القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

ثلاث سنوات من الصمت… وحقيقة واحدة كادت تدمّر زواجًا

 


ثلاث سنوات من الصمت… وحقيقة واحدة كادت تدمّر زواجًا



ثلاث سنوات من الصمت… وحقيقة واحدة كادت تدمّر زواجًا



كانت إميلي هاربر متزوجة منذ وقتٍ كافٍ لتدرك متى يكون هناك شيء غير طبيعي. ثلاث سنوات، على وجه الدقة. ثلاث سنوات من زواجٍ هادئٍ متحفّظ، في منزلٍ صغيرٍ على أطراف مدينة تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا. ثلاث سنوات من طيّ الملابس، وقوائم التسوّق المشتركة، والوعود اللطيفة. ثلاث سنوات من الانتظار—انتظار أن يسمح لها زوجها، آدم، أخيرًا بالدخول إلى عالمه.


في البداية، ظنّت أنه خجولٌ بطبعه.

ثم اعتقدت أنه ربما يعاني من ضغطٍ نفسي.

ثم تساءلت إن كان يحبّها أصلًا لكن الشيء الوحيد الذي لم تفهمه قط—والذي حاولت مرارًا وتكرارًا أن تجد له تفسيرًا منطقيًا—كان والدته. إلين كارتر.


على مدار ثلاث سنوات، في كل ليلةٍ بلا استثناء، كان آدم يغادر غرفة نومهما، يعبر الممر، ويذهب لينام في غرفة والدته كل ليلة دون فشل كان يقول لها دائمًا:

«الأمر مؤقت فقط. صحتها ليست على ما يرام. إنها تحتاجني» لكنه لم يشرح أكثر من ذلك أبدًا.



أما إلين نفسها فلم تقل كلمة واحدة. عندما كانت إميلي تسألها، كانت المرأة المسنّة تبتسم بأدب، وتزيح خصلةً من شعرها الفضي خلف أذنها، ثم تغيّر الموضوع. كانت دافئة، لطيفة، تكاد تكون جدّية في أسلوبها—لكنها في الوقت نفسه… بعيدة. بعيدة أكثر مما ينبغي. كأنها تخفي أمرًا ما دائمًا, كان الجيران كثيرًا ما يهمسون بأن الأم وابنها «مرّا بالكثير». لكن الهمسات لم تكن تساعد إميلي على النوم ليلًا.


حاولت أن تثق به. حاولت أن تتحلّى بالصبر.

لكن الشك كان ينمو في داخلها، مثل العفن في زوايا بيتٍ قديم إلى أن جاءت تلك الليلة—ليلةٌ هادئةٌ رطبة في شهر أغسطس—حين بلغت إميلي نقطة الانهيار كانت الساعة تشير إلى الواحدة وثلاثٍ وعشرين دقيقة بعد منتصف الليل عندما استيقظت على صوت صرير أرضية الممر. كان آدم ينسلّ من السرير—مرة أخرى. يتحرّك بهدوءٍ شديد، كظلٍّ تدرّب على ألّا يُرى.


تمدّدت إميلي ساكنة، وعيناها نصف مفتوحتين، تتظاهر بالنوم توقّف عند الباب، تردّد لحظة، ثم خرج إلى الممر. كان صوت إغلاق الباب الخافت يدوي في صدرها كدقّات الطبول انتظرت عشر ثوانٍ.

ثم عشرين.

ثم ثلاثين وأخيرًا، نهضت.


كانت قدماها حافيتين على الأرض الباردة، وقلبها يخفق بعنفٍ في أذنيها. ثلاث سنواتٍ وهي تمنحه حسن الظن، لكنها لم تعد قادرة على الاستمرار في التظاهر بأنها لا تشعر كالغريبة داخل بيتها ودخلت الممر. كان المنزل غارقًا في الظلام، باستثناء شريطٍ خافتٍ من الضوء الأصفر يتسلّل من أسفل باب غرفة إلين.


تعرّقت كفّا إميلي، وضاق نَفَسها ماذا كان يفعل؟

ولماذا لا يخبرها بالحقيقة؟

تقدّمت ببطء حتى لامست أطراف أصابع قدميها إطار الباب ثم—برفقٍ شديد، وهي تكاد تحبس أنفاسها—مالت إلى الأمام ونظرت من الفتحة الضيّقة عند جهة المفصلات.

ما رأته جعل قلبها يتجمّد في مكانه.

لم يكن ما توقّعته.

أبدًا.

لم يكن آدم في السرير.

لم يكن مستلقيًا بجانب إلين.

لم يكن حتى جالسًا قربها.


كان راكعًا إلى جانب سريرها.

يمسك بيدها.

يهمس.

ويبكي.

أما إلين—التي اعتادت أن تكون متماسكة وهادئة—فبدت شاحبة، واهنة، تكاد تكون شبحًا. كانت عيناها مفتوحتين، لكنها تحدّق في السقف بنظرةٍ لم ترها إميلي من قبل: الخوف.


خوفٌ شديد، طاغٍ.

ثم سمعت إميلي صوت إلين—ضعيفًا، مرتجفًا:

«آدم، عدني ألا تخبرها. ليس الآن. لا تحتاج أن تعرف. ليس في هذا الوقت».

انقبضت معدة إميلي. تخبر مَن؟ تعرف ماذا؟

شدّ آدم على يد والدته، واهتزّت كتفاه.

همس: «لست مستعدًا. لا أستطيع أن أفقدك. ليس الآن».

وضعت إميلي يدها على فمها.

أخذت إلين نَفَسًا ضحلًا وقالت: «لن تفقدني. لكنها ستتركك إن عرفت. أنت تعلم ذلك. الأمر أكبر من أن يحتمله زواج».

أطرق آدم رأسه.


قال بصوتٍ خافت: «إنها تستحق الحقيقة».

أغلقت إلين عينيها وقالت: «ربما. لكن ليس هذه الليلة».

شعرت إميلي بأن جسدها يرتجف.

راح عقلها يركض بين احتمالاتٍ كثيرة—ولا واحد منها مطمئن.

مرض؟

أسرار؟

واقعة قديمة؟

طفل؟

مال؟

ديون؟

أمرٌ أسوأ؟


تراجعت ببطء، خطوةً محسوبة بعد أخرى، حتى عادت إلى أمان الممر المظلم. ثم رجعت إلى غرفة نومها، وزحفت إلى السرير، وبقيت مستيقظة حتى الصباح، تحدّق في السقف.

كان زواجها قائمًا على سرّ.

والآن، صارت تعرف ذلك.

السؤال الوحيد كان: سرّ مَن؟

لكن تلك الليلة لم تنتهِ عند هذا الحد…

فالسرّ الذي سمعته إميلي لم يكن سوى جزءٍ صغير من الحقيقة،

وحين يقرّر آدم أخيرًا الكلام، ستتغيّر حياتهما إلى الأبد.

في الصفحة التالية، تنكشف الحقيقة كاملة،

وتبدأ المواجهة التي انتظرتها إميلي ثلاث سنوات.


في صباح اليوم التالي، راقبت آدم أثناء الإفطار. كانت عيناه منتفختين، ويداه ترتجفان وهو يرفع فنجان القهوة.

قالت بهدوء: «هل نمت؟»

أجاب كاذبًا: «قليلًا».

أرادت أن تواجهه في تلك اللحظة. لكن شيئًا في ملامحه—شيئًا هشًّا، خائفًا—منعها.

بدلًا من ذلك، قالت: «أظن أننا بحاجة إلى أن نتحدث الليلة».

تجمّد آدم.


ابيضّت مفاصل يديه حول مقبض الفنجان.

قال بصوتٍ منخفض: «الليلة». ثم أضاف: «حسنًا».

لكنه لم يكن بخير.

أبدًا.

في تلك الليلة، بعد أن دخلت إلين إلى فراشها مبكرًا، جلست إميلي أخيرًا قبالة آدم على طاولة الطعام. كان الضوء فوقهما يومض قليلًا، ما جعل الغرفة تبدو أبرد.


قالت: «آدم، أحتاج أن تخبرني بالحقيقة».

لم يحاول حتى أن يتظاهر بعدم فهمه لما تعنيه.

وضع يديه على الطاولة، وراحتيه مفرودتان.

أخذ نَفَسًا عميقًا.

ثم قال الكلمات التي لم تتوقعها قط:

«إميلي… والدتي مصابة بمرض ألزهايمر».

رمشت إميلي بعينيها. «ألزهايمر؟»

أومأ آدم ببطء. «تم تشخيصها قبل عام من زواجنا. لكنها ترجّتني ألا أخبر أحدًا—ولا حتى أنتِ. كانت خائفة من أن يُعامَلَت بطريقة مختلفة».

انقبض صدر إميلي.


تابع بصوتٍ مرتجف: «حالها تزداد سوءًا. تتجوّل ليلًا. تنسى أين هي.  تستيقظ أحيانًا مذعورة. قال الأطباء إن نوبات الليل ستزداد. لذلك أنام في غرفتها لأهدّئها».

انقطع نَفَس إميلي، وشعرت بحرارةٍ ترتفع خلف عينيها.

ثلاث سنوات…

كانت قد تخيّلت أسوأ الاحتمالات.

