أعادوا أمهم للقرية لتخفيف المصاريف… فغيّرت اسم البيت بقرار لم يتوقعه أحد!”
أعادوا أمهم للقرية لتخفيف المصاريف… فغيّرت اسم البيت بقرار لم يتوقعه أحد!”
حين عادت دونيا تيريسا أغيلار إلى القرية التي قضت فيها شبابها لم تحمل معها حقائب كبيرة ولم تكثر من الكلمات. كانت تحمل حقيبة قماشية صغيرة وصندلين مهترئين وصورة قديمة مطوية أربع مرات. أنزلتها الحافلة أمام الساحة الرئيسية في سان ميغيل ديل مونتي مكان بدا كأن الزمن قد نسيه.
هنا ستكونين أفضل يا أمي كان قد قال لها ابنها خوليان في المدينة كل شيء غال كل شيء يكلف. في القرية لا تحتاجين إلى شيء.
لم يقل لها الحقيقة كاملة. لم يقل إن ذلك القرار لم يكن قراره وحده.
في مدينة كيريتارو كان خوليان يعيش مع زوجته لورينا وطفليه في بيت حديث بجدران بيضاء وبوابة كهربائية. لم يكن قصرا لكن بالنسبة إلى لورينا كان كل ركن يجب أن يستغل بأقصى قدر ممكن. ودونيا تيريسا بخطواتها البطيئة وعادتها في الاحتفاظ بالأشياء القديمة لم تكن تنسجم مع ذلك المخطط.
ليس لأنني لا أحبها كانت تقول لورينا لكن إبقاءها هنا مكلف. أدوية طعام خاص كهرباء ثم إن الأطفال يحتاجون إلى غرفتهم.
كان خوليان يومئ في صمت. هكذا كان دائما رجل طيب لكنه ضعيف حين يتعلق الأمر بالمواجهة.
كان بيت القرية قديما مبنيا من الطين بسقف من القرميد وساحة كانت تنمو فيها يوما ما الدجاجات والزهور. هو البيت الذي عاشت فيه
دونيا تيريسا مع زوجها دون مانويل قبل أن يموت وهو يعمل في الحقل. كان أصلها وكان أيضا وحدتها.
لن يكون الأمر طويلا وعدها خوليان حين تركها سأزورك كثيرا.
ابتسمت دونيا تيريسا. لا لأنها صدقت الوعد بل لأنها تعلمت ألا تجادل الأقدار.
كانت الأيام في سان ميغيل ديل مونتي تمضي ببطء. كانت تستيقظ قبل الفجر تكنس الساحة تسخن الماء في قدر قديم ثم تجلس تراقب الطريق. أحيانا كان بعض الجيران القدامى يمرون فيحيونها باحترام.
عادت تيريسا كانوا يقولون الحياة تدور.
لم يعد خوليان بالقدر الذي وعد به. في البداية كان يتصل كل أسبوع ثم كل شهر. وكان دائم العجلة.
كل شيء بخير يا أمي كان يكرر اطمئني أنت فقط.
أما لورينا فلم تتصل يوما.
في إحدى الأمسيات زارها دون أوسيبيو رجل مسن من أهل القرية يعمل في متابعة المعاملات الرسمية.
تيريسا قال سألوا عنك في السجل العقاري.
عقدت حاجبيها.
عني من
محام من المدينة. كان يستفسر عن أوراق بيتك.
شعرت دونيا تيريسا بقشعريرة تسري في جسدها.
أي أوراق
تردد دون أوسيبيو قليلا.
أوراق الملكية.
في تلك الليلة لم تنم دونيا تيريسا. أخرجت من درج الوثائق القديمة المصفرة الموقعة بأقلام زمن آخر. كان ذلك البيت قد بني بجهد دون مانويل وبسنوات عملها الصامت.
وكان مسجلا باسمها وحدها.
في صباح اليوم التالي توقفت سيارة حديثة أمام البيت. نزلت منها لورينا ومعها رجل يرتدي بدلة.
أمي قالت لورينا بابتسامة متكلفة جئنا لترتيب بعض الأوراق. لا شيء مهم.
دعتهم دونيا تيريسا إلى الداخل. أخرج المحامي أوراقا جديدة نظيفة مليئة بكلمات قانونية معقدة.
سيدتي شرح ابنك يريد مساعدتك. حتى لا تواجهين مشكلات مستقبلا من الأفضل تسوية وضع الملكية.
تسوية سألت.
نعم تسجيلها باسم العائلة. سيكون أسهل للإدارة ودفع الضرائب والبيع إن لزم الأمر
بقيت كلمة البيع معلقة في الهواء.
