القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

مفتاح الحريه في كوم تراب بقلم منــال عـلـي

 مفتاح الحريه في كوم تراب بقلم منــال عـلـي



مفتاح الحريه في كوم تراب بقلم منــال عـلـي


لما أبويا إتوفى، الوصية كانت صريحة: بيت يروح لماما، والبيت التاني يروح ليا. حاولت تضغط عليا وتتريق مني عشان أسلّمها المفاتيح، وهي بتهمس لي بشر وكأنها بتحذرني: "البيت ده لازم يكون بتاعي أنا". قلتلها: "لا يا ماما". وتاني يوم بقلم منــال عـلـي الصبح بدري، لقيتها بتكلمني في التليفون وهي في قمة السعادة والنشوة، وقالت لي: "تخيلي إيه اللي حصل؟ أنا هديت ليكي البيت بتاعك.. مبروك عليكي الشارع يا حبيبتي، يا رب يعجبك حالك وإنتي مكسورة ومن غير سكن  ركبت عربيتي وأنا كلي بترعش، أعصابي كانت سايبة ودموعي مش راضية تقف.. لحد ما وصلت هناك، وبصيت على رقم البيت.. وفي لحظة، ماقدرتش أمسك نفسي من الضحك؛ الست من كتر غلها هدت البيت الغلط!

بعد وفاة بابا، ورثت أنا وماما بيت لكل واحدة فينا بقلم منــال عـلـي 

الموضوع كان باين إنه بسيط على الورق؛ بابا كان عنده عقارين في ضواحي المعادي: شقة العيلة اللي ماما لسه قاعدة فيها،


وبيت صغير دورين كان شاريه من سنين عشان يأجره. الوصية كانت واضحة: ماما تاخد شقة العيلة، وبيت الإيجار يبقى من نصيبي.

أنا مفرحتش؛ كنت حزينة ومهدودة وبحاول ألملم جراحي في هدوء. لكن في اليوم اللي المحامي سلمنا فيه الورق، حزن ماما اتحول لحاجة تانية خالص.

قالت مديحة، أول ما رجعنا المطبخ: "إنتي ماتستاهليش البيت ده". عينيها كانت حمرا، بس صوتها كان ثابت.. ثابت زيادة عن اللزوم: "أبوكي عمل كده كيد فيا أنا 

وقفت عند الحوض وساندة إيدي على الرخامة: "يا ماما، ده اللي هو كان عايزه".

قربت مني خطوة وقالت: "هاتي المفاتيح".

قلت بحذر: "لسه ما استلمتهاش، هستلمها من المحامي لما الإجراءات تخلص رسمي".

فجأة، مدّت إيدها وقبضت على معصمي بكل قوتها: "المفاتيح دي هتسلميها لي أول ما تلمسيها".

سحبت إيدي وقلبي بيدق زي الطبلة: "لا. البيت ده بتاعي، ومش هسمحلك تدخليه".

وشها اتلوى وكأني ضربتها بالقلم: "فاكرة نفسك أحسن مني؟ فاكرة

إنك بقيتي صاحبة ملك؟"

قلت بصوت مرعش: "أنا مش هدخل في خناقات.. أنا بس عايزة أخلص إجراءات ورث بابا من غير حرب".

بس هي كانت أعلنت الحرب فعلاً.

ليلتها، بعتت لي ١٢ رسالة ورا بعض.. اتهامات بالسرقة، وكلام عن جحود الأبناء، وتفكرني بإنها "ربت وكبرت" وكأنه دَين مش هقدر أسدده أبدًا. مردتش عليها. بقلم منــال عـلـي 

تاني يوم الصبح، الموبايل رن الساعة ٧ و١٢ دقيقة بالظبط. شفت اسمها واستجمعت شجاعتي.

لما رديت، كانت بتضحك.. مش ضحك خفيف، ده ضحك شرير وقاسي وواثق.

قالت: "يا رب تكوني نمتي كويس، عشان أنا هديت ليكي البيت بتاعك. ياللا بقى، استمتعي بحياتك في الشارع".

لثواني النفس انقطع ومعدتي قلبت وكأني بقع من دور عالي.

همست: "إنتي بتقولي إيه؟"

قالت وهي بتستطعم كل كلمة: "بيت الإيجار الصغير اللي أبوكي ادهولك مكافأة.. جبت له عمال من النجمة. الشبابيك، الحيطان.. كله راح. بقى كوم تراب".

الدنيا اسودت في عيني: "ما تقدريش..

ده جنان.. دي جريمة!"

ضحكت تاني: "أبقي اثبتي بقى.. ده إنتي حتى لسه ما استلمتيش المفاتيح".

وقلبت السكة في وشي.

وقفت وأنا بترعش، أخدت مفاتيح عربيتي وطرت في الشارع وكأن نار والعة في صدري. طول الطريق الغضب والذعر بياكلوا فيا، بتخيل الخشب المكسر والمواسير المهدومة وميراثي اللي ضاع بسبب الغل، وبتخيل نفسي وأنا بجرجرها في المحاكم وإحنا لسه في أيام الحداد.

أول ما دخلت الشارع، شفت عمال لابسين سترات برتقالي، ولوادر، وعربية نقل كبيرة مليانة ركام. ضربات قلبي كانت هتوقف.

بس فجأة.. شفت العنوان المكتوب على لافتة التصريح.. وانفجرت في الضحك!

لأن البيت اللي هي هديته مطلعش بيتي أنا بقلم منــال عـلـي 

فرملت بالعربية لدرجة إن الكاوتش صرخ في الأرض. فضلت قاعدة ثواني ببص على اللافتة الحمراء المغروزة في الأرض:

"شارع 105— تصريح هدم معتمد"

أما بيتي أنا.. بيت الإيجار اللي بابا سابهولي..

فكان رقمه 115 على بُعدكام  بيت بس، الناحية التانية من الشارع.

 

العمال كانوا بيهدوا 115

و115 ده.. كان بيت ماما.

بيت العيلة.

البيت اللي هي ورثته.. والبيت اللي هي عايشة فيه من ١٥ سنة!

ضحكتي طلعت متقطعة في الأول من صدمة الأدرينالين، وبعدين تحولت لضحك هيستيري مكنتش قادرة أوقفه. حطيت إيدي على بوقي وعيني دمعت، دموع مكنتش عايزة أبينها لها.

قرب مني راجل لابس خوذة وقال: "يا فندم، ماينفعش تقفي هنا، الموقع خطر".

نزلت من العربية وبحاول أخد نفسي: "لو سمحت..

مين اللي طلب الهدم ده؟"

شاور على دوسيه أوراق: "معانا تفويض رسمي وموقّع من المالك.. كل حاجة قانونية".

قربت وقلبي بيدق: "ممكن أشوف الورق؟ أظن في غلط".

المشرف فتح الملف، ولمحت الإمضاء.. مكنتش محتاجة تدقيق، ده خط ماما الحاد والناشف. هي اللي مضت بنفسها، بس رقم البيت المكتوب


تحت كان 115 بكل وضوح  في اللحظة دي، موبايلي رن برسالة منها:

"حاسة بإيه دلوقتي؟"

بصيت للبيت — أو اللي فاضل منه — نص السقف كان طار، والبلكونة اللي كنا بنتصور فيها في الأعياد كانت بتنهار. حسيت بحزن مفاجئ، مش عشان البيت، بس عشان بابا كان بيحبه.. هو اللي دهن الشبابيك دي بإيده، وهو اللي زرع الورد عند الباب.

وماما قدمت كل ده للهدد عشان بس تإذيني.

اتصلت بيها، ردت فوراً والفرحة لسه في صوتها: "ها؟ شوفتيه؟ قلبك اتحرق؟"

قلت بهدوء: "أيوة، اتحرق فعلاً".

ضحكت بانتصار: "أحسن".

أخدت نفس عميق وقلت لها ببرود: "يا ماما.. 

هو إنتي إديتيهم عنوان إيه بالظبط؟"

السكوت ساد فجأة.

قالت بحدة: "بتقولي إيه؟"

قلت: "لأني واقفة دلوقتي قدام 115  المعادي الجديده.. 

وده

بيتك إنتي".

سكتت فترة أطول، وكأني سامعة تروس عقلها وهي بتحاول تستوعب.

قالت بصوت عالي: "مستحيل! بيتي أنا 115

قلت لها براحة: "لأ.. بيت الإيجار هو اللي 105.. 

أما بيتك اللي قاعدة فيه فهو 115 من يوم ما سكنا هنا" "إنتي كدابة!"

قلت: "أنا مش كدابة.. أنا شايفة بلكونتك وهي بتقع قدام عيني دلوقتي".

نفسها بقى عالي ومقطع: "وقفي.. وقفيهم فوراً! 

قولي لهم يوقفوا!"

بصيت للودر وهو بياكل في الحيطة وكأنها ورق: "ماقدرش.. أنا مش المالك. إنتي المالك.. وإنتي اللي مضيتي على موتك بإيدك".

طلعت صوت مخنوق: "ماكنتش أقصد.. كنت فاكرة—"

قاطعتها ببرود: "كنتي تقصدي تدمري بيتي. أجرتي عمال ومضيتي ورق وحاولتي ترميني في الشارع".

انفجرت في العياط، بس عياطها كان باين إنه تمثيل

بعد الضحك اللي ضحكته: "أرجوكي صلحيه.. قولي لهم إنه غلط".

قلت: "كلمي المشرف، كلمي الحي، كلمي اللي إنتي عايزاه.. بس البيت اللي إتهد ما بيرجعش تاني".

عياطها اتحول فجأة لغل: "ده غلطك إنتي! لو كنتي إديتيني المفاتيح—"

قاطعتها: "لأ.. ده اللي بيحصل لما تحاولي تكسريني".

وقفلت السكة في وشها.

بعدها عملت اللي بابا كان هيعمله لو كان عايش: صورت كل حاجة.. صور وفيديو ولافتة التصريح والعمال والساعة.. لأن ماما مش بس غلطت، دي كشفت نيتها السودا، والنية في القانون لها حساب.

خلال ساعة الموبايل مابطلش رن: رسائل منها مابين توسل واتهامات، ورسالة من محامي العيلة بيطلبني فوراً.

في اليوم اللي حاولت فيه تخليني من غير سكن، هي اللي هدت سقفها باديها.

وفي وسط الركام ده، لقيت أغلى

حاجة مكنتش طايلها من سنين:

حريتي.

تمت


 

تعليقات

close