والحقيقة كانت مفجعة.

لكن آدم لم ينتهِ بعد.

همس: «هناك أكثر. شيء لا تعرفينه».

تصلّبت إميلي.



ابتلع آدم ريقه بصعوبة. «أتذكرين حين تحدثنا عن إنجاب الأطفال يومًا ما؟»

أومأت إميلي.

قال: «قبل زواجنا، أخبرني الأطباء أن ألزهايمر قد يكون وراثيًا. احتمالات إصابتي به أعلى من الطبيعي». تشقّق صوته. «لم أردك أن تتزوجي في ظل هذا الخطر. لم أرد أن أقيّدك».

حدّقت إميلي فيه.

لم يكن باردًا.

لم يكن منفصلًا عنها.

لم يكن يخونها.

لم يكن يخفي خيانة.

كان يحاول—يفشل، نعم، لكنه يحاول—أن يحميها.


ذاب غضبها وتحول إلى شيءٍ ألين، أثقل.

قالت هامسة: «آدم، لماذا لم تخبرني؟»

رفع رأسه أخيرًا ونظر إليها حقًّا، فرأت في عينيه سنواتٍ من الخوف.

قال: «لأنني لم أرد أن أفقدك. كما أفقدها الآن».


لم تستطع إميلي التنفّس.

مدّت يدها عبر الطاولة وأمسكت يده.

قالت بصوتٍ متكسّر: «آدم، لا تُحمى الزيجات بالاختباء في الظلام. تُحمى بأن نسمح للطرف الآخر أن يقف معنا في النور».

انهار.

هناك، عند الطاولة، انفجر آدم بالبكاء، ودفن وجهه بين يديه. سنوات من الخوف والذنب والإرهاق—كلها انسكبت دفعة واحدة.

اقتربت إميلي منه، ولفّت ذراعيها حوله، واحتضنته وهو يرتجف عند صدرها.


لأول مرة منذ ثلاث سنوات، سمح لنفسه أن يُحتضَن.

لكن ما حدث في تلك الليلة لم يكن نهاية القصة…

بل كان البداية الحقيقية للتغيير،

وللدور الذي لم تكن إميلي تتخيّل يومًا أنها ستقوم به.

في الصفحة التالية، تبدأ رحلة مختلفة،

رحلة الألم، والرعاية، والاختبار الأصعب للحب.

في تلك الليلة، دخلت إميلي غرفة إلين لأول مرة.

رفعت المرأة العجوز رأسها بدهشة.

«إميلي… يا عزيزتي، ماذا تفعلين هنا؟»

جلست إميلي على حافة السرير وأمسكت يدها برفق.



قالت بهدوء: «أنا هنا لأساعد».

امتلأت عينا إلين بالدموع. «لا ينبغي أن تتحمّلي هذا العبء».

أجابت إميلي وهي تضغط على يدها: «ولا ينبغي لآدم أن يتحمّله وحده. ولا أنتِ».



بدأت إلين تبكي—بصمتٍ عميق، كأن دموعها لا تريد أن تُزعج أحدًا، وكأنها اعتادت طوال سنوات أن تخفي ألمها حتى عن أقرب الناس إليها. كان جسدها يرتجف كورقة شجرٍ ضعيفة تتقاذفها الرياح، وكل رجفة تحمل معها خوفًا قديمًا من الفقد، ومن الوحدة، ومن اليوم الذي قد تستيقظ فيه ولا تتعرّف على الوجوه التي تحبها.

تمدّدت إميلي إلى جوارها ببطء، بحذرٍ يشبه حذر الأم وهي تقترب من طفلٍ مكسور. راحت تمسح على شعرها الأبيض بخفّة، حركةً بعد أخرى، حتى هدأ ارتجاف إلين شيئًا فشيئًا. كانت أنفاسها تتباطأ، ودموعها تجف على وجنتيها، إلى أن غلبها النعاس أخيرًا، كمن سلّم تعبه الطويل ليدٍ أمينة.


خارج الغرفة، وقف آدم في الممر، مسنِدًا ظهره إلى الجدار، يراقب المشهد من بعيد. لم يكن قادرًا على الدخول، ولا على الابتعاد. كانت الدموع الصامتة تنهمر على وجهه دون صوت، دموع رجلٍ حمل فوق كتفيه خوفًا أكبر من عمره، وخسر نومه وراحته سنواتٍ طويلة وهو يحاول أن يكون الابن القوي، والزوج المتماسك، في وقتٍ كان فيه قلبه يتفتّت ببطء.

كانت تلك أول ليلةٍ منذ زمنٍ طويل لا ينام فيها وحيدًا إلى جوار والدته.

أول ليلةٍ يشعر فيها أن الحمل الذي سحقه لم يعد موضوعًا على كتفيه وحده.

لأنه، ببساطة، لم يعد مضطرًا إلى ذلك.



خلال الأشهر التالية، تغيّرت الأمور—تغيّرًا بطيئًا، مؤلمًا أحيانًا، لكنه صادق وجميل. لم تختفِ الصعوبات، ولم تتحوّل الحياة إلى قصة مثالية، لكنها أصبحت أوضح، وأكثر إنسانية.

عاد آدم إلى غرفة نومه مع إميلي، لا كضيفٍ عابر، بل كشريكٍ حقيقي. صار النوم بجوارها يذكّره بأن له حياةً لم تنتهِ، وأن الحب لا يزال ممكنًا رغم كل شيء.

تولّت إميلي تنظيم الرعاية الطبية لإلين، وراحت تتعلّم بصبرٍ تفاصيل المرض، مواعيد الأدوية، تقلّبات المزاج، ونوبات النسيان التي تأتي بلا إنذار.

حضرا مجموعات الدعم معًا، جلسا بين غرباء يحملون القصص نفسها، واكتشفا أن الألم حين يُشارَك يصبح أخفّ.

قابلا اختصاصيين، طرحا أسئلةً صعبة، وسمعا إجاباتٍ لم تكن سهلة، لكنّها كانت صادقة.

وبدآ يخطّطان للمستقبل—لا يختبئان منه، ولا يؤجّلانه خوفًا.


كانت هناك أيام صعبة، أيام يستيقظان فيها على القلق قبل المنبّه.

وليالٍ قاسية، حين كانت إلين تصرخ فجأة، أو تبكي دون سببٍ مفهوم.

ولحظات موجعة لم تتذكّر فيها إلين اسم إميلي، ونظرت إليها كغريبة، بنظرةٍ فارغةٍ كسرت قلبها أكثر من مرة.

لكن، في المقابل، كانت هناك لحظات من النعمة، لحظات صغيرة، لكنها ثمينة.


صباحٌ احتضنت فيه إلين إميلي فجأة، وكأن الذاكرة عادت إليها لثوانٍ نادرة، وهمست بصوتٍ مبحوح: «شكرًا لأنك تحبين ابني».

ليلةٌ نادتها فيها «ابنتي» دون تفكير، كلمةٌ بسيطة، لكنها جعلت الدموع تنهمر من عيني إميلي دون أن تشعر.

ويومٌ أمسك فيه آدم بيد إميلي، ونظر إليها بثباتٍ لم تعهده فيه من قبل، وقال: «ما زال بإمكاننا أن نبني عائلة. ربما ليس بالطريقة التي تخيّلناها، وربما ليس في الوقت الذي أردناه… لكن معًا».

في تلك اللحظة، أدركت إميلي أن الحقيقة—مهما كانت قاسية ومؤلمة—أفضل ألف مرة من الصمت. ذلك الصمت الذي كاد يدمّر زواجهما دون أن يشعر أيٌّ منهما.


لم يكن السر خيانة.

لم يكن كذبًا بدافع الأنانية.

كان خوفًا خالصًا.

والخوف، كما تعلّمت، لا يختفي بالهرب منه، بل يضعف حين يواجهه أكثر من قلبٍ واحد.

بعد عامٍ واحد، وبعد أن استقرّ وضع إلين وانتقلت إلى مركزٍ متخصص برعاية الذاكرة، وقف آدم وإميلي معًا خارج المبنى، وأصابعهما متشابكة بإحكام. لم يكن القرار سهلًا، ولم يكن خاليًا من الألم، لكنه كان القرار الصحيح.

همست إميلي وهي تنظر إلى المبنى: «إنها بأمان الآن. تُحاط بالرعاية. ونحن ما زلنا هنا».


أومأ آدم، وعيناه تلمعان بالدموع التي لم يعد يخجل منها. قال بصوتٍ خافت: «بفضلك».

ابتسمت إميلي، وضغطت على يده، ثم قبّلتها وقالت: «لا… بفضلنا».

خلفهما، كانت الشمس تميل نحو الغروب، وتغمر المكان بضوءٍ ذهبيٍّ ناعم، كأن النهار نفسه يودّعهما بلطف. وفي تلك اللحظة، شعرت إميلي—لأول مرة منذ سنوات—بأن صدرها يتّسع للتنفّس دون ثقل.

ولأول مرة، شعر آدم بالأمر نفسه.

ولأول مرة في زواجهما، لم يقفا متقابلين مع الخوف، بل وقفا معًا، في الصفّ نفسه، على أرضٍ صلبة اسمها الحقيقة.

معًا.


 


تعليقات

close