ليـلة رمـضان: المواجهـة اللي غيـرت كل حاجـة
ليـلة رمـضان: المواجهـة اللي غيـرت كل حاجـة
"أهلي فضلوا سنين يقولوا عليّا فاشلة… لحد ما مدّوا إيدهم على ابني، وساعتها شغّلت التلفزيون وهدّيت الكدبة اللي عايشين فيها."
أنا عمري ما قلت لأهلي أنا مين بجد.
بالنسبة لهم كنت دايمًا مريم عبد الحميد… البنت اللي سابت الكلية، اللي ضيّعت مستقبلها، واللي “ماوصلتش لحاجة”.
وسنين طويلة سيبت الصورة دي تكبر قدامهم.
مش ضعف… حماية.
كنت محتاجة أتحرك في هدوء.
لحد ليلة العزومة الكبيرة في بيتنا.
ريحة المحشي والبط المحمّر مالية الصالة. متوفرة على روايات و اقتباسات نفس الريحة اللي من طفولتي… ونفس الكلام اللي ما بيتغيرش.
كنت قاعدة على طرف السفرة، المكان اللي دايمًا بيتقال عليه “مكان العيال”، رغم إن عندي 26 سنة.
في حضني ابني ياسين، تلات شهور، بيتحرك بقلق كأنه حاسس بطاقة المكان.
كان لابس سلوبيت كحلي أنا خيطاه بإيدي من كشمير طبيعي.
أي حد يشوفه يقول عادي.
بس اللي يفهم يعرف إن ده شغل احترافي… شغل علامة تجارية عالمية.
بس محدش هنا بيفهم.
ندى، أختي الكبيرة، عدلت جاكيت البدلة بتاعتها وقالت بزهو:
— الإدارة التنفيذية مش لعبة. “نوفالكس”
مش شركة لأي حد. إحنا بنتكلم عن كيان بمليارات.
ماما سامية ابتسمت بفخر:
— الحمد لله إن عندي بنت رافعة راسنا قدام الناس.
بابا عبد الحميد بصلي نظرة تقيلة:
— وانتي يا مريم؟ لسه شغل البيت ده؟ من غير شهادة ولا مركز… هتفضلي تايهة.
حضنت ياسين أكتر.
— أنا عندي شغلي الخاص… وعندي عملاء مهمين.
ندى ضحكت بسخرية:
— عملاء؟ يعني بتقصري هدوم؟ ده مش طموح… ده بقايا حياة.
ومدّت إيدها تشد السلوبيت:
— ده شكله معمول من بواقي قماش… حرام الواد.
ياسين بدأ يعيّط.
— مش هتسكتِيه؟ إحنا بنتكلم في كلام مهم.
— ده طفل… جعان.
— مزعج. زيك.
العيّاط زاد.
وفجأة ندى قامت بعصبية وقالت:
— يسكت بقى!
ومدّت إيدها… وضربته على رجله.
الصوت دوّى في الأوضة.
ياسين صرخ صرخة وجع قطّعت قلبي.
بصيت لماما وبابا.
لفّوا وشهم.
ماما قالت ببرود:
— لازم تعرفي تربيه.
ندى قالت باحتقار:
— ناس فاضية بتخلّف عيال فاضية.
في اللحظة دي… حاجة اتكسرت جوايا.
مش ضعف.
قيد.
قمت بهدوء، مسكت الريموت، وشغّلت قناة الأخبار الاقتصادية.
الشريط الأحمر تحت الشاشة كان مكتوب فيه:
"حصريًا: مؤسسة نوفالكس تكشف هويتها
لأول مرة."
ندى ابتسمت بغرور:
— شوفي واتعلمي يا مريم. دي القوة الحقيقية. المؤسسة عبقرية… محدش شاف وشها قبل كده.
بابا وماما قرّبوا من الشاشة بانبهار.
المذيعة كانت واقفة قدام مقر الشركة في القاهرة الجديدة.
— “ننتظر الآن ظهور مباشر من مؤسسة نوفالكس، اللي قررت تكشف هويتها الليلة…”
موبايل ندى رن بشكل هستيري.
— ده إيميل داخلي! المؤسسة هتظهر دلوقتي!
أنا هديت ياسين، ووشي بقى جامد زي الحجر.
قلت بهدوء:
— ركّزوا كويس في الشاشة.
الصورة اتغيرت.
مش مبنى الشركة.
صالون… حيطة طوب أبيض… بوفيه خشب… وسفرة عليها بط محمّر ولسه بخار طالع منه.
نفس المكان.
نفس بيتنا.
الصمت بقى تقيل.
ندى بصت للموبايل… وبصت للشاشة… وبصتلي.
على الشاشة ظهرت ست شايلة طفل… أنا.
صوتي خرج من السماعات ومني في نفس الوقت:
— مساء الخير. أنا مريم عبد الحميد. مؤسسة شركة نوفالكس.
الشوكة وقعت من إيد بابا.
ماما حطت إيدها على بوقها.
— بنيت الإمبراطورية دي علشان أثبت إن النجاح مش محتاج شهادة غالية… محتاج موهبة وصبر. بس النهارده مش جايه أتكلم عن أرقام.
بصيت لندى مباشرة.
— ندى… انتي شغالة
في نوفالكس، صح؟
ماعرفتش تنطق. هزّت راسها بس.
— انتي مفصولة. رسميًا. لسوء سلوك… وقسوة على طفل… وتشويه لقيم الشركة.
الصوتين اندمجوا… متوفرة على روايات و اقتباسات صوتي الحقيقي وصوتي في التلفزيون.
قفلت التلفزيون.
الصمت كان مرعب.
بابا حاول يقرب:
— يا بنتي… احنا ماكناش نعرف… كنا بنهزر…
— خليك مكانك.
مشيت ناحية شنطة ندى، فتحتها، طلعت دفتر شيكات باسم الشركة وعلبة أدوية.
— فاكرة إزاي بنيت ده كله من غير ما تعرفوا؟ متوفرة على روايات و اقتباسات ندى ماكنتش شغالة عندي بس… كانت بتحوّل فلوس من فرع اللوجستيك باسم العيلة علشان تغطي اختلاساتها.
ندى وشها بقى أبيض.
— سيبتها شهور… مستنية لحظة إنسانية واحدة. كنت ناوية أديها فرصة. بس هي ضربت ابني.
لفّيت ياسين في بطانيته.
— الشرطة جاية في طريقها. في تسجيل كاميرات مثبت كل حاجة. وبالنسبة للبيت… البيت ده ملك لشركة تابعة لنوفالكس. عندكم 24 ساعة تمشوا.
وقفت عند الباب لحظة أخيرة.
— ندى قالت إن الأهالي الفاشلين بيطلعوا عيال فاشلة. يمكن. بس أوقات العيال بتتعلم من قسوتكم إزاي تبقى أقوى منكم.
وخرجت.
الهواء كان بارد… بس قلبي لأول مرة خفيف.
سيبت ورايا بيت عمره ما عرف يحب غير المظاهر.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق