القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

الطفلة التي أنقذت الرجل الثري كاملة



الطفلة التي أنقذت الرجل الثري كاملة


 


في صباح رمادي ثقيل بالمطر كان مركز سانت أوغستين الطبي في تشارلستون يبدو وكأنه خارج الزمن نوافذه الواسعة مبللة باستمرار وممراته تردد صدى خطوات قليلة متعبة. هناك في جناح خاص لا يدخله إلا من يحمل تصاريح محددة كان ريتشارد باركر يرقد منذ ثلاث سنوات كاملة جسد رجل مليونير ناجح تحول إلى صمت طويل. لم يكن الصمت عاديا كان صمتا مشبعا بصفير الأجهزة ونبضات إلكترونية باردة صمتا يذكر زوجته إيفلين في كل لحظة بأن الرجل الذي أحبته لم يرحل تماما ولم يعد حاضرا أيضا. كانت تجلس على الكرسي الأزرق الداكن نفسه كل يوم تقريبا تحمل كتابا لا تقرأه أو كوب قهوة يبرد قبل أن تلمسه تحدق في وجهه وكأنها تحفظ ملامحه من النسيان. ريتشارد الذي كان يوما يتنقل بين المطارات الخاصة ويوقع صفقات بملايين الدولارات صار الآن يعتمد على جهاز ليأخذ نفسا وعلى قلب لا يزال يقاوم بطريقته الخاصة. إيفلين لم تتخل عنه ليس فقط بدافع الحب بل بدافع وعد دفنته في قلبها يوم وقفت تبكي عند قبر صغير أبيض يحمل اسم ابنتهما ليلي الطفلة التي


فقدتها في الحادث نفسه الذي أدخل ريتشارد في الغيبوبة. كانت إيفلين قد تأخرت ذلك اليوم بسبب وعكة صحية وعندما وصلت إلى المستشفى كان كل شيء قد انتهى طفلتها رحلت وزوجها بقي عالقا بين عالمين. ومنذ ذلك اليوم لم تعد إيفلين تؤمن بكلمات الأطباء عن الاحتمالات والإحصاءات كانت تؤمن فقط بأن ريتشارد يسمعها حتى لو لم يستطع الرد. في الجهة الأخرى من القصة كانت عائلة ريتشارد الممتدة تراقب بصبر نفد مع الوقت خصوصا ابن عمه توماس وزوجته مونيكا اللذين توليا إدارة شركة الطيران اللوجستية مؤقتا كما قالا في البداية لكن المؤقت طال والسلطة أغرت والأرباح جعلت الانتظار عبئا ثقيلا. كانا يزوران المستشفى من حين لآخر لا بدافع الشوق بل بدافع الضغط يلمحان لإيفلين بأن استمرار هذا الوضع يجمد الشركة ويمنع المضي قدما وأن إعلان الوفاة القانونية سيكون الأرحم للجميع. إيفلين كانت تطردهما في كل مرة لكن وحدتها بعد خروجهما كانت أقسى من كلماتهم. في أحد الأيام وبينما كانت تهمس لريتشارد كالعادة عن تفاصيل تافهة من حياتهما


