مكالمة واحدة بعد زفافي كشفت سرًا أخفاه والداي طوال حياتي
مكالمة واحدة بعد زفافي كشفت سرًا أخفاه والداي طوال حياتي
بعد أسبوعين من زفافي تلقيت اتصالا من المصور.
قال لي
سيدتي لقد عثرت على شيء.
توقف قليلا ثم أضاف
أرجو أن تأتي إلى الاستوديو. ولا تخبري والديك عليك أن تري هذا قبل أي شخص آخر.
وما عرضه علي بعد ذلك غير كل ما كنت أظن أنني أعرفه.
بعد أسبوعين من الزفاف كانت الحياة قد بدأت أخيرا تهدأ.
غادر الضيوف وتراكمت الهدايا غير المفتوحة في الغرفة الإضافية وبدأت أنا وزوجي نعتاد إيقاعا يوميا بدا هادئا ومستحقا.
كان الزفاف نفسه جميلا دافئا أنيقا تماما كما أراده والداي.
مثاليا أكثر من اللازم إن كنت صادقة مع نفسي لكنني لم أتساءل عن ذلك الشعور في حينه.
ثم رن هاتفي.
كان المتصل هو المصور.
بدا صوته مختلفا عن نبرته المرحة والمهنية التي تذكرتها يوم الزفاف.
كان أكثر توترا أكثر حذرا.
لم يبدأ بمجاملة ولم يهنئني.
قال
سيدتي لقد وجدت شيئا.
سألته عما يقصده ظنا مني أن الأمر يتعلق بصورة ناقصة أو بتفصيل تقني في التحرير.
لكنه صمت طويلا صمتا كافيا ليجعل معدتي تنقبض.
ثم قال
أظن أن عليك أن تأتي إلى الاستوديو. ولا تخبري والديك. يجب أن تري هذا قبل أن يراه أي شخص آخر.
عندها شعرت ببرودة تسري في صدري.
المصورون يرون كل شيء.
يرون الابتسامات المصطنعة.
واللحظات التي يظن الناس أن لا أحد ينتبه لها.
اخترته تحديدا لهذا السبب لأنه يلتقط الصدق لا الوضعيات
فقط.
وفجأة أدركت لماذا كانت نبرته مهمة.
قدت السيارة وحدي.
كان الاستوديو تفوح منه رائحة خفيفة من المواد الكيميائية والقهوة.
استقبلني بلا ابتسامة واقتادني مباشرة إلى محطة العمل.
على الشاشة كانت مئات الصور المصغرة من يوم زفافي مرتبة حسب التوقيت.
بدأ يتنقل بينها ببطء بتأن إلى أن توقف عند سلسلة التقطت قبل بدء المراسم بقليل.
قال بهدوء
لم يكن من المفترض تسليم هذه.
ثم أضاف
لكني لا أعتقد أن إخفاءها هو الصواب.
قرب الصورة.
ما رأيته جعل أنفاسي تتقطع لا لأنه كان دراميا بل لأنه كان خفيا.
كانت أمي تقف إلى جانب أبي قرب المدخل الجانبي.
لم تكن ملامحهما مفعمة بالفرح.
كانا متوترين.
يهمسان.
كانت يد أمي مشدودة حول هاتفها وعروقها بارزة من شدة القبض.
ثم شغل مقطع فيديو قصير.
كان صوت أبي منخفضا لكنه واضح بلا شك
لا يمكنها أن تعرف. ليس اليوم.
ردت أمي بنبرة حادة ومذعورة
إذا تأكد من أنه لن يتكلم.
حدقت في الشاشة بينما كان النبض يقرع أذني بقوة.
همست
يتكلم عن ماذا
لم يجب المصور.
اكتفى بالنقر على الملف التالي.
لم تكن الصور التالية مصطنعة ولا معدة.
كانت لحظات بينية من تلك التي لا يراها معظم الناس.
خالي يبتعد عن الحشد وملامحه قلقة.
رجل لا أعرفه يتجادل بصوت منخفض مع أبي قرب موقف السيارات.
أمي تمسح دموعها لا دموع فرح بل دموع خوف.
سألت وأنا أشير إلى الرجل الغريب
من هذا
تردد المصور قليلا قبل أن يقول
لم يكن مدعوا. لكن أباك استقبله كما لو كان يعرفه جيدا.
ثم عرض تسجيلا صوتيا التقط بالصدفة بواسطة ميكروفون اتجاهي من تلك الأجهزة التي تلتقط ما لا يفترض أن يسمع وما لا يقال إلا حين يظن الناس أنهم في مأمن من العيون والآذان.
كان الصوت خافتا متقطعا أحيانا لكنه واضح بما يكفي ليهدم سنوات كاملة من الطمأنينة المصطنعة.
قال الرجل بصوت يحمل تهديدا مؤجلا لا استعجال فيه ولا غضب بل يقينا بامتلاك ورقة خطيرة
لن أبقى صامتا إلى الأبد.
ثم جاء صوت أبي ذلك الصوت الذي طالما سمعته حازما مطمئنا واثقا لكنه هنا بدا مختلفا.
مشحونا.
مشدودا.
كمن يحاول تثبيت شيء يتداعى بين يديه
لقد دفع لك. هذا كان الاتفاق.
في تلك اللحظة لم أعد أسمع الكلمات فقط بل سمعت ما وراءها
الخوف.
الاستعجال.
والرغبة اليائسة في إبقاء باب مغلقا مهما كان الثمن.
بدأت يداي ترتجفان.
ليس رجفان صدمة مفاجئة بل رجفان وعي يتشكل فجأة وذاكرة تعيد ترتيب نفسها على ضوء جديد قاس لا يرحم.
لسنوات طويلة كانت هناك تفاصيل صغيرة لا تنسجم تماما أشياء كنت ألاحظها ثم أزيحها عن ذهني بسرعة كما يزيح المرء غبارا خفيفا عن كتفه.
نكات عائلية تقال على سبيل المزاح عن أنني لا أشبه أحدا.
تعليقات عابرة عن التوقيت عن التضحية
عن قرارات كانت معقدة آنذاك.
جمل تقال ثم تسحب نظرات تلقى ثم تدار الوجوه بعدها بسرعة.
كنت أفسر كل ذلك بسذاجة مريحة
العائلات معقدة.
الماضي مليء بالثغرات.
والنبش لا يقود غالبا إلى شيء جيد.
كنت أفضل السلام على الحقيقة دون أن أسمي ذلك خوفا.
لكن الآن
صار لتلك الفوضى شكل.
صار لها صوت.
وصارت تملك أسماء وملفات وتواريخ.
التفت إلي المصور ولم تكن في عينيه نظرة فضول بل ثقل شخص وجد نفسه فجأة في قلب قصة لم يخترها.
قال
لم أرد القفز إلى الاستنتاجات.
ثم صمت لحظة كأنه يمنحني فرصة إنكار أخيرة.
وأضاف بهدوء لا يخلو من أسف
لكن بيانات الصور تظهر أن هذه الأحاديث جرت قبل أن تسيري نحو المذبح. أيا كان هذا الأمر كانوا يائسين لإبقائه مخفيا.
يائسين.
الكلمة علقت في ذهني.
عدت إلى المنزل في صمت كامل.
لم أشغل الموسيقى.
لم أتصل بأحد.
كنت أقود وكأن الطريق أطول مما هو عليه وكأن المسافة بيني وبين البيت صارت مسافة بين نسختين من نفسي
تلك التي دخلت الاستوديو
وتلك التي خرجت منه.
في تلك الليلة جلست وحدي وأعدت النظر إلى صور زفافي.
ليس نظرة عروس تعيد لحظة فرح بل نظرة امرأة تحاول قراءة ما فاتها.
كنت أراقب التفاصيل الصغيرة
المسافات.
الزوايا.
الأجساد التي بدت قريبة لكنها لم تكن كذلك.
لاحظت كيف وقف والداي متباعدين قليلا أكثر من اللازم.
كيف كانت
أمي تشد على يديها أثناء الخطب لا تصفق إلا متأخرة.
كيف كانت تبتسم ثم تسقط الابتسامة سريعا كمن يتذكر شيئا لا
يجوز نسيانه.
وكيف لم تصل ابتسامة أبي إلى عينيه مهما حاول أن يبدو حاضرا.
في تلك اللحظة تصدع شيء أساسي في داخلي.
ليس انهيارا دراميا بل كسرا هادئا صامتا كصدع في زجاج ظل يبدو سليما لسنوات.
أدركت شيئا واحدا بوضوح قاطع
هذا لم يكن عن الزفاف.
ولا عن يوم واحد.
كان عني.
لم أواجههما فورا.
لم يكن ذلك جبنا بل حاجة.
كنت بحاجة إلى حقائق لا إلى انفعال قد يستخدم ضدي لاحقا.
طلبت سجلات ولادتي بهدوء بحجة تحديث مستندات قانونية.
وحين وصلتني شعرت أنني أنظر إلى نصف صورة.
أسماء محجوبة.
تواريخ معدلة بعناية.
وسجلات طبية تشير إلى ظروف خاصة دون أي شرح.
كل شيء كان مصمما ليبدو طبيعيا دون أن يكون كاملا.
استأجرت باحثة أنساب خاصة امرأة اعتادت تفكيك التاريخ من خلال الوثائق لا العواطف تعرف أن الدم لا يكتب سيرة كاملة لكنه يترك إشارات لا تخطئها العين حين تحسن القراءة. كانت من النوع الذي لا يرفع صوته ولا يبالغ في الدهشة ولا يبيعك نتائج على هيئة حكاية بل يعطيك الحقيقة كما هي سطرا وراء سطر وخيطا وراء خيط حتى تتشكل الصورة رغم قسوتها.
وحين اتصلت بي بعد أسبوعين كان صوتها مختلفا عن الصوت الذي تحدثت به في اللقاء الأول.
أبطأ.
أثقل.
حذر كمن يمشي فوق أرض رقيقة يخشى أن تنكسر تحت قدميه.
كأنها تعلم أن ما ستقوله لن يكون مجرد معلومة تضاف إلى ملف بل حجرا يلقى في بحيرة حياتي فيغير كل دوائرها.
قالت بعد صمت صغير بدا طويلا
والدك البيولوجي ليس الرجل الذي رباك.
لم أفهم الجملة في اللحظة الأولى كما ينبغي.
سمعتها نعم لكن عقلي تعامل معها كأنها لغة أخرى تحتاج ترجمة.
ثم جاءت الترجمة دفعة واحدة حادة كالسكين.
دار المكان من حولي.
ليس دوارا جسديا فقط بل اهتزازا في الإحساس بالانتماء بالهوية بالقصة التي كنت أرويها عن نفسي دون تفكير تلك القصة التي كنت أضعها في رأسي
مثل بطاقة تعريف ثابتة أنا ابنة فلان وفلانة كبرت في بيتهم أحبوني ربوني هذا هو عالمي.
لكن العالم لا يحب الثبات ولا يلتزم بالقصص التي نكتبها لأنفسنا.
في تلك اللحظة شعرت أن ذاكرتي كلها تقف أمامي وتطلب إعادة ترتيب.
طفولتي صوري القديمة العبارات التي قيلت لي ملامحي في المرآة نبرة أبي حين كان يقول ابنتي حتى تلك المشاحنات الصغيرة التي كنت أخرج منها مطمئنة لأن البيت هو البيت صارت فجأة غير محمية بسياج اليقين.
صار للرجل الغريب من موقف السيارات اسم.
وتاريخ.
وسيرة قصيرة في الأوراق وطويلة في الآثار.
حكاية طويلة مع أمي سبقت زواج والدي بسنوات.
حكاية انتهت على الورق لكنها لم تنته في الواقع.
كأنها ظل بقي في البيت دون أن يراه أحد إلى أن قرر أن يظهر في يوم لا يجب أن يفسديوم الزفاف.
كان قد حاول التواصل معهما قبل الزفاف لا ليخرب حياتي كما تخيلت في البداية بل ليمنحني الحقيقةأو ليأخذ لنفسه اعترافا متأخرا بأنه موجود.
لكن الحقيقة حين تتأخر لا تأتي مهذبة.
تأتي كطرق عنيف على باب مغلق منذ سنوات.
والمال الذي ذكره أبي في التسجيل لم يكن صفقة تجارية ولا تسوية عادية.
لم يكن اتفاقا بين رجال أعمال كما حاولت أن أضحك على نفسي في أول لحظة.
كان مال صمت.
مال خوف.
مال شراء وقت.
وهذه هي الحيلة القديمة دائما
أن تشتري الوقت ظنا أن الوقت يشتري النسيان.
لكن الوقت لا ينسى.
الوقت فقط يؤجل الانفجار ويكبره.
حين واجهت والدي أخيرا لم أصرخ.
لم أرفع صوتي.
كنت أشعر أن الصراخ سيخونني سيجعلني طفلة في نظرهما وسيمنحهما فرصة تحويل الحقيقة إلى انفعال.
وأنا كنت بحاجة إلى شيء واحد أن أبقى واقفة.
وضعت الصور على الطاولة.
وتفريغ التسجيل الصوتي.
والسجلات الناقصة التي تبدو كاملة لمن لا يقرأ ما بين السطور.
كان الصمت أثقل من أي مواجهة.
صمت لا يشبه الهدوء بل يشبه غرفة
أغلقت على سر طويل فجأة فصار الهواء نفسه متورطا.
انهارت أمي أولا.
لم تدافع.
لم تناور.
لم تحاول أن تشرح قبل أن تقر.
بكت كما يبكي شخص تعب من الحراسة كأنها كانت تحرس بابا طوال حياتها وها هو الباب يسقط.
قالت بصوت مكسور
كنا نحاول حمايتك.
سألتها بهدوء موجع لا يحمل رغبة في الإذلال بل رغبة في الفهم
مم من الحقيقة أم من فقدان السيطرة
كان السؤال بسيطا لكنه كان مرآة.
وفي المرآة لا تستطيع الكلمات أن تتزين طويلا.
حدق أبي طويلا في الطاولة كأنها أكثر أمانا من النظر في عيني.
