كسـرة النفـس كـاملة
كسـرة النفـس كـاملة
كـان دايـمًا يبتسـم بسخريـة وهو شايـف دموعـي...
"هتروحـي فين يعنـي ؟ إنتي مجـرد ممرضـة غلبانـة..
كان بيقولها وهو بيعدل كرافته ببرود بعد سهرة تانية
"شغل" ريحتها برفان حريمي وكذب...
بلعت وجعي وسكتّ، لحد اليوم اللي شفته داخل عليا الاستقبال في المستشفى، ساند على زمايله وماسك صدره، وبيترجاني بنظرة مكسورة:
"أبـوس إيديـكي.. ساعدينـي."
لبست جوانتي العمليات، قربت من ودنه وهمست:
"أنا عارفة كل حاجـة."
عينيه اتسعت من الصدمة، وصوت جهاز القلب فجأة ملى المكان بصرخة مستمرة.. واللي حصل بعد كده لسه بيطاردني لحد النهاردة.....
طارق كان بيشوف دموعي تسلية.
"هتروحي فين يا أمل؟ إنتي ممرضة عادية بتمشي بالورقة والقلم،" كان بيقولها بضحكة مستفزة وهو راجع من "عشاء عمل" متأخر. كنت حافظة تفاصيله.. روج على قميصه، موبايل تاني مستخبي، ودخوله الحمام فورًا أول ما يفتح باب البيت...
حصـري عـلي صفحـة " روايـات واقتباسـات "
خمس سنين وأنا بحاول أكون "الأصيلة"، عشان كنت أنا
السند والمصاريف الثابتة وهو بيجري ورا البرستيج والمنظرة والستات..
مسبتوش في وقتها، مش عشان مش عايزة، بس عشان الواقع صعب.. شقة وعفش وقسط، وحساب بنكي مشترك كان بيسحبه أول بأول.
كنت بخلص وردية
12 ساعة وأرجع ألاقي استهزاء بيا وبشغلي: "عمرك ما هتقدري تبعدي، إنتي قلبك رهيف."
لحد ليلة الجمعة المشهودة.....
حصـري عـلي صفحـة " روايـات واقتباسـات "
كنت في وردية السهر في الطوارئ، وفجأة الأبواب اتفتحت ودخل ترولي الإسعاف بيجري. المسعف صرخ:
"حالة اشتباه جلطة في القلب، شاب في الثلاثينات، ضغطه بيقع ونبضه ضعيف."
بصيت على الوش اللي ممدد قدامي.. وبطني اتعصرت من الصدمة....طارق.....
وشه كان غرقان عرق، عينيه فيها رعب مشفتهوش قبل كده. حاول يتكلم وهو بيمسك إيدي بصباعه اللي بيترعش:
"أمل.. بالله عليكي، متسبنيش أموت."
لثواني، مكنتش سامعة غير صوت صفارة الأجهزة ودقات قلبي اللي كانت بتدب في راسي زي الطبل...
كان نفسي أصرخ فيه، كان نفسي أضحك في وشه زي ما كان بيضحك عليا وعلى خيبتي. بس إيدي اتحركت لوحدها، بمهنية الممرضة اللي بتسبق وجع الست.
"أكسجين فورًا، ركبوا كانيولا، واعملوا رسم قلب حالًا!"
زعقت لزمايلي وصوتي طالع ثابت رغم إن صدري كان بيتحرق.
طارق كان بيبص في وشي بتركيز، كأنه بيحاول يقرأ أنا
ناوية على إيه. نفسه بدأ يتقطع وهو بيهمز بصعوبة:
"أنا أسف.. مكنتش أقصد.."
قربت من ودنه وسط الدوشة اللي حوالينا، وطلعت الكلمة اللي كنت حابساها سنين، كلمة
حامية زي النصل:
"أنا عارفة كل حاجة.. وعارفة هي مين."
