بعد إصابتي بالشـلل
بعد إصابتي بالشـلل
بعد إصابتي بالشـلل نتيجـه حادث صـرخ زوجـي بوجهي قائلا: انا اريد زوجه سلـيمه لا عبئا على كرسـي متـحرك…وقعـي اوراق الطلاق بينما صرخت والدته : لا تكوني انانيه…
وقـعي الأوراق يا ريـم أريـد زوجـة مثـالية لا عبئـا على كرسـي متحرك…قالها زوجي وهو يلقي بأوراق الطلاق فوق سريري داخل العناية المركزة ثم شغّل هاتفه على مكبّر الصوت لتوبخني أمه بصوت بارد…لا تكوني عبئا…كانت يدي ترتجف وأنا أوقع مقتنعة أنني فقدت كل شيء، لكن في اللحظة التي رُفضت فيها بطاقتي البنكية، دخل رجل يتكئ على عصا إلى الغرفة وناداني باسمي الكامل، وفي تلك الثانية اختفت ابتسامة زوجي تماما
اسمي ريـم عبد الرحمن، وحتى قبل ستة أشهر فقط كنت أعيش حياة يعتبرها كثيرون طبيعية، كنت متزوجة من خالد منصور
رجل ناجح في مجال التطوير العقاري، والدته هدى منصور امرأة مسيطرة لم تحاول يوما إخفاء احتُقارها لي، كنت أعمل محاسبة حرة، ورغم أن دخلي لم يكن يضاهي دخل خالد، إلا أنني شاركت دائما في مصروفات البيت، كل شيء تغيّر في ليلة واحدة
سائق مخـمور تجـاوز الإشارة الحمراء، كنت في طريقي للعودة من العمل، الاصطـدام كان عنيفا، استيقظت بعد أيام في العناية المركزة
أنابيب في كل مكان، أجهزة تصدر أصواتا متواصلة، وألم لا أجد له وصفا، الأطباء كانوا واضحين، إصابة خطيرة في العمود الفقري
أشهر طويلة من العلاج، واحتمال حقيقي ألا أعود للمشي كما كنت
وبينما كنت أحاول تحريك أصابعي، كان خالد قد اتخذ قراره بالفعل
دخل غرفة العناية بملابس أنيقة بلا تجعيدة واحدة، وألقى أوراقا فوق سريري، وقـعي، أريد زوجـة كاملة لا امرأة على كرسي متحرك
شعرت أن الهواء انسحب من صدري، حاولت التحدث، لكنه لم يتركني، ضغط على هاتفه وشغّل المكبر، ماما أنا هنا، جاء صوت هدى حادا باردا، ريم لا تكوني أنانية، ابني لم يولد ليخدم العاجزات وقّعي ولا تكوني عبئا، كانت الممرضات ينظرن في حرج، جسدي مكسور، يدي ترتجف، وكرامتي تنهار، ظننت أنني خسرت زواجي وصحتي وكرامتي في اللحظة نفسها….عجبتك القصه عندك شغف تكملها طيب صلي على محمد وال محمد وتابع
ظننت في تلك اللحظة أنني خسرت كل شيء الزواج والصحة والكرامة والحق حتى في الاعتراض وقعت لأن جسدي كان أضعف من أن يخوض معركة جديدة ولأنني كنت أظن أن التوقيع هو نهاية الألم لا بدايته ابتسم خالد ابتسامة قصيرة منتصرة وجمع الأوراق وغادر الغرفة كأنني قطعة أثاث تالفة أُزيلت من المكان أما هدى فأغلقت الهاتف دون وداع وكأنها أنهت صفقة رابحة
بعد ساعات قليلة طلبت ممرضة بطاقة التأمين لدفع ثمن دواء عاجل جربت البطاقة مرة ثم مرة أخرى رفضت شعرت برعب حقيقي يتسلل إلى صدري سألتها بارتباك ما المشكلة فقالت بهدوء الحساب مغلق حاولت الاتصال بخالد لكن هاتفه كان مغلقا في تلك اللحظة فقط أدركت أنه لم يطلقني فحسب بل جرّدني من كل شيء الحسابات باسمه الشقة باسمه السيارة باسمه وحتى عملي كان قد ضغط عليّ سابقا لتركه بحجة الراحة
كنت ممددة عاجزة لا أستطيع حتى الجلوس وحدي حين فُتح باب العناية المركزة ودخل رجل مسن يتكئ على عصا خشبية أنيقة ملامحه هادئة لكن عينيه تحملان صرامة غريبة اقترب من سريري ونطق باسمي كاملًا ريم عبد الرحمن مصطفى شعرت بقشعريرة تسري في جسدي لم ينادني أحد باسمي الكامل منذ سنوات
التفت خالد الذي عاد ليأخذ توقيعا إضافيا فتجمد مكانه اختفت ابتسامته وتراجع خطوة إلى الخلف تمتم بصوت خافت عمي جلال
كان الرجل هو جلال عبد الرحمن خالي الذي قاطع العائلة منذ أكثر من عشرين عاما بعد خلاف كبير مع أبي لم أره منذ طفولتي كنت أظنه خارج البلاد أو ربما ميتا لكنه كان يقف الآن أمامي ينظر إليّ بعينين ممتلئتين بالحزن والغضب قال بصوت ثابت كنت أراقب منذ الحادث ولم أتدخل لأنني أردت أن أرى إلى أي مدى يمكن أن تنحدروا
سحب خالد نفسه وقال بتوتر هذا شأن عائلي فرد الخال بهدوء قاتل بل هو شأني أكثر مما تتخيل ثم أخرج من جيبه ملفا سميكا ووضعه على الطاولة وأكمل ريم ليست زوجتك السابقة فقط ريم هي الشريك القانوني في شركة عبد الرحمن للاستثمارات وهي المالكة الفعلية لأربعة عقارات مسجلة بأسماء وهمية لحمايتها
شعرت أن العالم توقف نظرت إليه غير مصدقة فابتسم ابتسامة خفيفة وقال كنت أدرّبك من حيث لا تعلمين الحسابات التي كنت تديرينها والعمل الحر الذي ظنوه بسيطا لم يكن إلا واجهة أردت لك الاستقلال والأمان في حال خذلك الجميع
انهار خالد تماما حاول التحدث لكن الكلمات خانته قالت هدى التي حضرت مسرعة بعد اتصال ابنها ما هذا الهراء فأجاب الخال وهو ينظر إليها باحتقار الهراء أن تظني أن امرأة معاقة لا قيمة لها الهراء أن تربي ابنك على أن الحب مشروط بالكمال
في الأيام التالية تغير كل شيء أُعيد فتح حساباتي أعيدت لي حقوقي كاملة وأُحيل خالد للتحقيق بسبب تزوير مستندات مالية كان اسمي مخفيا عنها تقدمت بدعوى خلع وتعويض وخرجت من المستشفى محمولة على كرسي متحرك لكن رأسي كان مرفوعا
العلاج كان طويلا ومؤلما لم أعد أمشي كما كنت لكنني تعلمت أن أقف بطريقة أخرى تعلمت أن القوة ليست في الساقين بل في القرار وبعد عام واحد كنت أدخل قاعة المحكمة واقفة على عكازين أنظر إلى خالد الذي كان يخفض رأسه للمرة الأولى
أما هدى فلم تعد ترفع صوتها أبدا
واليوم حين يسألني أحدهم كيف تحملت أقول لم أتحمل أنا فقط قررت ألا أموت وأنا حية
تمت


تعليقات
إرسال تعليق