كان الرجل الذي اعتدت أن أراه ثابتا يحسب خطواته واثقا من قدرته على حل الأمور بدا هنا كمن فقد أدواته.
قال أخيرا بصوت يحاول أن يكون حاسما
نحن من ربيناك. هذا ما يهم.
سمعت في الجملة أكثر من معناها.
سمعت محاولة لإغلاق الملف بسرعة.
محاولة لشراء خاتمة بعبارة واحدة.
كأن التربية تستخدم هنا كغطاء على الحقيقة بدل أن تكون جسرا إليها.
قلت بهدوء لم أتوقعه من نفسي
أتفق معك. ولهذا كان ينبغي أن تثقوا بي بما يكفي لتخبروني بالحقيقة.
لم أقلها كاتهام فقط بل كخسارة.
خسارة الثقة التي كان يمكن أن تبنى لو أنهم اختاروا الصدق في وقت أبكر.
خسارة سنوات من القرب لأن القرب الذي يقوم على إخفاء دائم لا يكون قربا كاملا.
في تلك اللحظة فهمت كل شيء.
لقد بنيا مفهوم الأبوة على السيطرة لا على الصدق.
على الإدارة لا المشاركة.
على حسن التدبير بدل حسن النية.
وعندما تزعزعت السيطرة تهاوى البناء كله.
لم أقطع علاقتي بهما.
لست من النوع الذي يمحو سنوات كاملة بقرار واحد ولا من النوع الذي يتعامل مع الحب كزر يطفأ.
لكني تراجعت خطوة إلى الخلف.
خطوة
واحدة فقط لكنها كانت خطوة إنقاذ.
وهناك فرق كبير بين القطيعة والمسافة الواعية.
القطيعة غضب حاد قد يندم عليه الإنسان.
أما المسافة الواعية فهي شكل من أشكال
احترام الذات شكل من أشكال إعادة التوازن
أنا أحبكم لكني لن أسمح لكم بأن تديروا حياتي من الظل بعد اليوم.
التقيت بوالدي البيولوجي بعد أشهر بشروطي أنا.
لا بحثا عن بديل ولا رغبة في استبدال أحد.
لم أذهب إليه لأمسح أبي من الصورة.
ذهبت لأفهم من أين جاءت تلك الثغرة التي ظلت في داخلي دون اسم.
التقيته في مكان اخترته أنا.
جلست أمامه كما تجلس امرأة أمام سؤال كبير لا أمام رجل يستحق مكانة.
لم يطلب الغفران.
لم يقدم نفسه كبطل منسي.
لم يبرر صمته بحكايات جاهزة.
قال الحقيقة كما هي دون تزيين وترك لي حرية القرار.
وكان لذلك وزن لا يقاس.
لأن الاعتراف لا يعيد الزمن لكنه يعيد للإنسان حقه في أن يعرف.
ما زلت ووالداي نعيد البناء.
ببطء.
بحذر.
وباختلال أحيانا.
لأن الثقة لا تعود لمجرد وجود الحب.
الحب وحده لا يكفي حين يستخدم كعذر للإخفاء.
الثقة تبنى من جديد حجرا حجرا واعترافا اعترافا وصدقا صغيرا يتراكم حتى يصير عادة.
تعلمت أن بعض العائلات لا تخونك بحقد بل تخونك بخوفها.
تخونك لأنها تظن أنها تعرف الأفضل لك أكثر منك.
تخونك لأنها تخلط بين الحماية والسيطرة.
وبين الحب والامتلاك.
وهذا ما تعلمته من ذلك الاتصال ومن تلك الصور المخفية ومن كل ما تلاها
الحقيقة لا تختفي لمجرد أنها غير مريحة.
والأسرار لا تحمي العلاقات بل تديرها من الظل.
تجعل الحب مشروطا بالصمت وتحول القرب إلى تمثيل طويل.
المصور لم يدمر عائلتي.
بل منحني الوضوح.
والوضوح قد يوجع لكنه يحرر.
وإن بقيت هذه القصة معك فتوقف لحظة واسأل نفسك بصدق
هل شعرت يوما أن شيئا ما لا يستقيم لكنك تجاهلته حفاظا على السلام
هل ابتلعت أسئلتك لأنك خفت أن تزعج أحدا
وهل اكتشفت لاحقا أن السلام الذي يشترى بالصمت ليس سلاما بل هدنة مؤقتة
أحيانا اللحظة التي تغير كل شيء ليست مواجهة صاخبة
ولا صراخا ولا فضيحة.
أحيانا
تكون لحظة صامتة جدا
نظرة أخيرة إلى ما كان موجودا منذ البداية
ينتظر فقط أن يعترف به
كي تبدأ حياتك من جديد ولكن هذه المرة
بحقيقتك أنت.


تعليقات
إرسال تعليق