اختارت طفلين لا يربطها بهما دم… فاختاراها أمًّا إلى الأبد
اختارت طفلين لا يربطها بهما دم… فاختاراها أمًّا إلى الأبد
تبنت معلمة غير متزوجة تلميذيها اليتيمين وهما في السابعة من العمر وبعد 22 عاما كانت النهاية مؤثرة!
كانت تعمل معلمة للمرحلة الابتدائية في مدرسة قروية صغيرة بمنطقة ريفية من ولاية راجستان مشمسة كثيرة الرياح. كانت في أوائل الثلاثينيات من عمرها غير متزوجة بلا أطفال وتعيش وحدها في منزل متواضع خلف المدرسة. كان أهل القرية ينادونها كافيتا النحيلة نحيلة الجسد فعلا لكن قلبها كان أوسع من الحقول التي تمتد حول القرية بعد موسم الحصاد.
لم تكن حياتها سهلة لكنها كانت هادئة.
تستيقظ باكرا تمشي خطوات قليلة نحو المدرسة تقف أمام السبورة وتعود عصرا إلى بيتها الصغير. لم يكن في حياتها ما يلفت الانتباه ولا ما يثير الشفقة حتى جاء ذلك العام الذي قلب كل شيء.
في صباح يوم عادي دخلت كافيتا الصف الثاني ب فتوقفت عيناها عند مقعدين فارغين في الصف الأمامي. كان المقعدان يعودان لشقيقين توأمين في السابعة من عمرهما رافي وكيران. حاولت في البداية أن تكمل الدرس لكنها شعرت بشيء ثقيل في صدرها.
في الاستراحة عرفت الخبر.
حادث سير مأساوي في الطريق السريع المجاور.
الأب توفي في المكان.
الأم لحقت به بعد ساعات في المستشفى.
لم تفهم كافيتا كيف يمكن للحياة أن تكون قاسية إلى هذا الحد وكيف يمكن لطفلين أن يصبحا وحيدين في ليلة واحدة.
حضرت القرية كلها العزاء. جاء الأقارب
وتحدث الجيران عن القضاء والقدر واتخذ القرار الرسمي بإرسال الطفلين إلى دار الأيتام الإقليمية. كان قرارا منطقيا في نظر الجميع.
إلا في نظرها هي.
في تلك الليلة لم تستطع النوم. جلست على سريرها الخشبي تتذكر تفاصيل صغيرة لا تعني أحدا غيرها
كيف كان رافي يرفع يده دائما ليجيب
وكيف كان كيران يختبئ خلف أخيه حين يسأل.
تساءلت
من سيوقظهما صباحا
من سيعد لهما الطعام
من سيجلس بجانب كيران حين يمرض
كانت تعرف أنها بلا زوج بلا سند بلا مال زائد لكنها كانت تعرف أيضا شيئا آخر
أنها الوحيدة التي فكرت بهما هذه الليلة.
مع شروق الشمس اتخذت قرارها.
وفي صباح اليوم التالي دخلت مكتب الإدارة وقدمت طلبا رسميا لتبني الطفلين معا.
ساد الصمت.
قال أحد الموظفين بدهشة
هل أنت متأكدة هذا التزام كبير.
وقال آخر بصوت خافت
أنت بلا زوج كيف ستواجهين الناس
لكنها لم تتراجع.
وحين انتشر الخبر في القرية بدأ الكلام.
بعضه بدافع القلق وبعضه بدافع الشفقة وبعضه بدافع الحكم القاسي.
قالوا لها
أنت بلا زوج ولا أطفال فكيف ستستطيعين رعاية طفلين صغيرين
فابتسمت تلك الابتسامة التي لا تجادل وقالت
أنا أعلم القراءة والكتابة وأعلم الإنسانية وقد حان الوقت لأن أعيش مهنتي حقا.
بدأت الحياة الجديدة بلا احتفال.
انتقل الطفلان إلى البيت الصغير خلف المدرسة.
غرفتان ضيقتان مطبخ بسيط وسقف قديم.
لكن بالنسبة لهما كان ذلك المكان أول بيت يشعران فيه بالأمان بعد الصدمة.
في الأيام الأولى كانا صامتين.
لا بكاء لا أسئلة فقط صمت ثقيل.
كانت كافيتا تجلس معهما في المساء تقرأ لهما أو تحكي قصصا بسيطة. لم تحاول أن تقنعهما بشيء ولم تطلب منهما أن ينادياها أما. تركت الأمر للوقت.
بدأت المسؤوليات تتضاعف.
راتب واحد ثلاثة أفواه.
مدرسة طعام دواء.
كان رافي سريع التأقلم يساعدها في حمل الماء ويرتب أغراضه بعناية.
أما كيران فكان ضعيف الجسد كثير المرض. كانت الحمى تزوره كثيرا وتسرق النوم من عينيها.
في إحدى الليالي ارتفعت حرارة كيران بشكل مخيف. حملته كافيتا وركضت به مسافة طويلة حتى أقرب مركز صحي. كانت تلهث وقلبها يخفق بعنف وتتمتم
يا رب لا تأخذه مني.
تلك الليلة لم تنم.
ومنذ ذلك اليوم لم يعد كيران طفلا فقط صار أمانة في قلبها.
مرت الشهور ثم السنوات.
كبر الطفلان وكبرت معهما المصاعب.
كانت تجمع الملابس القديمة من صديقاتها ترقعها بإتقان وتصلح دراجات مستعملة ليذهبا إلى المدرسة. لم تسمح لهما يوما أن يشعرا بأنهما أقل من غيرهما.
وفي المدرسة بدأ الهمس
هذان ليسا ابنيها الحقيقيين.
عاد رافي يوما غاضبا لكن كافيتا جلسته بجانبها وقالت
الأمومة ليست دما فقط يا بني الأمومة هي أن يبقى أحدهم عندما يرحل الجميع.
تلك الجملة ظلت معه سنوات طويلة.
مرت الأعوام
ولم تعد الأيام تقاس بالفصول بل بالمصاريف وبعدد الدفاتر الجديدة التي يجب شراؤها وبكمية القلق التي تحملها كافيتا في صدرها كل مساء.
دخل رافي وكيران مرحلة المراهقة ومعها دخلت الأسرة الصغيرة مرحلة أصعب.
لم يعودا طفلين يسهل إرضاؤهما بلقمة دافئة وكلمة طيبة. صارت الأحلام أكبر والأسئلة أكثر والعالم في الخارج أوسع وأقسى.
كان رافي قد أصبح طويل القامة عريض الكتفين يحمل ملامح شاب مبكر. تفوقه الدراسي جعله محط أنظار المعلمين وكانوا يقولون له دائما
مستقبلك كبير يا رافي لا تضيعه.
أما كيران فظل هادئا كما كان لكن جسده بدأ يقوى تدريجيا. لم تختف الأمراض تماما لكنها صارت أقل حدة. ومع كل تحسن كانت كافيتا تشعر وكأنها انتصرت في معركة صامتة.
في تلك السنوات بدأت نظرات الناس تتغير.
لم تعد المعلمة المسكينة التي تبنت طفلين.
صارت كافيتا التي ربت شابين باحترام.
لكن هذا لم يخفف العبء عنها.
كانت المصاريف تتضاعف
كتب إضافية دروس تقوية تنقلات ملابس أكبر حجما.
وكان راتبها كما هو ثابت محدود لا يرحم.
بدأت تعطي دروسا خصوصية بعد انتهاء دوامها المدرسي.
كانت تعود إلى البيت مع غروب الشمس تعد الطعام تتابع واجبات رافي وكيران ثم تستقبل أطفالا آخرين لتعليمهم حتى ساعة متأخرة.
كثيرا ما كانت تنام على الكرسي.
كان رافي يلاحظ ذلك.
كان يرى يدها ترتجف من التعب وهي
تمسك بالدفاتر ويرى آثار الإرهاق تحت عينيها. حاول أكثر من مرة أن يقول لها
أمي خففي
على نفسك.
فتبتسم وتقول
سأتعب اليوم لترتاحوا غدا.
في المدرسة الثانوية واجه الشقيقان أول صدمة حقيقية مع المجتمع.
بعض الطلاب سخروا
أنتما بلا أب حقيقي.
عاد رافي يومها غاضبا يضرب الحائط بقبضته.
لكن كافيتا لم ترفع صوتها. جلسته نظرت في عينيه وقالت
الرجولة ليست اسما في شهادة ميلاد الرجولة موقف.
أما كيران فكان أكثر تأثرا. كان يصمت يبتلع الكلمات ويكتب كثيرا في دفاتره. ذات ليلة وجدته كافيتا يبكي بصمت.
سألته
ما بك يا بني
قال بصوت متكسر
أخاف أن أتعبك أكثر أخاف أن أكون حملا عليك.
احتضنته بقوة وقالت
أنت لست حملا أنت سبب صبري.
في تلك اللحظة ناداها كيران لأول مرة بوضوح
أمي.
لم تقل شيئا.
لكن تلك الكلمة أعادت ترتيب قلبها بالكامل.
مع اقتراب نهاية الثانوية بدأت لحظة القرار المصيري.
الجامعة.
جلسوا معا ذات مساء.
كان رافي يحلم بكلية الهندسة.
وكان كيران يريد الطب رغم معرفته بصعوبة الطريق.
سكتت كافيتا طويلا.
لم تكن المشكلة في الأحلام بل في ثمنها.
قالت أخيرا
إن اجتهدتما سأفعل المستحيل.
في تلك الليلة أخرجت صندوقا خشبيا قديما من أسفل السرير.
فتحته بهدوء.
داخله كانت بعض الحلي البسيطة التي احتفظت بها منذ شبابها.
ذكريات لم تلمسها منذ سنوات.
في اليوم التالي باعتها كلها.
لم تخبرهما.
دخل رافي كلية الهندسة.
ودخل كيران كلية الطب.
بدأت أصعب سنوات حياتها.
كانت
تستيقظ قبل الفجر تدرس تعطي دروسا خصوصية وتعود مرهقة.
أحيانا كانت تمرض لكنها لا تشتكي.
كانت تؤجل نفسها دائما.
أما رافي فبدأ يعمل في العطل يحمل الإسمنت يساعد في مواقع البناء يعود متعبا لكنه فخور.
وكيران بدأ يدرس طلابا أصغر منه ويوفر بعض المال.
لم يعودا طفلين فقط صارا شريكين.
في إحدى الليالي ظنت كافيتا أنهما نائمان.
جلست وحدها في المطبخ الصغير وأسندت رأسها على الطاولة وبكت.
لم يكن بكاء ضعف
كان بكاء تعب طويل مكبوت مؤجل.
سمعها الاثنان.
تبادلا نظرة صامتة.
في تلك اللحظة اتخذا قرارا لا رجعة فيه
حياتهما لن تكون لهما وحدهما.
مرت السنوات الجامعية ببطء ثقيل.
نجاح تعب قلق انتظار.
ثم جاء يوم التخرج.
وقف رافي بزي التخرج يبحث بعينيه عنها وسط الحشود.
وحين رآها شعر أن كل حجر حمله وكل ليلة سهرها كانت واقفة أمامه الآن.
أما كيران فحين ارتدى المعطف الأبيض لأول مرة أمسك يدها أمام الجميع وقبلها دون خجل.
قال
هذا لك.
لم تستطع الرد.
بعد التخرج دخل رافي وكيران مرحلة جديدة لم يعرفاها من قبل
مرحلة المسؤولية الكاملة.
لم تعد الحياة تدور حول الامتحانات والدفاتر بل حول العمل والالتزامات وإثبات الذات في عالم لا يرحم.
كان رافي أول من بدأ العمل. التحق بشركة مقاولات صغيرة في مدينة قريبة. كان يستيقظ قبل الفجر يحمل حقيبته ويغادر بصمت حتى لا يوقظ أمه. في البداية لم
يكن راتبه كبيرا لكن أول شيء فعله عندما قبض أجره الأول أنه عاد إلى البيت حاملا كيسا من الطعام.
وضعه على الطاولة وقال
اليوم أنا من يشتري.
نظرت إليه كافيتا طويلا ولم تقل شيئا.
لكنها في تلك الليلة بكت ليس تعبا هذه المرة بل امتنانا.
أما كيران فبدأ عمله طبيبا متدربا في مستشفى حكومي. كان العمل شاقا المناوبات طويلة والمرضى كثر ومعظمهم فقراء. كان يرى في وجوههم وجوها عرفها في طفولته. وكلما عاد متعبا كانت كافيتا تعد له الطعام وتقول
تذكر أنت هنا لأنك تعرف معنى الألم.
مع مرور الوقت تحسنت أوضاعهما المادية شيئا فشيئا.
لم يتغير البيت ولم تتغير حياة كافيتا كثيرا. كانت ما تزال تستيقظ مبكرا وتعيش ببساطة وكأن شيئا لم يتبدل. لكنها كانت تلاحظ فرقا صغيرا
لم تعد تحسب النقود قبل نهاية الشهر.
لم تعد تخاف من المرض كما كانت.
ثم جاء اليوم الذي لم تكن مستعدة له نفسيا.
التقاعد.
عادت كافيتا إلى البيت في آخر يوم لها في المدرسة تحمل صندوقا صغيرا من أغراضها بعض الدفاتر القديمة صورة صف وسبورة صغيرة احتفظت بها للذكرى. جلست على الكرسي الخشبي في الفناء وشعرت بفراغ لم تعرفه من قبل.
قالت في نفسها
وماذا بعد
في الأيام الأولى شعرت أن البيت أوسع من اللازم وأن الوقت أطول من قدرتها على احتماله. لم تعد هناك حصص ولا سبورة ولا أصوات أطفال. فقط صمت.
كان رافي وكيران يلاحظان
ذلك.
وفي إحدى الأمسيات جلسا معها.
لم يكن الحديث مباشرا لكنه كان صادقا.
قال رافي
أمي لقد أعطيتنا عمرك.
وأضاف كيران
والآن جاء دورنا لكن ليس كما تتوقعين.
لم تفهم.
مرت أسابيع وبدأت تلاحظ تغيرا غريبا.
زيارات متكررة.
همسات.
اتصالات هاتفية تتوقف فجأة حين تدخل الغرفة.
وحين سألت كان الجواب دائما
ستعرفين قريبا.
ثم جاء ذلك اليوم.
عادا معا إلى البيت في وقت غير معتاد. كان الفناء نظيفا أكثر من اللازم وكانت هناك كراسي إضافية. شعرت أن شيئا كبيرا على وشك الحدوث لكنها لم تتخيل حجمه.
قال رافي
أمي نريدك أن تجلسي هنا.
جلست.
وجاء الناس واحدا تلو الآخر.
لم يكن تجمعا عاديا.
كان بداية فصل جديد.
لم تكن كافيتا تحب التجمعات الكبيرة لذلك أربكها المشهد.
البيت الصغير الذي اعتادت هدوءه امتلأ بالوجوه بالأصوات بالضحكات وبهمسات لا تفهمها. جلست على الكرسي في منتصف الفناء تنظر حولها بعينين متسائلتين وقلبها يخفق بخوف غامض.
كانت ترى زملاء قدامى من المدرسة جيرانا أقارب لم ترهم منذ سنوات وحتى بعض طلابها السابقين وقد كبروا. الجميع يبتسم لكن أحدا لا يشرح لها ما الذي يحدث.
اقترب منها رافي ووضع يده على كتفها.
قال بصوت منخفض
أمي فقط ثقي بنا.
جلست بصمت.
مرت الدقائق ببطء وكأن الزمن يتعمد اختبار صبرها. ثم بدأ أحد الجيران يتحدث عن رحلة طويلة وآخر عن امرأة لم تطلب شيئا لنفسها وثالث عن قيمة التربية. لم تكن كلمات مرتبة لكنها كانت صادقة وكل جملة كانت تعيد إليها شريطا طويلا من الذكريات.
رأت
نفسها شابة نحيلة تقف وحدها في وجه القرية.
رأت ليالي المرض وصباحات التعب ودفاتر الطلاب وأصوات الرياح حول بيتها.
شعرت فجأة بثقل السنوات على كتفيها.
ثم تقدم كيران خطوة إلى الأمام.
لم يكن يرتدي معطف الطبيب هذه المرة بل ثوبا بسيطا لكنه بدا واثقا ثابتا. نظر إلى أمه طويلا قبل أن يتكلم وكأنه يحاول جمع كلمات لا يمكن جمعها بسهولة.
قال
لو لم تتخذي ذلك القرار قبل اثنين وعشرين عاما لما كنا هنا اليوم.
ساد صمت عميق.
وأضاف
لم تسألينا يوما ماذا سنعطيك مقابل كل هذا لأنك لم تفعلي ما فعلته من أجل المقابل.
شعرت كافيتا بأن عينيها تمتلئان بالدموع لكنها حاولت التماسك.
ثم وقف رافي بجانبه.
قال
نحن لا نملك طريقة لنعيد لك السنوات التي تعبت فيها لكننا نملك أن نكملها معك.
لم تفهم بعد.
بدأت النساء يدخلن من باب البيت واحدة تلو الأخرى. كن شابات خجولات بوجوه تحمل احتراما واضحا. توقفت أنفاس كافيتا وشعرت أن قلبها يسبق عقلها.
همست
ما الذي يحدث
لكن أحدا لم يجب.
جلست الفتاتان في جانب الفناء والابتسامة لا تفارق وجهيهما. همس الناس ثم ساد صمت جديد ثقيل مهيب.
قال رافي أخيرا
أمي
أردنا أن يكون كل شيء هنا.
في هذا البيت.
تحت هذا السقف.
في تلك اللحظة فقط بدأت الصورة تتضح ببطء.
لم يكن تجمع وداع.
لم يكن احتفال تقاعد.
كان شيئا آخر أعمق.
وضعت كافيتا يدها على صدرها وشعرت أن قلبها لا يحتمل المفاجآت بعد الآن.
قال كيران بصوت متهدج
كل خطوة في حياتنا بدأت من هنا ولا نريد أن تبدأ الخطوة القادمة إلا وأنت في المنتصف.
لم تعد قادرة على الكلام.
نظرت حولها مرة أخرى.
البيت البسيط.
الفناء الذي شهد طفولة ومراهقة وتعبا.
الوجوه التي تعرف قصتها حتى دون أن تروى كاملة.
شعرت لأول مرة في حياتها أنها ليست مجرد معلمة ولا مجرد امرأة قامت بواجب إنساني بل محور حياة كاملة.
ومع غروب الشمس بدأت الفوانيس الصغيرة تضاء في أركان الفناء. لم تكن فاخرة لكنها كانت دافئة. تماما مثلها.
في تلك اللحظة أدركت كافيتا أن ما ينتظرها ليس مفاجأة عابرة
بل تتويجا لرحلة طويلة.
مع اقتراب المساء تحول الفناء الصغير إلى مساحة دافئة تشبه القلب الذي احتواهم جميعا يوما ما. لم تكن هناك أضواء فاخرة ولا موسيقى صاخبة بل فوانيس بسيطة وزهور محلية ووجوه تعرف معنى التعب الحقيقي.
جلست كافيتا في منتصف الفناء وقد أدركت أخيرا ما الذي يحدث لكنها لم تكن مستعدة لتقبل حجمه. كانت تنظر إلى رافي وكيران وكأنها تراهما للمرة الأولى رجلين ناضجين ثابتين يحمل كل منهما أثر السنوات التي صنعت في هذا البيت.
اقتربت المرأتان الشابتان بخطوات هادئة. كان في أعينهما احترام واضح ليس تصنعا ولا مجاملة. انحنتا قليلا أمام كافيتا ثم جلستا بهدوء. شعرت كافيتا بشيء يشبه الامتداد كأن حياتها لم تتوقف عندهما بل وجدت طريقها لتستمر.
قال أحد كبار القرية بصوت مفعم بالوقار
هذا البيت شهد أعواما من الصبر واليوم يشهد ثماره.
لم تلق خطب طويلة ولم ترفع شعارات. كان كل شيء بسيطا كما كانت حياتها دائما. وقف رافي أولا ونظر إلى الجمع ثم إلى كافيتا وقال
حين كنا طفلين لم نكن نملك سوى الخوف. هذه المرأة أعطتنا الأمان دون أن تسأل عن الثمن.
ثم وقف كيران وصوته يحمل أثر السنين
قالوا لنا يوما إننا لسنا أبناءها الحقيقيين لكن الحقيقة أننا ما كنا لنكون أبناء أحد لولاها.
مد الاثنان أيديهما نحوها في الوقت نفسه. لم يطلبا منها شيئا لم يلقيا كلمات كبيرة فقط نظرا إليها كما نظر
الطفلان يوما تحت سقف هذا البيت.
بكت كافيتا.
لم تحاول إخفاء دموعها هذه المرة.
كانت دموعا نظيفة ثقيلة خرجت بعد اثنين وعشرين عاما من الصبر.
تم الزفاف ببساطة.
ضحك الناس وتبادلوا التهاني وأكلوا طعاما متواضعا أعدته نساء القرية بمحبة. لم يكن يوما استثنائيا في شكله لكنه كان استثنائيا في معناه.
ومع اقتراب نهاية الاحتفال بدأ الناس يغادرون واحدا تلو الآخر. بقي الفناء هادئا من جديد كما اعتادته كافيتا طوال حياتها.
وقفت أمام باب بيتها تتأمل السقف والجدران والعتبة التي جلست عليها مرات لا تحصى. شعرت فجأة بثقل السنين يخف كأن شيئا أغلق بسلام.
وقبل أن تدخل لاحظت لافتة بسيطة معلقة على باب البيت. توقفت قرأتها ببطء ثم أعادت قراءتها مرة أخرى.
كان مكتوبا عليها
بيت أمنا كافيتا هذا بيتنا جميعا.
وضعت يدها على صدرها وابتسمت ابتسامة لم تعرفها من قبل.
في تلك اللحظة فقط أدركت المرأة التي عاشت عمرها بلا زوج ولا أبناء أنها لم تكن وحيدة يوما وأن العائلة لا تصنع بالدم وحده بل بالاختيار وبالوفاء وبالحب الذي يصمد أمام الزمن.
دخلت البيت وأغلقت الباب بهدوء كما اعتادت دائما.
لكن هذه المرة لم يكن البيت فارغا.
كان ممتلئا بالحياة.


تعليقات
إرسال تعليق