القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 كسرة قلب نوح



كسرة قلب نوح


ابني كان قاعد بياكل على الأرض في عزومة عيلة، والكل حواليه قاعدين على كراسي، وحماتي كانت مبتسمة وكأن الموضوع عادي جداً.. ما جادلتش، ولا رفعت صوتي، ولا عملت نمرة من اللي كانوا مستنيينها عشان يقولوا عليا "حساسة وبكبر المواضيع". أنا بس أخدت ولادي ومشيت.. ولأول مرة، كنت مستعدة أسيبهم يشوفوا بنفسهم شكل حياتهم هيبقى عامل ازاي من غيري ومن غير تعبي عشان المركب تمشي في سلام.

المشهد ما خبطش في قلبي مرة واحدة، جالي بالتدريج وأنا خارجة للجنينة.. ابني كان قاعد على الخرسانة، وساند طبق ورق على ركبته، بعيد عن التربيزات اللي الولاد التانيين زاحمينها تحت البلالين.. كان قاعد في حتة متدارية، وكأن حد قاصد يحطه هناك عشان يبان إن الموضوع حصل بالصدفة. كان بياكل بتركيز وخوف، كأنه خاېف حركة غلط توقع الأكل على هدومه.

لو بصيت بسرعة، ممكن تقنع نفسك إنه عادي، وتقول "العيال مش فارق معاها بتاكل فين".. بس لما قربت، شوفت الفرق الواضح.. شوفت المسافة اللي بينه وبين التربيزة، وشوفت الولاد التانيين بيضحكوا وهما قاعدين على كراسي بلاستيك مأجورة مخصوص للعزومة. كان فيه خط واضح وصريح.. خط بيفصل بين "العيلة اللي بتحتفل" وبين "ولادي".

وعلى بعد خطوات، كانت بنتي واقفة ماسكة طبقها.. ماكانتش قاعدة لأن مالهاش مكان، وما حاولتش تحشر نفسها لأنها اتعلمت بدري أوي إن فيه أماكن متقرر إنها مش ليها من


قبل ما توصل. ما اشتكتش ولا طلبت كرسي، كانت دايمًا بتقرأ الجو وتسكت عشان ما تبقاش "عبء" على حد.

القهر الحقيقي كان في التفاصيل.. التورتة المتزينة، الشربات اللي في كاسات شيك، المناديل والأطباق اللي ماشية مع بعضها، حتى اليافطة الخشب اللي مكتوب عليها اسم صاحب العيد ميلاد.. كل حاجة كانت متخطط لها بدقة، ومع ذلك، وسط كل الترتيب ده، محدش فكر يعمل حساب "ولادي". تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

سلفي "ميليسا" شافتني، وقالت بضحكة صفراء وكأنها حاجة بسيطة: "معلش الكراسي خلصت، والعيال مش فارق معاها الأرض". كانت متوقعة إني أقبل العذر ده زي ما قبلت حاجات كتير قبل كدة.. عزومات اتسقطت فيها، هدايا اتنست لولادي في العيد.. كانوا دايمًا راسمين إني هسكت عشان "اليوم ما يبوظش".

حماتي "كارول" حتى ما بصتليش، كانت مشغولة بتظبيط الشمع على التورتة بتركيز رهيب، وشها كان هادي وراضي عن نفسه جداً.. كأن كل حاجة في مكانها الصح من وجهة نظرها.

ما ردتش على "ميليسا".. لأني عارفة لو قلت إن فيه كراسي زيادة جوه البيت هيقولوا عليا دراما، ولو قلت إن ده قلة ذوق هيلفوا الموضوع ويطلعوني أنا اللي مش كويسة وما بقدرش. فمشيت لولادي بهدوء يخوف، هدوء الباب اللي بيتقفل من جوه للأبد.

وطيت عند ابني، أخدت الطبق من إيده وقلت له: "يلا بينا، هنمشي".

محدش فيهم اعترض، وده ۏجع قلبي أكتر.. العيل اللي حاسس بالأمان بيسأل "ليه؟"، لكن ولادي مشوا



معايا في سكات وكأنهم متعودين يهربوا من الخطړ بسكاتي.

عدينا من جنب تربيزة الهدايا، ومن جنب طنطات العيلة وهما بيمروا بالنظر.. الضحك ما وقفش، والمزيكا ما وقفتش، ومحدش نطق اسمي ولا قال "استني، فيه إيه؟ طيب هنجيب كراسي حالاً".. السكات ده عرفني إن الموضوع مش غلطة ولا صدفة، ده كان مقصود.

ركبت العربية وقفلت الباب.. قعدت ثواني باصة لبيت حماتي، البيت اللي ياما شلت فيه "صواني" في العزومات، وياما دفعت فيه فواتير الكهرباء والمية من جيبي لما حماتي كانت بټعيط وتقول "معيش"، وياما جبت هدايا ولفيتها بنفسي.. وفي الآخر، ابني ياكل على الأرض والكراسي المركونة جوه البيت شاهدة عليهم.

مشيت بالعربية، وبعد 3 أميال بنتي سألتني بصوت يقطع القلب: "ماما، هو إحنا عملنا حاجة غلط؟". تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

قلت لها: "لا يا حبيبتي، طبعاً لا".

بس ابني الصغير كمل بكلمة دقت زي المسمار في قلبي: "عادي يا ماما، إحنا أصلاً متعودين نقعد بعيد عنهم".

"متعودين؟".. الكلمة دي قلبت كياني. سحبت فرامل ووقفت على جنب الطريق.. مابقتش شايفة من دموعي. سألتهم: "بقالكم قد إيه بيحصل معاكم كدة؟". بنتي قالت: "من فترة.. مش كل مرة، بس لما بيبقى فيه ناس كتير أو قرايب ماما ميليسا، دايمًا بنبقى إحنا اللي مالناش مكان".

افتكرت كل المواقف اللي كنت ببررها لنفسي.. "معلش أصلهم نسوا"، "معلش أصل الدنيا زحمة". اكتشفت إني كنت بشتري "سلام العيلة"


من كرامة ولادي.. وإني كنت "الشخص المناسب" ليهم طول ما أنا بدفع وبساعد وبسكت، لكن وقت "اللمة"، ولادي بيبقوا زيادة.

لما روحنا، دخلت ولادي يناموا، وقعدت في المطبخ وفتحت اللاب توب.. مابقتش عايزة دراما، بقيت عايزة أرقام. 3 ساعات قعدت أحسب فيهم كل قرش صرفته عليهم في 7 سنين.. فواتير، تصليح سقف، مصاريف جامعة لسلفي، ديون حماتي.. الرقم طلع صدمة: 38 ألف دولار!

38 ألف دولار كنت فاكرة إني بدفعهم لـ "أهلي"، وطلعت بدفعهم لناس شايفين إن ولادي ما يستاهلوش كرسي.

لما جوزي "دانيال" جه، لفيت الورقة اللي فيها الحسابات ناحيته وقلت له ببرود: "اقعد".

حكيت له اللي حصل، وشفت الصدمة في عينه لما عرف إن ولاده "متعودين" على الإهانة.

قلت له: "من النهاردة، مفيش مليم هيطلع ليهم.. ولا مليم. أي اشتراك أو فاتورة بنتدفعها هتتلغي حالاً. ولو حد فيهم احتاج حاجة، يطلب منك أنت، وأنت حر في فلوسك الخاصة.. لكن فلوس بيتي وولادي مش هتروح لناس بيقعدوا ابني على الأرض".

قلت له كمان: "وهتكلم أمك دلوقتي حالاً.. تبلغها إن اللي حصل ده قلة أدب ومش هيعدي، وإننا مش هنعتب بيتهم تاني غير لما يعتذروا اعتذار صريح لولادنا".

دانيال حاول يتهرب ويقول "الوقت تأخر"، بس بصيت له نظرة عرف فيها إن مفيش رجوع.. مسك الموبايل وهو إيده بتترعش، وبدأت الحقيقة تخبط على بابهم.. الحقيقة اللي بتقول إن "الشخصية الطيبة" قررت


أخيراً إنها ما تسكتش.


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

close