخير.
في يوم تفاجأ القصر بدخول جميلة، تقتحم المكان كالعاصفة، وجهها مشدود بالغضب، وصوتها يعلو وهي تصرخ:
أنا هفضحكم!
لوّحت بيدها بجنون:! هكتب في كل الجرايد… اغتصبني وسافر، وهربتوه!
اقتربت منها فايزة بسرعة، عيناها تقدحان شررًا:
إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ اتجننتي؟!
صرخت: ارموها برّه!
اندفعت الخادمات والحراس يدفعونها، لكنها كانت تقاوم وتصرخ: ارموني!
ثم صاحت بتهديد: بس والله لأخرج من هنا وأروح كل الجرايد وأقولهم إن سليم الراوي اغتصبني… وإنكم هربتوه
اقتربت فايزة أكثر، ورفعت يدها وصفعتها بقوة، صفعة دوّت في المكان: اخرسي!
اقتربت منها وواصلت بسمّ: إنتِ عارفة كويس أنا جايباكي من على سرير ابني، وكنتِ عاملة إزاي!
ردد بتمثيل مصطنع مقنع: كان عمل عملته وهرب زي ما رشدي كده مغتصب صفاء.
في تلك اللحظة، تدخّل عزّت، صوته خرج هادئًا… هدوء صارم مخيف: بصّي يا جميلة انت بتلعبي بالنار..
مال براسه قليلا تساءل كانه يفهمها
عايزة كام؟
نظرت إليه بعينين مشتعلتين: كام ايه ده شرفي، انا عايزة ابنك يصلّح غلطته يا باشا!
ارتسمت ابتسامة باردة على وجه عزّت:
ابني يصلّح غلطته؟ إنتِ عارفة كويس إن ابني ما عملش حاجة غير بمزاجك.
ضحكت بمرارة: وهو إنت صدقته؟
تقدّمت فايزة خطوة، صوتها خرج منخفضًا لكنه مرعب: إنتِ بتتناقش مع مين يا عزت
اقتربت منها أكثر: نظرت في عينيها مباشرة:
اسمعي اللي في دماغك ده ما تحلميش بيه.
ثم همست بتهديدٍ صريح:
لو فكرتي بس ترجعي القصر تاني، أو تفتحي بقك بكلمة…
توقفت لحظة وأضافت: هقتلك.
ابتسمت ابتسامة باردة: شوفي بقى… عايزة تكمّلي باقي عمرك وتستمتعي بجمالك؟
أشارت بيدها: ولا تقضي الباقي في المقبرة؟
ثم صرخت: يلا… ارموها برّه!
وبالفعل، بدأ الحراس والخادمات في إخراجها بالقوة، وهي تصرخ وتهدد.
كان عثمان غير موجود، وكأن القدر تعمّد غيابه.
لكن عند باب القصر، خرجت خلفها صديقتها غادة، وهي تهتف بوجع: مش قلت لك؟! اللي إنتِ بتعمليه ده غلط… وهتدفعي تمنه غالي!
صرخت جميلة وهي تمسح دموعها بعنف:
إنتِ فاكراني هسكت؟! أنا هروح لعبد الحليم الشواف!
تجمدت غادة: مين عبد الحليم الشواف ده؟
جميلة موضحه سمعت الباشا قبل كده وهو بيتكلم…
راجل أعمال كبير، وبينافسهم هروح أحكي له، وأخليه يقف جنبي ويفضحهم!
ضربت غادة كفًّا بكفّ بخوف: يخرب بيتك! إنتِ بتجيبي الأفكار دي منين؟!هتضيّعي نفسك يا مجنونة! دول كبار اوي… وإحنا شوية تراب. يدوسونا برجليهم ومحدش يقول لهم تلت التلاتة كام!
ثم قالت برجاء: هو إنتِ مش قلتي إن عثمان هيستر عليك ويتجوزك؟ خلاص… احمدي ربنا عليه.
وأضافت بحزم: وكويس إن أهلك ما عرفوش حاجة.
صرخت جميلة بعناد: أنا مش هطلع من المولد بلا حمص!
نظرت لها غادة بحزن: اشتري حياتك يا جميلة.
قالت جميلة بحدّة: مالكيش دعوة.
ثم ترددت وأضافت: بس لو حصل حاجة… عرفيني. خلي الكلام واحد: طلب قهوة وأنا طلعتها له… وبعدها ما تعرفيش عني حاجة.
تنهدت غادة: محدش سألني أصلًا… بس عموماً طيب:
نظرت حولها بخوف: أنا همشي… أحسن يستعوقوني
دخلت غادة وتركت جميلة، دون أن تعلم الاثنتان أن أحد الحراس كان يقف غير بعيد، يستمع إلى كل ما دار بينهما.
انتظر حتى ابتعدتا، ثم توجّه مباشرة إلى عزّت وأخبره بكل شيء سمعه.وهنا، اتخذ عزّت قراره.
رأى أن جميلة تجاوزت حدّها، وأن تهديدها لم يعد مجرد كلام، بل خطر حقيقي.
فهي فكرة أن تفضحهم أن تلجأ إلى أعدائهم ليقفوا في صفّها كانت، بالنسبة له، خطًا لا يُسمح بتجاوزه.
حاول سليم إيقافه، لكن عزّت كان قد حسم قراره
من وجهة نظره، من تفكر في التهديد، تفكر في كل شيء. تلجأ للأعداء تصبح خطرًا لا يمكن تركه حيًّا.
بالفعل. نادى شاكر، وأعطاه أوامره بقتلها، تمّ خطف جميلة وقتلها، كما رأينا من قبل.
سليم لم يكن يعلم شيئًا عن هذا كله غير عندما تم قتلها...
وهكذا… انتهت قصة جميلة.
كذبت على عثمان، لتبدو أمامه فتاة شريفة مظلومة، ونجحت في خداعه فطمعها قادها إلى ما هو أكبر منها.
أرادت أن تصل إلى سليم، أن تصبح زوجته، أن تقفز فوق واقعها دفعة واحدة…فكانت النهاية أقسى مما تخيّلت وقتلت..
باااك
كان عثمان يستمع بصدمة، وملامح متيبسة، عيناه ثابتتان، لكن الواضح أنه لم يصدق كلمة مما سمع.
بينما ضحك سليم فجأة، ضحكة ساخرة خالية من أي ندم، وقال باستهزاء: شوفت بقى؟
اقترب منه خطوة، وصوته ازداد قسوة: طلعت حمار وغبي وبعتني علشان واحدة شمال، ومدياك على قفاك، ومش بعيد دمها اللى شوفته دى كان عمليه عملاها علشان تلبسني فيها.
هز رأسه وهو يضحك أكثر، ثم قال بنبرة لاذعة: عارف؟أنا كان نفسي تفضل عايشة بس علشان أشمت فيك أكتر وأكتر، وأشوفك وأنت مضحوك عليك ومسلم اسمك لوحده زي دي...
ظل عثمان صامتا لثواني، صدره يعلو ويهبط، ثم قال بصوت منخفض، متماسك رغم الوجع: أنا أصلا مش مصدقك، جميلة لا يمكن تكون كده، إنت كدّاب.
ابتسم سليم بسخرية باردة: عنك ما صدقت، وبعدين ما تروح تسأل صحبتها، هي كان اسمها إيه؟
قال مكي مذكرا: غادة…
أومأ سليم برأسه: اها غادة دور عليها واسألها، لما كانت واقفة على باب القصر قالتلها ايه علشان كدة الباشا قتلها..
ضغط عثمان على فكه وقال بعناد: وحتى لو قالت كده من غلبها؟ لما ملقتش معاك حل راحت لحد يساعدها..
ضحكة قصيرة خرجت من سليم، ثم قال ببرود: عموما ده مش موضوعنا، ومش فارق معايا تصدق أو لا، خلينا في المهم.
رفع حاجبه وقال بصوت أخفض، وأخطر: كنت بتعمل إيه مع عماد…
توقف لحظة وأضاف بتهديد ووعيد: وتعالي دوغري ولا أنت عارف كويس أنا ممكن أعمل ايه؟! أنا كدة كدة هقتلك بس تموت لوحدك ولا احسرك على اولادك قبل ما تموت؟! واعيشك العذاب
صمت عثمان، وعيناه انزلقتا نحو زوجته وأولاده، الذين كانوا يبكون في صمت مذعور.
ابتلع ريقه بصعوبة، وصوته خرج مكسورا: بلاش تأذي ولادي ومراتي، وهقولك كل اللي أنت عايزة
ابتسم سليم ابتسامه جانبية، وقال ببرود قاتل: طول ما أنت مؤدب وبتسمع الكلام كده، ولادك في الأمان، سامعك.
تنفس عثمان بارتجاف، ثم قال كمن يسلم آخر ما لديه: كنت بقوله تحركاتك وتحركات ماسة.
اقترب سليم خطوة، وصوته منخفض: وإيه كمان؟
هز راسه نافيا: مفيش حاجة تاني.
ابتسم سليم ابتسامة جانبية لا تحمل طمأنينة: متأكد؟
ارتجف عثمان: والله انا كنت مجرد بنقل أخبار، إنكم كويسين، بينكم مشاكل، خط سيركم، امكان الحراسة وعددها، بس كده.
تساءل سليم: وفين رقمه اللي بتتواصل معاه بيه؟
هز رأسه سريعا: مافيش رقم هو مش بيكلمني من خط ثابت
سأله وهز يعقد حاجبيه: ولما تحب تكلمه أنت؟
اجابه بتوضيح: متفقين على طريقة، بجيب رقم جديد، وأبعت رسالة مشفرة، "مستنيك في الاستاد" فبيعرف إني محتاجه، ونتقابل في المقطم في نفس المكان دايما.
سليم ببطء: اممم…
وسكت لحظة، ثم رفع عينيه فجأة: والحادثة؟
اتسعت عينا عثمان: حادثة إيه؟
رد ببحه رجوليه قالته: عثمان…
هز راسه باستسلام: والله ما أعرف! أنا قولتله خط سيرك عادي زى ما بعمل ديما، وحياة عيالي ما أعرف حاجه تانية غير كده.
التفت سليم فجأة وقال ببحة رجولية: صبحي خد المدام والولاد.
صرخت زوجة عثمان، لكن الحراس سحبوها بهدوء قاسي.
اقترب سليم من عثمان حتى التصق وجهه بوجهه، وصوته خرج همسا مخيفا: ولادك هيبقوا عندي، لحد ما تنفذ اللي هقولك عليه، بس لو غدرت هحرقلك قلبك عليهم واحد واحد.
ابتلع عثمان دموعه، وهز رأسه بخنوع: حاضر
تابع سليم بنظرة مرعبه: قولي بقى ولاءك لمين؟ لعماد؟ ولا انتقامك لجميلة؟ ولا المدام والعيال؟
رمش عثمان، وصمت لحظة، ثم قال بصوت خافت: ولادي…
ضحك سليم ضحكة قصيرة بلا روح: كده اخترت صح.
اقترب خطوة، وانحنى قليلا، ونبرته صارت أخطر: اسمع بقى، من اللحظة دي، أنت هتنفذ اللى بقولك عليه وبس، هتكلم عماد، وتقوله اللي أنا عايزه بالحرف، حرف زيادة غير اللى أنا قايل عليه، ولادك هما اللي هيدفعوا التمن، مفهوم؟
هز عثمان رأسه بعنف، وصوت متكسر: حاضر والله حاضر.
التفت سليم إلى مكي: فكه، وخليهم يعالجوه، عايزه لما يقابل اللي مشغله ميشوفش عليه بصماتي.
أومأ مكي: تمام.
تردد عثمان لحظة، ثم رفع عينيه بصعوبة: سليم…
كاد سليم أن يتحرك لكن توقف حين استمع له، فتابع عثمان متسائلا بارتجاف موجوع: أنت بجد مغتصبتش جميلة؟
رفع سليم عينه ببطء، ونظر إليه نظرة ثابتة بلا انفعال: لا يا عثمان.
قالها وغادر، لكن عثمان مازال لا يصدق ويكذب القصه التي استمع لها.
تحرّك مكي خلفه، وتساءل بصوت منخفض: أنت متأكد من اللي بتعمله؟ ده خاين.
التفت له سليم: عارف، بس عياله معانا.
رد مكي منبها: برضو مش مضمون، أنت بتلعب بالنار يا سليم!
ابتسم سليم ابتسامة باردة: النار دي أنا هحرقهم بيها واحد واحد، متقلقش.
سأله مكي: طب وهتستخدمه في إيه؟
رد سليم موضحا: هيوصل لهم إن أنا وماسة بينا مشاكل، وهعرف منه اللي ناويين عليه، ولما آخد اللي أنا عايزه، نبلغ عماد إنه ناوى يبيعه ليا، وساعتها عماد اللى هيقتله بنفسه
اومأ مكي برأسه: ماشي.
ثم التفتوا وغادروا سويا، وعينا سليم تحملان عاصفة، لا أحد يعرف متى ستنفجر.
❤️_______________بقلمي_ليلةعادل
القاهرة، 8:00 مساءً
وصل مصطفى بعد أن أنهى كل الإجراءات القانونية، وحصل على وثيقة إثبات الزواج من آلاء، تمهيدا لاستخراج قسيمة الزواج الرسمية.
لم يتردد لحظة واحدة، وأول محطة توجهه لها كانت المستشفى، دخل مكتب المدير بخطوات ثابتة، ووضع الوثيقة أمامه دون مقدمات.
رفع المدير عينيه ببطء، وقلب الورق بين يديه، ثم قال بنبرة هادئة ثقيلة: مصطفى، أعتقد إنت فاهم.
رد مصطفى ببرود قاطع: فاهم، بس ياريت المستشفى كلها تعرف الخبر ده.
ابتسم المدير ابتسامة مهنية: أكيد، وآلاء ممكن تيجي لو حابة.
قاطعه مصطفى فورا، دون أن يرفع صوته: لا مراتي هتركز في دراستها وبس.
توقف المدير لحظة قبل أن يسأل: طيب هتعمل إيه مع أخوها؟
اقترب مصطفى خطوة، ونبرته ازدادت حدة، وكأنه يذكره بجملته: أعتقد دي أمور خاصة، مظبوط؟
ثم التقط الوثيقة وأضاف: عن إذنك.
خرج وكانت العيون كلها عليه، همسات مكتومة، دهشة واضحة، وصمت ثقيل.
وفجأة…
توقف مصطفى في منتصف الردهة، واستدار ببطء، رفع وثيقة الزواج عاليا، وصاح بصوت أجش ملأ المكان: آلاء مراتي! فاهمين؟ أي حد عنده كلمة يوفرها لنفسه، علشان ميندمش.
ثم أكمل طريقه دون أن يلتفت خلفه، لكنه لم يكتفِ بذلك.
توجه أولا إلى عمارته، ثم إلى الرجل الذي تجرأ وتحدث عن آلاء، وادعى أن الأمر يمس سمعت المكان، أراه الوثيقة وغادر دون كلمة.
وفعل الشيء نفسه مع كل من شهد المشاجرة.
وحين تأكد أن الحقيقة اتضحت أمام الجميع، وأن آلاء أصبحت زوجته رسميا في نظر الكل، توجه مباشرة إلى القسم برفقة المحامي.
باقي الفصل الرابع والعشرين (3) 👇
فيلا سليم وماسة، 9:00 مساءً
ترجلا مكي وسليم من السيارة، فوقف أمامه مكي قائلا: أنا امبارح عملت اختبار كده على صبحي وكام واحد من الحراس الكبار، والباقي هعملهم بعدين، بس قولت أبدأ وأنجز مع دول.
مد يده في جيبه وأخرج ورقة مطوية: دى ورقة بأسماء الرجاله اللى كشفت عليهم، ولقيتهم تمام لحد دلوقتي.
اخذ منه سليم الورق وقال بتحذير: ماشي، بس بلاش تديهم بالأمان.
طمأنه مكي: متقلقش.
فهز سليم رأسه بامتنان: شكرا يا مكي، أنا هطلع لماسة بقي، تصبح على خير.
مكي بابتسامه: وأنت بخير.
تحرك سليم مبتعدا، بينما وقف مكي في الحديقه يتابع ابتعاده بنظرات آسفه على كل ما عرفه وكل الخيانه التي اكتشفها في اليومين السابقين، وأثناء ذلك رن هاتف مكي، فنظر إلى الاسم ووقعت عيناه عليه بصدمه حينما رأي اسم سلوي، عقد حاجبيه للحظة، ثم رد مسرعا بقلق ظنا منه أنه ربما حدث لهم شيء: الو؟
أتاه صوت سلوى من جهة الأخرى، من غرفتها في سرايا: أزيك يا مكي؟
خفق قلبه للحظة، فهو يشتاق لها رغم أنه يظهر غير ذلك، حاول أن يتماسك، وقال بجمود: الحمدلله، خير!
أجابته بمرواغة: مفيش كنت بسأل على عمار.
أجاب بجمود: هو تمام، في فندق، متقلقيش عليه.
صمتت للحظة ثم حاولت فتح حديث يبدو انها تريد اصالح الماضي: ماسة حكتلنا وعرفت إن..
قاطعها قبل أن تكمل، محاولا إغلاق باب الماضي القديم الذي يريد نسيانه: سلوي أنا مشغول دلوقتي معلش، لازم أقفل.
قالت بسرعة: طب أنت فاضي إمتى؟ محتاجة أشوفك.
رد بتعجب: ليه؟!
إجابته بنبرة ناعمه: لما أشوفك هتعرف.
رد بجمود: هشوف كده، يلا سلام.
أغلق الهاتف مسرعا، ونظر أمامه، وقلبه يخفق بسرعة، مسح وجهه، وحاول نسيان الموقف، ثم تابع عمله.
بينما كانت سلوى تمسك هاتفها بين يديها، تضغط على أسنانها الأمامية بحزن، وعيناها تترقرق بالدموع، نهضت وفتحت خزنه ملابسها، وأخرجت صندوقا خشبيا صغيرا، وجلست مرة أخرى على الفراش، وفتحت الصندوق، لتجد بعض الهدايا الصغيرة التي أحضرها لها.
ابتسمت إبتسامة حزينه، والتقطت صورة له، ونظرت إليها بعينين دامعتين، مليئتين بالندم والحسرة
يبدو أن سلوى قد استفاقت أخيرا من غفلتها، وأدركت حجم خطأها فيما فعلته، خصوصا بعدما برأت ماسة سليم من موضوع الفيديوهات، مما جعلها تشعر بالندم الشديد وتراجع نفسها.
على اتجاه آخر في غرفة النوم
كانت ماسة مستلقية على الفراش، الغطاء يلف جسدها حتى صدرها، والكتاب مفتوح بين يديها، الصفحات تتحرك، لكن عقلها لم يكن هنا، كان هناك مع عمار الذي ابتعد فجأة، وتركها أمام خيار قاسي، خيار جرح قلبها قبل أن ينطق.
عيناها امتلأتا بدموع حارقة، لم تسقط، لكنها أثقلت صدرها.
لم تندم لحظة على اختيارها لسليم، لكنها حزينة؛ لأن شقيقها أجبرها علي الاختيار من الأساس!
لم تمر دقائق حتى انفتح باب الغرفة.
دخل سليم بخطوات هادئة، يحمل في يده كيس أبيض في الأخرى، وقال بابتسامة مشرقة ونبرة دلال: قطعة السكر اللي محلية حياتي؟
رفعت ماسة عينيها نحوه، وابتسمت ابتسامة خفيفة لا تخلو من التعب، فاقترب منها، وجلس إلى جوارها، ومرر يده على شعرها بحنان، ثم طبع قبلة طويلة على جبينها: عاملة إيه؟
ردت بنبرة لا تخلو من الحزن: الحمد لله.
ابتسم ثم أشار إلى الكتاب بين يديها: بتعملي إيه كده؟
نظرت إلى الصفحات وهي تقلبها بلا تركيز: بحاول أذاكر أي حاجة، بس مش قادرة.
صمتت لحظة، ثم قالت بقلق ممزوج بضيق: متضايقة من موضوع عمار، هو عامل إيه؟
تنفس بعمق، ونبرته صارت جادة لكن مطمئنة: نزل في فندق دلوقتي، ورجالتي وراه خطوة بخطوة، وخلتهم يركبوله جهاز تتبع في العربية، وهكرت تليفونه.
هزت رأسها ببطء، والحزن يزداد في عينيها: عمري ما توقعت إن عمار يحطني في موقف زي ده، انا مش ندمانه ولا هندم إني اختارتك، بس ليه كده..!؟
تابعت بضجر: ولا اخواتي كمان اللي عايزين يخرجوا دول، رغم إني فكرت في كلام سلوى، إن ممكن حد يحس إن في حاجة متغيرة فعلا ودى يخليهم يشكو، بس برضو ممكن اي حاجه تحصل، بعد الشر عليهم.
زفرت باختناق: خايفة عليهم اوي يا سليم غصب عني، واللي واجعني إن أنا خايفه عليهم وهما مش حاسين أنا بعمل ايه وعملت ايه عشانهم.
اقترب منها أكثر، وأمسك يدها وضغط عليها بلطف هو ينظر داخل عينيها: كلهم تحت عيني متخافيش استحالة اسمح إن حد فيهم يحصله حاجه، بس هما عندهم حق فعلا يا ماسة مينفعش يتحبسوا.
اشتعل الغضب في عينيها، واندفعت الكلمات من فمها قبل أن تلحق بها أنفاسها قالت بغضب: ليه مينفعش؟!ما أنا اتحبست سنين!
رفع كفه في محاولة لتهدئتها، وصوته جاء منخفضا، ثابتا، بلا انفعال: اهدي بس من غير عصبية، الوضع غير، وحبسك وقتها كان غلطة.
نظرت إليه لثواني طويلة، كأنها تحاول أن تقنع نفسها، لكن القبول لم يجد طريقه إلى قلبها.
رفع يده ومسح على خدها برفق، حركة صغيرة محملة بكل ما لم يُقل، ثم أكمل بنبرة ألين: و اللي قاله عمار؟ دي لحظة عصبية، هو عمره ما يقدر يستغنى عنك.
زفرت باختناق: لا أنا زعلانة منه، وزعلانة اوي كمان.
ثم قالت بسرعة: بقولك إيه يا سليم؟ مش عايزة أتكلم في الموضوع ده دلوقتي.
نظرت للكيس بشك خفيف، وقالت محاولة تغيير الحديث: إيه اللي في الكيسة البيضا دي؟
مسح على خدها بحنان: حاجات ليكي، تفتكري جبتلك إيه؟
رفعت حاجبها، وابتسمت ابتسامة خفيفة: لاين بالكاتشب، بقالك زمان مجبتليش.
ابتسم ليخفف الجو، ورفع الكيس الأبيض: مظبوط، وشوية حاجات حلوة من اللي بتحبيها.
أخذت منه الكيس، فتحته، نظرت إلى ما بداخله، ثم أغلقته بهدوء: تسلم ايدك، بس مش قادرة آكل دلوقتي.
سليم معارضا: لأ هنتعشى سوا، أنا قولت لسحر تجهز العشا وتطلعه هنا.
هزت رأسها بالإيجاب دون حماس.
مسح على شعرها، وقبل خدها، ثم نهض وبدأ يخلع بدلته متجها إلى الحمام، بينما بقيت ماسة وحدها، وحاولت العودة للقراءة مرة أخري، لكن الكلمات ظلت جامدة، لا معنى لها.
وبعد قليل، خرج سليم، وفي اللحظة نفسها كانت سحر قد حضرت بالطعام.
جلسا معا يتناولان العشاء بصمت دافئ، كانت ماسة تتناول الطعام ببطء، تقطع لقمتها كأنها تفكر أكثر مما تأكل، رفعت عينيها إليه فجأة وتساءلت بفضول: قولي عملت إيه مع عثمان؟
تناول رشفة ماء واجابها بهدوء متعمد: لا، ده موضوع كبير اوي نخلص أكل وبعدين أحكيلك.
هزت رأسها باستسلام: ماشي.
وبالفعل، أنهيا طعامهما في صمت قصير مشحون بأسئلة مؤجلة، صعدا إلي الأعلي وتمددا على الفراش، جذبها سليم إلى حضنه، وأسند رأسه قليلا على ظهر الفراش، بينما استقرت هي قرب صدره.
نظرت إليه، عيناه تطالبه بالكلام: يلا بقى احكي، عملت إيه؟
تنفس بعمق، وبدأ يروي لها كل شيء دون استثناء حتى ما حدث بينه وبين جميلة.
أنصتت ماسة حتى النهاية، ثم قالت بهدوء مفاجئ: بس على فكرة ده راجل مسكين.
اعتدل سليم فجأة، ونظر لها باستغراب واضح: مسكين؟!
رفعت يدها في إشارة تهدئة: أيوه، متزعقش كده، هو افتكر إنه بياخد حق البنت اللي كان بيحبها واتقتلت واتغتصبت على ايدك، كنت عايزه يعمل إيه؟ أنت لو مكانه كنت هتعمل كده وأكتر.
شد فكه، وصوته صار أكثر حدة: اسمه خاين يا ماسة.
هزت رأسها نفيًا: لا، مش خاين هو بينتقم.
نظر لها سليم وهو يفسر لها ظلام قلب عثمان: أنت لو كنت شوفت نظرته وهو بيقول: «أنا نفسي أعذبك بماسة» لو شوفتي نظره الحقد والكره، كنتي قتلتيه، كان ممكن ياخد حقه مني ويأذيني بأي طريقه تانيه إلا دى.
ردت بتفهم: أنا فاهمة اللي بتقوله، بس قصدي إن عنده سبب، مش زي إخواتك مثلا معندهمش أي سبب غير الطمع، هو فهم غلط فاتصرف على الأساس ده، المهم اوعدني انك متاذيش أي حد من ولاده.
تنفس ببطء، وكأنه يبتلع جدالا كاملا، وقال بهدوء: لا انا جبتهم بس طعم علشان انطقه، لكن المسدس كده كده كان فاضي.
تنهد ثم قال: عموما، بكرة اعملي حسابك، بعد ما تخلصي جامعتك، وأنا أخلص الاجتماع، ومكي يكون زرع المكرفونات هنروح القصر.
رفعت حاجبيها بارتباك خفيف: علطول كده؟
اوما بتأكيد: آه خلينا نخلص، مش عايز أستنى كتير.
هزت رأسها بالموافقة، وقالت بنبرة ساخرة حزينة: ماشي أنا أصلا حزينة، فالتمثيل هيطلع حقيقي.
ابتسم رغما عنه، فنظرت له ماسة مطولا، ثم قالت: مالك؟
اجابه بمرارة وهو يمد وجهه: تصدقي دي أول مرة أخد بالي من معنى كلمة«أنت عملت زيهم».
نظر اليها متسألا: مين فيهم اللي قالهالك؟
تنفست، وصوتها خرج مثقلا: رشدي، قالي لو جيتي قدام مصلحة سليم، أو عملتي حاجة ضد أي حاجة هو عايزها هيوجعك من نقطة ضعفك، وأنا مكنتش مصدقة.
نظر لها وقال بخجل: وأنا خذلتك؟
مدت يدها، ولمست خده بحنان وقالت بابتسامة: سليم يا حبيبي، بلاش نتكلم في الموضوع دى، ركز بقى في اللي جاي، وخلينا ننسي اللى فات.
نظرت إليها بعينين ثابتتين: هسألك سؤال واحد.
إجابته سريعا وكأنها فهمت السؤال: لا متسألش.
ابتسم بخفة: ليه؟
اجابت: علشان أنا عارفه.
اقتربت أكثر، قبلته على خده: والله العظيم من قلبي مسامحة ونسيت كل حاجة، أنا اختارتك.
ضمها بقوة، فبادلت العناق، ذراعاها تحيطان به.
أسند رأسه إلى صدرها، بينما راحت تمسح على شعره برفق، وقالت بهمس: بكرة نبتدي يوم جديد أنا وأنت، إيدنا في إيد بعض وهناخد حقنا سوا.
هز رأسه بالإيجاب، وقبل رقبتها بخفة قائلا: وأنا أوعدك، مش ههدى غير لما عمار يرجع تاني ليكي.
ابتسمت ووضعت قبله على رأسه، وظل هكذا، بين ذراعيها، ورأسه على صدرها، وكأنه طفلي ينسى ثقل اليوم بين احضان امه، بينما هي تواصل المسح شعره بحنان، حتى استسلم لنوم عميق.
داخل أحد الأقسام، 9:00 مساءً
جلس الضابط خلف مكتبه، بينما جلس مصطفى وأحمد على المقاعد الأمامية.
كان الضابط يمسك هاتف أحمد، يشاهد أحد مقاطع الفيديو التي تظهر محمود وهو يتشاجر مع مصطفى في المستشفى، وأخرى في المنزل.
قال أحمد بمكر محسوب: زي ما حضرتك شايف، عمل مشاكل تضطر سمعة الدكتور..
وتابع وهو يضع التقرير الطبي أمامه: دى غير اللى عمله في زوجة الدكتور؛ كسر مضاعف، كدمات، وضرب في القفص الصدري، يعني كان ممكن يقتلها، غير إن سمعته سيئة جدا في المنطقة، فإحنا طالبين تعهد رسمي أنه ميقربش من الدكتور وعائلته زوجته، وان اي ضرر يحصلهم يكون هو المتم الأول فيه.
قال الضابط وهو يوقع بعض الأوراق: أنا بعت أجيبه وهظبطلك أمه، متقلقش.
رد مصطفى بصرامة: أهم حاجة عندي ميتعرضش تاني لمراتي.
تدخل أحمد بنبرة محامي يستثمر اللحظة: الحقيقة هو عمل مشاكل كبيرة، وهدد الدكتور ومراته قدام ناس، وقال هيشوه سمعته، وفي شهود حضرتك تقدر تشوفهم.
رفع الضابط رأسه: سيبهولي، الفيديوهات كفاية، أنا بعرف أتعامل مع الأشكال دي.
وفي تلك اللحظة دخل محمود بصحبة أمين شرطة، وما إن رأى مصطفى حتى صرخ بانفعال: وديت أختي فين؟! انطق!
ضرب الضابط المكتب: اظبط نفسك يلا! واقف مكانك!
صرخ محمود باستجداء: خطف أختي يا باشا.
رد الضابط بحدة: هيخطف مراته؟!
تجمد محمود، واتسعت عيناه ونظر إلى مصطفى بصدمة: مراته؟!
مصطفى بهدوء قاتل: أيوه مراتي.
انفجر محمود: من ورايا؟!
اعتدل الضابط في جلسته: اختك في نظر القانون كبيرة، ومن حقها تتجوز.
ثم راقبه من أعلى لأسفل بتقييم بارد: ولا أنت ليك سوابق؟
تردد محمود قائلا بخفوت: هي سابقة واحدة يا باشا.
سأله الظابط بغلظة: سابقة إيه؟
ابتلع محمود ريقه: خناقة، واخدت فيها تلات شهور.
ابتسم الضابط بسخرية: الله! يعني بتاع مشاكل؟
ثم مال للأمام، وصوته صار تهديدا صريحا: اسمع بقى، أنت هتمضي على المحضر دى لو قربت للدكتور أو لأي حد يخصه بما فيهم أختك، هجيبك هنا، وهعلق أمك، فاهم؟
شعر محمود أنه في مأزق لا مفر منه، خاصة بعدما قام هو الاخر بزواجها دون علمها عرفيا.
خفض رأسه وقال بخفوت: حاضر يا باشا همضي، المهم البت استترت.
مد الضابط له قلم وقال بغلظة: طب تعالي وقع.
تقدم وانحني يضع امضته على الورقه بيد مرتجفة، وانتهت الإجراءات سريعا، وخرج، لكنه توقف عند باب القسم، ينتظر خروج مصطفي وحين لمحه يخرج برفقه المحامي، قال بنبرة متكسرة، يغلي تحتها الغيظ: ملحوقة يا دكتور، بس متطملنيش.
تقدم أحمد خطوة، وابتسم ابتسامة باردة: شكلك عايز تبات في القسم.
صمتت محمود قليلا، ثم تمتم: لا يا شبح، بس هي مخلصتش كده، سلام.
غادر وهو يشعر بنار تأكل رأسه، فقد أصبح في ورطة حقيقية، ولو علم الحاج بالأمر، ستكون المصيبة مضاعفة، عليه أن يخفي أمر زواجها بأي ثمن، على الأقل حتى يجد حلا، وما يهم الآن أنه دفع المبلغ للزعيم وأصبح في أمان مؤقت.
نظر مصطفى إلى أحمد وسأله: هو ممكن يعمل حاجة؟
أجابه أحمد بثقة: لا أي كلام، متقلقش.
تنهد مصطفى: تمام، شكرا يا أحمد تعبتك معايا، أن شاء الله اقبض وهديك اتعباك.
قاطعه أحمد: عيب يا مصطفى انت أخويا، أنا آخد أتعاب منك؟
ثم ضحك: أنت بس لما ترجع القاهرة، خلي الحاجة تعزمنا على محشي من إيدها.
ابتسم مصطفى: من عينيا، تعالى نشرب حاجة.
ضحك أحمد: يلا ونلعب دومنا كمان، واغلبك زى زمان.
ضحك مصطفى: يلا.
فيلا سليم ماسة، 8:00 صباحا.
في الصباح...
استيقظت ماسة من نومها، فوجدت سليم ما زال يضع رأسه على صدرها، كطفل يحتمى بأمه من قسوة العالم، ابتسمت بعينين غارقتين بالحنان، ومدت يدها تمسح على شعره برفق، ثم انحنت تزرع قبلة هادئة على جبينه، بينما كانت أناملها تمر بخفة على خديه.
بدأت تتحرك بحذر حتى لا توقظه، وضعت رأسه فوق الوسادة برفق شديد، ونهضت من الفراش، واتجهت إلى الحمام، أخذت دشا سريعا، ثم ارتدت ملابسها لكي تذهب للجامعة.
قبل أن تغادر، اقتربت منه مرة أخرى، كان سليم غارقا في نوما عميقا كأنه لم يعرف الراحة منذ زمن طويل.
مالت نحوه وهمست بصوت خافت: حبيبي أنا نازلة.
لكنه لم يتحرك، ظل أسير نومه الثقيل، تأملته بعطف، وأشفق قلبها عليه أن توقظه من نومه، فاتجهت نحو الدرج فتحته وأخرجت ورقة صغيرة، كتبت فيها أنها نزلت للجامعة، وطلبت منه أن يتصل بها حين يستيقظ، وضعت الورقة إلى جواره، وبجانبها وردة، ثم غادرت بهدوء، تاركة خلفها دفئها معلقا في المكان.
في المالديف…
كان الكوخ غارقا في سكون عميق، لا يقطعه سوى همس الأمواج وهي ترتطم بالشاطئ القريب.
كان رشدي في المرحاض، وكعادتها اغتنمت مي فرصة غيابه، ووقفت تؤدي صلاتها في هدوءٍ خاشع.
لكن تلك المرة لم يتأخر رشدي كما توقعت.
فتح الباب فجأة، فتجمّد في مكانه، وقد وقعت عيناه عليها وهي قائمة في صلاتها، غارقة في خشوعها، غير منتبهة لوجوده خلفها، توقف مصدوما، يده تنزلق تلقائيًا إلى جيبه، وعيناه تمران عليها باستغراب مشوب بالحيرة، كيف لها أن تصلي في ذلك الوقت؟! مر السؤال في رأسه كصفعة، لكنه لم يتحرك، فقط ظل ينظر إليها.
وحين انتهت، سلمت بصوت خافت، فقال بنبرة جامدة، قصيرة وكأنه الاقي القبض عليها: حراما.
اتسعت عيناها حتي كادتا تخرجان من مكانهما، وابتلعت ريقها بصعوبة، فلقد انكشف أمرها.
تحرك خطوتين، ثم توقف أمامها مباشرة، وعيناه معلقتان بها، بنظرة قاسية لا تحمل سؤالا واحدا، بل ألف اتهام.
همست، وصوتها يرتجف وهي تحاول أن تتمسك بأي مبرر: استنى بس، هفهمك.
قطب حاجبيه، وخرج صوته مشدودا: تفهميني إيه؟
ترددت، انفرجت شفتاها ثم أُغلقتا من جديد، كأن الكلمات خانتها، بدت كطفلة تحاول تبرير خطأ فادح:
أصل… هو… أا…
اتسعت عيناه أكثر، وقاطعها مستنكرا: أصل إيه وفصل ايه بس؟! بقي بتضحكي عليا يا مي؟ دي آخرتها؟
قالت بسرعة، بتبرير طفولي مهزوز: أنا خوفت…
رمقها بنظرة جانبية، ثم قال بنبرة ساخرة يحاول أن يخفي الغضب بالمزاح: خوفتي ليه؟ حد قالك إني بقلب شبح بعد الساعة 12؟
ثم أضاف بمرارة خفيفة لكنها مشوبه بالمزاح: بقي أنا تخليني يومين عايش زي أختك يا مي؟!
انكمشت على نفسها وهي تيشر بيدها لكي ينتظر: استنى، هقولك..
هز رأسه: لا، ده أنتِ اللي هتستنى، وأنا اللي هقولك.
وفجأة، حملها بين ذراعيه دون سابق إنذار، فصرخت وهي تتشبث بثيابه: بس يا رشدي، نزلني!
لكنه لم يفعل، ودخل بها الغرفة وألقاها على الفراش، واقترب منها بخطوات بطيئة، وعيناه تلمعان بنظرة أربكتها؛ خليط غامض من الرغبة والحدة، كنظرة أسد يقترب من فريسته.
قالت وهي تحاول أن تتماسك، بصوت خرج مهتزا: ما هو نظراتك دي هي اللي خلتني أخاف منك، وأضحك عليك.
اقترب أكثر، وحاصرها بذراعيه من الجانبين، دون أن يلمسها، فانكمشت على نفسها، وهمست سريعا: يا رشدي، استنى بس.
توقف، ونظر في عينيها مباشرة: هو مش أنتِ بتحبيني؟
هزت رأسها بايجاب ممزوج بالتوتر والخجل: أكيد بحبك، بس استنى ناخد على بعض أكتر.
اتسعت عيناه بزهول: كل ده، وناخد على بعض!! أنا مش هستنى دقيقه تاني.
قالت برجاء: يا رشدي والنبي علشان خاطري.
مرر يده برفق على خدها، وصوته انخفض محاولا طمأنتها وكسر خوفها: أنتِ مش واثقة فيا؟
هزت راسها بإيجاب وهي تتحاشى النظر داخل عينه: أيوه بثق فيك، بس..
اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه القريبة تربكها، واجتاحت القشعريرة جسدها.
همست باسمه، بالكاد مسموعة: رشدي…
طبع قبلة خفيفة على خدها، ثم قال بنبرة مطمئنة: متخافيش.
ثم بدأ يوزع قبلات خفيفة على وجنتيها، انسابت ببطء حتى عنقها، ارتجفت قليلا، وقبضت على الملاءة بتوترٍ واضح، فالتقط يدها ووضعها بين كفيه، يشبك أصابعه بأصابعها في طمأنة صامتة، وبيده الأخرى لمس وجنتيها برفق، ثم قبلها وهو ينظر في عينيها بنظرة امتلأت حبا: متخافيش، بحبك.
اقترب أكثر، والتقت شفتيهما في قبلة عميقة، مختلفة عن كل ما سبقها، كانت مي مترددة في البداية؛ نعم، اعتادت قربه، لكن هذه اللحظة كانت جديدة، فهي تعرف في قرارة نفسها أن رشدي لن يتوقف عند هذا الحد.
كانت تخجل، وترتبك، كأي فتاة تخطو نحو شيء تعرفه لكنها تخجله بقلب يخفق.
أما هو، فكان حبه ورغبته يقودانه بصبر ممزوج بالشوق، لا بالعجلة.
فرغم جنون رشدي المعروف، إلا أنه كان حذرا معها، فهو كان يعرف طبيعتها الخجولة جيدا، ويدرك أنها ليست كالفتيات اللواتي عاشرهن من قبل، لذلك كان لا بد أن تكون طريقته معها مزيجا من الحنان والرغبة؛ شوقا يحتويها لا يربكها، وقربا يطمئن قلبها قبل أن يلهب مشاعرها.
زادت قبلته دفئا، ودنا منها بشوق واضح، كأنما ينهل من قربها، ثم بدأ يهبط بقبلاته إلى عنقها، ويداه تحيطان بها بحذر وحنان.
شعرت مي بحرارة تداهم جسدها، فبادلته القرب دون وعي، إحساسا خالصا، شعر بذلك بوضوح، فابتسم وكأنه فهم أنها بدأت تتقبل هذا القرب.
ابتسم ابتسامة فهم واحتواء، ومضى خطوة خطوة، ينزع عنها ملابسها بهدوء، وشفتيه لا تفارقان شفتيها، لم تبعده، بل قابلت قربه بشوق وعشق كبير؛ تبادلت معه القرب، لا بالكلمات، بل بالإحساس، حتى ذاب التوتر شيئا فشيئا، فقد استطاع رشدي أن يهزم خجلها، ذلك الحائط الذي كان يقف بينهما، وانساقا معا في موجة عشق هادئة، انتهت عند لحظة فاصلة، لحظة صارت فيها زوجته حقا، روحا وقلبا، قبل أن تكون عقدا واسما.
ليبدأ بينهما فصل جديد، فصل لا يكتب بالتفاصيل،
بل بالوعد.
وبعد وقت
ابتعد رشدي وهو يلهث، ويتصبب عرقا، ثم تمدد على ظهره، كانت هي تبتسم بخجل شديد، شعرها مبعثر على وجنتيها، وشفتيها محمرتان من جنون قبلاته.
فتح ذراعيه وسحبها إليه بخشونة محببة، وقال ضاحكا: شوفتي يا مشمشتي؟ الموضوع طلع بسيط أزاي، شكه دبوس.
ضربته على كتفه بخفة، ودفنت رأسها في صدره: بس يا رشدي بقى، متكسفنيش.
نظر إليها بطرف عينه مبتسما: لا، إحنا لازم نكسر الكسوف ده، نقتله، أنا بحب الجرأة
أضاف بمداعبة: نعدي بس الليلة دي، وبكرة عايزك تبقي جريئة أكتر، تغتصبيني..
ضحكت رغما عنها، ودفنت رأسها في صدره أكثر: بس بقى بجد!
ضحك على خجلها، وعدّل وضعه لينام على جانبه مقابلها، يحدق في ملامحها طويلا، كانت نظرته خليطا من التأمل والعشق، نظرة أربكت قلبها وجعلته يخفق بقوة، خفضت عينيها قائلة: متبصليش كده.
ابتسم بنبرة عاشقه: لو مبصتلكيش كده، هبص لمين؟
عضت شفتيها السفلية بخجل، وهبطت عيناها إلى الأسفل، لكنه مد يده ورفع ذقنها برفق، ليجبرها أن تنظر إليه، قائلا بنبرة دافئة: بصيلي خليني أشوفك، وأشوف عينيكي الحلوين دول..
رفعت عينيها ببطء، وارتسمت ابتسامة رقيقة على وجنتيها..
فقال بغزل صريح: أنتِ حلوة اوي يا مي..
تبسمت بخجل: يعني عايز تفهمني إني أجمل من البنات اللي عرفتهم؟
هز رأسه بابتسامة واثقة: ايوه، وبعدين الجمال مش شكل وبس، ده روح قبل أي حاجة، وأنتِ في عيني أجمل من كل البنات اللي عرفتها.
نظرت إليه مترددة: بجد؟ ولا بتقول كده وخلاص؟
اقترب أكثر وقال بصدق: لا والله بجد، والدليل إني ملفتش ورا ولا واحدة فيهم، أنتِ الوحيدة اللي لفيت وراها، الوحيدة اللي خلت رشدي يحب، وقلبه يدق، ويحس بمشاعر عمره ما حسها قبل كده..
مد يده مبتسما ومرر أنامله على وجنتيها بعينين لا ترمش: أنا بحبك أوي يا مي، عمري ما قولتها ولا حسيتها قبل كده، انتِ اول وآخر حب ليا بجد، بحبك اوي..
ابتسمت بخجل: وأنا كمان بحبك يا رشدي.
سألها بهدوء: كنتي مبسوطة معايا؟
احمرت وجنتاها، وهزت رأسها بإيجاب.
اقترب منها أكثر: وأنا كمان كنت مبسوط اوي معاكي، وهبقى مبسوط أكتر لما أحس ده معاكي تاني.
همست بخجل : يا رشدي…
لم تكمل كلمتها؛ اقترب منها، ضمها إليه، وقبل شفتيها برفق، ثم انسدل الغطاء عليهما، ليغرقا معا في دفء جديد.
نعم، لم يكن رشدي رومانسيا بطبعه، لكنه مع مي تعلم أشياء لم يعرفها من قبل؛ فالعشق، يا سادة، قادر أن يعلم الحجر.
فيلا سليم وماسة، 11:00 صباحا
بدأ يتحرك ببطء، جفونه تثقل كأن النوم لا يريد أن يفارقه، تقلب في الفراش، ثم فتح عينيه بتثاقل ونظر حوله فكان الفراغ أول ما استقبله.
اعتدل جالسا وهو يتمطي، مرر يده على شعره، ثم التقط المنبه من فوق الكومودينو ونظر إليه باستغراب: الحادية عشرة صباحا !!
وقعت عيناه على الورقة والوردة.
تناول الوردة أولا، قربها من أنفه واستنشق عبيرها بعمق، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة لم يستطع منعها.
بعدها فتح الورقة، قرأ ما كُتب فيها وسكنت ملامحه لحظة، ثم التقط هاتفه واتصل بماسة.
من الرنة الأولى جاءه صوتها المرح، وهي تخرج من قاعة المحاضرات: صباح الخير يا سالوملوم.
ابتسم وهو يغمض عينيه نصف إغماضة: صباح النور، إيه يا عشقي، خلصتي؟
أجابته: آه، خلصت وجاوبت حلو أوي الحمد لله.
تنفس براحة، وكأن حملا أزيح عن صدره: كويس، يلا بقى تعالي.
مطت شفتيها بدلال واضح، صوتها تغير: طب سليم، ممكن أطلب منك طلب؟
جاء رده قاطعا، وكأنه قرأ الفكرة قبل أن تقال: لا، مش موافق، يلا تعالي.
ضحكت وقالت بتوسل: وحياتي، والله العظيم هقعد مع أصحابي شوية صغيرين، كوباية نسكافيه بس ونتكلم شوية، أنا أصلا مش هعرف أنزل الجامعة الفترة الجاية كلها، عشان المفروض نبدأ المسلسل مع بعض، وحياتي!
تنهد بضيق خفيف: يا ماسة، بطلي طفولة بقى، هو ده وقته؟
أجابته بسرعة، وكأنها تحتاج أن ترتاح قبل الدخول في اللعبة التي اتفقا عليها: مش طفولة! بس أنا بجد محتاجة أفصل، محتاجة أقعد شوية مع أصحابي خمس دقايق، بص، نص ساعة بس.
ضحك رغم ضجره: خمس دقايق فجأة بقوا نص ساعة؟ بيولدوا!
توقف لحظة، يعرف في داخله أنها فعلا تحتاج هذا الهروب القصير، تنهد وقال بحزم محسوب: طب يا ماسة، نص ساعة مش أكتر، الساعة دلوقتي كام؟
أجابته فورا: 11:05.
رد بنبرة أمر: 11:35 تكوني في عربيتك، فاهمة؟
زفرت بامتعاض خفيف: حاضر.
ثم سألته بفضول: أنت هتعمل إيه دلوقتي؟
أجابها ببساطة: هلبس بسرعة وأنزل علشان الاجتماع.
ردت بإبتسامة: ماشي، خد بالك من نفسك.
ثم أضافت بنبرة ناعمه باحتواء وتنبيه: حبيببي، وحياتي امسك نفسك لما تشوفهم اوعي تتعصب، فكر نفسك ديما انت دلوقت اللى ماسك اللعبه.
أومأ بالموافقة: حاضر، خدي بالك من نفسك.
ماسة بابتسامه: حاضر، بحبك اوي.
ابتسم وكانه يأخذ منها طاقته: وأنا كمان، سلام.
أغلقت الهاتف، واتجهت مع أصدقائها إلى كافيه داخل الجامعة، أما سليم فرفع هاتفه مرة أخرى واتصل بمكي.
سليم بنبرة عملية: مكي، أنت فين؟
جاءه صوت مكي من داخل حديقه الفيلا: أنا تحت في الجنينة مستنيك، واستلمت اهو كل الأجهزة اللي إحنا محتاجينها.
نهض وقال بتنبيه: تمام، طب اطلع أنت على القصر، بس خليك واقف بعيد، واستنى مني إشارة أول ما الاجتماع يبدأ، تدخل وتشتغل بسرعة، قدامك ساعة مش أكتر، وسحر كمان كلمها وخليها تحضر نفسها.
مكي بثقة: متقلقش.
أنهى حديثه مع مكي، وأخذ نفسا عميقا، كأنه يحاول أن يطرد ثقلا جاثما على صدره، ثم دخل الحمام، اخذ حماما سريعا، وخرج يرتدى ملابسه بعناية محسوبة،
وقف أمام المرآة للحظة، أطال النظر إلى انعكاسه بنظرة ذات معنى، لم يرَ ملامحه فقط، بل رأى ما انكسر داخله، وكل ذلك الغضب الذي عاشه وهو يظن أنه يملك السيطرة عليهم.
شد فكه، وقست عيناه، غير أن في أعماقهما وجعا مكتوما لم يجد طريقه إلى الخروج بعد.
كان يدرك أن الطريق الذي أقبل عليه ليس سهلا، ولا نظيفا، ولا آمن من العواقب، لكنه كان على يقين من أمر واحد: لن يسمح لما حدث أن يمر دون حساب، ولن يترك من أحبهم يتحولون مرة أخرى إلى نقطة ضعف.
دقق النظر في ملامحه مره أخري، كأنه يودع نسخة قديمة من نفسه؛ نسخة كانت تثق أكثر مما ينبغي، وتمنح قلبها في غير موضعه.
استنشق نفسا عميقا، وكأنه يدفن تردده مع الزفير، ثم استدار، وغادر الفيلا بخطوات ثابتة متجها نحو المجموعه، مستعدا لتنفيذ خطته، مهما كان الثمن.
مجموعة الراوي، 11:45 ظهرا.
مكتب عزت
كانت صافيناز وفايزة وعزت، يجلسون، يسود المكان صمت مشحون لا يقطعه سوى نظرات متبادلة تحمل الكثير من الترقب.
قال عزت بنبرة شيطانية، وهو يتكئ إلى الخلف بثقة: هي راحت الجامعة النهارده، أول ما تخرج المهمة هتتنفذ، وجود سليم هنا معانا في المجموعة فرصة لازم نستغلها.
نظـروا إليه بابتسامات خفيفة، كأن حديثه يروق لهم، لكن لم يعلق أحدا
تابع عزت، وهو يميل إلى الأمام قليلا، وعيناه تلمعان بمكر واضح: إحنا لازم نحاول نطول الاجتماع على قد ما نقدر، لحد ما يخلصوا المهمة، أنا بلغت عماد وهو هيتابع معايا.
أومأت فايزة برأسها بثبات: تمام يا باشا.
في تلك اللحظة، فتح الباب ودخلت إحدى السكرتيرات، وقالت باحترام: عزت باشا، سليم باشا وصل.
لوح بيده: تمام بلغي الكل يجهزوا، عشر دقايق وهنبدأ.
انسحبت السكرتيرة سريعا، وما إن أغلق الباب حتى تبادل الثلاثة نظرة واحدة، ثم انطلقت إبتسامة خافتة مشبعة بالخبث، كأنهم أخيرا بلغوا اللحظة التي انتظروها طويلا.
قالت فايزة وهي تبتسم بثقة: مش مصدقه إن كلها دقائق والخطة هتتنفذ فعلا ونخلص من كابوس ماسة ده للأبد.
على اتجاه آخر، في مكتب سليم.
كان يجلس على المقعد الأمامي، ملامحه هادئة على غير العادة، غير أن خلف ذلك الهدوء عاصفة مكتومة، لا يعرف كيف سيواجههم في الداخل، ولا كيف سيتمكن من تمالك غضبه، فبداخله نيران تتأجج، يتمنى لو يفتك بهم لينتزع حقه وحق زوجته، لكنه كان يعلم أن عليه أن يتريث، حتى يأخذ حقه بالطريقة التي تليق به.
زفر باختناق، محاولا كبح ما يشتعل داخله، ثم رفع هاتفه واتصل بمكي، انتظر لحظه ثم تحدث بنبرة محسوبة: أنا خلاص دقائق بالظبط وهبقى جوه الاجتماع، أول ما أدخل هبعتلك رسالة، تدخل فورا.
توقف لحظة، ثم أضاف بحزم: كلم سحر دلوقتي خليها تعمل إللي اتفقنا عليه.
جاءه صوت مكي من داخل سيارته، وعيناه لا تفارقان بوابة القصر: تمام، كله جاهز.
أنهى سليم المكالمة، وأسند ظهره إلى المقعد، وعيناه تحدقان في الفراغ ببرود قاتل.
نهض من مكانه، وتقدم بخطوات هادئة نحو طاولة الشطرنج، مد يده، وبدل أماكن بعض القطع، كما كان يفعل في الأيام الخوالي، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ثقة باردة، ابتسامة من يعرف أن خصمه بات داخل اللعبة، وأنه يمسك بالخيوط، ثم استدار وتوجه مباشرة إلي قاعة الاجتماعات.
الكل كان يظن أنه داخل المصيدة، لكن لم يدرك أحد، أن الصياد قد بدل مكانه مع الفريسة.
غرفة الاجتماعات
دخل سليم الغرفة، وما إن خطا إلى الداخل حتى جال بنظره على الوجوه واحدا تلو الآخر، الجميع حاضر، دون استثناء.
العاصفة داخله كانت أعتى مما توقع؛ صدره يضيق، أنفاسه تتثاقل، وغضبه يطرق ضلوعه بعنف، جز على أسنانه، وقبض علي يده حتى كادت أظافره تنغرس في كفه، لا لشيء سوى ليمنع نفسه من الانفجار، فهو لم يعد يراهم كما كانوا من قبل.
لم يعودوا عائلته، كان يراهم أفاعي تتلوى في ثياب البشر، شياطين تبتسم في وجهه.
وقعت عيناه على والدته بنظرتها الثابتة الباردة، غص قلبه للحظه، لكنه تماسك.
انتقلت عيناه إلى صافيناز، كانت تنظر إليه بابتسامة خفية، نظرة غريبة، كأنها سعيدة بوجوده أو بانكساره، لا يدري، لم يكن يعلم أن تلك الابتسامة لم تكن سوى شماتة بما سيحدث مع ماسة وهو لا يدري.
تلك النظرة أشعلت داخله نارا جديدة، لكنه تماسك، وأخبر نفسه أن هذه المعركة لا تدار بالغضب، بل بالبرود وسيتعامل معهم كما يستحقون كأعداء لا كعائلة.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وجلس في مقعدة، ثم أنزل هاتفه أسفل الطاولة وأرسل رسالة مقتضبة إلى مكي: نفذ.
سيارة مكي
ارتسمت ابتسامة سريعة على وجهه وهو يجلس في سيارته، نزل من سيارته واتجه بخطوات حذرة نحو القصر، ثم أجرى اتصالا سريعا.
مكي، بنبرة حاسمة: سحر يلا، حالا!
جاءه صوت سحر من الطرف الآخر: حاضر.
اغلقت معه، ثم تحركت فورا إلى مكان معين بالقصر، ورفعه سكينة الكهرباء، لتتعطل الكاميرات لحظة دخول مكي القصر، ثم اتجهت إلى المطبخ، ورفعت صوتها وهي تنادي: رقية، اماني يلا يا بنات، تعالوا نفطر سوا!
بدأت الخادمات يتجمعن داخل المطبخ واحدة تلو الأخرى، جلوس متعمد، وضحكات خفيفة، وكل شيء يبدو عاديا، بينما الهدف الحقيقي كان إبعادهن تماما عن رؤية مكي، حتى ينتهي من مهمته.
أحد الخادمات، بتوتر: أنا خايفة، الهانم تعرف.
سحر بلا مبالاة: هتعرف منين؟ الحمدلله كلهم النهارده خرجوا، خلونا نتنفس شوية.
أحد الخادمات: فعلا، عندك حق يا سحر.
على اتجاه آخر، خارج القصر.
استطاع مكي التسلل إلي الداخل دون أن يراه أحد من الحراس، معتمدا على معرفته الجيدة بأماكن تمركزات الحراس، ثم أخذ يتقدم إلي الداخل بخطوات حذرة.
مجموعة الراوي.
قاعة الاجتماع.
قال سليم وهو يقلب في الملفات: يلا نبدأ.
وبالفعل، بدأ الحديث يتشعب بين الحضور، لكن فجأة، وضعت صافيناز يدها على بطنها، وخرج منها تأوه حاد: آه...
التفتت الأنظار كلها نحوها، وقالت فريدة بقلق: مالك يا صافي؟!
أجابت وهي تتصنع الألم: مش عارفة، فجأة بطني وجعتني.
ثم وضعت يدها على فمها، وكأن الغثيان باغتها: مش قادرة، معلش أنا همشي، سوري يا سليم.
رفع سليم طرف عينه بنبرة باردة، وقال: تفتكري يعني أنا هيهمني؟! أنا أصلا مش طايقك، مع السلامة.
نهضت على عجل وخرجت من القاعة، وأغلقت الباب خلفها.
أخذت تتحرك في الممر وهي مازالت تضع يدها على بطنها، وما إن ابتعدت عن الأنظار، حتى اختفت ملامح الألم، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة.
أخرجت هاتفها سريعا واتصلت بعماد: عماد بقولك إيه، في حاجة محتاجاها منك حالا...
على اتجاه اخر، داخل قاعة الاجتماع.
شعر سليم بتوتر طفيف بسبب تصرف صافيناز، فهو يعرف جيدا أنها إذا عادت إلى القصر، فسيكشف أمر مكي وما يقوم به.
أنزل هاتفه أسفل الطاولة، وكتب بسرعة رسالة إلى مكي: صافيناز تعبت وسابت الاجتماع، ممكن ترجع القصر في اي لحظه، خلص بسرعه وخد بالك.
عند مكي.
كان قد دخل المكتب أولا حتى يتأكد من أن المكان آمن ويمكنه الصعود لأعلي، أخرج المايك الأول من جيب الجاكيت ومرر عينه حول المكان بعناية، وحين وجد الموقع المناسب، وضعه بحذر شديد، ثم شغل الجهاز وفتح هاتفه ليتحقق أن الصوت مسموع وواضح.
وأثناء ذلك وصلته الرسالة على هاتفه، قرأها وتنهد ببطء قبل أن يتخذ قراره بالبدأ بغرفة صافيناز وعماد أولا قبل أن تأتي، فالطابق الذي تمكث فيه لا أحد غيرها يسكن معاها فيه.
تحرك بحذر إلى الطوابق العليا عبر المصعد لكنه لم ينساه هو الآخر فوضع داخله مايك، وصل الطابق الثالث، دخل غرفة صافيناز، مرر عينه مسرعا على المكان، وبدأ بوضع المايكات في نقاط استراتيجية بحركه سريعه جدا، واحد في الحمام، واحد بالقرب من السرير، في الشرفه، وآخر في مكان الجلوس.
لم يستغرق الأمر إلا دقائق، ثم خرج مسرعا، وانتقل من غرفة إلى أخرى وهو يزرع المايكات بدقة متناهية.
لم يترك أي غرفة دون مراقبة، بما في ذلك الحمام،
حتى غرفه فريده وياسين، لم يستثني أحد، حتي الغرف المغلقة، كانت حركته سريعة ومتيقظة، يختار كل مكان بعناية ليزع فيه المايكات، ليضمن تغطية كاملة دون أن يلفت انتباه أحد، حتى الممرات لم ينساها، وظل هكذا ينتقل من مكان لمكان..
على اتجاه آخر عند سحر، استأذنت من الخادمات لدخول الحمام ثم اتجهت إلي سكينه الكهرباء ورفعتها مره أخري، حتى لا يشك الحراس في أمر انقطاع الكهرباء، ثم عادت إلى الخادمات مرة أخرى، فجلسن يتناولن الطعام ويحتسين الشاي، ويتبادلن الأحاديث بود وألفة.
وكلما حاولت إحداهن النهوض، أوقفتها سحر بحجة أنهن لم يجلسن معا منذ فترة، وأنه ينبغي استغلال غياب جميع افراد العائلة، وأن العمل لن يضيع.
كل ما ترغب فيه الآن هو بعض الوقت، ليتمكن مكي من الانتهاء من زرع الميكروفونات بهدوء دون أن يراه أحد.
على اتجاه آخر، في الجامعة الأمريكية.
كانت الجامعة تعج بالحركة والطلاب يتنقلون بين القاعات والكافتيريا.
جلست ماسة مع أصدقائها، يتحدثون ويضحكون، كان الوقت يمر سريعا دون أن تشعر به ماسه، وأثناء اندماجها في الحديث معهم أمسكت بالهاتف لتري الساعه فوجدتها تشير إلي ال12:00، فاتسعت عيناها وتمتمت في داخلها: يا نهار أبيض، سليم لو عرفت إن النص ساعه ولدت لساعه هينفخني.
قامت بلم متعلقاتها سريعا، وقالت وهي تنهض: معلش يا بنات مضطرة أمشي.
نظرت إليها إحدى صديقاتها: لسه بدري اقعدي معانا شويه، أنتِ بتقولى مش هتيجي إلا على الامتحانات.
ابتسمت ماسة وقالت موضحه: معلش أصلي متفقه مع جوزى نروح مشوار مع بعض وكان المفروض اتحرك من نص ساعه، لو كلمني وعرف إني لسه هنا، هيزعقلي! يلا باي باي، ومتنسوش، بالله عليكم تظبطولي الملخصات.
صافحتهم وألقت التحية عليهم، ثم بدأت تتجه نحو الخارج، حيث كان عشري وراويه ينتظرها مع باقية الحراس.
ماسة بلطف: يلا بينا نرجع على الفيلا، ولو سليم سألكم روحت امتي قولوا مشينا 11 ونص بس الطريق كان زحمه، داروا عليا.
ابتسم عشري قائلا: عايزانا نكدب على الملك؟!
قالت ماسه بابتسامه وهي تتجه نحو سيارتها: كدبه بيضا بقي يا عشري متبقاش قفوش.
دخلت ماسة سيارتها، وقبل أن تشغلها، حاولت الاتصال بسليم لتخبره أنها انطلقت، لكنه لم يرد، فقد كان منشغلا في الاجتماع، بدأت القيادة، بينما كانت سيارة الحراس تلاحقها عن كثب، تحافظ على مسافة آمنة من الخلف.
لكن، في نفس اللحظة، ظهرت سيارة أخرى تتحرك خلفها، تراقب كل تحركاتها بدقة، وكأنها تحدد كل خطوة من خطواتها.
على اتجاه اخر، في مجموعة الراوي.
مازال سليم يباشر الاجتماع، وعلى الرغم من الثقة التي يحملها بداخله، كان شعوره بالغضب يكاد يطفو على السطح حاول السيطرة عليه، ومثل الرزانة أمامهم، وحاول قدر الإمكان أن يخوض الاجتماع بكل تركيز حتى ينتهي.
كان هاتفه على الطاولة على وضع الصامت، فهو لم يرغب في الانشغال بالهاتف أمامهم، حتى لا يلاحظ أحد شيئا، فلم ينتبه لمحاولة ماسة لاتصال به.
قال عزت بعمليه: المصنع ده هينقلنا نقلة كبيرة جدا، هنبقى من أكبر مصانع البترول والغاز الطبيعي في الشرق الأوسط، هننافس دول الخليج، المصنع ده مشروع العمر بالنسبة لي، ومش عايز فيه اي غلط.
رفع سليم عينه نحوه: متقلقش يا باشا.
كان عزت متحمسا للغاية، وأشار إلى أهمية الحفل: فايزة، الحفلة دي هيحضرها وزراء ورئيس الوزراء بنفسه هيجي لحضور الافتتاح.
ابتسمت فايزة وقالت بغرور: متقلقش يا باشا، أنا هعمل حفلة على أعلي مستوى.
في تلك اللحظة، وصلت رسالة إلى عزت بأن ماسة خرجت، وأنهم خلفها الآن، نظر إليها سريعا، ثم رفع عينيه نحو الحضور واستكمل الاجتماع كأن شيئا لم يكن.
على اتجاه اخر، في سياره ماسة بالطريق.
كانت تقود سيارتها، والاغاني تنساب من السماعات، تحاول أن تخرج نفسها من التوتر الذي لازمها في الفترة الأخيرة، أصابعها تتحرك بخفة على عجلة القيادة وتغني وعيناها على الطريق.
اهتز هاتفها فجأة، فمدت يدها إليه ظنا منه أنه سليم، نظرت للشاشة، وما أن وقعت عيناها على الرساله حتى تسمرت ملامحها، واتسعت عيناها بصدمه، فكان محتواها "سليم اتصاب إصابة كبيرة وفي المستشفي دلوقتي، وحالته خطيره، ده اللوكيشن"
فرملت فجأة، ثم وضعت يدها على فمها، ودموعها سالت بلا وعي بصدمه، خرج كلمتها مرتعشة: سليم..!!
رفعت هاتفها مسرعة واتصلت به، لكنه لم يرد، فأخذت تبكي بحرقة، وتلوم نفسها بصوت محشرج بندم: أكيد عملوا فيه حاجة علشان أنا حكيتله، ياريتني ما حكيت حاجة! اكيد معرفش يمسك نفسه في الاجتماع.
ضربت على الدركسيون: انا غبيه، أنا السبب.
وأخذت تبكي بحرقه.
في تلك اللحظة، لاحظ الحراس توقفها المفاجئ، فتساءلت راوية: هي، ماسة هانم وقفت مرة واحدة كده ليه؟
عشري وهو يهم بفتح الباب: هخرج أشوف...
خرج مسرعا وخلفه روايه، فالمسافة بينهما لم تكن كبيرة.
ولكن فى اللحظة نفسها، مسحت ماسة دموعها، وابتلعت ريقها وضغطت على دواسة البنزين، وانطلقت بأقصى سرعة نحو الموقع الذي ارسل اليها.
ارتسمت على ملامح رواية وعشري، علامات الاستغراب لوهله، ثم اسرعوا نحو السياره.
صاح عشري في السائق: اطلع وراها بسرعه.
لكن بعد بضع أمتار، قاطعتهم شاحنة ضخمة من الحارة الجانبية فجأة، فاضطروا للتوقف، بينما اختفت سيارة ماسة تماما في الزحام.
صرخ عشري: اضرب كلاكس! يلا!
ضغط السائق على الكلاكس بشدة، خرج عشري مسرعا والقلق يكسو ملامحه، أخذ يصرخ في سائق الشحنه لكي يتحريك بسيارته.
تحركت السيارة أخيرا، فصعد مسرعا مرة أخرى، لكن كانت سيارة ماسة ابتعدت للغايه، فقد اختفت تماما ولم يصبح لها أي أثر على الطريق.
عشري وهو ينظر من النافذة باضطراب: هي فين؟! وقف... وقف!
ترجل من السيارة بعجلة، يتبعه راويه وحارس آخر، أخذ يدور بعينيه في كل اتجاه، ولكن لم يجد لسيارتها أي أثر وكأن الطريق ابتلعها !
قال بغضب: اختفت راحت فين بس؟! من أنهي اتجاه؟!
رفع هاتفه وأجرى اتصالا بماسة، وظل يحدق فيه لثواني، متمنيا أن ترد.
عند ماسة بالسيارة.
كانت تقود بسرعة مهولة، يداها ترتجفان فوق المقود، وعيناها معلقتان بالطريق، بعيدا عن إدراكها لأي شيء حولها، أنفاسها متقطعة، وصورة سليم لا تفارق عقلها، كانت منهارة تماما، ووجهها مغطى بالدموع.
استمتعت لصوت الجرس، فنظرت نحو الهاتف، أمسكته بالهفه معتقدة أنه سليم لكنه كان عشري.
اتاها صوت عشري قائلا: ماسة، أنتِ فين؟
ردت من بين شهقتها، متلعثمة بسبب انهيارها: سليم… يا عشري، سليم… المستشفى… حالته خطرة… سليم…
وقع الهاتف من يدها في الدواسة لكنها لم تهتم، فقد انهارت تماما.
لم تشعر بنفسها إلا وهي تنحرف فجأة نحو مدخل المشفى، كانت أقرب مما توقعت، كأن الطريق قادها إليها دون وعي، ضغطت على الفرامل بعنف، فتوقفت السيارة أمام البوابة الرئيسية، ترجلت مسرعة، تكاد قدماها لا تحملانها، واندفعت إلى الداخل وهي تلهث وتبكي توقفت امام الإستقبال، وقالت بكلمات متقطعه من بين أنفاسها: لو سمحت..، سليم الراوي! أوضة كام؟
الموظف بسرعة: الدور الثاني، أوضة 712 يا فندم.
ركضت نحو المصعد، والدموع تملأ وجهها، وقلبها ينبض بسرعة كاد أن يتوقف.
في اللحظة نفسها، عند مكتب الاستقبال.
خلع الموظف الذي سألته ماسه الزي الرسمي بسرعة، وألقاه أرضا، ثم تحرك إلى الخارج خلال ثواني قليلة.
وفي التوقيت ذاته، تقدم شاب آخر، جلس مكانه بهدوء، وبدأ يعد مبلغا من المال، وكأن شيئا لم يكن.
على بعد، كان يقف رجل تبدو من ملابسه وملامحه انتماؤه لجماعات المافيا، يراقب المشهد بعينين ثابتتين لا ترمشان، ابتسم ابتسامة باردة، ثم رفع هاتفه وقال بصوت خافت: الفار وقع في المصيدة يا باشا.
جاءه الرد من الطرف الآخر ببرود قاتل: تمام يلا بسرعة، المهمة B.
أنهى ذلك الرجل المكالمة وهو ينظر باتجاه الطريق، حيث كانت السيارة متوقفة وعلى مقعدها الخلفي يجلس مصطفى، رأسه مائل إلى الجانب، وغائب عن الوعي!
على اتجاه آخر عند عشري.
بعد أن انقطع الاتصال بدا مرتبكا وغير فاهم لما يحدث، أعاد الاتصال بها ثانية فلم تجيب.
اقتربت رواية متسائلة: قالتلك هي فين؟
لم يستطع عشري فهم شيء، فنظر لها متحيرا: بتقول في المستشفي، راحه لسليم!!!
عقدت حاجبيها: ليه سليم بيه ماله؟
هز رأسه: معرفش، مش فاهم حاجه!
ثم أمسك هاتفه، واجري اتصال بأحد حراس سليم، انتظر قليلا، ثم قال: أيوه يا صبحي أنتم فين؟
أتاه الصوت من الاتجاه الآخر: في المجموعه، الباشا لسه مخلصش الاجتماع.
عقد حاجبيه بدهشه، ثم تساءل: يعنى الأمور عندك تمام؟
أجابه: أه، كله تمام.
عشري: طب اقفل اقفل.
أغلق هاتفه، وتغلغل داخله شعور بالريبه، وأن هناك شيء ما يحدث، وربما تكون ماسه بخطر الآن ولابد أن يعلم سليم، فرفع هاتفه فورا وأجرى اتصال بسليم، ولكنه لم يجيب، أعاد الاتصال لمرات عديدة، وكان يقابله نفس الرد " رنين متواصل ثم ينقطع الاتصال دون إجابة"
زفر باختناق، وقرر مهاتفه مكي عله يستطيع الوصول لسليم، لكن لم يجيب هو الآخر، أعاد الاتصال مرة أخرى: يا مكي رد!
لكن بلا جدوى، لم يرد مكي، فقد وضع هاتفه على الصامت حتى لا يفتضح أمره، منشغلا بزرع الميكروفونات، يعمل في هدوء دون أن ينتبه لشيء.
تبادلت معه راويه نظرة قلقة، وقالت بصوت مرتجف: سليم بيه هيبهدلنا لو حصل لها حاجة...
رد بعصبية مكتومة: راويه! اسكتي شوية، خليني أفكر واشوف هتصرف أزاى!
ضرب على كبوت السيارة بقبضته، وأنفاسه تتلاحق، وعقله مشلول، لا يعرف ماذا ينبغي عليه أن يفعل.
رفع رأسه وهو يتشبث بآخر بصيص من الأمل: يلا نراجع الكاميرات اللي حوالين المكان بسرعة، يلا.
التفت حوله، وعيناه وقعتا على سوبر ماركت قريب، تحرك نحوه على الفور، وما أن دخل، سأل البائع: بقولك يا برنس، هو مستشفيات قريبة من هنا؟
أجابه البائع: أه حوالي ثلاث.
ذم شفتيه، وشعر أن الامر يزداد تعقيدا، زفر باختناق، وتساءل: طب ينفع أراجع كاميرات الطريق الرئيسي من الساعة 12 وربع.
صمت البائع لوهله ثم اومأ: طيب
وبالفعل بدأ يراجع عشري الكاميرات بتركبز وما إن وقعت عينه على سيارة ماسة تابعها حتي اختفت عن كاميرات، شكره وخرج.
تحرك في الاتجاه التي ذهبت فيه ماسه، وفتح ال GPS للبحث عن أماكن المستشفيات المجاورة، فوجد الثلاثه على ثلاث محاور مختلفه! أكمل الطريق حتى وصل الي مفترق الطرق، ترجل من السيارة وذهب إلي بنزينه على الطريق، وطلب مراجعه الكاميرات ليعرف في أي طريق اتجهت، رفض العامل في بادئ الأمر لكنه سرعان ما رضخ لطلبه ووافق حينما أعطاه مبلغا من المال، اطلع علي الكاميرات وعلم الطريق الذي سلكته ماسة فهز رأسه وخرج وانطلق نحو ذالك الاتجاه مسرعا.
وظل هكذا يكمل الطريق الذي وقعت بيه تصوير ماسة، وحين يأتي مفترق طرق يراجع كاميرا أخري في مكان آخر ليعرف في أي اتجاه ذهبت.
في المستشفي
خرجت ماسه من المصعد مسرعة، ووجهها يقطر دموعا، تلتفت في كل اتجاه بعينين زائغتين، تتحرك كمجنونه تبحث بين الغرف وتقرأ أرقامها بتوتر.
ضربات قلبها متسارعة، وبكاؤها حارق، حتى توقفت أمام باب الغرفة المكتوب عليه (712).
دفعت الباب بعنف، وهي تصرخ من بين شهقاتها: سليم!
لكن وجدت الغرفة خالية، عقدت حاجبيها بدهشه، وتقدمت خطوتين مرتبكتين، وصوتها خرج بصعوبة: سليم؟!.. فين سليم؟
لم يجبها سوى صوت أنفاسها المتقطعة.
وفجأة، وقبل أن تدرك ما يحدث، شعرت بيد قوية تطبق على فمها من الخلف، ومنديل برائحة غريبة يضغط على أنفها.
حاولت أن تصرخ، أن تقاوم، لكن جسدها خذلها، وبدأ العالم من حولها يتلاشى ببطء، وفي لحظة مال رأسها وفقدت وعيها تماما.
حملها الرجل الذي كان يرتدي بالطو أبيض كأنه طبيب، على ذراعيه بخفة مدربة، ووضعها على الفراش، غطاها بغطاء أبيض كأنه ينقل مريضة، ثم خرج بها من الغرفة بهدوء.
مر عبر الممر الطويل بثقة، دون أن يلتفت لأحد، الممرضات والمارة ظنوه طبيبا ينقل حالة طارئة.
دخل المصعد، ونزل إلى الطابق الأرضي، ثم خرج من باب الطوارئ الخلفي، حيث كانت سيارة إسعاف في انتظاره.
فتح الباب الخلفي، وكان هناك رجلان آخران بانتظارها تسلموها منه بسرعة، صعد معهم وأغلق الباب، ثم انطلقت سيارة الإسعاف وكأنها لم تكن هنا أبدا.
وفي اللحظة نفسها، صعدت فتاة تشبه ماسة في بنيتها من بعيد إلى سيارتها، وأدارت المحرك، ثم انطلقت تقود خلف سيارة الإسعاف دون أن تلفت الانتباه.
وكأنهم أرادوا استكمال المسرحية، ليبدو المشهد وكأن ماسه هي من كانت في السيارة، لا مجرد فتاة تشبهها.
في تلك اللحظة، داخل قصر الراوي.
كان مكي قد أنهى زرع المايكات بالكامل، فقد أصبح القصر كله، من الطوابق الثلاثة حتى الدور الأرضي ملغما بالأجهزة، كانت خطواته في الدور الأرضي محسوبة بعناية فائقة، يتحرك بحذر، ويتفادى أن تقع عليه عين أي شخص أثناء مروره.
بعد أن وضع آخر جهاز، خرج إلى الخارج، وتسلل بحذر ثم انزل سكينة الكهربا، وهذا كان كافيا ليخبر سحر بأن المهمه قد تمت، ولا بد أن تعيد تشغيلها مره أخري بعد بضع دقائق، حتى يكون تمكن من الرحيل.
تسلل مكي إلي خارج القصر دون أن يشعر به أحد كما دخل، صعد سيارته وانطلق متجها نحو المجموعة، مستعدا لتنفيذ الخطوة التالية في الخطة.
لم يلتفت إلى هاتفه، لم يرَ اتصال عشري، ولم يكن يعلم أن ماسه قد اختفت.
وفي نفس اللحظة، وصل عشري إلى المستشفى، أول ما فعله كان التوجه مباشرة إلى غرفة المراقبة؛ كان متأكدا أن هناك شيئا ما يُخفى، قال للرجل المسؤول: بقولك إيه، محتاج أشوف كاميرات المكان من نص ساعة كده.
رد الرجل بتلعثم: لا والله يا باشا، الكاميرات فصلت من الصبح.
كرر عشري بعدم تصدق: لا والله؟
هز الرجل رأسه بإيجاب، بنبرة بدت مصطنعة: آه والله، عندنا عطل فني، بتحصل أحيانا.
تأمله عشري بعينين حادتين؛ إحساسه أكد له أن الرجل يكذب ويتلاعب به، حك أنفه بتوتر، ثم ابتعد خطوة، يفكر في خطوته التالية.
في تلك الأثناء، اقتربت راوية وهمست: الواد ده بيحور يا عشري.
رد بصوت منخفض: ما أنا حاسس بكده…
ثم قال بحزم، وعيناه تجولان في المكان: اسمعوني، لازم نتحرك بسرعة، قلبي مش مطمن، لازم نفترق وندور في كاميرات الأماكن اللى حوالين المستشفي من كل الاتجاهاه.
التفت إليهم محددا الأدوار: حسين، أنت راجع كل كاميرات المنطقة الشرقية، وأنتِ الغربي، وأنا هتابع الباقي.
وبالفعل، ابتعد كل واحد منهم في اتجاهه، وبدأوا البحث بكل جدية. لكن دون جدوى، فجميع الكاميرات المحيطة بالمكان كانت متوقفة في التوقيت نفسه، وكأن هناك من تعمد قطعها.
تسارع خفقان قلب عشري، وشعر أن ما يحدث ليس طبيعيا على الإطلاق، ساوره إحساس غريب بأن هناك كارثة توشك على الوقوع، وأن عليه مواصلة العمل ومحاولة إنقاذ ماسة منها بكل ما أوتي من جهد، فقد ائتمنه سليم عليها، وكان واجبا عليه أن يحميها، ولو كلفه الأمر زهق روحه.
علي اتجاه آخر، في مجموعة الراوي
كان الاجتماع لا يزال قائما، وكان كل من عزت وسليم ينتظران الإشارة التي ستنهيه، شعرا كل منها وكأنه يمسك بخنجر خلف ظهره مستعدا به لطعن الآخر ولكن ينتظران اللحظه الحاسمه، لكن بدا أن خنجر عزت كان أكثر سمًا.
عندما كان يشعر سليم أن الاجتماع يوشك على الانتهاء، كان يفتح المجال للكلام، وفعل عزت بالمثل.
وفجأة، تعالي طرق الباب ودخل مكي قائلا: أسف يا جماعه، بس سليم أنا جبتلك الحاجات اللى طلبتها، وأسف بجد على التأخير.
ابتسم سليم، وفهم على الفور أن الوقت قد حان لإنهاء الاجتماع، فقال بمكر: مفيش مشكله، استناني في المكتب..
أومأ مكي بايجاب وخرج للخارج.
قال سليم بهدوء، بشعور الانتصار: أعتقد أننا ناقشنا كل شيء، ومفيش حاجة تانية ممكن نتكلم فيها.
هز عزت رأسه بإيجاب، ولكنه حاول فتح مجال للكلام حتى تصله الإشارة التي ينتظرها: تمام أنا بس مش عايز غلط، لازم افتتاح المصنع يكون في اليوم المتفق عليه.
طه بابتسامة: متقلقش يا باشا بكره هروح أنا ومراد، ونتأكد من كل حاجة، ونعمل زي اختبار كده نجرب المكن وكل حاجة، علشان يوم الافتتاح.
مدت منى يديها تمسح على خدي ابنها مراد: متقلقش يا باشا، مراد دلوقتي بقى شاطر جدا، زي عمو سليم بالضبط، مش كده يا سليم؟
سليم بابتسامة حقيقية: فعلا مراد أثبت وجوده الفترة دي.
وفي هذه اللحظه اهتز هاتف عزت بالرسالة المنتظره، نظر لها بطرف عينه، وابتسم ابتسامة ماكره، ثم تساءل: طب حد عنده أي أسئلة تانية؟!
هز الجميع رأسه بلا، فقال بابتسامه منتصره مبطنه: طيب كده اقدر اقول الاجتماع خلص، ويلا كل واحد على مكتبه.
تبادلت معه فايزة النظرات الخبيثه وهي تعبث بخصلة من شعرها باستمتاع، فقد فهمت أن المهمه اكتملت، ولم يبقَ أمامها سوى أن تجلس وتستمتع بلحظة انتصارها.
في أحد الشقق المجهولة، 1:00 ظهرا.
كان الصمت يخنق المكان، إلا من أصوات خطوات الحراس المتقطعة.
دخل الحارس الأول، يحمل ماسة بين ذراعيه، جسدها بلا حراك، كأنها مجرد دمية تساق إلى مصير مجهول، خطواته كانت ثقيلة، وصوته يختلط بأنفاسه المتقطعة.
هنا ظهرت صافيناز، وفي عينيها نظرة خبيثة شيطانية كالحية السامة قالت بحده: يلا بسرعة، دخلوهم في الأوضة اللي هناك دي.
تقدم بها الحارس حتى وصل إلى غرفة النوم، ووضعها برفق على الفراش، ثم ظهر حارسان آخران، يحملان مصطفى، وهو فاقد الوعي، ووضعاه بجانبها.
لم يكن هناك وقت للحديث؛ كل شيء كان محسوبا بدقة، بدأ الحراس بتحريك الأجساد بعناية، يضبطون الوضع بحيث تبدو الغرفة وكأنها مشهد مسرحي متقن.
كانت صافيناز تتوقف هناك، تراقب ما يحدث بابتسامة خبيثة وباردة، كأنها تستعيد حقها الذي ضاع عندما أجبرها سليم على تقبيل يد ماسة والاعتذار لها.
عيناها كانت تلمعان بشر خالص، نظراتها حادة كأفعى سامة تترقب اللحظة المناسبة لتسمم الجو حولها.
حتى الهواء بدا يثقل من حولها، وكأن الشر نفسه يسير معها في كل خطوة.
رفع أحد الحراس عينه نحوها، وقال: نعمل إيه تاني يا هانم؟
صمتت للحظة، وظلت تحدق نحو ماسه ومصطفى وهما نائمان بجانب بعضهما، كأنها تخزن كل التفاصيل في رأسها، تفكر في كل فكرة ترغب في تنفيذها.
وفجأة ارتسمت على شفتيها ابتسامة شيطانية، كما لو أنها وجدت الفكرة التي كانت تبحث عنها، فرفعت حاجبيها بحدة وقالت: قلعوه هدومه.
هز الحارس رأسه بإيجاب: أمرك يا هانم.
بدأوا في تنفيذ الأوامر دون تردد، أمسكوا بمصطفى ونزعوا عنه القميص والبنطال، وتركوه بملابسه الداخلية فقط.
في تلك الأثناء، مدت صافيناز يدها بهدوء نحو حقيبة ماسة، فتحتها وأخرجت هاتفها، رفعت عينيها ببطء نحو أحد الرجال، وقالت: فين تليفونه؟!
أخرج الهاتف من جيبه وناوله لها.
حاولت فتح الهاتف، لكن كلمة المرور أوقفتها.
ذمت شفتيها بضيق لوهله، ثم اقتربت وأمسكت أصابعه بقوة خفيفة، وضغطت بها على الشاشة ففتح الهاتف.
كررت الفعل نفسه مع هاتف ماسة، دون تردد
ثم فتحت تطبيق الواتساب، على هاتف مصطفى بحثت عن اسم ماسة، ثم بدأت تكتب: حبيبتي أنتِ فين؟
ومن هاتف ماسة، كتبت الرد بسرعة وثقة مصطنعة: أنا أهو، جايلك يا حبيي وحشتيني أوي.
لم تتوقف، بل كتبت من جديد: طب يلا بسرعة بقى، أنا مستنيكي في الشقة، انتِ قولتي لجوزك ايه؟!
كتبت عند ماسة: قولتله إني في جامعة، بس خلاص كلها ربع ساعه وابقي في حضنك، سلام.
ما إن أرسلت الرسائل حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، وضحكة منخفضة خرجت منها ببرود وقسوة، كضحكة أفعى وجدت فريستها أخيرا.
وضعت الهاتفين على الكومودينو ببطء متعمد، وكأنها تغلق فصلا وتفتح آخر.
وفي الخلفية، كان الحارسان قد انتهيا من مهمتهما مع مصطفى، بينما ظلت صافيناز تراقب المشهد بعينين خاليتين من أي رحمة.
تساءل احد الرجال: تؤمري بأيه تاني يا هانم؟
لم ترفع نظرها إليهم إطلاقا، وقالت ببرود: اطلعوا برا، وهاتوا التليفون اللي الباشا قالك هتبعت الرسالة منه.
اعترض أحدهم: بس يا هانم...
رفعت نظرها اليه بحدة بنظرة كافية لإسكاته، فأومأ برأسه موافقا، وأشار بيديه للباقية ليخرجوا فورا من الغرفة.
توقفت صافيناز لحظة، وعيناها تتلألأان وهي تحدق في ماسة ومصطفى من أعلى إلى أسفل، ارتسمت على شفتيها ابتسامة جانبية خبيثة، وكأنها تخبئ نوايا ماكرة في صدرها.
تقدمت ببطء نحو ماسة، وبدأت تنزع عنها فستانها، وتجردها من ملابسها، تاركة إياها بملابسها الداخلية فقط، ثم غطت جسدها بملاءة خفيفة، لكن لم يكتفِ شرها بذلك، حملت رأس ماسة ووضعتها على صدر مصطفى، واخذت تفرد شعرها على صدره، وكأنها لوحة عبثية من الحب والخيانة!
قبضت على ذراع مصطفى المستلقي على ظهره، ولفت ذراعيه حول جسدها، وكأنهما يحتضنانها، ثم ابتعدت خطوة، تمرر عينيها عليهم، لتتأكد من الوضعية، وابتسامتها العريضة لم تفارق وجهها.
وعقلها المظلم لم يتوقف عند هذا الحد؛ وقعت عيناها على حقيبة ماسة، فتحتها، أخرجت أحمر شفاه ومسحت منه على رقبة مصطفى، ثم مررت يدها على وجه ماسة لتبعثر المكياج، كأنها تحول اللحظة إلى فوضى صاخبة.
ثم أخرجت عطر ماسة وبدأت ترشه على مصطفى، ثم ضحكت ضحكة غريبة مزيج من السعادة والشر، وكأن قلبها لم يعرف الرحمة يوما.
لم تتوقف عند هذا الحد، فقد التقطت زجاجة ماء صغيرة ورشت القليل منه على جسد مصطفى ووجنتيه، لتجعل المشهد يبدو كما لو أنه بعد علاقة حميمية مجنونة.
ثم أمسكت ملابسهما وأخذت تلقي بالملابس في كل زاوية من الغرفة.
ابتعدت صافيناز قليلا، وتوقفت في منتصف الغرفة، بعينان مليئتان بالخبث والشر، تحدق بما فعلته كما لو كانت تقيم جريمتها، تتحسس النواقص وتطمئن أن كل شيء في مكانه الصحيح.
حين تأكدت أن كل شيء تم على أبهى صوره، ابتسمت ابتسامة جانبية مليئة بلانتصار، وقالت بصوت خافت يمزج بين الغضب والخبث والحقد: تعالي بقي نوري حبيب قلبك، وأنتِ في حضن راجل تاني، وبتخونيه، علشان يبقى يخليني أنا صافيناز الراوي أبوس إيد خدامه ويضربني ويطردني من القصر، ويعمل فيا كل اللي عمله...
تابعت بشماته: كان نفسي اوي أشوف منظره لما يشوفك في المنظر ده بس مش مهم، هنشوف منظره بعد كدة هيبقي عامل ازاي، أنا لو منه أموت نفسي.
ثم أخرجت الهاتف وبدأت في تصوير كل شيء: الغرفة، موضع الملابس، وضعية ماسة ومصطفى، ثم صنعت فيديو قصير.
بعدها نادت بصوت منخفض: انت تعالي هنا.
دخل أحدهم، سلمته الهاتف وقالت: أنا صورت كل حاجة، الفيديو والصور، شوف هتعمل فيها إيه.
نظر الرجل إلى الصور والفيديو، لتأكيد من زاوية التصوير ابتسم وقال بفخر: تصوير جامد يا هانم.
رفع الهاتف وأجرى مكالمة سريعة: خلاص يا باشا، صورنا، وهنبعت الفيديو دلوقتي لسليم بيه، آه يا باشا متقلقش أنا مديهم مخدر ربع ساعة وهيفوقوا، لا يا باشا، قبل ما البوليس يوصل، وسليم بيه، أكيد هيكونوا صحيوا، أيوه، سلام.
أنهى المكالمة، ثم قالت صافيناز: أنا همشي بعد دقيقة واحدة، ابعتو الصور لسليم.
هز الرجل رأسه بإيجاب، وهمت هي بالتحرك، غير أنها قبل أن تغادر، مررت نظرة باردة على ماسة من أعلى إلى أسفل، نظرة امتلأت بالشماتة، ثم خرجت دون أن تلتفت.
بينما ضغط الرجل على زر إرسال الصور والفيديو، تبادل نظرة سريعة مع زميليه، ثم خرجوا من الشقة بهدوء، تاركين وراءهم مشهدا من خديعة كاملة الصنع، ينتظر أن ينفجر في وجه الجميع.
في مجموعة الراوي
دخل سليم المكتب، وكان مكي يجلس على المقعد المواجه له، ينتظره بابتسامه منتصره.
ابتسم سليم بدوره وقال: طمني، كله تمام؟
رد مكي بابتسامة عريضة بثقه: فوق التمام كمان القصر كله بقى بث مباشر، حتى الجناين مسبتش مكان، ووصلتلك كل حاجة على اللابتوب والتليفون، عشان لو عايز تسمع أي حاجة لايف في أي وقت، وكل يوم بالليل هقعد أسمع إيه اللي بيحصل واديك تقرير بيه، وسحر كمان بعد ما الخدم يناموا، هتزرع الميكروفونات حتى في أوض الخادمات..
هز سليم رأسه إيجابا وجلس على المقعد أمامه، أخرج سيجارة وأشعلها، وأعطى واحدة لمكي.
قال سليم بهدوء، وهو يخرج نفسا من السيجارة باختناق: الخطوات الجاية دي مهمة جدا.
سأل مكي بقلق: طب، عملت إيه جوه لما شوفتهم؟
قال سليم و هو يضغط على سيجارته بتفكير بضجر:
والله العظيم كنت قاعد جوه وأنا جوايا نار بتاكل في قلبي، كان نفسي اولع فيهم كلهم ومعاهم الكلب اللي مسافر، بس أعمل إيه؟ لازم أهدى وافضل وراهم لحد ما اجيب اخرهم.
جز على اسنانه واضاف بندم: إحنا غلطنا يا مكي، إننا استضعفناهم اوي كده.
هز مكي رأسه، وقال وكأنه يعطيه الشجاعه: صح، بس برضو شويه الحاجات اللي أنت بتفكر تعملها واللي عملتها كويسه، أنا شايف إن لما نوقعهم في بعض، كل واحد هيقول اللي عنده.
سليم وهو يشير باصابعه بتأييد: هو ده اللي مصبرني إن أنا شاكك إن هما اللي ورا الحادثه بنسبه 90% غير كده كان زماني ولعت فيهم القصر بس اقسم بالله ما هسيبهم.
فجأة، اهتز هاتف سليم على المكتب، رفع عينه على الشاشة، وجد رسالة، كلماتها كاللسعات: سليم بيه، شكلك كبرت وعجزت ومش مالي عين المدام، نصيحة روح شوف المدام وهي في حضن واحد تاني في عش العشاق اللي بتقابله فيه وبيستغفلوك، ومدينك على قفاك.
تصارعت دقات قلب سليم بشدة، وشرارة غضب حمراء بدأت تتوهج في عينيه.
لاحظ مكي التغير في ملامحه فتساءل بقلق: في إيه يا سليم، الرساله فيها ايه؟
وقبل أن يستوعب تلك الرسالة الوقحة، وصلته صورة، فتحها تلقائيا، بلا وعي، كمن يفتح بابا وهو لا يدري أن خلفه هاوية.
وما إن وقعت عيناه عليها، حتى تبدل كل شيء وانهار كل ما كان يظنه ثابتا، وتوقف الزمن.
دق قلبه بعنف مؤلم، كأن أحدهم قبض عليه بيده وعصره بلا رحمة، اتسعت عيناه حتى كادتا تخرجان من محجريهما، لا من الدهشة فقط بل من الوجع.
الصورة كانت لماسة بين أحضان مصطفى ولا يستر جسديهما سوا غطاء خفيف!! كانت قريبه منه إلى حد لا يترك مجالا للشك، ولا يمنح العقل فرصة للاختباء خلف الإنكار.
كانت الصورة تظهر ما هو أبعد من كونها بين أحضان مصطفى؛ أثر احمرار شفتيها كان واضحا على رقبته،
ومكياجها مبعثر، كأنها خرجت لتوها من فوضى لا تخفى معاناها عليه!
تلك اللقطة الملعونة التي التقطتها صافيناز، لا لتُريه حقيقة، بل لتغتال يقينه بدم بارد.
اجتاح جسده برودة قاسية، تشبه مغادرة الروح الجسد عند الموت.
عقله صرخ رافضا: لا، ماسه لا يمكن أن تخونه، ماسته الغاليه الذي كان يناديها بقلبه قبل شفتاه، عشقه الأول، والأخير، والوحيدة الذي لم يسمح قلبه أن يسكنه غيرها، والتي تربت على يديه لا يمكن أن تخونه بهذا الشكل ولا بهذه القسوة.
لكن عينيه كانتا ترى، والرؤية كانت أقسى من أي صوت لقلبه، وقبل أن يلتقط أنفاسه المقطوعة، جاءت الضربة الثانية "الرسالة"
تلك الرسالة المريضة، الطعنة الحقيقية التي لم تمر على القلب، بل استقرت فيه.
صور للمحادثات، كلمات متبادلة بينها وبين مصطفى، كلمات كتبتها صافيناز بيدها، لكنها بدت له حقيقية حد القتل.
مرت عيناه على الكلمات يقرأ ما بها، وهو لا يشعر بدموعه التي تجمعت في عينيه بصدمة حارقة، كأن أشواكا تغرز فيهما مع كل كلمة.
اهتز الهاتف بين يده المرتجفة، ووجعه فاق قدرته على الاحتمال لم يتخيل يوما أن يرى ما يراه الآن، ولا أن يقرأ كلمات كهذه باسمها.
تسارعت أنفاسه، وصدره يعلو ويهبط بعنف، ونغزة حادة استقرت في منتصف قلبه، لا تشبه الألم بل تشبه الكسر، كشوكة مغروسة، لا تنتزع، ولا تحتمل.
وقبل أن يفيق من هذا النزيف الصامت جاءه الفيديو،
وكانت تلك هي الطعنة الأخيرة، والضربة التي لم تترك شيئا حيا بداخله.
كان مكي يراقب تغيرات ملامحه، وشحوب وجهه، وارتجاف يده، وكأن سليم يختفي أمام عينيه، فقال بقلق حقيقي: سليم مالك فيه ايه؟ فيها إيه الرسايل دى؟!
لكن سليم كان في مكان آخر، في عالمه الذي انهار فوقه دفعة واحدة دون سابق إنذار، عيناه ترمشان بلا وعي، جسده متجمد، وروحه معلقة بين الصدمة والوجع.
ضغط على الفيديو، فرأى ما لم يكن مستعدا له، ملابس مبعثرة يعرفها جيدا، وتفاصيل صغيرة، لكنها قاتلة، حرقت روحه، وكسرت ما تبقى داخله كزجاج مهشم.
سقط الهاتف من يده دون أن يشعر، كان مزهولا كأن الصدمة قتلته وهو واقف.
خرج صوته أخيرا، مبحوحا، مكسورا، كأنه ينتزع من بين أضلاعه: ماسة…!!
استووووب
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةالجزء الأول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق