القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

أعطته آخر ما تملك تحت المطر… وبعد أسبوع امتلأ شارعها بسيارات فاخرة!

 أعطته آخر ما تملك تحت المطر… وبعد أسبوع امتلأ شارعها بسيارات فاخرة!



أعطته آخر ما تملك تحت المطر… وبعد أسبوع امتلأ شارعها بسيارات فاخرة!

 

كان اسم العجوز دونيا كارمن. كانت تعيش في غرفةٍ صغيرة قديمة في مؤخرة بيتٍ شعبيٍّ بحي إيستابالابا في مكسيكو سيتي. لم تكن الغرفة تتسع إلا لسريرٍ معدنيٍّ يصرّ كلما تحرّك، وطاولةٍ خشبية بإحدى قوائمها المائلة، وموقدٍ متنقّل تفوح منه دائمًا رائحة الغاز والدخان. عاشت وحدها لأكثر من عشر سنوات، منذ أن توفي زوجها إثر جلطةٍ دماغية، ومنذ أن غادر ابنها الوحيد المنزل بعد شجارٍ قاسٍ… ولم يعد بعدها أبدًا.


كانت حياة دونيا كارمن تُختصر في كلمةٍ واحدة: الاحتمال. كل صباح، قبل بزوغ الفجر، كانت تنهض، تُعدّ سلتها، وتخرج لتبيع أرغفة الخبز مع القهوة في محيط السوق. في بعض الأيام كانت تبيع كل ما لديها باكرًا، وفي أيامٍ أخرى تعود عند الغروب ونصف ما معها لم يُبع. لم يكن المال يكفي إلا لدفع الإيجار، وشراء دواء الضغط، وقليلٍ من الأرز والفاصولياء لتستمر في الحياة.


كان أهل الحي يعرفون دونيا كارمن: امرأة نحيلة، منحنية الظهر، بصوتٍ خافتٍ ونظرةٍ طيبة. لم تكن تملك شيئًا، لكنها كانت دائمًا مستعدة للعطاء. أحيانًا رغيف خبز، أحيانًا بعض النقود، وأحيانًا كلمة طيبة… لكنها لم تُدر وجهها عن أحد قط.


في مساءٍ رماديٍّ مع رذاذ مطرٍ متواصل، وبينما كانت تُعيد سلتها استعدادًا للعودة، رأت رجلًا ملقى تحت مظلة متجرٍ مغلق. كان منكمشًا، مبتلًا، يرتدي معطفًا قديمًا ممزقًا. وجهه شاحب، وشفاهه مزرقة من البرد. إلى جانبه حقيبة قماشية شبه مهترئة.


مرّ الناس بجانبه دون توقف. بعضهم نظر بشفقةٍ عابرة ثم مضى. آخرون ابتعدوا كأنه غير موجود.


وقفت دونيا كارمن مكانها.


بعد لحظات، اقتربت منه ببطء.

— يا سيدي… هل أنت بخير؟ — سألت بصوتٍ منخفض.


فتح الرجل عينيه بصعوبة.

— لا تقلقي… أنا بخير — قال مبتسمًا ابتسامةً متكلفة.


لم تُكثر الأسئلة. أخرجت من سلتها رغيفًا ما يزال دافئًا، لفّته بعناية،


ومدّته إليه.

— كُلْه. مع المعدة الخاوية يشتدّ البرد.

نظر الرجل إلى الخبز كأنه شيءٌ مقدّس.

— حقًا… لي أنا؟


أومأت برأسها.

— نعم. ما يزال لديّ غيره.


كان ذلك غير صحيح. كان الرغيف الأخير.


ثم، من دون تردد، خلعت المعطف الخفيف الذي كانت ترتديه ووضعته على كتفيه.

— لا يمكنك البقاء هنا الليلة. إن شئت… غرفتي صغيرة، لكنها على الأقل لها سقف.


رفع الرجل نظره إليها، وبقيت عيناه معلقتين بها كأنه لا يفهم ما يحدث. وبعد صمتٍ طويل، أومأ بالموافقة.


