القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اتهمني زوج ابنتي بالجنون ليأخذ مدّخرات عمري… لكنه لم يكن يتوقع ما فعلته بعدها!

 اتهمني زوج ابنتي بالجنون ليأخذ مدّخرات عمري… لكنه لم يكن يتوقع ما فعلته بعدها!




اتهمني زوج ابنتي بالجنون ليأخذ مدّخرات عمري… لكنه لم يكن يتوقع ما فعلته بعدها!

 

تظاهرتُ بأنني أخرج لأتمشّى كما أفعل كل يوم. لم يكن أحد يعلم أنني في ذلك الصباح لم أدخل الحديقة بل اتجهتُ مباشرة إلى البنك، حيث كان زوج ابنتي يعلن أمام الجميع أنني فقدتُ صوابي.

منذ أن بلغتُ السبعين، بدأت ابنتي لا تتركني لحظةً واحدة.

كانت تقول إنها مصادفة،

وأن لديها وقتًا فراغيًا،

وأنها تريد أن تستفيد من وجودي ما دمتُ ما أزال قوية.

كانت ترافقني إلى الطبيب،

إلى سوق الحي،

إلى البنك الذي أودعتُ فيه مدّخرات عمري كله.

في البداية ظننتُ أن ذلك حبّ.

فالأمّ تريد أن تصدّق أن رعايتها بدافع المودّة، لا بدافع الشك.

من أجل سلامتكِ يا أمي كانت تكرر، وهي تضغط على ذراعي بحنانٍ يبدو في ظاهره صحيحًا لكنه لم يكن يُشعرني بالشيء نفسه.

وعندما يعيش المرء طويلًا، يتعلّم أشياء كثيرة.

بعد عقودٍ قضيتُها في تنظيف بيوت الآخرين، أستمع إلى أحاديث لا تخصّني، وأرى زيجاتٍ تتصدّع خلف أبوابٍ أنيقة أدركتُ أمرًا واضحًا جدًا

التحكّم نادرًا ما يأتي صارخًا.

يأتي مبتسمًا.

يتخفّى في هيئة قلقٍ مصطنع.

يلتفّ بكلماتٍ ناعمة.

يجعلكِ تشعرين بالهشاشة قبل أن تكوني كذلك فعلًا.

وأخطر الأقفاص لا قضبان لها.

لها أذرع تعانقكِ بقوةٍ زائدة.

اسمي ماريا دل كارمن إيرنانديث.

نظّفتُ الأرضيات في مدينة مكسيكو حتى صارت ركبتاي تئنّان كخشبٍ عتيق.

خِطتُ زيّاتٍ مدرسية في ليالٍ لا تنتهي، والمذياع مفتوح كي لا أشعر بالوحدة.

ادّخرتُ بيزوًا فوق بيزو في


حسابٍ بنكي بحيّ دوكتوريس.

كل ورقةٍ نقدية كانت تحمل اسمًا.

كل إيداعٍ كان تضحية.

كل رقمٍ في كشف الحساب كان شيئًا لم أشترِه كي أستطيع ادّخاره.

في ذلك الصباح كذبتُ.

قلتُ إنني سأمشي لأُبقي نفسي نشِطة.

ابتسمتُ.

استقللتُ الحافلة الصغيرة.

ونزلتُ أمام البنك الذي لم أُودِع فيه المال فحسب

بل أودعتُ فيه كرامتي.

دخلتُ ببطء.

ثم رأيته.

كان زوج ابنتي، خوسيه ألفارو موراليس، جالسًا أمام المدير.

بدلة داكنة أنيقة.

ظهر مستقيم.

وصوتٌ منضبط لرجلٍ يبدو مستقيمًا.

حماتي لم تعد تتعرّف إلى أحد كان يقول بجدّيةٍ مهنية عقلها يذبل. من الخطر أن تستمر في إدارة أموالها.

شعرتُ بصدمةٍ في صدري.

ليست حزنًا.

بل خيانة.

أخرج ملفًا بلونٍ بيج.

فتحه بهدوءٍ جراحي.

ثم رأيتُه.

اسمي.

رقم حسابي.

وتوقيعي.

لكنها لم تكن كتابتي.

كانت هويتي مكتوبة بيدٍ أخرى.

هذه وثيقة إعلان عدم الأهلية تابع موقَّعة أمام موثّق. كما نطلب صلاحية كاملة للحساب وإلغاء بطاقاتها فورًا لأسبابٍ أمنية.

صلاحية كاملة.

إلغاء فوري.

كنتُ على بُعد أقل من ثلاثة أمتار.

لكنه لم يرَني.

فهم لا ينظرون حقًا إلى من يظنون أنه مهزوم.

هذا الأفضل للجميع أضاف زوجتي قلقة جدًا. وأنا سأتولّى مسؤولية الأموال.

الأموال.

هكذا سمّى أربعين عامًا من العمل.

آلام ظهري.

أعياد ميلاد بلا هدايا.

أحذية لم أشترِها كي أوفّر ثمنها.

لم تكن أموالًا.

كانت حياتي.

أردتُ أن أصرخ.

أن أقول إنني لم أوقّع

شيئًا قط.

وأنني أتذكّر اسم كل عائلةٍ عملتُ لديها.

وأن بلوغ السبعين لا يعني فقدان الذاكرة ولا الكرامة.

لكنني لم أتكلّم.

استمعتُ.

راقبتُ.

تعلّمتُ.

أومأ المدير برأسه بجدّية.

أفهم، سعادة الأستاذ موراليس. هذه القضايا حساسة.

سعادة الأستاذ.

كانت الكلمة تؤلمني كإهانة.

خلط بين التجاعيد والضعف.

خلط بين الصمت والهزيمة.

خلط بين العمر والعجز.

وفي تلك اللحظة فهمتُ شيئًا أشدّ ألمًا من طمع رجل

ابنتي لم تكن مخدوعة.

كانت تختار ألّا تسأل.

لأنه من الأسهل أن نصدّق أن الأمّ تشيخ

من أن نواجه احتمال أن الزوج يكذب.

طلب زوج ابنتي البدء بإجراءات نقل الصفة على الحساب.

طلب حظر بطاقاتي.

طلب تسجيل توكيله كممثّل قانوني.

كان كل شيء محسوبًا.

كل شيء إلا أنني كنتُ خلفه.

خرجتُ من البنك دون أن يراني.

كانت يداي ترتجفان.

لا خوفًا.

بل وضوحًا.

في ذلك اليوم أدركتُ أمرًا تكتشفه كثير من النساء متأخرًا جدًا

الخطر الحقيقي ليس التقدّم في العمر.

بل الثقة بمن ينتظر أن تفعلِي ذلك.

ظنّ زوج ابنتي أن بلوغي السبعين يعني أنني لا أفهم.

ظنّ أنه يستطيع محو صوتي بختمٍ وتوقيعٍ مزوّر.

ظنّ أن صمتي خضوع.

كان مخطئًا.

لأن ذلك اليوم لم يخسر أموالي.

خسر شيئًا أهمّ بكثير

التحكّم.

وبينما كان يبتسم أمام المدير، واثقًا من انتصاره

كنتُ قد بدأتُ بالفعل أخطّط لسقوطه.

لم أعد إلى المنزل ذلك اليوم.

مشيتُ ساعاتٍ في المركز التاريخي لمدينة مكسيكو، لا لأن

قدميّ كانتا تبحثان عن طريق، بل لأن عقلي كان يبحث عن معنى جديد لما حدث. كنتُ أرى الواجهات اللامعة للمحال، وأسمع ضحكات المارة، وأشمّ رائحة الذرة المشوية المختلطة بدخان السيارات وكل شيء حولي يبدو طبيعيًا على نحوٍ يثير الغثيان، كأن العالم يصرّ على متابعة يومه بينما يُسرق عمرك من خلف ظهرك.

جلستُ أمام قصر الفنون الجميلة أراقب الناس يمرّون.

امرأة شابة تضحك وهي تمسك بيد أمّها.

رجل مسنّ يطعم الحمام بيدٍ مرتجفة.

فتاة تلتقط صورة وتعدّلها سريعًا ثم تنشرها.

كلّهم يعيشون لحظاتهم كأنها حقٌ بديهي.

أما أنا فكنتُ أجلس كمن اكتشف فجأة أن مكانه في الحياة ليس مضمونًا، وأن ما ظنه سندًا قد يتحول إلى قيد.

لم أبكِ.

