دكـان وش السـعد مـن الخـرابة للـرزق كـاملة
دكـان وش السـعد مـن الخـرابة للـرزق كـاملة
أمي كلمتني في تليفون الصبح، يوم تلات.. هي دي عادتها، مابتفتكرنيش غير يوم التلات لما تكون محتاجة مصلحة.
"يا بنتي، فيه دكان في شارع (قصر العيني) معروض للإيجار،" قالتها بنبرة هادية.. "هو مهجور ومترب شوية، بس لو عايزة تفتحي فيه مشروعك، هو ليكي." بقـلم منـي السـيد
كلمة "مترب" دي كانت تجميل لواقع يقطع القلب.
لما رحت أشوف المكان، كنت هلف وأرجع من على الباب. الژبالة كانت كوم ملوش آخر، أكياس مقطوعة، كرتون دايب من المية، وأطباق مکسورة مرصوصة فوق بعضها زي أبراج هشة هتقع في أي لحظة. في ركن من الأركان، كان فيه كومة جرايد صفراء مابقتش ورق، بقت
مجرد بودرة وتراب. والحيطان؟ لونها كان غريب، لون مفيش بني آدم عاقل يفكر يدهن بيه أوضة.
كان فيه طبقة رمادي تقيلة مغطية كل حاجة، كأن الزمن وقف في المكان ده من سنين طويلة.
أما الصراصير...
يا ساتر يا رب.. كانت في حجم صباع الإبهام، ويمكن أكبر. أول ما نورت النور، جريوا في كل حتة كأني أنا اللي "حرامية" وداخلة مكانهم.
خيوط العنكبوت كانت نازلة من السقف للأرض زي ستاير مېتة. وفي زاوية تانية، كان فيه "عِش" لحاجة ماكنتش عايزة أعرف هي إيه. والريحة؟ ريحة خانقة.. ريحة ژبالة عفنت، وبعد ما عفنت، رجعت تعفن تاني.
بس أنا وقفت مكاني.. وبصيت للمكان
نظرة فاحصة.
من السقف للأرض.
وشفت اللي غيري ماشافهوش.
شفت "رزق".. وشفت حلم ممكن يتحقق.
وأنا عمري ما كنت من النوع اللي بيغمي عينه عن الفرصة لما تيجي لحد عنده.
أول يوم، جيت ومعايا جوانتي بلاستيك طويل، وكمامة رخيصة من الموان، وأكياس ژبالة حجمها يشيل جبل.
مافكرتش.. بدأت علطول. لأني لو فكرت ثانية واحدة، ماكنتش هكمل.
كيس ورا كيس.. كرتونة ورا كرتونة.. مشاوير مابتخلصش لصندوق الژبالة اللي بره. الجيران كانوا بيتفرجوا عليا من بعيد، وبعدين بدأوا يقربوا ويدوني أكياس زيادة.
"محتاجة مساعدة يا بنتي؟"
"أيوة.. محتاجة أكياس أكتر."
غسلت المواعين
طبق طبق تحت حنفية مېتها ضعيفة يادوب بتنزل بالعافية. والحاجة اللي كانت حالتها ضايعة، كنت بكسرها وأرميها من غير ندم. أنا مكنتش جاية أنظف كراكيب حد، أنا كنت جاية أغير جلد المكان بالكامل. بقـلم منـي السـيد
لما وصلت للعِش اللي في الركن، قلبي قبضني.. ناديت على "عم إبراهيم"، الراجل اللي بقاله عشرين سنة بيصلح كل حاجة في المنطقة. جه ومعاه كوريك طويل ونظرة كلها خبرة.
بص فيه وقال بجدية: "ده عِش عرسة يا بنتي."
"عرسة؟ هنا في وسط البلد؟"
"يا بنتي العرس في كل حتة، مابتفرقش بين حارة وحي راقي."
شال العش وحطه في كيس لوحده وخرج. قعدت بعدها
يومين باصة للحفرة اللي كان فيها العش وقلقانة مابنامش.
بعدها جه دور خيوط العنكبوت. اشتريت أطول مقشة في السوق وبدأت أنزلها. كانت بتقع عليا كأنها شباك صيد أو ستاير من عالم تاني.. على شعري، على كتفي، على وشي. ربطت طرحة على بوقي واستلفت "كاب" قديم من بتوع عم إبراهيم عشان أحمي راسي.
نص يوم كامل.. عشان بس أشيل خيوط العنكبوت.
الحيطان كانت متبهدلة لدرجة إني عرفت إن السلك والصابون مش هينفعوا.. حاولت بكل الطرق وفشلت. في آخر الأسبوع الأول، استسلمت ورحت للموان. اشتريت أربع جراكن بوية "برتقالي".. لوني المفضل.. ودهنت المكان كله.
وش ورا وش.. حيطة ورا حيطة.
المكان بقى كأنه مولود من جديد.
وخليت
الأرضية للآخر. نزلت على ركبي، وبفرشة خشنة وشوية خل وصبر ملوش حدود، قعدت أدعك. كان فيه بقعة سودة كبيرة كنت فاكراها في أصل الخشب، بس طلعت وساخة متراكمة بقالها سنين. خدت مني تلات أيام دعك لحد ما ظهر الخشب اللي تحتها.. خشب لسه فيه الروح ومستني اللي يقدره.
تلات أسابيع.
تلات أسابيع من السحل، والعرق، والهدد، ومحاربة الحشرات والروائح اللي ماتتوصـفش.
ولما وقفت أخيراً على الباب وبصيت حواليا.. ضحكت، وماكنتش قادرة أبطل ضحك… بقـلم منـي السـيد
بعد شهر، المكان كان بينور. الحيطان البرتقالي خلت الشارع كله يدفى. "فاترينة" مستعملة
بس متلمعة لحد ما بقت مراية. ترابيزات مرصوصة بنظام، ومفارش بلاستيك كاروهات أحمر في أبيض. صوت المزيكا طالع للرصيف.. وبقيت أبيع كبدة وسجق، وحاجة ساقعة، ومشروبات ساقعة.. وبقيت أضحك مع الزباين طول اليوم.
المحل بقى بتاعي..
بنيته بإيدي..
كيس ژبالة ورا كيس.
وفي عز ما الدنيا بدأت تفتح في وشي، دخلت أمي يوم خميس بعد الظهر، وعلى وشها "الابتسامة" اللي أنا عارفاها كويس أوي.
قعدت، طلبت كوباية مية، وشاورت لي أقعد قدامها. بقـلم منـي السـيد
قالت لي بهدوء: "يا بنتي، إيه رأيك لو أختك تمسك المكان ده بدالك؟ هي محتاجة شغل ومكان
تبدأ فيه."
دمي اتجمد في عروقي.
"نفس المكان؟" سألتها بذهول.. "المكان اللي ادهولي وهو مقلب ژبالة؟ اللي نظفته ودهنته وبنيته من الصفر؟"
قالت ببرود: "ما هي أصلها معندهاش مكان و..."
قاطعتها وأنا في منتهى الثبات: "لأ. شكراً يا أمي على "الخړابة" اللي ادهالي في الأول، بجد شكراً. بس المكان ده مابقاش خړابة.. المكان ده بقى بتاعي أنا."
أمي بصت لي لحظة، شربت بق مية، وقامت مشيت من غير ولا كلمة.
في نفس الأسبوع، لمېت حاجتي ونقلت. لقيت مكان تاني، أصغر شوية وأغلى في السعر، بس بقى بتاعي بجد.. من غير جمايل ولا "تلاتات".
والمرة دي، مفيش مخلوق
يقدر ياخده مني…


تعليقات
إرسال تعليق