مزارعٌ عثر على أمّ ورضيعتها تحتضران على الطريق… ثم حدث ما لم يتوقعه أحد
مزارعٌ عثر على أمّ ورضيعتها تحتضران على الطريق… ثم حدث ما لم يتوقعه أحد
مزارعٌ وحيد رأى أمًّا وطفلها متروكَين على الطريق طوال سبعة أيام ففعل هذا
كنتُ عائدًا من الحقل بينما كانت الشمس ما تزال تثقل على السهول، كأنها تريد أن تُلصق الحرّ بالجلد حتى حلول الليل. كان حصاني ريلامباغو يسير ببطء على الطريق الترابي، بتلك الخطوة المُتعَبة لحيوانٍ يعرف كل حجر، وكل منعطف، وكل سياجٍ مُرقَّع. لم أكن أوجّهه تقريبًا؛ لم يكن هناك داعٍ. فقد قضينا سنوات نسلك الطريق نفسه بين المراعي، والمشارب، والأسلاك المقطوعة.
كانت المزرعة تبعد نحو عشرين دقيقة من هناك، عبر دربٍ قديم يتلوّى بين تلالٍ جافة في شمال المكسيك. كانت أرض أبي، ومن قبله جدّي. أرضٌ صالحة للماشية، قاسية على الروح. منذ أن ماتت إيلينا قبل ثلاث سنوات، لم يعد ذلك المكان بيتًا. صار مكانًا أنام فيه، آكل فيه شيئًا باردًا، وأعمل حتى يوجع الجسد بما يكفي لأتوقف عن التفكير.
في ذلك المساء، جعلني شيءٌ ما أتوقف.
لم يكن صراخًا. ولم تكن حركة. كان إحساسًا غريبًا، شدًّا في الصدر، كأن الجسد يكتشف شيئًا قبل العينين. إلى جانب الطريق، قرب جزءٍ قديم من السياج، كانت هناك بقعة داكنة لا تنسجم مع المشهد. في البداية ظننتها قمامة، كيس علفٍ ممزقًا ربما. لكنني واصلت النظر، وشعرت ببرودةٍ تتسلّق ظهري رغم الحرّ.
شدَدتُ اللجام.
اهدأ، يا ريلامباغو.
نزلتُ عن الحصان وتقدّمت فوق الأرض القاسية. كل خطوة كانت تضيق صدري أكثر. وحين اقتربت بما يكفي، صدمتني الحقيقة بقوة لكمة.
كانت امرأة.
كانت ملقاة إلى جانب أعمدة السياج المعوجّة، على جانبها، وثوبها ملتصق بجسدها من العرق والغبار. شفتاها متشققتان، بشرتها محترقة من الشمس، ساقاها مغطّاتان بالخدوش، وقدماها حافيتان، متّسختان حتى بدتا كأنهما من طين. كانت الذباب يطنّ حول وجهها،
ولم تكن تملك حتى القوة لإبعاده. كانت تتنفس بالكاد بالكاد.
جثوتُ إلى جانبها.
سيدتي هل تسمعينني؟
لم تُجب. فقط ارتجاف خفيف في الجفنين.
ثم رأيت السلة.
كانت نصف مخفية في ظلّ السياج، قديمة، مكسورة من أحد جوانبها، ومغطّاة بقطعة قماش متّسخة. زحفتُ إليها على ركبتيّ ويديّ ترتجفان. وما إن رفعتُ القماش حتى شعرتُ أن روحي تنشطر.
كانت هناك رضيعة في الداخل.
لم تكن تبكي. لم تعد تملك القوة لذلك. كانت تُطلق أنينًا خافتًا، أجشّ، يائسًا، كأنه آخر خيطٍ من حياة شخصٍ نادى طويلًا ولم يُجبه أحد. فمها جاف، بشرتها شاحبة، وثيابها قاسية من الأوساخ. وكان في الهواء رائحة حامضة من لبنٍ جاف وعرقٍ وإهمال.
نظرتُ حولي. لم تكن هناك دار قريبة. ولا سيارة متوقفة. ولا آثار أقدام حديثة تفسّر شيئًا. فقط الطريق الخالي، والسياج القديم، وذلك الصمت الهائل للريف.
وفهمت.
لم يكونا هناك منذ ساعات.
كانا هناك منذ أيام ربما منذ أسبوع.
كانت ضربة الغضب قوية إلى حد أنني أغمضت عيني. شعرتُ بغيظٍ أعمى تجاه من تركهما، تجاه العالم كله، وتجاه نفسي لأنني لم أمرّ من هذا المكان قبل ذلك. لمستُ كتف المرأة مرة أخرى، هذه المرة بحزم أكبر.