نظرت دونيا تيريسا إلى خوليان الذي وصل متأخرا متجنبا عينيها.
هل كنت تعلم بهذا سألته.
ابتلع خوليان ريقه.
إنه مجرد إجراء يا أمي. لورينا ترى أنه الأفضل.
فهمت دونيا تيريسا حينها. لم يكن الأمر مساعدة. كان محاولة انتزاع الشيء الوحيد الذي لا يزال لها.
نحتاج إلى توقيعك أصرت لورينا إنه معروف منك.
أمسكت دونيا تيريسا بالقلم. ارتجفت يداها. لا خوفا بل بسبب وضوح مفاجئ. سنوات طويلة وهي تتنازل وتصمت وتثق.
لكن ذلك البيت لم يكن مجرد سقف. كان تاريخها.
دعوني أفكر قالت أخيرا.
عبست لورينا.
ليس هناك ما يفكر فيه كثيرا.
بالنسبة إلي هناك أجابت دونيا تيريسا بصوت لم تعهده في نفسها.
نهض المحامي باضطراب. بدا خوليان كطفل عالق بين شخصين بالغين.
سنعود قالت لورينا لكن لا تتأخري.
بعد رحيلهم جلست دونيا تيريسا في الساحة كما لو أنها تعود إلى مكان تعرفه أكثر مما تعرف نفسها. لم تكن الجدران مجرد طين متشقق ولا السقف قرميدا قديما بل كانت طبقات من عمر طويل عاشته هنا بين هذه المساحة الضيقة التي اتسعت يوما لتحتضن أحلامها وأحزانها معا.
رفعت عينيها إلى السماء المفتوحة حيث كانت الغيوم تمر ببطء كما تمر السنوات. تأملت الشقوق في الجدران كل شق منها يشبه خطا في وجهها أثرا لزمن لم يكن سهلا لكنه كان صادقا. تذكرت دون مانويل وهو يقف في هذا المكان نفسه يمسح عرقه بطرف كمه ويقول لها بصوت واثق
هذا البيت سيكون ملاذك دائما. ما دام قائما فلن تكوني بلا مأوى.
لم يكن يقصد المأوى من المطر فقط بل من البشر أيضا.
في ذلك المساء لم تتخذ قرارها بانفعال ولم تبك ولم ترفع صوتها. كان قرارا صامتا ناضجا يشبه شجرة نمت جذورها عميقا قبل أن تظهر ظلها.
في صباح اليوم التالي ارتدت ثوبها البسيط وأخذت ملفها وسارت إلى موقف الحافلات. لم تخبر أحدا. لم تحتج إلى إذن ولم تعد تنتظر موافقة أحد. توجهت إلى قرية مجاورة حيث تعيش محامية شابة أوصت بها صديقة قديمة كانت تعرف معنى أن تحاصر المرأة بقرارات لا تخصها.
حين دخلت مكتب
المحامية شعرت بشيء غريب لم تكن تشعر بالخوف. جلست ووضعت أوراقها على الطاولة وقالت بهدوء
أريد أن أتأكد أن أحدا لن ينتزع بيتي مني.
كانت المحامية لوسيا هيرنانديث شابة الملامح لكن عينيها كانتا ثابتتين كصخرة. فتحت الأوراق قلبت الصفحات بعناية قرأت التواريخ وتفحصت الأختام.
مرت دقائق من الصمت ثم رفعت نظرها وقالت
سيدتي تيريسا وضعك القانوني سليم تماما. البيت مسجل باسمك ولا يمكن نقل ملكيته دون إرادتك الحرة. بل وأكثر من ذلك لديك الحق في أن تقرري مصيره بالكامل.
توقفت قليلا ثم أضافت بنبرة أهدأ
وهناك أمر لا يعلمه ابنك. القانون يمنحك خيارات تحميك حتى لو حاولوا الضغط عليك مستقبلا.
استمعت دونيا تيريسا كما لو أنها تتعلم لغة جديدة. لم تكن معتادة على أن يقال لها إن القانون في صفها. طوال حياتها كان القانون شيئا بعيدا يخص الرجال وأصحاب المال. أما الآن فقد صار درعا.
خرجت من المكتب بخطوات أثقل قليلا لكن قلبها أخف بكثير.
وفي المدينة كانت لورينا تتحدث بثقة زائدة كما لو أن الأمر قد حسم.
عندما نبيع البيت كانت تقول لجارتها نسدد القرض وننقل الأطفال إلى مدرسة أفضل. هذا الاستثمار سينقذنا.