عينيه وسع من الرعب، وإيده اللي كانت متبتة فيا سابت فجأة وارتخت. رسم القلب على الشاشة بدأ يتهز بخطوط مشوهة، وفجأة الخط بقى مستقيم.
الجهاز صفر صرخة طويلة ومرعبة..
"توقف في عضلة القلب! هاتوا جهاز الصدمات فوراً!"
الدكتور صرخ.
وعين طارق كانت لسه مثبتة عليا وهي بتطفي، كأنه كان بيشوف الحقيقة لأول مرة وهو بيفارق الدنيا ووو.....!!!
الجهاز فضل يصرخ بالصوت الحاد اللي بيجمد الدم في العروق…
خط مستقيم على الشاشة… لا نبض… لا حياة.
الدكتور دفعني بخفة وهو بيقول بسرعة:
"أبعدي يا أمل… هنبدأ إنعاش فورًا!"
اتحرك الفريق كله في لحظة.
حد بدأ ضغطات على الصدر… وحد جهز جهاز الصدمات.
"شحن 200 جول!"
الجهاز طلع صوت طنين خفيف…
والجسم ارتفع لحظة لما الصدمة نزلت.
كل اللي حواليا كانوا بيتحركوا بسرعة… إلا أنا.
كنت واقفة مكاني… عيني على وش طارق.
أول مرة أشوفه ضعيف كده.
أول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينيه… الخوف اللي كان بيزرعه في قلبي كل يوم.
"مفيش نبض! حضّروا صدمة تانية!"
صرخ الدكتور.
في اللحظة دي… فجأة افتكرت أول يوم اتجوزنا.
افتكرت ضحكته… والطريقة اللي كان بيقول بيها إنه هيحميني طول العمر.
ضحكة مرة طلعت من جوايا…
إزاي نفس الشخص
ده بقى الغريب اللي قدامي دلوقتي؟
"أمل! ركزي معانا!"
صوت الدكتور شدني من أفكاري.
بصيت على الشاشة…
لسه خط مستقيم.
"شحن 300 جول!"
الصدمة التانية نزلت…
الجسم ارتفع تاني.
ثانية…
اتنين…
وفجأة…
الخط على الشاشة ارتعش.
نقطة صغيرة ظهرت…
وبعدها نبضة.
"رجع النبض!"
قالها الدكتور بصوت فيه راحة واضحة.
الغرفة كلها تنفست.
لكن أنا…
قلبي كان بيتقبض أكتر.
طارق فتح عينيه ببطء شديد…
وبص حواليه كأنه بيحاول يفهم هو فين.
وبعدين…
عينيه وقعت عليا.
في اللحظة دي…
مفيش كلمة اتقالت.
بس نظرة واحدة كفاية.
نظرة فيها خوف… وندم… وحاجة تانية أنا عمري ما شفتها في عينيه قبل كده.
الضعف.
اتنقل بعدها على العناية المركزة.
والغريب…
من يومها… كل مرة بيدخل فيها حد يزوره، كان يسأل سؤال واحد بس:
"أمل فين؟"
لكن أنا…
مروحتلوش.
عدت يومين…
وبعدين جالي اتصال من دكتور العناية.
صوته كان هادي وهو بيقول:
"لازم تيجي… طارق عايز يشوفك ضروري."
رحت… مش عارفة ليه.
لما دخلت أوضة العناية…
لقيته أضعف بكتير.
الأجهزة حواليه… وأنبوبة الأكسجين جنب وشه.
بصلي… ودموعه نزلت لأول مرة.
قال بصوت مكسور:
"أنا عارف إنك مش هتسامحيني… بس لازم أقولك الحقيقة قبل ما أموت."
وقتها…
قلبي دق بعنف.
لأن الجملة اللي قالها بعدها…
خلت الأرض تميد بيا:
"الست اللي فاكرة إني بخونك معاها…
كانت أختك."
وساعتها بس…
فهمت إن الكابوس الحقيقي…
لسه بيبدأ.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق