ورديـة الـمــ.ــوت كاملة بقلم يوسف درويش
ورديـة الـمــ.ــوت كاملة بقلم يوسف درويش
مكان انتهي فيه حياتها
كنت راجعة من يوم شغل يهد الحيل، من المدرسة الصبح للمكتبة اللي بشتغل فيها وردية تانية بالليل عشان أقدر أشيل نفسي أنا وأختي. وصلت قدام باب الشقة الساعة تسعة، ده ميعادي اللي مبيتغيرش. رنيت الجرس مرة، مفيش رد. رنيت التانية، هسس.. المفروض مروة أختي الصغيرة تكون رجعت من المطعم اللي شغالة فيه من ساعتين على الأقل.
قلبي نغزني، طلعت المفتاح وفتحت الباب وإيدي بتترعش.. الشقة كانت ضلمة وكحل، زي ما سبناها بالظبط الصبح. مروة مجتش! طب إزاي؟ أنا مكلمتهاش النهاردة؟ لا، كلمتها الصبح وهي رايحة، وبعدها حاولت أوصل لها كذا مرة تليفونها يا مقفول يا غير متاح. قلت أكيد فصل شحن كالعادة وهي في الزحمة وهتشحنه أول ما توصل، بس توصل فين؟ البيت فاضي!
أول حاجة عملتها كلمت ميار صاحبتها الروح بالروح، اللي شغالة معاها في نفس المطعم. اتصدمت لما لقيت تليفونها هي كمان مقفول! الرعب بدأ يزحف لجسمي، مروة لو هتتأخر دقيقة بتكلمني، دي أختي وبنتي مش بس أختي الصغيرة.
نزلت جري وركبت تاكسي ورحت للمطعم. قابلت واحدة زميلتها في الشفت المسائي، سألتها بلهفة: “مروة فين؟”، قالت لي باستغراب: “أنا مشفتهاش النهاردة خالص يا هدى!”. جسمي ساب، دخلت للمشرف، أستاذ سامح، راجل محترم وكبير في السن وبيحب مروة جداً. سألته عنها، فبص لي بأسى وقال لي الصدمة:
”مروة مجتش النهاردة يا بنتي، ولا حتى اتصلت تعتذر، وده مش طباعها أبداً!”
أنا الدنيا اسودت في عيني، صرخت فيه بذهول:
”يعني إيه يا أستاذ سامح؟ أنا مكلمتهاش وهي في المواصلات وقالت لي إنها قربت توصل المطعم! إزاي مجتش؟”
”والله يا بنتي ما حصل، طيب ميار؟”
”ميار روحت من ساعتين يا بنتي، الشفت بتاعهم خلص وهي مشيت.”
جريت على بيت ميار، وأول ما شفتها اتخضيت.. وشها كان أصفر زي الكركم وعينيها بتزوغ. خدتني على جنب وبصوت واطي ومرعوب قالت لي:
”أختك فين يا هدى؟ أختك هتوديني في داهية!”
”أختي فين إيه؟ أنا اللي بسألك! مروة فين؟”
”يا ريتني ما كلمتها، يا ريتني ما قلت لها هاتي الشبكة معاكي، أقول لمحمد خطيبي إيه دلوقتي؟ أختك خدت شبكتي واختفت!”
وقفت مكاني مش مستوعبة الكلام. مروة تس*رق؟ مروة اللي بتخاف من خيالها وتعرف ربنا؟ قلت لها بحدة:
”أنتِ اتجننتي؟ دي صاحبتك من سنين! احكي لي إيه اللي حصل بالضبط وبلاش اتهاما*ت فارغة.”