لم تكن تعلم أن القدر كان يدور في صمت بعيدا
عنها.
وأن الاسم الذي سيظهر قريبا في الوثائق لن يكون الاسم الذي خططت له.
عادت دونيا تيريسا إلى سان ميغيل ديل مونتي بطمأنينة لم تعرفها منذ سنوات. لم تعد لوسيا تعدها بالمعجزات لكنها منحتها شيئا أهم الوضوح. شرحت لها معنى التبرع المشروط وحق الانتفاع وضمان السكن حتى الوفاة. كانت الكلمات القانونية تتحول في ذهن دونيا تيريسا إلى دروع تحيط ببيتها.
أنت لا تدينين لأحد بشيء في هذا البيت قالت لوسيا في إحدى الجلسات وإن أردت حمايته فالقانون في صفك بالكامل.
في تلك الليلة نامت دونيا تيريسا بعمق. لم تحلم بوجه دون مانويل ولا بصوت لورينا ولا بدموع خوليان. حلمت بالصمت. حلمت بضوء الشمس يتسلل من نافذة غرفتها دافئا هادئا كما لو أنه يبارك قرارها.
بعد أيام عاد خوليان وحده. لم تصحبه لورينا هذه المرة. كان وجهه مرهقا وملامحه مثقلة بشيء لم يعترف به بعد.
أمي قال بصوت خافت لورينا غاضبة. تقول إنك لا تثقين بنا.
نظرت إليه دون قسوة لكن بعينين لا تقبلان المراوغة.
الثقة لا تطلب بعد أن تضيع قالت بل تحفظ قبل أن تكسر.
خفض رأسه كما كان يفعل صغيرا حين يخطئ.
أردنا فقط مساعدتك.
المساعدة ليست انتزاعا أجابت بهدوء المساعدة أن تبقى حين يظن أنك عبء. أن تحميني لا
أن تخطط لبيعي.
لم يجد ما يقوله. كان يعلم في مكان عميق داخله أن الكلمات التي سمعها صحيحة.
بعد أسبوع عادت لورينا مع المحامي نفسه. هذه المرة لم تدعهما دونيا تيريسا إلى الداخل. وقفت على العتبة ثابتة كأنها جدار لا يمكن تجاوزه.
لقد اتخذت قراري قالت لن أوقع شيئا.
فقدت لورينا صبرها.
إذا ماذا تريدين أن تبقي وحدك حتى تموتي
تنفست دونيا تيريسا بعمق ثم أجابت
أريد أن أبقى مع نفسي. وهذا يكفيني.
أغلق المحامي ملفه بهدوء. لم يكن هناك ما يقال. القانون كان واضحا.
مرت الشهور ولم يكن قرار دونيا تيريسا لحظة غضب عابرة ولا رد فعل على إهانة طارئة. كان قرارا نضج في داخلها كما تنضج الثمار ببطء تحت شمس صابرة. لم تستيقظ ذات صباح لتعلن تمردها بل كانت قد بدأت منذ ذلك اليوم الذي أمسكت فيه بالقلم ورفضت التوقيع رحلة طويلة نحو استعادة ذاتها.
بمساعدة لوسيا لم تكتف بفكرة الحماية القانونية بل فهمت التفاصيل الصغيرة التي تمنح الإنسان طمأنينة حقيقية. تعرفت إلى معنى حق الانتفاع وإلى الفرق بين الملكية والتصرف وإلى قوة الشروط الواضحة حين تكتب بإرادة حرة. لم تعد الأوراق كلمات غامضة بل صارت أدوات تحفظ ما بقي لها من عالمها.
قررت التبرع قانونيا بالبيت لا
لابنها ولا لزوجته بل لصندوق مجتمعي في القرية مع شرط لا لبس فيه أن تعيش فيه حتى آخر يوم من حياتها دون أن يملك أحد حق إخراجها أو فرض قرار عليها وبعد رحيلها يتحول البيت إلى ملجأ للنساء المسنات اللواتي تركن وحيدات بلا سند ولا صوت.
لم يكن ذلك انتقاما من خوليان ولا تحديا للورينا. كان تصحيحا لمسار كاد ينحرف بها عن نفسها.
في يوم التوقيع كانت السماء صافية والهواء رطبا بنسيم خفيف. جلس الجميع حول الطاولة الخشبية الصغيرة في مكتب البلدية. وضعت دونيا تيريسا نظارتها القديمة قرأت اسمها ببطء ثم وقعت بخط ثابت لا يرتجف.
هل أنت متأكدة سألت لوسيا للمرة الأخيرة لا تشككا بل احتراما لثقل اللحظة.
رفعت دونيا تيريسا رأسها وفي عينيها وضوح لم يعرفه أحد فيها من قبل.
لم أكن متأكدة من شيء كما أنا الآن.
حين علم خوليان جاء مسرعا إلى القرية والغبار يتطاير خلف سيارته. دخل الساحة بخطوات متوترة وكأنه يخشى أن يكون قد تأخر.
أمي! لماذا فعلت ذلك كان البيت للعائلة!
نظرت إليه بحزن هادئ لا غضب فيه ولا شماتة.
كان كذلك إلى أن توقفتم عن معاملتي كعائلة.
سقطت الكلمات في صدره كحجر ثقيل. لم يكن اعتراضه على القرار بقدر ما كان مواجهة لحقيقة تهرب منها طويلا. بكى لا على الجدران بل على ضعفه وعلى صمته حين كان يجب أن
يتكلم وعلى اللحظات التي فضل فيها راحة بيته الحديث على دفء أمه.
أما لورينا فحين وصلها الخبر شعرت كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. انهارت خططها كما ينهار الرمل أمام موجة مفاجئة. لم يعد هناك بيع ولا قرض يسدد ولا انتقال إلى منزل أوسع. كل الحسابات التي نسجتها في ذهنها تبخرت أمام توقيع بسيط لكنه كان حاسما.
البيت لم يسلب.
بل أنقذ.
ومع مرور الوقت بدأ البيت يتغير. لم تهدم جدرانه ولم يطل بلون جديد في البداية لكن روحه تبدلت. صار الباب يفتح لوجوه متعبة وقلوب حملت خيبات طويلة.
جاءت امرأة فقدت أبناءها في الهجرة وأخرى تركها زوجها في شيخوختها
وثالثة عاشت سنوات في غرفة ضيقة عند أقارب لا يرون فيها إلا عبئا. كانت كل واحدة تحمل حقيبة صغيرة وصمتا كبيرا.
استقبلتهن دونيا تيريسا بقهوة ساخنة وببطء مقصود وبعبارة صارت قانون البيت غير المكتوب
هنا لا أحد زائد عن الحاجة. هنا لا أحد يوقع في صمت.
كانت تجلس معهن في الساحة عند الغروب يستمعن إلى بعضهن ويتبادلن القصص كأن البيت صار صدرا واسعا يتسع لما ضاق به العالم.
بدأ خوليان يزور أكثر. لم يعد يطلب شيئا ولم يذكر كلمة الملكية مرة أخرى. كان يصلح السقف حين يتسرب المطر ويجلب الطلاء ليجدد الجدران ويضع مصباحا جديدا في الممر. كان يستمع
إلى النساء كما يستمع إلى دروس متأخرة في الحياة.
شيئا فشيئا تعلم أن الاحترام لا يؤخذ بالوراثة بل يبنى بالموقف. وتعلم أن الأم ليست فصلا من الماضي يمكن طيه بل جذرا إن قطع ماتت الشجرة.
تغيرت علاقته بأمه. لم يعد الابن الذي يقرر عنها بل الابن الذي يسألها ويصغي ويجلس إلى جوارها بصمت مريح. صار يقول لها
أمي ماذا تحتاجين
فتجيبه بابتسامة خفيفة
أحتاج أن تبقى كما أنت الآن.
وفي مساء هادئ جلست دونيا تيريسا في الساحة تحيط بها ضحكات خافتة وأكواب شاي دافئة وأصوات نساء وجدن أخيرا مكانا لا يطلب منهن فيه التوقيع مقابل البقاء ولا يساوم
فيه حضورهن بالمنفعة.
تذكرت اليوم الذي أعادوها فيه إلى القرية لتوفير النفقات. تذكرت حقيبتها الصغيرة ونظرة الوداع السريعة وكلمة مؤقتا التي لم تصدقها يوما.
ابتسمت.
لأنها في النهاية لم تخسر بيتا.
لم تهزم.
لم تستبعد.
بل استعادت نفسها.
وربحت ما لا يستطيع أي عقد ولا أي توقيع ولا أي خطة خفية أن ينتزعه منها
صوتها
كرامتها
وحقها في أن تقول لا حين يلزم
وأن تقول نعم لنفسها دون خوف
واليقين العميق بأن المرأة حتى في شيخوختها
ليست عبئا ينقل
ولا ورقة توقع
بل إنسانا كاملا
يستطيع أن يختار مصيره
ويكتبه بيده
ويحميه بقلبه
ويورثه درسا لمن ظن يوما أن صمته كان أمانا.


تعليقات
إرسال تعليق