رواية قرية الزمهرير الفصل الرابع 4 بقلم مصطفى محسن حصريه
رواية قرية الزمهرير الفصل الرابع 4 بقلم مصطفى محسن حصريه
على الحيطة كانت الجملة مكتوبة… نفس الجملة بالظبط: "تم الدفن" بس بشكل أكبر وأوضح، وكأن اللي كتبها كان مستعجل بس متعمد يسيبها واضحة، قربت خطوة وأنا مركز فيها، حسيت ببرودة غريبة في المكان، بصيت على الارض لقيت تراب متبعتر، والغريب نفس ريحة تراب الترعة، وآثار إيدين باينة كأن حد كان بيزحف لحد نص الأوضة ووقف فجأة، قلت بصوت واطي: ده نفس التراب الترعة، شادي ما ردش، كان واقف جنبي بس مركز على الجملة بطريقة غريبة، ناديته: شادي… رد بعد ثانيتين كأنه سرحان وقال: دي مش صدفة، دي رسالة، سألته: رسالة لمين؟ بصلي وقال: لينا، وقبل ما أفهم قصده، سمعنا صوت خبط خفيف جاي من تحت الأرض، صوت مكتوم كأن حد بيخبط بإيده من تحت البلاط، اتجمدت مكاني وبصيت لشادي، هو كمان كان سامع، الصوت اتكرر تاني بس أقوى، بيحذرنا، رجعت خطوة لورا: شادي قال بصوت واطي: الخبط تحتنا، بصيت للأرض تاني، البلاط كان ثابت بس الصوت واضح جدًا، خبط… خبط، نفس الإيقاع اللي سمعته عند الترعة، نفس الإحساس، قلبي بدأ يدق بسرعة، وفجأة الصوت وقف مرة واحدة، سكون تام رجع للمكان، بصيت لشادي وقلت: معنى اللى حصل ده ايه؟ ما ردش، كان باصص ناحية باب الأوضة، لفّيت، الباب كان بيتقفل ببطء لوحده، من غير صوت، لحد ما اتقفل خالص، وفي اللحظة دي… سمعنا نفس الصوت... من تحت الارض، كان واضح جدًا، وبيهمس بنفس الكلمة: تم… الدفن.
-
بصيت لشادي وهو باصص ناحية الباب وعينه فيها خوف واضح، وفجأة قال: إحنا لازم نمشي بسرعة، من غير ما نفكر، جريت على الباب وفتحته بسرعة، وخرجنا من الشقة، نزلنا السلم بسرعة وخرجنا للشارع، وقفت وأنا بنهج وبصيت له وقلت: إيه اللي حصل ده؟ إيه معنى اللي سمعناه؟ شادي بصلي وقال: معنى كده إنهم وصلوا لنا… الرسالة واضحة، هم عايزيننا نختفي، زي غيرنا… يعني من الآخر، عايزين يدفنونا، الكلمة نزلت عليا تقيلة، قلت له: إنت مش هينفع ترجع شقتك دلوقتي خالص، المكان بقى مكشوف، انت تيجي معايا، أنا مأجر شقة صغيرة محدش يعرفها، هناك نقدر نفكر براحتنا، وافق من غير جدال، مشينا شوية وركبنا مواصلة لحد ما وصلنا شقة عاصم، كانت أمان أكتر، أول ما دخلنا قفل الباب كويس وقعدنا قدام بعض، بدأنا نربط الأحداث ببعض، من القرية لحد اللي حصل هنا، كل حاجة كانت بتقول إنهم سابقينا بخطوة، فجأة شادي سكت وبصلي وقال جملة خلتني أتجمد مكاني: إحنا لازم نرجع القرية، قلت بسرعة ومن غير تفكير: مستحيل، إحنا لو دخلنا هناك مش هنخرج تاني، شادي هز راسه وقال: ولو ما رجعناش، هما اللي هيجوا لحد عندنا وانت شوفت بنفسك، وساعتها مش هيبقى عندنا أي فرصة، سألته: نرجع ليه أصلًا؟ قال: الكيس… اللى فيه الورق والفلاشة، ده الدليل الوحيد اللي ممكن يوقفهم، سكت شوية وبعدين قوتله والملف اللى عندك برضه مهم شادى رد: الملف ده انا كاتبه ومجمع معلومان لكن الفلاشة والورق اللى معاك منهم هما فا اكيد اهم، فكرت فى كلامه كان منطقي بس مرعب، قلت له بتردد: طب ندخل إزاي؟ القرية اكيد المكان كله تحت عيونهم، شادي قال: لازم نفكر صح، مش ندخل كأننا راجعين بلدنا، ندخل كأننا ناس تانية، قلت له: يعني إيه؟ قال: يا إما ندخل من الجبل، من ناحية محدش بيروحها، يا إما نستنى ليل متأخر ونعدي من الترعة، أو… نتفق مع حد من جوه البلد يساعدنا، قلت له بسرعة: محدش هيساعدنا، محدش هيصدق لاننا بنتهم كبارالبلد وحتى لو حد عارف حاجة هيخافوا، شادي سكت لحظة وبعدين قال: يبقى ندخل من نحية الترعة، بصيت له وقلت: وأنا شايف إن أخطر حاجة هي الترعة، شادي قال: يبقى مافيش غيرالجبل أأمن… بس أطول، سكتنا الاتنين لحظة، وكل واحد فينا بيحسبها في دماغه، لأن القرار ده… يا إما ننجو بسببه، يا إما يكون آخر حاجة نعملها في حياتنا.
-
فجأة رفعت راسي وبصيت لشادي وقلت: استنى… في فكرة، شادي بصلي وقال: قول، قلت: إحنا مش لازم نستخبى منهم… إحنا ممكن ندخل وسطهم عادي، شادي رفع حواجبه وقال: إزاي؟ قلت: ندخل القرية متنكرين، نلبس نقاب ونبقى كأننا تجار قماش معديين على البيوت، محدش هيدقق، خصوصًا لو دخلنا بالنهار، الناس كلها بتبقى في حالها، وشكلنا هيبقى عادي جدًا، شادي سكت لحظة وبعدين بدأ يستوعب، وقال: يعني هنلف على البيوت ونبقى بنبيع؟ هزيت راسي وقلت: أيوه، وده هيدينا فرصة نتحرك جوه القرية من غير ما حد يشك، نقدر نوصل لكل مكان احنا محتاجينه بهدوء، شادي ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: الفكرة دي أحسن حاجة قولناها من ساعة ما بدأنا، وكمل: كده نبقى وسط الناس ومحدش هيلاحظنا، بس لازم نكون حذرين، قلت له: أكيد، وأهم حاجة ما نقربش من أي حد نعرفه، ولا حد يعرف صوتنا، شادي قال: تمام… يبقى نجهز من دلوقتي، نجيب هدوم ونرتب كل حاجة، بصيت له وقلت: بكرة الصبح نتحرك، تانى يوم دخلنا القرية في هدوء، بس جوايا إحساس غريب إن الفكرة دي رغم إنها ذكية… إلا إن في حاجة ممكن تحصل تقلب كل حاجة، لأن قرية الزمهرير… عمرها ما كانت بتسيب حد يدخلها بسهولة، ولا يخرج منها بسهولة.
-
قضينا باقي اليوم نجهز نفسنا، جبنا قماش، نقاب يخفي وشنا كنا بندرب على تغير الصوت لانثى، وكل واحد فينا حافظ الدور اللي هيقوله، تاني يوم بدري اتحركنا على القرية، الطريق كان طويل بس كل ما نقرب قلبي كان بيدق أسرع، أول ما دخلنا قرية الزمهرير كنت حاسس بسكون غريب رغم إن الشمس طالعة والناس فى الشوارع، بدأنا نلف بين البيوت وكأننا بنبيع، محدش ركز معانا، كله مشغول، وده خلانا نتحرك براحتنا، شادي كان ماشي جنبي وواخد باله من كل تفصيلة، وأنا عيني على الطريق ناحية بيتي القديم، بعد لف شوية وصلنا للناحية اللي فيها الشقة، قلبي كان هيطلع من صدري، بصيت حواليّا واتأكدت إن محدش مركز، وفتحنا الباب بسرعة ودخلنا، أول حاجة جريت عليها كان المطبخ اللي خبيت فيه الكيس، كنت بدور وإيدي مرتعشة… الصدمة المكان اللى كنت حاطط فيه الكيس كان فاضي، قلبي وقع، قلبت في المكان كله بسرعة، قلبت الشقة كلها، مفيش أي أثر، لا ورق ولا حاجة، وقفت وأنا مش مصدق وقلت: مستحيل… أنا حطيته هنا بإيدي، شادي قعد على الكرسي وقال بصوت مهزوز: يبقى سبقونا، خلصت… إحنا اتأخرنا، حسيت الدنيا بتضيق حواليا، كل اللي عملناه راح في لحظة، كل حاجة ضاعت، سكتنا إحنا الاتنين لحظة، وبعدين فجأة سمعنا صوت الباب بيتفتح بهدوء، لفّينا راجل كبير في السن، لابس جلابية ووشه مليان تجاعيد، بس عينيه كانت ثابتة بشكل غريب، بص علينا وقال بهدوء: كنتوا بتدوروا على الكيس… صح؟ اتجمدت مكاني وأنا ببص له، شادي قام وقف بسرعة وقال: إنت مين؟ الراجل قفل الباب وراه وقال: أنا اللي كنت مستنيكم ترجعوا… أنا الحج عبد الرحمن، سكت لحظة وبص لنا نظرة تقيلة وقال: واللي معايا… هو بداية الحكاية كلها، قلبي بدأ يدق جامد وأنا حاسس إن اللي جاي أقوى بكتير من اللي فات، الراجل قرب خطوة وقال: بس قبل ما أديكم أي حاجة… لازم تعرفوا إن اللي داخلين عليه ده… مفيش منه رجوع.
-


تعليقات
إرسال تعليق