”هحكيلك يا ستي وفسريها إنتِ.. الشبكة كانت واسعة عليا، ومحمد قال لي هعدي عليكي نروح نغيرها. أنا نسيتها في البيت وخرجت للمطعم، فاتصلت بمروة وهي في السكة، وقلت لها بيتنا في طريقك، عدي خدي الشبكة من ماما وهاتيها وانتي جاية. مروة راحت وخدت الشبكة فعلاً، ومن بعدها تليفونها اتقفل ولا جت الشغل ولا حد شافها! قولي لي إنتِ بقى ده معناه إيه؟”
سبتها ومشيت وأنا بدمع في الشارع، مش قادرة أصدق. مروة مختفية وميار بتخونها وتتهمها بالس*رقة. فكرت في حسن خطيبها، كلمته بانهيار حكيت له، جه جري ورحنا القسم بلغنا، والكل بقى يبص لي بشك.
رجعت البيت، صليت وفضلت أقرأ قرآن لحد الساعة تلاتة الفجر والدموع مش بتنشف. فجأة، خبط تقيل ورزع على الباب. جريت.. قلت مروة رجعت! فتحت لقيت تلات رجالة، واحد منهم بص لي بجمود وقال:
”أنتِ هدى أخت مروة؟ البقاء لله يا آنسة.. محتاجينك تتعرفي على الج*ثة.”
في اللحظة دي، روحي هي اللي طلعت مش مروة. رحت معاهم المشرحة، رجليه مش شايلاني. الدكتور شال الملاية.. وشفت مروة. وشها كان شاحب بس جميل زي الملايكة. انهرت وبستها وهمست في ودنها: “وعد مني يا مروة، هعرف مين اللي عمل فيكي كده، وهبرأك قدام الكل.. سامحيني يا بنتي.”
الظابط دخلني المكتب وكان معاه حسن وميار بيحقق معاهم. قال لي: “البقاء لله يا هدى، شوفي الفيديو ده.” الفيديو كان من كافية جنب المطعم، مروة كانت قاعدة مستنية حد، تليفونها رن، ردت، وبعدين ظهر ضهر شاب، قاموا اتكلموا شوية وبعدين ركبت معاه العربية بإرادتها! الظابط قال: “لو كانت مخطوفة مكنتش ركبت كده، ده واحد هي تعرفه.”
خرجنا من القسم، وحسن خطيبها بكل قسوة رما لي الدبلة في وشي: “شبكتي تكون عندي بكرة وإلا هبلغ إنكم س*رقتوها هي كمان!”.. سيبته وروحت أمو*ت من الوجع. بس فجأة، لقيت أستاذ سامح (المشرف) جاي لي البيت:
”يا بنتي أنا مش مصدق كلمة من اللي بتتقال عن مروة، مروة بنتي ومتربية، وعمرها ما تمد إيدها على حرام.. فيه حاجة غلط.”
كلامه أداني أمل. دخلت أوضة مروة، قلبت في حاجاتها، لقيت درج فيه جرايد مترتبة بطريقة غريبة، ومروة كانت عاملة دوائر بالقلم على إعلانات وظايف تانية! ليه كانت عايزة تسيب شغلها؟ وليه مقالتليش؟
خدت الجرايد وركبت تاكسي عشان أروح القسم أوريها للظابط، بس فجأة لقيت السواق ماشي في طريق صحراوي غريب! صرخت فيه: “إنت رايح فين؟”، ميردش. حاولت أفتح الباب لقيته مقفول. وقف التاكسي، وراجل دخل قعد جنبي وحط منديل فيه مخدر على وشي.. وأغمى عليا.
فقت وأنا حاسة بوجع رهيب في راسي، عينيا متغمية بقماشة وإيديا مربوطة ورا ضهري. كنت في مكان ريحته رطوبة وتراب. سمعت صوت خطوات تقيلة بتقرب، صوت راجل خشن بجد قال لي:
"اسمعي يا ست هدى، إحنا مش عايزين أذية، بس إنتِ اللي بتنكشي في اللي مالكيش فيه. لو فضلتي تدوري ورا موضوع مروة هتحصليها. اعتبري ده إنذار، وزي ما خلصنا على أستاذ سامح النهاردة عشان لسان كان طويل، هنخلص عليكي المرة الجاية."
اتكهربت.. أستاذ سامح مات؟ الرجل الطيب ده اتقتل بسببي؟ رموني في عربية وبعد وقت رمتني على الطريق الصحراوي وجريت. ست غلبانة شافتني وفكتني ووصلتني البيت. دخلت الشقة وأنا بترعش، دخلت اتوضيت وصليت، وكنت بكلم ربنا بقلبي.. يا رب ماليش غيرك.
قررت أمثل إني خفت. رحت المدرسة (شغلي) الصبح عادي، وأنا في الاجتماع، الدادة جت قالت لي: "فيه واحد اسمه أستاذ محمد مستنيكي بره."
طلعت، لقيته شاب شكله وسيم بس القلق واكله، قال لي بهمس:
"أنا محمد خطيب ميار.. الشقة عندك متراقبة عشان كده جيت هنا. أنا عارف إن مروة بريئة، وجاي أساعدك."
"تساعدني إزاي؟ وخطيبتك هي اللي اتهمتها!"
"هدى، أنا خطبت ميار عشان أكون قريب من مروة لأني كنت بحبها، وميار كانت حالتها المادية صعبة جداً، فجأة بقيت بشوف معاها فلوس ولبس وساعة غالية جداً جابتها لي هدية.. لما كنت بسألها بتقول لي دي تحويشة، بس أنا عارف إن فيه سر. ميار بعد موت مروة مش طبيعية."
محمد عرض عليا خطة، إنه يوقع ميار في الكلام. وبالفعل، بالليل اتصل بيا وقال لي:
"هدى، الخطة نجحت. قلت لميار إني محتاج فلوس عشان نتجوز بسرعة، قالت لي إن مديرها في المطعم عنده شغل 'توصيل' بفلوس كتير، بس للي يسمع الكلام ومايسألش."
عرفنا إن مدير المطعم هو رأس الأفعى. اتفقنا نقابل الظابط في القسم، بس هربنا من اللي بيراقبونا. رحت للظابط وحكيت له عن تهديدي وموت أستاذ سامح والجرايد، ومحمد حكى عن ميار والمدير. الظابط قال: "المدير ده كان عليه شكوك قديمة في موضوع مخدرات بس مكنش فيه دليل.. دلوقتي إحنا هنلعبها صح."
الخطة كانت إن محمد يشتغل مع المدير. المدير اختبره فعلاً، خلى رجالة يضربوه علقة موت عشان يشوفوا هيفتن ولا لأ، ومحمد كان راجل واستحمل. لحد ما المدير وثق فيه وقاله: "عندنا عملية تسليم كراتين من مخزن المطعم الساعة ٣ الفجر."
في الميعاد، محمد والمدير والرجالة كانوا في مخزن مهجور بيسلموا بضاعة، والشرطة حاصرت المكان وقفشتهم متلبسين. لما ميار عرفت إن المدير اتفضح، انهارت في القسم واعترفت بكل حاجة:
"مروة اكتشفت إن المدير بيخزن مخدرات في مخزن المطعم، والمدير عرض عليها فلوس بس هي رفضت وهددت تبلغ. المدير قرر يخلص منها. اتفقت مع ميار تستدرجها.. قالت لها إنها هتسيب الشغل بس خايفة تقابل المدير لوحدها ومحتاجة مروة معاها. وبعدين قالت لها عدي هاتي الشبكة واستنيني في كافية.. وهناك بعتت لها القاتل، اللي اتصل بمروة وقال لها 'أنا أخو نهى زميلتكم وجاي أوصلك لميار في محل الدهب'. مروة صدقت وركبت معاه، فخدها وقتلها ورمى جثتها وأخد الشبكة والموبايل."
ميار كانت بتبكي وتقول: "الفلوس عمتني!".. والظابط قال لي إن الجرايد اللي مروة كانت بتعلم عليها كانت بسببه، مروة كانت بتدور على شغل نضيف تهرب فيه من قذارة المطعم ده قبل ما يقتلوها.
حق مروة رجع، والكل عرف إنها كانت أطهر من الغدر اللي حواليها. وقفت قدام قبرها وقلت لها: "ارتاحي يا بنتي، برأتك زي ما وعدتك."
انتهت....


تعليقات
إرسال تعليق