القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified


سكريبت لا تلمسها!" كامله 




سكريبت لا تلمسها!" كامله 



 "لا تلمسها!"

لم يكن هواء محرقة جثث بلاكوود يحمل رائحة الذكريات، ولا عبير السلام. بل كانت رائحة الغاز الصناعي، وشمع الأرضيات، ورائحة الرماد الباردة التي تُنهي الحياة. كان عطرًا معقمًا مُصممًا لإخفاء وحشية النهاية.


اسمي غابرييل رودس. عملتُ لخمسة عشر عامًا كمُصفٍّ جنائيّ - رجلٌ يُفكك الإمبراطوريات التجارية بكشفه عن نبضها الخفيّ في أكوام من جداول البيانات. كنتُ رجلًا مُتمسكًا بالحقائق، مُوازنًا للسجلات، ومنطقيًا تمامًا. كنتُ أنظر إلى العالم كسلسلة من المدخلات والمخرجات، والحسابات المدينة والدائنة. إن وُجد خلل، كنتُ أكتشفه. وإن وُجد كذب، كنتُ أفضحه.


لم أتخيل يومًا أن أهم تدقيق في حياتي سيجري على سير ناقل من الفولاذ المقاوم للصدأ يقود إلى فرن مُشتعل.


انتهى العالم في يوم ثلاثاء ماطر. كان يومًا بدأ بوعدٍ عاديٍّ بفنجان قهوة، وانتهى بصراخٍ مدوٍّ لحديدٍ ملتوٍ. حوّل حادث الطريق السريع سيارتنا السيدان إلى قفص. زوجتي، إيسلا، الحامل في شهرها السابع بابنتنا التي سميناها هوب، كانت محاصرةً في مقعد الراكب. كانت صفارات الإنذار صرخةً بعيدةً، منفصلةً عن واقع الدماء على لوحة القيادة.


نُقلنا على عجلٍ إلى مستشفى إيجيس-ميديكال هايتس، وهو حصنٌ زجاجيٌّ وفولاذيٌّ لامعٌ يُهيمن على المدينة كنصبٍ تذكاريٍّ للحفاظ على الحياة.


كانت غرفة الطوارئ عبارةً عن مزيجٍ من الملابس الطبية الزرقاء، والأصوات الصاخبة، وأصوات التنبيه المنتظمة للأجهزة التي تقيس المسافة بين الحياة والصمت. وقف الدكتور فيكتور دراكن - مدير المنشأة، وهو رجلٌ ذو سمعةٍ لامعةٍ كحذائه الإيطالي الأنيق - فوقي وبيده جهازٌ لوحيٌّ ملطخٌ بالدماء. كان وجهه يعكس قلقًا بالغًا، لكن عينيه كانتا جامدتين، خاليتين من الذعر الذي خيّم على بقية الغرفة.


"غابرييل، لقد نفد الوقت. عليك الاختيار الآن!" كان صوت دراكن كصوت مطرقة تدق على حجر. "الأم أم الطفل؟ إذا حاولنا إيقاف نزيف إيسلا الداخلي، سنفقد فرصة إنقاذ الطفل. إذا أجرينا عملية الاستخراج الآن، فلن تنجو إيسلا من الصدمة. أمامك خمس ثوانٍ فقط."


كان الألم ثقلاً جسدياً، يسحق رئتيّ، حتى أن مجرد الشهيق أصبح كالتنفس عبر قشة. كيف يُقيّم المرء قيمة روحه؟ كيف يُقيّم حب حياته مقابل المستقبل الذي صنعاه معاً؟ نظرتُ عبر الحاجز الزجاجي إلى إيسلا. كان وجهها شاحباً كضوء قمر الشتاء، وشعرها الأحمر منتشراً كالهالة على الوسادة المعقمة.


"أنقذوا إيسلا،" تمتمتُ بصوت مخنوق، والكلمات تتذوق مرارة النحاس واليأس. "أرجوكم... أنقذوا زوجتي."


انغلقت الأبواب. كان الصمت الذي أعقب ذلك أعلى من صوت الارتطام.


بعد ساعتين، عاد الدكتور دراكن. كان يمشي بخطى بطيئة وثابتة، كمن يُصدر حكمًا. كان وجهه قناعًا من الحزن المُتمرّس، ذلك النوع من التعبيرات التي تُدرّس في ندوات "علاقات المرضى".


قال وهو يضع يده على كتفي: "أنا آسف جدًا يا غابرييل". كانت قبضته حازمة، بل حازمة أكثر من اللازم. "لقد فعلنا كل ما في وسعنا. لكن الصدمة كانت بالغة. توفيت إيسلا على طاولة العمليات. أما الطفل... فقد تسبب التوتر في انفصال المشيمة. لم نتمكن من سماع نبضات قلبه. لقد رحلا كلاهما".


أصبح العالم رماديًا. لم يكن ظلامًا شاعريًا، بل كان انقطاعًا تامًا للإشارة. قضيت ثلاثة أيام في ضباب من الحزن شعرت فيه وكأنني أسبح تحت الماء. وقّعت أوراقًا لم أقرأها. أومأت برأسي لكلمات تعزية لم أسمعها. اخترت نعشًا من خشب الماهوجني لم أكن أملك ثمنه، لأن الشعور بالذنب لمجرد نجاتي كان يُجبرني على دفع ثمن باهظ.


كان الدكتور دراكن "لطيفًا" بما يكفي للتنازل عن الرسوم الطبية - التي بلغت قرابة ثمانين ألف دولار - مقابل توقيعي على اتفاقية "الدفن النهائي". كانت وثيقة قانونية مطولة تتضمن بندًا ينص على الحرق الفوري للجثة بسبب "الصدمة الخطرة بيولوجيًا" و"التحلل السريع للأنسجة".


في غمرة حزني، غابت عني هذه المفارقة. غابت عني حقيقة أن ضحية الصدمة نادرًا ما تُعتبر خطرًا بيولوجيًا إلا في حالة وجود عدوى. غابت عني تلك اللحظة الحاسمة. غاب عني الخطأ في السجلات.


الآن، وقفتُ بجانب النعش المفتوح للمرة الأخيرة. كان صوت الفرن يتردد في الخلفية - اهتزاز خافت، أشبه باهتزاز مفترسة، بدا وكأنه يسخر من خسارتي. بدت إيسلا هادئة، يداها مطويتان على بطنها المنتفخ، ترتدي ثوب الدفن الحريري الذي اختارته مازحةً قبل سنوات لـ"موتٍ باذخ".


انحنيتُ لأهمس بكلمة وداع أخيرة، وسقطت دموعي على بطانة الحرير. حينها سيطرت عليّ "غريزة المُدقق السيادية" - ذلك الجزء من عقلي الذي لا ينام، ذلك الجزء الذي يشمّ رائحة العفن في باقة زهور جديدة.


تعليقات

close