اسمعيني انظري إليّ. لستِ وحدك الآن.
فتحت عينيها قليلاً، ونظرت إليّ كمن لم يعد ينتظر شيئًا من أحد. لم يكن في نظرتها رجاء، بل استسلام. كانت نظرة من فقد الإيمان بأن أحدًا سيأتي.
أخرجتُ القِربة من على الحصان وعدتُ مسرعًا. بللتُ شفتيها أولًا، ثم أسقطتُ قطراتٍ في فمها. في البداية لم تستجب، لكنني شعرت بعدها أنها تحاول الشرب. أعطيتها خيطًا يسيرًا من الماء. وحين استطاعت أن تبتلع، تمتمت بصوتٍ يكاد لا يُسمع
الطفلة أنقِذ الطفلة
ذهبتُ إلى السلة، وحملتُ الرضيعة بعناية لم أكن أعلم أنني
أملكها، وبللتُ إصبعي بالماء. تعلّقت به الصغيرة بقوةٍ يائسة. وهناك، وتلك الطفلة متشبثة بيدي، والشمس توشك أن تختفي خلف التلال، أدركت شيئًا آخر إن كان أحدهم قد ترك تلك المرأة وطفلتها لتموتا هنا، فقد يعود.
ومع ذلك، عرفت أنني لا أملك خيارًا.
حملتهما كما استطعت. وضعتُ المرأة أمامي على السرج، ساكنة، مسنودة إلى صدري. ولففتُ الرضيعة جيدًا بالقماش وربطتها بجسدي بقطعة قماش قديمة كانت في الأمتعة. نفخ ريلامباغو حين شعر بالثقل، لكنه بدأ يسير بنُبلٍ لن أنساه ما حييت.
كان طريق العودة عذابًا.
كانت المرأة تنزلق عني مع كل خطوة. وكانت الطفلة تتنفس ببطء شديد حتى إنني ظننت أكثر من مرة أنها فارقت الحياة بين ذراعيّ. غابت الشمس، وتبدّل الهواء فجأة من حرّ خانق إلى بردٍ جاف ليلي. وحين لمحتُ أخيرًا ضوء الشرفة الأصفر في البعيد، شعرتُ براحةٍ جارفة كادت تُسقطني في مكاني.
أدخلتهما إلى البيت بصعوبة.
كانت غرفة الضيوف مغلقة منذ سنوات، لكنها ما زالت تحتفظ بسريرٍ سليم وملاءات نظيفة في خزانة. أضجعتُ المرأة هناك، ونظفتُ وجهها بماءٍ بارد، وتركتُ كوبًا إلى جانبها. أما الرضيعة فصنعتُ لها سريرًا صغيرًا في صندوقٍ خشبي قرب موقد المطبخ، حيث يمكن للحرارة أن تُبقي جسدها دافئًا.
لم يكن لدي حليب مُخصّص، ولا زجاجة رضاعة، ولا أي فكرة عن كيفية العناية بطفلة. كل ما وجدته كان علبة قديمة من الحليب المجفف في آخر المخزن. أعددتُ مزيجًا بماءٍ فاتر، وباستخدام قطعة قماش نظيفة، جعلتُ الطفلة تمصّ ببطء. رضعت بيأسٍ جعلني أضغط على أسناني. وحين نامت أخيرًا، صغيرة إلى حد أنها تكاد تتسع في ساعديّ، جلستُ أحدّق فيها طويلًا.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
لم أكن أعرف اسميهما. لم أكن أعرف قصتهما. لكنني منذ تلك اللحظة، أدركت أن على أي شخصٍ
أن يمرّ فوقي قبل أن يمسهما بسوء.
تلك الليلة لم أنم.
أغلقتُ الأبواب بإحكام، وفحصتُ بندقية أبي القديمة، وأخرجتُ مسدسًا منسيًا من الخزانة، وجلستُ على كرسي قرب المدخل. في الخارج، كان الريح يضرب الأغصان ويُصدر صريرًا في السقف. كل صوتٍ بدا إنذارًا، وكل ظلّ تهديدًا.
قبل الفجر بقليل، بكت الطفلة. ذهبتُ إليها. كانت عيناها مفتوحتين. أعطيتها المزيد من الحليب بالقماش، ولأول مرة بدا تنفّسها أقل صعوبة. وعندما أشرقت الشمس، ذهبتُ لأتفقد المرأة.
كانت مستيقظة.
جالسة على السرير، ضعيفة، مرتجفة، لكنها مستيقظة.
قدّمتُ لها ماءً، ثم قليلًا من شرابٍ خفيف. شربت بصمت. وحين أخبرتها أن الطفلة حيّة، وأنها أكلت ونامت، امتلأت عيناها بالدموع، ووضعت يدها على فمها لتكتم صرخة ارتياح.
ما اسمكِ؟ سألت.
ترددت قليلًا.
اسمي لوسيا.
واسم الطفلة؟
إسبيرانثا.
كان الاسم غريبًا عليّ بطريقةٍ ما، لأنه كان تحديدًا ما افتقدته منذ زمن طويل.
لم أضغط عليها في البداية. لكن عند الظهيرة، حين بدا لون وجهها أفضل واستطاعت حمل الطفلة، سألت السؤال الذي لا مفرّ منه.
من فعل بكما هذا؟
تجمّدت. عاد الخوف إلى عينيها بعنف. احتاجت دقائق قبل أن تتكلم.
زوجي همست.
خرجت القصة على دفعات، بين صمتٍ وبكاءٍ وخجل. اسمه راميرو. كان يضربها منذ ما قبل الزواج. غيور، سكير، متسلّط. وعندما وُلدت الطفلة، بدأ يقول إنها ليست ابنته ازداد العنف. قبل أسبوعين، وهو مخمور، أخذ الطفلة من مهدها. فهربت لوسيا بها، محاولة الوصول إلى بيت أمها. لكنه لحق بها، وسحبها إلى شاحنته، وقاد لساعات. ثم تركهما عند جانب سياجي، بسلةٍ قديمة، بلا ماء ولا طعام.
قال إن الله إن أراد إنقاذنا سيفعل قالت بصوت مكسور لكنه سيعود بعد سبعة أيام ليتأكد أننا متنا.
ومتى
انتهت الأيام السبعة؟
رفعت لوسيا عينيها نحوي ببطء،
وكان وجهها قد اكتسى ذلك الشحوب الذي لا يُشبه المرض وحده، بل يُشبه الرعب حين يسكن الجسد طويلًا حتى يصير جزءًا من ملامحه. بقيت صامتة لثوانٍ، كأنها لا تريد أن تنطق بالإجابة، لا لأن السؤال غامض، بل لأن الجواب نفسه كان يحمل في طياته ما يكفي من الخطر ليجعل الكلمات ثقيلة على اللسان. ثم همست، بصوت متقطع خافت
أمس.
وما إن خرجت الكلمة من فمها حتى شعرتُ بأن الدم في عروقي قد برد فجأة. لم يكن ذلك مجرد خوفٍ عابر، بل ذلك الإدراك الخاطف الذي يضرب الإنسان دفعة واحدة، فيفهم في لحظةٍ واحدة ما لم يكن قد أراد أن يفكر فيه من قبل. إذا كانت الأيام السبعة قد انتهت بالأمس، فهذا يعني أن الرجل لا بد أنه عاد، أو أنه كان سيعود في أي لحظة. ويعني أيضًا أنه، إن وقف في المكان الذي تركهما فيه، فلن يجد سوى التراب الخالي وآثارًا تخبره بأن يدًا أخرى امتدت قبله، وانتشلت ضحيتيه من الموت.
وقفتُ لحظةً أحدّق فيها من غير أن أتكلم. كانت إسبيرانثا نائمة في حضنها، أو شبه نائمة، وقد استسلم جسدها الصغير أخيرًا لشيءٍ من الراحة بعد ذلك الجوع والعطش والإنهاك. أما لوسيا، فكانت تضمها بقوةٍ لا تخطئها العين، كما لو أن ذراعيها صارتا الحصن الأخير في العالم، وكأنها تعرف أن الخطر لم ينتهِ، بل بدأ للتو.
نظرتُ نحو الباب، ثم نحو النوافذ، ثم إلى الجدران التي أعرفها منذ أعوام. كان ذلك البيت قديمًا، متماسكًا بقدر ما تسمح به السنون، لكنه لم يُبنَ ليصدَّ رجالًا مسلحين أو يردَّ عنفًا آتيًا بنيّة القتل. كان بيتًا للعيش، لا للحصار. لكن في تلك اللحظة لم يعد عندي ترف التفكير فيما إذا كان يصلح أو لا يصلح. صار عليّ فقط أن أجعله يصمد بما أستطيع.
قلت بصوت منخفض، لكنه حاسم
سيأتي.
لم تسأل من؟ ولم تقل هل أنت متأكد؟ فقط انخفض بصرها إلى الطفلة، ثم عادت عيناها إليّ، وكان فيهما ذلك الذعر الصامت الذي لا يبالغ ولا ينكر، بل يعرف الحقيقة ويخافها في آنٍ واحد.
قلت بعدها
وإن جاء فلن يأخذكما.
لم أرفع صوتي، ولم أقلها بطابع بطولي، بل خرجت منّي جملةً واضحة بسيطة، كأنها حقيقة تفرض نفسها. وحين سمعتها أنا من فمي، أدركت أنني لم أعد أتحدث عن امرأة وطفلة أنقذتهما منذ ساعات، بل عن مسؤوليةٍ دخلت بيتي، وعن حياةٍ ضعيفةٍ أصبحت معلّقةً بوقوفي على قدميّ.
قضيت بقية النهار أُحصّن المنزل.
بدأت بالنوافذ أولًا. كانت في البيت أربع نوافذ رئيسية، اثنتان في الواجهة، وواحدة جانبية، وواحدة خلفية تطل على مساحةٍ منخفضة قرب الحظيرة. ذهبت إلى المخزن، وأخرجت ألواحًا خشبية كنت قد احتفظت بها منذ شتاءٍ مضى حين كسرت الرياح بعض الإطارات. حملتها إلى الداخل، وبدأت أثبتها بالمسامير الثقيلة. كانت المطرقة تهوي على الخشب بإيقاعٍ صارم، وكانت كل ضربة تبدو كأنها تعلن أن البيت يدخل طورًا جديدًا لم يعد مكانًا للنوم والعمل فقط، بل صار حصنًا مؤقتًا في وجه ما قد يأتي.
كنت أتحرك من نافذة إلى أخرى، أقيس الفراغ بعيني، أضع اللوح، أثبته، أجذبه لأتأكد من صلابته، ثم أنتقل إلى غيره. لم يكن لديّ وقتٌ كافٍ لأفعل كل شيء بإتقان، لكنني كنت أفعل كل ما أستطيع بجدية رجل يعرف أن أي تفصيل صغير قد يصنع فارقًا إذا ساءت الأمور.
بعد ذلك، انتقلت إلى الأبواب. كان الباب الرئيسي متينًا نسبيًا، لكن مفصلاته قديمة. وضعت خلفه خزانة قصيرة ثقيلة، ودفعت إلى جانبه طاولة سميكة من خشب البلوط، لتُصبح عائقًا إن
حاول أحدهم كسره. أما الباب الخلفي، فقد دعّمته بعارضة خشبية ثبتّها في الجدارين، ثم وضعت أمامه صندوق الحبوب المعدني، وهو أثقل ما في المطبخ تقريبًا.
ثم جاءت الأسلحة.
لم أكن رجلًا يبحث عن المشكلات، ولا ممن يعيشون وأيديهم على البنادق، لكن الريف له منطقه القاسي، ومن عاش فيه طويلاً تعلّم أن الاحتياط ليس شجاعة ولا جبنًا، بل ضرورة. أخرجت بندقية أبي القديمة من مكانها، وجلست أنظفها بعناية. مررتُ قطعة القماش داخل الماسورة مرارًا، وتفقدت الزناد، وراجعت الخراطيش. ثم أحضرت المسدس الذي لم ألمسه منذ سنوات، وفحصته بعين رجلٍ لم يعد ينظر إليه كقطعة معدنية مخزونة، بل كشيء قد يفصل بين الحياة والموت بعد ساعات.
كانت لوسيا تحاول أن تساعدني. في البداية قلت لها أن ترتاح، فهي بالكاد استعادت قدرتها على الوقوف. لكنها أصرت، لا بالكلام الكثير، بل بتلك النظرة العنيدة الهادئة التي تقول إن الإنسان إذا حُرم من كل شيء، فإنه يتشبث على الأقل بحقه في ألّا يكون عبئًا. فتركتها تساعدني بما تستطيع تُمسك المصباح، تُناولني المسامير، تطوي بعض الأقمشة، تراقب إسبيرانثا بين حين وآخر. كنت أرى الوهن في حركتها، والارتجاف الخفيف في أصابعها، لكنني كنت أرى أيضًا شيئًا آخر عزمًا يرفض أن ينكسر مرةً أخرى.
أما إسبيرانثا، فقد بدأت تستجيب شيئًا فشيئًا لما قدّمناه لها من دفء وطعام ورعاية. لم تعد تتنفس بذلك البطء المرعب الذي رأيته أول مرة، وصارت تفتح عينيها أحيانًا، وتنظر حولها كما لو أنها تحاول أن تفهم هذا العالم الذي عاد يمنحها فرصةً أخرى. في وجهها الصغير شيء من الهدوء، شيء من البراءة التي لم تفهم بعد أنها نجت من موتٍ كان يقترب منها
ببطء. كنتُ كلما نظرت إليها، شعرت بأن في البيت نبضًا جديدًا، هشًّا، لكنه حقيقي.
مع اقتراب المساء، بدت المزرعة كلها كأنها دخلت صمتًا مختلفًا عن كل مساءٍ سابق. الضوء الذهبي الذي كان ينسكب على الحقول ويمنحها جمالًا ريفيًا مألوفًا، بدا تلك الليلة كأنه ضوءُ ترقّبٍ أخير قبل أن يبتلع الظلام كل شيء. الهواء صار أكثر برودة، والريح أخذت تمرّ بين الأخشاب القديمة بصوتٍ خافت كأنه همسٌ طويل.
أعددت قليلًا من الطعام، لكن أحدًا لم يأكل إلا لقيمات معدودة. لوسيا شربت بعض الماء، وأطعمت ابنتها، ثم جلست قربها تحدّق فيها طويلًا. أما أنا، فكنت أتنقّل بين الباب والنافذة والطاولة التي وضعتُ عليها الذخيرة، وكأن الحركة وحدها تمنع الأفكار من أن تخنقني.
عند حلول الليل، كان كل شيء جاهزًا قدر الإمكان.
أخذتُ نفسًا عميقًا، ثم قلت
اذهبي إلى الغرفة الخلفية.
رفعت لوسيا رأسها. كانت تعرف لماذا أقول ذلك، ومع ذلك لم تُظهر رغبةً في الطاعة السريعة. بقيت لحظةً صامتة، ثم سألت بنبرةٍ خافتة ،،تايعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
وأنت؟
سأبقى هنا.
هزّت رأسها ببطء، كأنها تريد أن تعترض، لكنها تعرف أن الكلام لن يغيّر شيئًا. حملت إسبيرانثا، التي كانت قد غفت مجددًا، ومضت نحو الغرفة الأخيرة في الممر. تبعتها حتى الباب.
وقفتُ أمامها وقلت بوضوح
مهما سمعتِ، لا تفتحي. لا إذا صرخوا، ولا إذا كسروا شيئًا، ولا إذا سمعتِني أنا نفسي أصرخ. لا تفتحي حتى آتي أنا.
نظرت إليّ بعينين واسعتين، ثم شدّت الطفلة إلى صدرها، وأومأت.
دخلت الغرفة وأغلقت الباب.
عدتُ أنا إلى الصالة، وجلست في العتمة، والبندقية فوق ساقي.
مرّت الدقائق بطيئة إلى حد الاختناق. في مثل هذه اللحظات، يفقد الزمن معناه الطبيعي. الدقيقة لا تعود دقيقة، بل
شيئًا أطول، ممتدًا، ثقيلًا، كأنها تختبر أعصابك عمدًا. كان البيت ساكنًا إلا من أصوات مألوفة صارت في تلك الليلة حادةً ومريبة صرير خفيف في السقف، احتكاك فرعٍ نافره الريح، نباح بعيد، ارتطام شيءٍ معدني في الحظيرة. وكلما سمعتُ صوتًا، شددت أصابعي أكثر على الخشب البارد للبندقية.
ثم، بعد منتصف الليل، جاء الصوت الذي كنت أنتظره وأخشاه معًا.
صوت محرّك.
قديم، ديزل، خشن، متقطع، لكنه واضح. كان آتيًا من بعيد أول الأمر، ثم بدأ يقترب على مهل، حتى صار يملأ السكون كله. نهضتُ من مقعدي ببطء، واقتربت من النافذة الأمامية، ونظرتُ من خلال شق صغير بين اللوح والإطار.
رأيت الأضواء أولًا. ثم ظهرت الشاحنة السوداء وهي تتقدم فوق الطريق الترابي، حتى توقفت أمام البيت مباشرة. ظل المحرك يعمل لحظات، ثم انطفأ.
نزل منها ثلاثة رجال.
حتى من المسافة تلك، عرفت أيهم راميرو. لم يكن الأمر بحاجة إلى تقديم. كان يقف في المنتصف، بثبات الرجل الذي يظن أنه لا يزال يملك الحق في كل شيء، حتى في الأرواح. أما الآخران، فكانا يبدوان شبيهين به بما يكفي لأفهم أنهما أخواه.
تقدموا نحو البيت ببطء، بثقة من يعتقد أن من في الداخل أضعف من أن يصمد طويلًا.
وقف راميرو قريبًا من الباب، ثم قال بصوتٍ مرتفع
أعرف أنك في الداخل.
لم أرد.
قال ثانيةً، بنبرةٍ أكثر حدّة
افتح. جئنا لننهي هذا بهدوء.
كان في صوته شيء كريه، ذلك الهدوء الكاذب الذي يسبق العنف عند بعض الرجال، كأنهم يقنعون أنفسهم أن الجريمة لا تُعدّ جريمة إذا تحدثوا قبلها بنبرةٍ منخفضة.
قلت من الداخل
لا شأن لك هنا.
ساد صمت قصير. ثم ضحك أحد الأخوين ضحكة باردة. وعاد راميرو يقول
المرأة زوجتي. والطفلة طفلتي. لا تجعل نفسك طرفًا في أمر عائلي.
قلت
لو
كانتا كذلك، لما وجدتهما تتنفسان الموت على الطريق.
تغير صوته عندها. زال القناع دفعةً واحدة، وظهر الغضب الخام.
اسمعني جيدًا إمّا أن تفتح الباب الآن، أو سأدخل وآخذهما بالقوة.
أجبته بصوتٍ ثابت
لن أسلّمكما.
جاء بعد ذلك صمتٌ قصير جدًا، لكنه كان كافيًا لأشعر أن الشيء الذي كنّا نؤجله قد بدأ.
قال راميرو
إذًا سندخل.
وانفجرت الفوضى.
ضربة قوية على الباب. ثم أخرى. ثم صوت زجاج يتحطم في الجهة الجانبية. وبعد ذلك، طلقات.
لم أعد أسمع الأصوات منفصلة، بل كتلة واحدة من العنف خشب يتشقق، رصاص يضرب الجدران، شتائم، خطوات سريعة، صراخ رجال يريدون أن يرهبوا من في الداخل قبل أن يصلوا إليه.
صرخت بأعلى ما أستطيع
لوسيا! اختبئي!
سمعتُ حركةً بعيدة في الممر، ثم لم يعد لديّ وقت لأفكر في شيء سوى الرد.
رأيت واحدًا من الأخوين يلتف حول البيت محاولًا الوصول إلى الخلف. كان يتجه نحو النافذة الأضعف. انتقلت بسرعة إلى الممر الجانبي، وانحنيت قرب شق بين الألواح. لمحته يحاول اقتلاع الخشب. أطلقتُ عليه رصاصةً واحدة. صرخ وسقط متراجعًا، واضعًا يده على كتفه أو ذراعه، لم أتمكن من التحديد في العتمة.
في الوقت نفسه، كان الآخر يطلق النار على الواجهة لإبقائي منشغلًا، بينما ظل راميرو يقترب من الباب الرئيسي ويصرخ بألفاظٍ لا أريد تذكرها، ويهدد بأنه سيدخل شاء من شاء وأبى من أبى.
ظننت، للحظة قصيرة، أن هذا هو أقصى ما يمكن أن يفعله.
لكنني كنت مخطئًا.
فجأة، هدأت الطلقات من الخارج لثوانٍ، ثم سمعتُ صوت المحرك يُعاد تشغيله.
في البداية لم أفهم. اقتربت من النافذة ونظرت.
كانت الشاحنة تتحرك إلى الخلف، ثم تستدير قليلًا بمحاذاة الجدار الجانبي.
وهنا فهمت.
كان يريد استخدام الشاحنة لهدم الجدار.
اجتاحني
رعب خالص، صريح، لا يشبه الخوف من رجلٍ يحمل سلاحًا فقط، بل الخوف من قوةٍ غاشمة لا تفرّق بين حائط وجسد. صرخت من أعماقي
لوسيا! إلى الخلف! الآن!
لم يكن هناك وقتٌ لشيء آخر.
اندفعت الشاحنة بكل قوتها، واخترقت الجدار الجانبي في انفجارٍ هائل من الخشب والطوب والغبار. اهتز البيت كله، وسقطتُ على الأرض بين الحطام. فقدتُ البندقية من يدي للحظة، وامتلأت عيناي بالتراب، ولم أعد أرى إلا أشكالًا مشوشة وسط الضباب الكثيف.
ثم، من خلال الغبار، رأيته.
خرج راميرو من الشاحنة مترنحًا. كان الدم يسيل من جبهته، لكنه ما زال قادرًا على الحركة، وما زال المسدس في يده.
رفع السلاح نحوي.
وفي اللحظة نفسها، وجدتُ بندقيتي بين الخشب المتناثر.
لم تكن هناك مساحة للتفكير.
هو يصوّب. وأنا أرفع البندقية.
هو يضغط الزناد. وأنا أضغطه.
أطلقنا النار معًا.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
شعرت برصاصته تمرّ قرب أذني، تحرق الهواء بمحاذاة رأسي. وفي المقابل، أصابته رصاصتي. ارتدّ جسده إلى الخلف، واصطدم بجانب الشاحنة، ثم سقط على الأرض الترابية.
وبقي هناك.
لم يتحرك بعدها.
ساد صمت ثقيل، ثقيل على نحوٍ يكاد يكون غير محتمل. توقف كل شيء فجأة الصراخ، إطلاق النار، تحطم الخشب. لم يبقَ إلا صوت المحرك وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، وبكاء إسبيرانثا في داخل البيت.
أما الأخوان، فلما رأيا راميرو يسقط، ولما أُصيب أحدهما، فرّا إلى الظلام. ركضا كما يركض الجبناء حين تسقط أمامهم القوة التي كانوا يستندون إليها. لم ألاحقهما. لم أكن قادرًا. ولم أكن أريد سوى شيء واحد أن أتأكد أن لوسيا والطفلة ما زالتا بخير.
نهضتُ بصعوبة، وسرتُ فوق الحطام.
لوسيا؟
لم يصلني جواب للحظة، شعرتُ خلالها بأن قلبي سيتوقف. ثم انفتح باب الغرفة الخلفية ببطء، وخرجت.
كانت
ترتجف.
كانت تحمل إسبيرانثا إلى صدرها بقوة، وتنظر إلى الجدار المنهار، ثم إلى راميرو الملقى على الأرض، ثم إليّ. لم تصرخ. لم تندفع. فقط بدأ الدمع ينزل من عينيها بصمت، دموع ثقيلة قديمة، دموع خوفٍ طويلٍ لا يصدق أخيرًا أن الكابوس انتهى.
اقتربتُ منها خطوة. واقتربت هي خطوة.
ثم وقفت أمامي وبكت.
بكت كما لو أنها تخرج من صدرها أعوامًا كاملة من الرعب والإهانة والألم والهرب والصمت. وأنا، رغم الألم والغبار والدم الذي سال من أذني، شعرت أنني أقف في لحظة لا تشبه النصر بقدر ما تشبه النجاة.
مع أول ضوء للفجر، ذهبنا إلى البلدة.
لم يكن الطريق سهلًا. كانت لوسيا منهكة، وأنا متألمًا من كتفي وأذني، والبيت خلفنا مكسور الجدار، كأنه خرج لتوه من عاصفةٍ بشرية. لكن كان لا بد من الذهاب إلى الشرطة، إلى الطبيب، إلى كل ما يجعل ما حدث يدخل في طريق القانون بدل أن يبقى مجرّد عنفٍ معلق فوق رؤوسنا.
جاءت الإفادات، والأسئلة، والتقارير، والكشف الطبي، والمعاينات. كان الأمر مرهقًا ومؤلمًا، لكنه ضروري. وبعد أيام، عُثر على الأخوين. أحدهما لم يكن قد عالج جرحه كما يجب، وكان ذلك أحد ما قاد إليهما. وُجهت إليهما التهم، وكُشف من خلال التحقيق ما يؤكد رواية لوسيا. أما أنا، فقد اعتُبر ما فعلته دفاعًا مشروعًا عن النفس وعن من احتميا بي.
لم يكن شيء من هذا بسيطًا.
فالنجاة لا تمحو آثار ما سبقها. والقانون، وإن أنصف في النهاية، لا يجعل الطريق قصيرًا أو خفيفًا. كانت هناك ليالٍ كثيرة استيقظت فيها على أقل صوت، كأن الهجوم سيبدأ من جديد. وكانت لوسيا ترتجف أحيانًا إذا سمعت محرّك شاحنة يمر من بعيد. أما إسبيرانثا، فقد احتاجت وقتًا حتى تستقر صحتها تمامًا، وحتى تمتلئ وجنتاها، وحتى يعود جسدها الصغير
إلى ما يشبه الطفولة الطبيعية.
لكن الشيء الأهم كان واضحًا، واضحًا إلى
درجة أنه كان يكفي وحده لنجعل كل شيء آخر محتملًا
لوسيا وإسبيرانثا بقيتا على قيد الحياة.
مرّت الشهور بطيئة، لكنها كانت تحمل معها ما لم أكن أتوقعه.
تعافت لوسيا تدريجيًا. في البداية استعادت قدرتها على الحركة من دون تعبٍ سريع، ثم بدأت تعمل معي في أشياء خفيفة حول البيت، ثم في الحديقة، ثم في المطبخ كما لو أنها تريد أن تعيد ترتيب العالم من الداخل، طبقًا طبقًا، وستارةً ستارة، وركنًا ركنًا.
أما إسبيرانثا، فقد نمت. ازداد وزنها، وامتلأ وجهها، وصارت ضحكتها تظهر أكثر فأكثر. أول مرة ضحكت فيها بصوتٍ واضح داخل البيت، توقفتُ عن العمل ونظرت نحو المطبخ كأنني أسمع شيئًا لم أعد أظن أن هذا المكان قادر على إنجابه. كان البيت الذي عاش سنواتٍ طويلة في الصمت قد بدأ يمتلئ بأصواتٍ بشرية دافئة غناء خافت في الصباح، بكاء طفلة عند الجوع، ضحكة مفاجئة، حديث عابر، وقع خطوات، ارتطام ملاعق، تنهدات لا تأتي من الوحدة بل من التعب المشترك.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
ذات صباح، وبعد
أن بدا أن الأمور استقرت أخيرًا، جاءت لوسيا إليّ وهي تحمل إسبيرانثا. وقفت قرب الباب، وكان في عينيها شيء من التردد.
قالت
لا أريد أن أكون عبئًا عليك.
نظرت إليها طويلًا. كنت أعرف أنها لا تقول هذا لأنها تريد الرحيل فقط، بل لأنها تخشى أن تبقى في مكانٍ لا يخصها، أو أن تكون مدينة بما يفوق قدرتها على الاحتمال.
قلت بهدوء
هذا البيت لم يكن بيتًا منذ زمن طويل. وجودكما أعاده حيًّا. إن أردتما البقاء فابقيا.
بكت.
ولم تكن تلك دموع خوف هذه المرة، بل دموع امرأة تسمع أخيرًا عرضًا بالبقاء من غير إذلال، ومن غير ثمن، ومن غير تهديد.
وبقيت.
مرّ عام.
في المكان الذي كان فيه الجدار المكسور، أصلحنا الحائط، ثم زرعنا إلى جواره زهورًا. لم أفعل ذلك بدافع الزينة وحدها، بل بدافعٍ غامض يقول إن المواضع التي شهدت العنف تستحق أن يُزرع فيها شيء حيّ.
كانت إسبيرانثا قد بدأت تمشي. خطواتها الأولى في فناء البيت كانت متعثرة، مضحكة، مليئة بالإصرار. كانت تطارد
الدجاج وتضحك إذا هرب منها، وتجلس على التراب كأن الأرض صديقة لا عدو. وكانت لوسيا تبتسم كلما رأتها، تلك الابتسامة التي لم تعد مترددة كما كانت في الأيام الأولى، بل صارت تخرج منها على سجيتها.
أما أنا، فقد بدأت أفهم شيئًا لم أفهمه يوم ماتت إيلينا. كنت أظن أن القلب إذا انكسر مرةً كبيرة، فإنه يبقى مكسورًا بالشكل نفسه إلى الأبد. لكن اتضح لي أن الأمر ليس كذلك تمامًا. فالحياة لا تعيد ما أخذته. لا تعيد الشخص نفسه، ولا الأيام نفسها، ولا الطمأنينة نفسها. لكنها، أحيانًا، تمنح الإنسان شيئًا آخر. شيئًا مختلفًا. أقل مثالية ربما، وأكثر خشونة، لكنه حقيقي. حقيقي إلى درجة أنه يرمم داخلك أماكن لم تكن تعرف أنها لا تزال قابلةً للترميم.
وفي يوم من الأيام، بينما كانت الشمس تميل على الحقول، تعثرت إسبيرانثا في الفناء، وسقطت على التراب. رفعت رأسها نحوي، ومدّت ذراعيها الصغيرتين، وقالت، بعفويةٍ تامة
أبي!
توقفتُ في مكاني.
لم يكن الأمر متفقًا
عليه. لم نجلس يومًا لنسمي الأشياء. لم نخطط. لكنها قالتها. خرجت منها كما يخرج الاسم الصحيح حين يجده القلب قبل اللسان.
نظرتُ نحو لوسيا.
كانت واقفة عند باب المطبخ، تنظر إلينا بعينين ممتلئتين بالدموع وابتسامة ترتجف فوق شفتيها.
انحنيتُ وحملتُ إسبيرانثا بين ذراعيّ. كانت صغيرة، دافئة، خفيفة، ومطمئنة على نحوٍ لا يُفسَّر. وفي تلك اللحظة شعرتُ أن شيئًا مكسورًا في داخلي، ظل سنواتٍ في غير مكانه، قد عاد أخيرًا ليستقر.
لم تُعِد لي الحياة ما فقدته.
لكنها أعطتني شيئًا آخر.
شيئًا لم أطلبه، ولم أبحث عنه، ولم أتوقعه.
أعطتني سببًا جديدًا لأن أفتح الباب كل صباح، وأن أصلح السقف، وأن أزرع الأرض، وأن أنتظر المساء لا بصفته نهاية يومٍ ثقيل، بل عودةً إلى بيتٍ فيه من ينتظر.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد ذلك المكان مجرد مزرعةٍ في شمال المكسيك، ولا مجرد بيتٍ قديمٍ نجا من العزلة.
صار بيتًا حقيقيًا.
وصارت الحياة فيه، بكل ما فيها من ندوبٍ وذكريات وألمٍ قديم، أكثر صدقًا وأكثر حياة.


تعليقات
إرسال تعليق