في تلك الليلة، كان لغرفة دونيا كارمن ضيف. أعدّت قدرًا صغيرًا من شرابٍ ساخنٍ خفيف مع قليلٍ من القرفة. أكل الرجل ببطء، بتهذيبٍ لا يتوافق مع هيئته الرثة.


قال إن اسمه هيكتور. روى أنه خسر كل شيء، وأن مشاريعه فشلت، وأن عائلته تفرّقت، وأنه عاش أشهرًا في الشارع. قصة مألوفة… مألوفة أكثر مما ينبغي.


لم تستجوبه دونيا كارمن. اكتفت بالاستماع. ثم حدّثته عن زوجها، وعن ابنها الضائع، وعن ليالي الوحدة وهي تسمع المطر يسقط فوق سقف الصفيح.


نام هيكتور على حصيرٍ على الأرض. وقبل أن يطفئ الضوء، تمتم:

— منذ زمنٍ طويل… لم يعاملني أحد كإنسان.


استدارت دونيا كارمن كي لا يرى دموعها.


في الأيام التالية، بقي هيكتور هناك. كان يساعدها في حمل السلة، ينظف الغرفة، وأصلح الباب الذي لم يكن يُغلق جيدًا. كان قليل الكلام، لكن كل ما يفعله كان بنظامٍ ودقة. أحيانًا كان يقف عند الزاوية ينظر إلى حركة المرور، بتعبيرٍ عميق، كأن فكره في عالمٍ آخر.


في أحد الأيام، شعرت دونيا كارمن بدوارٍ في السوق وسقطت أرضًا. حملها هيكتور من دون تردد إلى أقرب مستشفى عام. دفع تكاليف الفحوصات والأدوية وكل ما لزم.


عندما أفاقت، رأته جالسًا في الخارج ممسكًا بالأوراق الطبية.

— من أين جئت بالمال؟ — سألت بقلق.


ابتسم.

— كان لا يزال لديّ شيء.


لم تكن تعلم أنه


قبل دقائق أجرى اتصالًا قصيرًا:

— جهّزوا كل شيء. أعود إلى الشركة بعد ثلاثة أيام.

بعد ثلاثة أيام، اختفى هيكتور.


لم تكن هناك وداع. ترك معطفه القديم فقط، وملاحظة تقول:

«شكرًا لأنك ساعدتِني حين لم أكن أملك شيئًا».


ظلت دونيا كارمن تمسك الورقة طويلًا. شعرت بفراغٍ في صدرها، وخافت أن يكون قد عاد إلى الشارع، وأن لا يجد من يرعاه حين يأتي البرد.


بعد أسبوع، اضطربت أرجاء الحي.


سيارات فاخرة أغلقت الزقاق. رجال ببدلات أنيقة يسألون عن دونيا كارمن. طرقوا باب الغرفة الصغيرة في الخلف.


عندما خرجت، مرتجفة، انحنى رجل أنيق أمامها.

— لقد بحثنا عنك في كل المدينة.


تنحّى جانبًا.


وظهر هيكتور.


لم يعد الرجل الرثّ. كان يرتدي بدلةً أنيقة، وحضوره يفرض الصمت.

— دونيا كارمن… سامحيني لأني لم أقل لك الحقيقة.


لم تفهم شيئًا.


قال أحد الرجال، بصوتٍ رسميٍّ هادئ لكنه مفعم بالاحترام:

— إنه رئيس مجموعة مونتويا التجارية. لقد تنكّر ليعيش كمن لا مأوى لهم… وليجد نفسه من جديد.


ساد صمتٌ ثقيل في الزقاق الضيّق.

الجيران الذين تجمّعوا عند الأبواب والنوافذ تبادلوا النظرات، وكأنهم يشاهدون مشهدًا لا ينتمي إلى عالمهم.

أما دونيا كارمن، فقد شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.


كادت تسقط من الدهشة.


الرجل الذي نام على حصيرتها البسيطة.

الرجل الذي شرب من إنائها المتواضع.

الرجل الذي شاركها خبزها الأخير…

رئيس مجموعةٍ تجارية ضخمة؟


تقدّم هيكتور خطوة، ثم انحنى ببطء، وجثا أمامها كما يجثو ابنٌ أمام أمّه.


لم يكن انحناؤه استعراضًا، ولا حركةً مسرحية.

كان اعترافًا.


— حين لم أكن أحدًا، أعطيتِني كل شيء — قال بصوتٍ لم يكن فيه أثرٌ لهيبة المديرين — لا لأنكِ عرفتِ من أكون… بل لأنكِ أنتِ كذلك. لأنكِ لا تسألين عمّن يستحق، بل تعطين لأن قلبكِ لا يعرف الحسابات.


مدّ إليها ملفًا جلديًا أنيقًا.


— أريدك أن تعيشي في بيتٍ كريم. كل شيء مدفوع. الملكية باسمكِ. حسابٌ شهريٌّ يضمن لكِ الراحة. لن تحتاجي إلى بيع الخبز بعد اليوم.


كانت يداها ترتجفان وهي تمسك الأوراق.

لم تفهم المصطلحات القانونية، ولا قيمة الأرقام المكتوبة.

لكنها فهمت شيئًا واحدًا: حياتها، كما عرفتها، توشك أن تتغيّر.


هزّت رأسها، والدموع تنحدر على خديها المجعّدين.


— لم أساعدك لأجل هذا… — همست.


أمسك بيديها، ودفء كفّيه يعيد إلى ذاكرتها تلك الليلة الباردة.


— أعلم. ولهذا أنتِ تستحقين ذلك. لو كنتِ ساعدتِني طمعًا، لما كنتِ اليوم هنا. لكنكِ أعطيتِ آخر ما لديكِ… من دون أن تسألي.


بقيت صامتة لحظاتٍ طويلة.


كانت تفكر في غرفتها الصغيرة.

في السرير المعدني الذي يصرّ كلما تحرّكت.

في الموقد الذي كانت تخاف أن ينفجر يومًا.

في الليالي التي كانت تسمع فيها المطر يخترق سقف الصفيح.


ثم فكّرت في ابنها.

في الفراغ الذي تركه.

في الشعور الدائم بأنها وحيدة في هذا العالم.


رفعت رأسها أخيرًا.


— إن كان ما تفعله من قلبك… فلن أرفض.


ابتسم هيكتور، ابتسامةً لم يرها أحد من موظفيه يومًا.

كانت ابتسامة رجلٍ تعلّم درسًا لا يُدرّس في الجامعات.


بعد أسابيع، انتقلت دونيا كارمن إلى بيتٍ صغيرٍ مضيء في حيٍّ هادئ.

لم يكن قصرًا، ولم تطلب أن يكون كذلك.

كان بيتًا بطابقٍ واحد، له نافذتان واسعتان تدخل منهما الشمس، وحديقة صغيرة تزرع فيها الريحان والنعناع.


في الأيام الأولى، كانت تستيقظ فزعة، كأنها ضيفة في بيتٍ ليس لها.

كانت تمشي على أطراف أصابعها، تخشى أن تترك أثرًا.

تفتح الخزانة، فتجد ملابس جديدة.

تفتح الثلاجة، فتجد طعامًا كافيًا لأيام.


كانت تنظر إلى المرآة وتهمس لنفسها:

«هل هذا حقًا لي؟»


لكن شيئًا في داخلها لم يتغيّر.


في الصباح التالي لوصولها، استيقظت قبل الفجر كما اعتادت دائمًا.

ارتدت مئزرها


القديم — رغم أن لديها غيره — وذهبت إلى المطبخ.

عجنت الدقيق بيديها اللتين لم تعرفا الراحة.

أشعلت الفرن.

وانبعثت رائحة الخبز الطازج في البيت الجديد.


 حين جاء السائق الذي أرسله هيكتور ليقلّها إلى السوق إن شاءت، وجدها تحمل سلةً مملوءة بالأرغفة.


— إلى أين يا سيدتي؟ — سأل مترددًا.


ابتسمت.


— إلى السوق… هناك من ينتظر.


لم تعد تبيع الخبز لتعيش.

كانت توزّعه.


كانت تذهب إلى الزوايا نفسها التي اعتادت الوقوف فيها.

تبحث بعينيها عن من يجلسون تحت المظلات، على الأرصفة، عند أبواب المتاجر المغلقة.

تمدّ إليهم رغيفًا وكلمةً دافئة.


— خذ… البرد لا يرحم.


بعضهم كان ينظر إليها بعدم تصديق.

امرأة مسنّة، بملابس نظيفة، تبتسم كما لو أنها لا تعرف معنى الفقد.


لكنها كانت تعرف.

تعرف أكثر مما يظنون.


كانت تعرف معنى أن يبيت الإنسان وفي صدره خوفٌ لا يراه أحد.

تعرف معنى أن تطرق بابًا ولا يُفتح.

تعرف معنى أن تنام جائعة، لا لأن الطعام غير موجود في العالم، بل لأن نصيبك منه ضئيل.


كانت تعرف أن الجوع لا يقتصر على المعدة.

هناك جوعٌ إلى الكلمة الطيبة.

جوعٌ إلى أن يعاملك أحد كإنسان.

جوعٌ إلى أن يقول لك شخصٌ ما: «أراك».


أما هيكتور، فقد عاد إلى شركته كما وعد.

عاد إلى الطابق الأربعين، إلى المكتب الواسع الذي يحيط به الزجاج من كل جانب، حيث تمتدّ المدينة تحت قدميه كخريطةٍ صامتة من الإسفلت والضوء.


جلس على كرسيّه الجلديّ، وأمامه شاشة تعرض أرقام الأرباح، ومشاريع التوسّع، وخطط الاستحواذ.

كل شيء كان كما تركه.

لكنّه لم يكن


كما كان.

شيءٌ ما في داخله لم يعد يسمح له بأن يرى العالم بالطريقة ذاتها.


لم يعد يرى الأرقام فقط.

لم تعد التقارير أهم من الوجوه.

لم تعد الأرباح أهم من الكرامة.


صار يسأل عن الموظف الذي تأخّر، بدل أن يوقّع على إنذاره.

صار يطلب معرفة أحوال العمّال في المخازن.

صار ينزل أحيانًا إلى الطابق الأرضي ليصافح الحراس بأسمائهم.


أطلق مبادرات لدعم المشروعات الصغيرة في الأحياء الفقيرة، لا كحملةٍ إعلامية، بل كمشروعٍ طويل الأمد.

أنشأ برنامجًا لتوظيف من عاشوا بلا مأوى، يمنحهم تدريبًا حقيقيًا، لا صدقة عابرة.

فتح مطابخ خيرية لا تحمل اسمه، ولا تُعلّق صوره على الجدران، بل تعمل بصمتٍ كما يعمل الخبز في يد الجائع.


حين سأله أحد أعضاء مجلس الإدارة، مستغربًا هذا التحوّل المفاجئ:

— ما الذي غيّرك فجأة؟


أجاب ببساطة، وهو ينظر من خلف الزجاج إلى الأحياء البعيدة:

— الجوع… حين تشعر به حقًا، تفهم أشياء كثيرة.


لم يشرح أكثر.

لم يقل إن الجوع جعله يرى نفسه بلا لقب، بلا مكتب، بلا حراسة.

لم يقل إن المطر حين يتسلّل إلى عظامك يجعلك تتواضع.

لم يقل إن رغيفًا دافئًا في يدٍ مرتجفة يمكن أن يعيد ترتيب العالم كله.


كان يمرّ أحيانًا بالسوق القديم، من دون موكبٍ ولا ضجيج.

ينزل من سيارته بهدوء، يسير بين الأكشاك، يشمّ رائحة القهوة الطازجة والخبز الساخن، ويسمع أصوات الباعة تتداخل كأغنيةٍ


شعبيةٍ لا تنتهي.

وكان يراها هناك، وسط الزحام، دونيا كارمن.


تقف كما كانت تفعل دائمًا.

ظهرها المنحني لم يستقم رغم البيت الجديد.

وصوتها ما زال هادئًا، لكنّه ممتلئ بالدفء.


تنادي:

— خبزٌ طازج… قهوة دافئة…


تضحك مع الباعة.

تربّت على كتف طفلٍ فقيرٍ يركض حافي القدمين.

تمدّ رغيفًا لرجلٍ بملابس رثّة، وتقول له كما قالت له يومًا:

— كُلْه… البرد لا يرحم.


في كل مرة يراها، كان يُخفض رأسه.


لا خجلًا.

بل امتنانًا.


امتنانًا لأن العالم لم يقسُ عليها كما قسا على غيرها.

امتنانًا لأن قلبها لم يتغيّر حين تغيّرت ظروفها.

امتنانًا لأنه، رغم كل ثروته، كان هو الذي تعلّم منها، لا العكس.


كان يعلم، في أعماقه، أن ذلك الرغيف لم يُشبع جوعه فقط…

بل أعاده إنسانًا.


وفي إحدى الأمسيات، حين خفّ الزحام، جلس إلى جوارها على مقعدٍ خشبيٍّ قرب السوق.

لم يكن هناك حراس، ولا كاميرات، ولا مساعدين.

فقط رجل وامرأة، ورائحة خبزٍ في الهواء.


— هل أنتِ سعيدة؟ — سألها، وصوته هذه المرة خالٍ من أيّ سلطة.


نظرت إليه بعينين صافيتين، عينين رأتا الفقد والفقر، ورأتا أيضًا الامتنان والنعمة.


— السعادة ليست أن أملك بيتًا كبيرًا… — قالت ببطء — السعادة أن أستطيع أن أعطي، حتى لو لم يبقَ لي شيء.


صمت قليلًا، ثم قال:

— أنتِ أعطيتِني أكثر مما تتصورين.


هزّت كتفيها ببساطة، كأن الأمر لا يستحق كل


هذا الحديث.

— أنا فعلت ما يفعله أي إنسان.

لكنه كان يعلم أن ذلك غير صحيح.


ليس كل إنسانٍ يعطي آخر ما يملك.

ليس كل إنسانٍ يخلع معطفه في المطر.

ليس كل إنسانٍ يفتح بابه لغريبٍ قد لا يعود منه شيء.

ليس كل إنسانٍ يرى في المتشرد إنسانًا كاملًا، لا ظلًا عابرًا على الرصيف.


ومع مرور الوقت، أصبح اسم دونيا كارمن معروفًا في الحيّ الجديد كما كان في القديم.

لكنها لم تحبّ الضجيج، ولم تسمح للناس أن يصفوها بـ«الملهمة» أو «البطلة».


كانت تقول دائمًا:

«أنا لا أُنقذ أحدًا… أنا فقط أُعامل الناس كما أحب أن أُعامَل».


البيت الجديد كان جميلًا، لكن نافذتها المفضلة كانت تلك التي تطلّ على الشارع، حيث ترى المارة وتلوّح لهم.

الحديقة الصغيرة كانت مليئة بالنعناع والريحان، لكنها كانت تحتفظ في زاويةٍ منها بكرسيٍّ قديم من غرفتها الأولى، ترفض أن تتخلّى عنه.


— ليذكّرني — كانت تقول — أن الراحة قد تزول، لكن الطيبة يجب ألا تزول.


وفي كل مرة كان هيكتور يمرّ بذلك السوق القديم، كان يشعر بوخزةٍ خفيفة في صدره.


يتذكر المطر.

يتذكر البرد الذي تسلّل إلى عظامه.

يتذكر العيون التي كانت تمرّ فوقه دون أن تراه.

يتذكر الرغيف الدافئ بين يديه المرتجفتين، كأنه كنزٌ صغير في ليلةٍ قاسية.


ويهمس لنفسه، بصوتٍ لا يسمعه أحد:


«رغيف خبزٍ واحد… وقلبٌ طيب… كانا كافيين لينقذا حياتي».


ثم يرفع رأسه


قليلًا، وينظر إلى السماء، ويضيف في سرّه:

«والأعظم من الثروة… أن تبقى إنسانًا، مهما تغيّرت الظروف».


 تمت 

تعليقات

close