ليس لأن قلبي لم يكن يريد البكاء، بل لأنني أعرف نفسي

البكاء يخفّف الروح، نعم لكنه يضعف الانتباه.

والانتباه هو آخر سلاح لمن يريدون إسكاته.

كنتُ بحاجة إلى استراتيجية.

استرجعتُ في ذهني تفاصيل وجه زوج ابنتي وهو يتحدث بثقة أمام مدير البنك، وكلماته المرتبة، والملف البيج، والادعاء البارد بأن عقلي ينطفئ. لم تكن كذبة عابرة قالها في لحظة عصبية. كانت خطة. خطة مكتوبة، مُهيّأة، وموقَّعة أو هكذا ظنّ.

أدركتُ شيئًا مرًّا

الذين يخططون لسرقتك لا يبدؤون بأخذ المال.

يبدؤون بأخذ الحق في الكلام.

يبدؤون بتعريفك أمام الآخرين على أنكِ غير جديرة بالثقة.

يضعونك في خانة لا يُصدقك أحد فيها حتى لو صرختِ.

وتذكرتُ ابنتي كيف كانت تمسك بذراعي برفقٍ مصطنع، وكيف كانت تختار الكلمات التي تجعلني أبدو ممتنة لا متسائلة. تذكرتُ الجملة التي كانت تعيدها

 

من أجل سلامتك يا أمي، ثم تبتسم بابتسامةٍ تشبه القفل.

في تلك اللحظة، لم أشعر بالشيخوخة.

شعرتُ بأنهم يحاولون صنعها لي.

يصنعونها بقراراتهم، وأوراقهم، ونظرتهم إليّ كأنني مشروع استيلاء.

في مساء ذلك اليوم اتصلتُ بإيزابيل تورّيس.

إيزابيل رفيقة المكنسة والدلو، رفيقة الصمت الذي يملأ المكاتب بعد منتصف الليل. المرأة التي كانت تعرف كيف يُدار العالم الحقيقي عالمٌ يتحدث فيه الأقوياء كثيرًا، بينما تُنجز النساء المجهولات كل شيء دون أن يصفق لهن أحد.

كانت تعمل الآن مساعدةً في مكتبٍ قانوني.

قلتُ لها بصوتٍ حاولتُ أن أجعله ثابتًا

أحتاج إلى مساعدة وأحتاج إلى ألا يعرف أحد.

لم تسألني لماذا، ولم تقل اهدئي.

لم تعطِني نصيحةً سطحية مثل تكلّمي مع ابنتك.

بل قالت جملةً واحدة، كأنها تضع إصبعها على الجرح

كارمن هذا ليس مجرد إساءة. هذا جريمة.

كلمة جريمة لم تُخفف ألمي، لكنها رتّبته.

حولت فوضى مشاعري إلى ملف يمكن أن يُفتح.

إلى طريقٍ يمكن أن يُسلك.

في اليوم التالي، كنا أمام الموثّق الذي ظهر اسمه في وثيقة إعلان عدم الأهلية.

دخلتُ بظهرٍ مستقيم.

لم ألبس ثيابًا فاخرة، لكنني لبستُ شيئًا أغلى صورة نفسي كما كنت دائمًا امرأة تعمل، تفهم، وتعرف قيمة ما جمعته.

وضعتُ على الطاولة بطاقة هويتي الرسمية.

عقودي البنكية الأصلية.

وذلك الدفتر القديم المهترئ الذي كنتُ أحمله ككنز، لا لأنه جميل، بل لأنه صادق.

صفحاتٌ ممتلئة بخط يدي

تاريخ،

رقم، ملاحظة قصيرة إيداع من راتب هذا الشهر، سحب لتصليح السقف، ادخار لأيام المرض.

نظر الموثّق إلى التوقيع المزعوم.

ثم نظر إليّ.

ثم عاد إلى الورقة مرة أخرى.

ورأيتُ وجهه يتغير ببطء كأن الحقيقة تتسلل إليه رغمًا عنه.

شحب.

السيدة إيرنانديث هذا التوقيع لا يطابق توقيعكِ.

لم يكن يطابقه.

لأنه لم يكن لي.

كان تقليدًا رديئًا لهويتي.

ثم بدأ يشرح، لا ليُعلّمني، بل ليُثبت لنفسه أنه أمام شيء خطير

الوثيقة لم تُوقَّع أمامه.

الختم ممسوح ضوئيًا.

والتوقيع مدخَل بطريقة رقمية ركيكة.

حتى الورق لم يكن من الورق الذي يستخدمه مكتبه.

لم يكن خطأً عابرًا.

كان سبق إصرار.

خرجتُ من عنده وأنا أشعر بارتجافٍ جديد في يديّ، لكنه هذه المرة لم يكن خوفًا كان يقينًا.

اليقين يشبه البرد يلسع، لكنه يوقظ.

في تلك الليلة اتصلت بي ابنتي، لورا فيرناندا موراليس إيرنانديث.

لم تكن تبكي.

كانت غاضبة.

ماذا تفعلين يا أمي؟ ألفارو يريد فقط حمايتكِ.

ضحكتُ ضحكة قصيرة بلا فرح.

حمايتي كم هي كلمة مريحة حين تُستخدم لتبرير السيطرة.

لا قلتُ هو يريد أن يعلنني فاقدة الأهلية ليأخذ مالي.

الأطباء يقولون إنكِ مرتبكة

أي أطباء؟ سألتُ بهدوء. أعطني اسم الطبيب، وتاريخ الزيارة، ونسخة من التقرير.

سكتت.

صمتها كان أبلغ من أي اعتراف.

لا يوجد أي تقرير طبي قلتُ وأنا أشعر أن قلبي يبرد أكثر وأنتِ لم ترافقيني إلى أي طبيب من الأساس.

كان هناك صمت ثقيل، ثم محاولة للهروب

أنتِ

تبالغين أنتِ لا تفهمين كيف تُدار الأمور

وهنا أدركتُ شيئًا أكثر ألمًا من خيانة زوج ابنتي

ابنتي لم تكن مخدوعة.

كانت تفضّل ألّا تنظر.

لأن الاعتراف بأن أمك تتقدم في السن حزين لكنه مقبول.

أما الاعتراف بأن زوجك محتال فهو زلزال يهدم بيتًا كاملًا.

وهي كانت تختار البيت حتى لو كان ثمنه أنا.

أغلقتُ الهاتف وأنا أتذكر شيئًا قديمًا قالته لي أمي قبل أن تموت

الناس لا يظلمونك دائمًا لأنهم أشرار أحيانًا يظلمونك لأن الظلم أسهل من الحقيقة.

بمشورةٍ قانونية بدأنا نتحرك.

ليس بعاطفة، بل بأوراقٍ مضبوطة، بخطواتٍ واضحة، وبوقتٍ محدد.

طلبنا تدقيقًا كاملًا للحساب.

سجلّ الدخول الداخلي.

نسخًا من طلبات حظر البطاقات.

وتقييمًا إدراكيًا مستقلًا أمام خبيرٍ معتمد.

وأنا في داخلي كنتُ أضحك من سخرية الأمر

امرأة عملت أربعين عامًا لتثبت أنها قادرة على جمع المال وحمايته، تُجبَر الآن على إثبات أنها عاقلة كي لا يُسرق منها ما جمعته وهي عاقلة.

ذهبتُ إلى التقييم الإدراكي.

جلستُ أمام الخبير، ورأيتُ في عينيه ذلك النوع من النظرة التي يملكها بعض الناس نظرة اختبار.

كأنه يبحث عن زلّة صغيرة ليضعها في تقرير.

لكنني لم أخف.

أجبته كما أجيب الحياة بدقة، وبذاكرةٍ حديدية صنعتها الحاجة.

سألني عن التاريخ. عن أسماء أبنائي. عن أحداثٍ عامة. عن تفاصيل مالية بسيطة.

ثم اختبر قدرتي على التركيز، على الحساب، على ترتيب الأشياء.

أعطيته أكثر مما توقع

أعطيته

سنوات من الانضباط لأن الفقر لا يسمح بالتشوش.

أعطيته ذهنًا تعلّم أن يحسب ويُراجع ويُدقق، لأن كل بيزو كان معركة صغيرة.

جاء التقرير واضحًا

الوظائف التنفيذية سليمة.

الذاكرة محفوظة.

الأهلية القانونية كاملة.

عندما استلمتُ الورقة، لم أشعر بالنصر شعرتُ بالغضب.

غضب لأنني اضطررتُ أصلًا إلى حمل هذه الورقة كي يصدقوني.

اتصل البنك بألفارو.

سألوه لماذا طلب صلاحية كاملة وتغيير صفة الحساب دون حضور صاحبة الحساب؟ لماذا استعجل؟ لماذا استخدم وثيقة غير صحيحة؟

أصابه الذعر.

في البداية قال سوء فهم.

ثم قال إن هناك وسيطًا خارجيًا.

ثم بدأ يلمّح إلى أنني أعاني حالة نفسية وأن انفعالي يؤكد كلامه.

وعندها فهمتُ قاعدة قديمة

عندما يفشل الاحتيال يبدأ اغتيال السمعة.

لكن هذه المرة، لم أكن وحدي.

كانت هناك إيزابيل.

وكان هناك موثّق شاحب الوجه.

وكان هناك تقرير خبير.

وكان هناك سجلات بنك لا تكذب.

قدّمتُ بلاغًا رسميًا أمام النيابة بتهمة محاولة الاحتيال، وتزوير الوثائق، واستعمال بيانات شخصية دون وجه حق.

وفي يوم تقديم البلاغ، شعرتُ بأنني أعود شابة لثوانٍ

ليس لأن عمري عاد، بل لأن صوتي عاد.

انفجرت العائلة.

اتصلوا بي واحدًا تلو الآخر، بعضهم بلهجة النصيحة، وبعضهم بلهجة التهديد، وبعضهم بلهجة الشفقة.

قالوا إنني أبالغ.

إنني أسيء لسمعة ابنتي.

إنني أكسر بيتها.

إنني لا أفهم كيف تعمل الأمور.

وصفوني بالمبالِغة.

بالجاحدة.

بناقصة الامتنان.

بالمجنونة.

المثير أن أحدًا لم يقل أنتِ تكذبين.

لأنهم كانوا يعلمون أنني لا أكذب.

كانوا فقط يتمنون لو أنني

 

أسكت.

استدعوني إلى جلسة عائلية.

جلستُ بينهم كما تجلس امرأة في محكمة شعبية.

وجوهٌ متجهمة، همسات، نظرات تخبرني لا تفضحينا.

وقالت عمتي، وهي أكبرهم سنًا

يا بنتي اتركي الأمور تهدأ. لا تحوليها قضية. الناس ستتحدث.

نظرتُ إليها وقلتُ بهدوء

الناس تتحدث دائمًا. لكن البنك لا يعيد المال بالكلام.

ثم جاء ألفارو بنفسه، لأول مرة منذ مدة.

دخل وهو يرتدي تلك الثقة التي يرتديها الكاذبون، وقال

حماتي أنتِ تعرفين أنني أحبك مثل أمي. كل ما فعلته كان خوفًا عليك.

قلتُ له

الخوف لا يزوّر توقيعًا.

ارتبك.

ثم حاول أن يلعب الورقة الأخيرة ورقة الشفقة.

أنتِ متعبة أنتِ تحتاجين إلى راحة دعينا ندير الأمور عنك

قلتُ له كلمة واحدة كسرت صوته

لن أدعك تدير حياتي.

لم تكن الإجراءات سريعة.

كانت بطيئة كأي عدالة تحاول اللحاق بسرقةٍ حصلت في دقائق.

في الجلسة الأولى، حضر ألفارو بصفته الزوج القلق.

تحدث عني كأنني طفلة ضائعة.

قال إنني أتصرف باندفاع.

وإن ابنتي قلقة عليّ.

كانت لورا

تبكي.

تبكي بدموع تبدو صادقة لكن الصدق وحده لا يُصلح الضرر.

قالت أمام القاضي

أنا أحب أمي نحن فقط نخاف عليها.

وأنا كنتُ أنظر إليها وأتذكر كيف ضغطت على ذراعي بحنان.

كنتُ أتذكر كل مرة قالت فيها من أجل سلامتك وهي تسحبني بعيدًا عن أي سؤال.

ثم جاء دور الوثائق.

الوثائق لا تبكي.

لا تتوسل.

لا ترفع صوتها.

لكنها تقطع مثل السكين.

التوقيع المزوّر.

الختم الممسوح ضوئيًا.

رسائل البريد الإلكتروني التي طلب فيها تسريع الإجراءات قبل أن تشكّ.

وتسجيل الفرع حيث قال بثقة إنني لم أعد أتعرّف إلى أحد.

كنتُ أرى القاضي يقرأ، ثم يرفع رأسه، ثم يعود للقراءة.

وأرى وجه ألفارو يتبدل قليلًا.

الناس الذين اعتادوا السيطرة يكرهون التفاصيل التي تُثبت كذبهم.

في الجلسة الأخيرة، نظر إليّ القاضي نظرة طويلة، ثم سأل

هل تتعرّفين على السيد خوسيه ألفارو موراليس؟

نظرتُ إليه في عينيه.

لم أرَ ندمًا.

رأيتُ حسابًا.

قلتُ بوضوح

نعم، أتعرّف عليه تمامًا وأتعرّف أيضًا إلى ما حاول فعله.


سألني القاضي

هل سبق أن وقّعتِ هذه الوثيقة؟

قلتُ

لم أوقّعها. ولو كانوا واثقين من ادعائهم، لأحضروني أمام موثّق حقيقي بدل تزوير الختم.

ذلك اليوم لم أرتجف.

ليس لأنني بلا خوف بل لأن الخوف يصبح صغيرًا حين تصبح الكرامة أكبر.

أُعلن ألفارو مسؤولًا عن محاولة الاحتيال وتزوير الوثائق.

لم يدخل السجن.

وحين سمعتُ ذلك للحظة، شعرتُ بمرارة.

لكنني تذكرتُ أن هناك عقوبات لا يكتبها قانون

خسر عمله في المؤسسة المالية.

خسر سمعته.

خسر مصداقيته.

خسر حق الوصول إلى بيزوٍ واحد من مالي.

وقبل كل شيء خسر السيطرة.

والسيطرة هي الإدمان الحقيقي عند أمثاله.

بعد الحكم، جاءت لورا إليّ في يومٍ رمادي.

كانت عيناها منتفختين.

قالت إنها كانت مُستغلَّة.

قالت إنها لم تكن تعرف.

قالت إنها خافت من مواجهة الحقيقة.

كنتُ أستمع وأشعر أنني أسمع ابنتي للمرة الأولى لا لأنها تتحدث، بل لأنها متأخرة جدًا.

قالت

سامحيني يا أمي.

لم أحتضنها.

ليس قسوةً بل صدقًا.

المغفرة مسار طويل.

والثقة

حين تنكسر لا تعود بدموعٍ واحدة، ولا بجملة واحدة.

قلتُ لها

أنا أحبكِ لأنكِ ابنتي لكنني لن أعود عمياء كي ترتاحي.

وبعد ذلك، اخترتُ شيئًا لم أتخيله يومًا

اخترتُ نفسي.

اليوم أعيش وحدي.

أدير أموالي.

أختار أوقاتي.

أدخل وأخرج دون أن أُبلِغ أحدًا.

أمشي حيث أشاء، وأجلس حيث أشاء، ولا يضغط أحد على ذراعي بحنانٍ مشبوه.

ذهني ما يزال صافيًا.

وإن فقد صفاءه يومًا، فسيقرّر ذلك طبيبٌ نزيه، بتقريرٍ واضح، وباحترام.

لا رجلٌ رأى في تجاعيدي فرصة.

أحيانًا، في الليل، أتذكر السنوات التي قضيتها أنظف بيوتًا ليست لي.

أتذكر أنني كنتُ أرى صور العائلات على الجدران أمّ مبتسمة، ابنة تحتضنها، زوج يضع يده على كتفها.

كنتُ أظن أن ذلك هو الأمان.

الآن أعرف أن الأمان ليس صورة.

الأمان أن تكون لك كلمة.

أن يكون لك حق.

أن يعرف من حولك أن لا تعني لا، حتى لو خرجت من فم امرأة في السبعين.

تعلّمتُ شيئًا تكتشفه نساءٌ كثيرات متأخرًا

الصمت لا يحمي أحدًا.

ومن يراهن عليه ينسى تفصيلًا جوهريًا

النساء اللواتي عملن طوال حياتهنّ

لا ينسين ما يخصّهنّ

ولا يسمحْن لأحدٍ أن يسلبهنّ إيّاه.

 تمت 

تعليقات

close