القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 الامـانة كـاملة 



الامـانة كـاملة 

خرجت من بيت حمايا وأنا مكسورة، مفيش في إيدي حاجة خالص.. وفجأة حمايا نادى عليا، مدي إيده بكيس زبالة أسود وقالي ببرود خدي ده في إيدك وأنتي ماشية ارميه في طريقك. لكن لما فتحت الكيس عند البوابة.. إيدي بدأت تترعش من الصدمة!

أنا وعلي اتطلقنا بعد خمس سنين جواز.

لا عيال..

لا شقة باسمي..

ولا حتى كلمة واحدة خليكي أو متزعليش.

البيت اللي كنت بحاول أعتبره بيتي وعيلتي، كان بيت كبير في حي قديم في القاهرة.. سيبت أهلي في الصعيد وجيت وراه عشان نبني حياة سوا، وفي الآخر خرجت بشنطة إيدي بس.

يوم ما خرجت من بوابة الحديد، شمس أغسطس كانت حارقة، كأنها بتكوي كل ذكرياتي في البيت ده. بس من جوايا، كنت حاسة ببرد بيترعش في ضلوعي.

حماتي، ست الكل زي ما كانت بتحب تتسمى، كانت واقفة في البلكونة ومربعة إيديها، بتبص لي بنظرة شماتة.. نظرة واحدة أخيراً ارتاحت من حد مكانتش طيقاه من أول يوم.  وجنبها بنتها، سلفتي عبير، بابتسامتها الصفراء اللي مابتفارقهاش وهي شايفة كسرتي.

قالت لي بصوت عالي عشان تسمعني يا ريت تقفلي الباب وراكي كويس.. كفاية عطلة لحد كدة!.

أما علي.. طليقي.. فمظهرش خالص.

مطلعش حتى يرمي يمين السلام أو يقول كلمة وداع.

يمكن كان مستخبي


جوه.. يمكن هرب عشان ميواجهش الموقف.. مفرقش كتير، مابقاش يفرق خلاص.

محاربتش عشان آخد حاجة.

لا خناق، لا مطالب، ولا حتى دموع.. كرامتي كانت أغلى من أي عفش.

وطيت راسي بهدوء وقلت أنا ماشية.. مع السلامة.

محدش رد..

لفيت ضهري ومشيت ناحية البوابة، ولسه بحط إيدي على الترباس، سمعت صوت خشن ورايا بينادي

يا مريم!

وقفت.. ده كان حماي، عم الحاج إبراهيم.

طول الخمس سنين، كان أكتر واحد هادي في البيت. مبيتدخلش في حاجة، وقليل الكلام جداً. أغلب وقته كان بيقضيه على الكرسي الخشب بتاعه في الحوش، يقرأ الجرنال أو يسقي الزرع بتاعه، وكأن كل القسوة اللي بتحصل في البيت دي في عالم تاني خالص. بقلم مني السيد 

ساعات كنت بسأل نفسي هو مش حاسس باللي بيجرى لي؟ ولا مش فارق معاه؟

بصيت وراه.. كان واقف جنب صندوق الزبالة وماسك كيس أسود كبير.

بص لي ثانية وقال ببطء بما إنك خارجة.. خدي الكيس ده في إيدك ارميه في الزبالة اللي على أول الشارع.. معلش هتعبك.

استغربت جداً من الطلب.. في اللحظة دي؟

بس هزيت راسي بأدب حاضر يا عمي.

روحت أخدته منه.. كان خفيف بشكل مش طبيعي، كأنه فاضي.

هز راسه لي هزة وداع أخيرة ودخل من سكات.

بوابة الحديد اتقفلت ورايا برزعة قوية هزت قلبي. كانت هي دي نقطة

النهاية لخمس سنين من المحايلة عشان أعيش.

مشيت في الشارع.. عديت على المحلات، على القهوة اللي في الركن، على صوت الراديو اللي طالع من دكان عم محمد.. الدنيا ماشية ومستمرة، والشخص الوحيد اللي خسر خمس سنين من عمره هو أنا.

قلت لنفسي مش هبص ورايا.. مش هفكر في العيش والملح اللي اتخان.. ولا في نظراتهم الباردة.

بس بعد كام خطوة، قلبي انقبض.

حسيت بحاجة غريبة.. الكيس ده مش طبيعي.

وقفت وبصيت له.. خفيف زيادة عن اللزوم.

الهوا كان بيطير طرحتي، والشارع كان هادي.. وفجأة، ومن غير تفكير، فتحت الكيس.

اتسمرت مكاني!

مفيش زبالة.. مفيش ورق قديم ولا فضلات أكل.

كان فيه ظرف بني كبير، قديم ومتبهدل، ومغلف بشنطة بلاستيك عشان يحميه من المية.

إيدي بدأت تترعش وأنا بسحبه.. دقات قلبي كانت مسموعة في ودني.

فتحت البلاستيك.. وبعدين فتحت الظرف.

وأول ما عيني وقعت على اللي جواه.. الدنيا كلها لفت بيا.

الإنسان اللي كنت فاكرة إنه ساكت وضعيف طول السنين دي، سلمني القنبلة اللي هتهد البيت ده على دماغهم.. وسلمني حقي اللي طليقي وعيلته افتكروا إنهم ضيعوه عليا للأبد!

الجزء الثاني الكنز اللي في كيس الزبالة

نفسك اتقطع للحظة أول ما شوفتي اللي جوه الظرف..

مش عشان الفلوس، رغم إن كان فيه

رزمة ورق بفلوس محطوطة بعناية ومغلفة بورق زبدة، كأن اللي حطها كان خايف عليها من التراب والمطر والحسد في وقت واحد. ومش عشان الأوراق الرسمية اللي تحت الفلوس، رغم إنها كانت تقيلة ومختومة بختم النسر اللي يخليكِ تحسي بقيمتها قبل ما تقرأي كلمة واحدة..

أنتي نفسك وقف عشان فيه صورة كانت على وش كل ده.. صورة قديمة شوية، أطرافها باهتة، وشوفتي فيها نفسك!

أنتي.. مريم.

واقفة في حوش البيت ده في القاهرة من تلات سنين، بتعدلي طرحتك وبتبتسيمي وأنتي بتسقي الصبار بتاع عم الحاج إبراهيم في شمس الصبح. كنتِ نسيتي إن الصورة دي موجودة أصلاً، ولا كنتِ تعرفي إن فيه حد صورك. كنتِ لابسة فستانك القطن البسيط، اللي مامتك كانت بتقولك إنه بيخلي وشك منور حتى وأنتي تعبانة. في الصورة دي، كان باين عليكي السلام.. كنتِ باينة محبوبة.

وهو ده اللي كسرك..

لأن مفيش حد في البيت ده بصلك بنظرة فيها حنية كفاية تخليه يحتفظ بصورة ليكي بالشكل ده.

إيدك بدأت تترعش أكتر وأنتي بتسندي الصورة على حيطة الممر، وطلعتي الحاجة اللي بعدها..

جواب مطوي.

مش بخط طليقك علي، ولا بخط حماتك.. أنتي حافظة خطوطهم كويس من كتر الشوينج والطلبات. الخط ده كان قديم، رزين، مكتوب بحروف واضحة لراجل قضى عمره يداري مشاعره أكتر ما بيتكلم.. عم الحاج إبراهيم.

في اللحظة دي،

 

الشارع اللي أنتي فيه اختفى.. زحمة القاهرة وصوت العربيات بعدوا عن ودنك.. مابقاش فيه غير دقات قلبك والظرف البني، والحقيقة المريرة إن بعد خمس سنين قسوة، كان فيه حد في البيت ده شايف فعلاً إيه اللي بيحصلك.

فتحتِ الجواب وقرأتِ

يا مريم يا بنتي..

لو بتقرأي الكلام ده، يبقى أنتي خرجتي من البيت ب أقل بكتير من اللي عطيتيه. ده مش عدل، وأنا خلاص كبرت ومبقتش قادر أكمل حياتي وأنا ممثل إن السكوت هو نفسه السلام..

قعدتِ على الرصيف، وكيس الزبالة الأسود وقع جنبك كأنه جثة هامدة.

كان لازم أتكلم من زمان.. الراجل ساعات بيقضي سنين مطي راسه عشان يتجنب الحرب في بيته، لحد ما يكتشف في يوم إنه بقى جبان جوه الحيطان اللي بناها بنفسه. عشان كدة، بطلب منك تسامحيني، رغم إني عارف إني مستحقش المسامحة بمجرد إني طلبتها.

عينك زغللت من الدموع.. مسحتِها وكملتِ

جوه الظرف ده، صور عقود ملكية لورشة صغيرة وشقة فوقيها في سوهاج، كانت بتاعة أختي الله يرحمها نبوية. هي ماتت من غير ورثة، وقبل ما تموت قالت لي لو قابلت ست شقيت بكرامة واترد لها الشقا ده بذل، ابقى اديها

المكان ده..  بدل ما نسيب الدم هو اللي يحكم في كل حاجة. أنا ضحكت وقتها.. بس النهاردة أنا مش بضحك.

وقفتِ فجأة.. وقرأتِ السطر تاني.. وتالت.

عقود ملكية؟ شقة وورشة؟ في بلدك؟ في سوهاج؟

سحبتِ الورق اللي تحت الجواب.. عقود بيع وشراء، وصور توكيلات.. ومكتوب فيها مريم محمود... أوراق جاهزة ومختومة من شهرين فاتوا.. شقة وصالة، وورشة وليها باب على الشارع.

حطيتِ إيدك على بؤك من الصدمة وأنتي بتكملي قراية نوتة صغيرة تانية مع الفلوس

الفلوس دي مش صدقة ولا إحسان.. ده حقك اللي كان لازم أدفعهولك بدل المرة ألف، تمن قعدتك تحت رجلينا بالدوا، وشقاكي في المطبخ، وخدمتك لمراتي في تعبها، وغسيلك وتعبك اللي خلى البيت ده واقف على رجليه، في الوقت اللي كانوا بيعتبروكِ فرد من العيلة بس لما يحتاجوا منك خدمة.

هنا مريم مقدرتش تمسك نفسها.. انفجرت في العياط.

مش عياط دلع، ولا شهقات خفيفة.. ده كان العياط الوعر اللي بيهز الجسم كله، العياط اللي بيطرد كل السموم اللي اتجمعت في صدرها سنين.

كنتِ خارجة من البوابة حاسة إنك عارية، إن خمس سنين ضاعوا هباء.. وفجأة،

أهدا واحد في البيت ده مد إيده من ورا الزمن وقالك لا.. أنتي مكنتيش خيال.. أنا كنت شايف التمن اللي بتدفعيه. 

كملتِ قراية والوجع بيتحول لقوة

أنا عارف ابني علي.. هو ضعيف في المكان اللي كان لازم يكون فيه شجاع. هو اختار راحته على حس كرامتك، واختار يطلقك بدل ما يصلح نفسه. الستات في البيت ده هما اللي شكلوا ضعفه، بس هو اللي غداه ب إيده. مترجعيش تستني اعتذار.. الناس الضعيفة بتعتذر بس لما تحس إنها خسرت ممتلكات.

السطر ده كان كأنه شباك اتفتح في أوضة مخنوقة.

لأن فعلاً، حتة صغيرة وجعاه جوه قلبك كانت بتسأل أرجع أواجهم؟ أقولهم إني عرفت؟ أسأل علي ليه سكت؟

الجواب قفل الباب ده بالضبة والمفتاح. عم الحاج إبراهيم عارفهم كويس.. والنهاردة، هو مش هيحميهم من نتيجة أفعالهم.

في آخر الورقة

في كيس صغير في قاع الظرف، فيه المفتاح.. مفتاح الورشة. كلمي عم توفيق في سوهاج، أنا بعتله خبر وهو مستنيكي وهيساعدك في نقل الملكية. مترجعيش تشكريني.. خروجك بكرامتك هو أحلى شكر ليا.

إبراهيم السيوفي.

نهاية الحكاية.. وبداية مريم

الشارع لسه زحمة.. الكلب اللي

نايم في الضل لسه محركش ودنه.. والدنيا ماشية كأن مفيش حاجة حصلت.

لكن مريم مكنتش هي هي اللي خرجت من البوابة من عشر دقايق.

قمتِ وقفتِ، نفضتِ هدومك، ومسحتِ دموعك بقوة.

طلعتي موبايلك.. لقيتي مكالمات مابتخلصش.

علي.. عبير.. حماتك.

الظاهر علي رجع البيت، والحاجة إبراهيم فتحت الدرج، وشافوا إن فيه حاجة ناقصة.. أو يمكن عم الحاج إبراهيم قرر أخيراً يواجههم بالحقيقة.

بصيتِ للاسم وهو بينور على الشاشة.. علي..

محستيش بوجع.. حسيتِ ب قرف.

قفلتي الموبايل خالص.. وحطيتي الظرف في حضنك كأنك شايلة عيل صغير.

مشيتِ ناحية موقف الميكروباصات.. ومن هناك لمحطة القطر.  تذكرتك لسوهاج مكنتش مجرد تذكرة سفر.. دي كانت تذكرة رجوع للحياة.

بعد سنة.. مريم بقت صاحبة مشغل مريم للمنسوجات. الورشة الصغيرة بقت خلية نحل.

مريم اللي كانت بتغسل قمصان علي بدموعها، بقت بتصمم أزياء ب إيدها..

والأهم من ده كله.. إنها في كل يوم بتفتح فيه باب الورشة الصبح بالمفتاح القديم، بتفتكر إن الزبالة الوحيدة اللي شالتها في حياتها.. كانت الناس اللي سابتهم وراها في البيت الكبير في القاهرة.

تمت.


تعليقات

close