القديمة دخلت الممرضة الجديدة ومعها طفلة صغيرة نحيلة شعرها بني فوضوي وعيناها تحملان حذرا يفوق عمرها. قالت الممرضة إن اسمها آنا وإنها تعيش في دار أيتام قريبة وقد جاءت مع مجموعة أطفال لزيارة المرضى الذين لا يزورهم أحد ضمن برنامج تطوعي بسيط. إيفلين كادت تعترض لكن شيئا ما في وجه الطفلة جعلها تصمت. وقفت آنا قرب السرير نظرت إلى الرجل الراقد طويلا ثم إلى إيفلين وسألت بصوت خافت هو نايم. ابتسمت إيفلين بحزن وقالت نعم نوم طويل جدا. اقتربت آنا أكثر لمست بإصبعها طرف الغطاء وقالت بابا كان بينام كده قبل ما يروح كنت أكلمه وهو نايم. ثم دون انتظار إذن أمسكت بيد ريتشارد. كانت يدها صغيرة ودافئة مختلفة عن أيدي الأطباء الباردة. قالت له ببساطة أنا اسمي آنا مفيش حد بيزورك كتير صح متخافش أنا هكلمك شوية. ضحكت إيفلين بدموع لكنها لم تمنعها. بدأت آنا تحكي له عن الدار عن أصدقائها عن خوفها من الظلام وعن حلمها بأن يكون لها بيت حقيقي. كانت تتحدث بلا تكلف بلا شفقة وكأن الرجل يسمعها فعلا. وعندما حان وقت المغادرة


مالت آنا نحوه وهمست لو صحيت ابقى قول لي أنا بحب اللي بيصحوا. في تلك الليلة حدث شيء لم يحدث منذ ثلاث سنوات. ارتعشت أصابع ريتشارد ارتعاشة خفيفة بالكاد ترى لكن إيفلين رأتها. نادت الممرضة ثم الطبيب وبدأت سلسلة فحوصات متسارعة. لم يستفق فورا لكن الأطباء لاحظوا نشاطا دماغيا مختلفا. في الأيام التالية أصرت إيفلين على أن تأتي آنا يوميا. كانت الطفلة تجلس وتحكي وتضحك وتغني أحيانا وكأنها تعيد ربطه بالحياة بخيوط بسيطة. بعد أسابيع فتح ريتشارد عينيه للحظات ثم بدأ يستجيب ببطء. عندما نطق أول كلمة كانت طفلة. بكت إيفلين كما لم تبك من قبل. الخبر انتشر ووصل بالطبع إلى توماس ومونيكا اللذين هرعا إلى المستشفى بوجوه متجمدة. لكن هذه المرة لم يكن لهما ما يقولانه. ريتشارد رغم ضعفه كان واعيا بما يكفي ليدرك ما حدث في شركته. وبعد أشهر من التعافي والعلاج عاد إلى منزله ثم إلى مكتبه وأول قرار اتخذه كان عزل توماس ومونيكا من أي منصب وفتح تحقيق كامل في إدارتهما. أما آنا فلم تعد مجرد زائرة. اكتشف ريتشارد


 

وإيفلين أن الطفلة بلا أقارب وأن حياتها سلسلة من الانتقالات المؤقتة. في يوم مشمس مختلف تماما عن أيام المطر الأولى وقعا أوراق تبنيها رسميا. وقفت آنا بينهما ترتدي فستانا بسيطا وتبتسم بثقة لم تعرفها من قبل. نظر ريتشارد إليها وقال إنت اللي صحتيني. فردت ببراءة عشان كنت نايم لوحدك. وفي تلك اللحظة أدركت إيفلين أن الحياة رغم قسوتها قد تعيد ما تأخذه بطريقة لم يتوقعها أحد وأن طفلة يتيمة بلا خطط ولا حسابات كانت المفتاح الذي أعاد مليونيرا من غيبوبته وأعاد عائلة كاملة من حافة الانكسار.

بعد أن خرج ريتشارد من المستشفى لم تنته القصة بل بدأت مرحلة أثقل وأعمق بكثير مما تخيله الجميع. البيت الكبير الذي عاد إليه لم يكن بيتا حقيقيا بعد كان مجرد جدران شاهدة على غياب طويل. إيفلين حاولت أن تجعل كل شيء دافئا أعادت ترتيب الأثاث فتحت النوافذ زرعت زهورا جديدة في الحديقة لكنها كانت تشعر أن روح المكان ما زالت


معلقة في تلك الغرفة البيضاء بالمستشفى. ريتشارد كان جسديا حاضرا لكنه داخليا كان يحارب معركة صامتة ذاكرته تعود على فترات أصوات تختلط بأصوات أخرى وكوابيس توقظه ليلا وهو يلهث يرى وجه ليلي يسمع صوت الفرامل ثم ظلاما كثيفا. آنا كانت العنصر الوحيد الذي يكسر هذا الثقل. كانت تتحرك في البيت كأنها عاشت فيه عمرها كله تضحك بصوت عال تطرح أسئلة بلا خوف تجلس قرب ريتشارد وتطلب منه أن يحكي لها قصصا حتى لو كان صوته متعبا. ومع الوقت بدأ ريتشارد يلاحظ شيئا غريبا عندما تكون آنا في الغرفة يهدأ رأسه تتراجع الأصوات وكأن وجودها يمنحه توازنا فقده. لكنه لم يكن الوحيد الذي يتعافى ببطء. إيفلين أيضا كانت تواجه جراحا قديمة لم تغلق شعورا بالذنب لأنها لم تكن في السيارة لأنها بقيت حية بينما فقدت طفلتها ولأنها أحيانا تشعر أن حبها لآنا خيانة لذكرى ليلي. في إحدى الليالي بعد أن نامت آنا انفجرت إيفلين بالبكاء واعترفت


لريتشارد بكل شيء. أمسك بيدها رغم ضعفه وقال بصوت مبحوح ليلي مش هتغضب هي كانت هتحبها. تلك الكلمات البسيطة كانت أول شق حقيقي في جدار الألم. على الجانب الآخر لم يستسلم توماس ومونيكا بسهولة. التحقيق الذي فتحه ريتشارد كشف تلاعبا ماليا قرارات مشبوهة ومحاولات واضحة للسيطرة الدائمة على الشركة. بدأ الضغط الإعلامي وظهرت تسريبات وحاول توماس تصوير ريتشارد كرجل غير مؤهل للعودة بسبب حاله الصحية. كانت ضربة قاسية خصوصا أن ريتشارد ما زال يتعافى. لكن آنا دون أن تفهم تعقيدات المال أو السلطة فعلت ما لم يستطع أحد آخر فعله. في يوم كانت فيه كاميرات الصحافة تحاصر المنزل خرجت آنا فجأة أمسكت بيد ريتشارد ونظرت إلى الصحفيين وقالت بصوت واضح هو مش مكسور هو بس كان نايم وأنا صحيته. انتشر الفيديو كالنار في الهشيم. تحول الرأي العام ليس شفقة بل احتراما لقصة إنسانية صادقة. تراجع نفوذ توماس وسقطت محاولاته واحدة تلو


الأخرى. في الأشهر التالية عاد ريتشارد تدريجيا إلى عمله لكن ليس بنفس الرجل القديم. لم يعد مهووسا بالأرقام فقط. أسس برنامجا لدعم الأطفال الأيتام ودار رعاية تحمل اسم ليلي. آنا كانت تزوره هناك تمسك بيده وتفتخر أمام الأطفال قائلة ده بابايا. ومع كل خطوة كان ريتشارد يشعر أن الغيبوبة لم تكن مجرد توقف بل عبور مؤلم إلى نسخة أخرى من نفسه. وفي ليلة هادئة جلس الثلاثة في الحديقة السماء صافية بلا مطر وآنا مستلقية على العشب تراقب النجوم. سألت فجأة بابا لو ما كنتش صحيت كنت هعمل إيه. صمت ريتشارد لحظة ثم قال كنت هتكملي حياتك بس أنا كنت هفوت أحلى حاجة حصلت لي. ابتسمت آنا وأغمضت عينيها وكأنها انتصرت على شيء أكبر منها. عندها فقط أدركت إيفلين أن المعجزة لم تكن استيقاظ ريتشارد وحده بل أن الحياة رغم كل ما أخذته أعادت لهم سببا جديدا للاستمرار وأن الجزء الأصعب من القصة لم يكن الغيبوبة بل الشفاء منها.


 

تعليقات

close