القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

وقفت أخدمهم من الفجر وصايمة.. وفي الآخر استخسروا فيا لقمة قدام الضيوف

 وقفت أخدمهم من الفجر وصايمة.. وفي الآخر استخسروا فيا لقمة قدام الضيوف




وقفت أخدمهم من الفجر وصايمة.. وفي الآخر استخسروا فيا لقمة قدام الضيوف


 


حماتي كانت عاملة عزومة كبيرة، والسفرة قدام الصالة كأنها إعلان في مجلة أكل… بط محمّر، ديك رومي، محاشي بألوانها، صواني رز، سلطات متزوقة، وروائح تخليكِ تحسي إنك صايمة بقالك سنة مش يوم.


من أول ما دخلت المطبخ الفجر وأنا على رجلي… تقطيع، تسبيك، حشو، تسوية، وترتيب. ريحة البصل والتوم مسكت في إيدي، وحرارة البوتاجاز خلت ضهري يتكسر. كنت بقول لنفسي: ماشي… تعب يوم ويعدّي، وفي الآخر هنقعد ناكل سوا ونفرح باللمة.


لكن كان واضح إن حماتي شايفة الموضوع بشكل تاني خالص.


كل ما أقرب من السفرة وأمد إيدي على المعلقة،


ألاقي صوتها بيطلع فجأة:


قومي يا فلانة هاتي مية.

قومي شوفي الضيوف ناقصهم إيه.

قومي ناوليني الملاحة.

قومي شيلي الطبق ده.


طلبات ورا طلبات، كأني مش إنسانة صايمة وتعبانة… كأني جزء من أثاث البيت بيتحرّك عند اللزوم.


أذّن المغرب، والناس قعدت تفطر. صوت المعالق وهي بتخبط في الأطباق كان بيخبط جوا قلبي. بطني كانت بتصرخ من الجوع، بس القهرة كانت أعلى. فضلت واقفة أتنقل بينهم، أزوّد ده، وأغيّر طبق ده، وأبتسم ابتسامة صفراء.


ولا حد قال لي تعالي كلي.

ولا حد قال لي اقعدي ارتاحي.

ولا حتى بصّلي بنظرة تقدير.


كنت واقفة بعيد، عيني على الأكل اللي بيخلص قدامي، وعلى الضحك اللي مالي المكان، وحاسة إني شفافة… موجودة بس محدش شايفني.


أكتر لحظة وجعتني لما الناس بدأت تشبع وتقوم تغسل إيديها. بنتها – ربنا يكرمها – قالت بصوت عالي وسط اللمة:


يا ماما شيلي طبق لمرات أخويا، دي مأكلتش من الصبح وشقيت معانا طول اليوم.


كان نفسي الأرض تتشق وتبلعني من الإحراج… بس اللي حصل بعدها هو اللي ڈبحني بجد.


حماتي ردت قدام الكل، بصوت ناشف:


إن شالله عنها ما كلت! هي يعني كانت بتجاهد؟ ما كلنا بنعمل وبناكل… اللي يعوز ياكل بياكل،


وهي اللي فضلت واقفة!


الكلمة نزلت على قلبي زي رصاصة.

مش عشان الأكل… عشان الإهانة.


حسيت إن الدنيا لفت بيا.

أنا اللي واقفة من الفجر.

أنا اللي ضهري اتقطم قدام الڼار.

أنا اللي كل صنف في السفرة ده عدى على إيدي.


وفي الآخر… استخسرت فيا لقمة؟


بلعت الغصة اللي واقفة في زوري زي الشوك، وبدأت ألم السفرة. دموعي كانت بتنزل من غير ما أرفع صوت. كنت ببص في الأطباق الفاضية وأقول لنفسي: يا ريتني كنت ضيفة غريبة… كان زماني اتكرمت.


وهما بره قاعدين في التكييف، بيضحكوا، بيشربوا شاي بالنعناع، وصوت المعالق في أطباق


الحلويات عامل زي خناجر بتترمي في ضهري.


 دخلت المطبخ.

وقفت قدام الحوض.


الميه نازلة على الأطباق… ودموعي نازلة معاها. كل طبق كنت بغسله كنت حاسة إني بغسل كرامتي اللي اتهانت عشان لقمة.


كنت بسأل نفسي:

هو أنا رخيصة للدرجة دي؟

هو تعبي ملوش تمن؟

هو صيامي وتكسيري وضهري اللي وجعني ده كله ولا حاجة؟


المطبخ اللي كان مليان ريحة أكل تشرح القلب… اتحول فجأة لخنقة. لسجن. لشاهد على أكبر إهانة اتعرضت لها.


بس وأنا واقفة كده، بين صوت الميه


ونبض قلبي، حسيت بحاجة بتتغير جوايا.

حسيت إن فيه نقطة بتتقفل.

قلت لنفسي: لأ. كفاية.

أنا مش ضيفة تقيلة… ومش خدامة… ومش ظل بيتحرك.


نشفت إيدي، وعدّلت طرحة شعري، وخرجت الصالة تاني.

المرة دي مش بنفس البنت اللي دخلت المطبخ من شوية.


قعدت على طرف السفرة، من غير ما أستأذن. صبيت لنفسي كباية شاي، وأخدت طبق صغير حطيت فيه اللي فاض. بصّوا لي باستغراب… خصوصًا حماتي.


ابتسمت بهدوء، وقلت بصوت مسموع


كفاية:

الحمد لله… تعب اليوم كله يهون لما الواحد يشارك في اللقمة اللي تعب فيها.


سكت المكان لحظة.

مش سكون عادي… سكون إحراج.


كملت بهدوء:


كل حاجة في السفرة دي اتعملت بحب… وكنت أتمنى آكل لقمة وسطكم زي أي حد تعب.


حماتي حاولت تضحك وتعدّي الموقف، بس لأول مرة شفت الارتباك في عينيها.

وأنا لأول مرة حسيت إن قلبي بيرجع مكانه.


ما صرختش.

ما شتمتش.

ما عملتش خناقة.


بس حطيت نفسي في مكاني الطبيعي…


قدام الكل.

من يومها اتعلمت درس عمري ما هنساه.

اللي يسكت على حقه مرة… هيتاخد منه كل مرة.


بقيت في أي عزومة أتحرك بحكمة. أشارك من الأول. أقعد وقت الأكل. لو حد حاول يبعدني بابتسامة، أبتسم أوسع وأقول: استنوا عليّا بس أجيب طبقي.


مش مواجهة…

بس حضور.


ومشيت في آخر اليوم على أوضتي، قعدت لوحدي، وقلت:


الحمد لله يا رب… الكرامة أهم من أي لقمة. وأنت شايف تعبنا وحقنا.


ومن ساعتها، عرفت إن أقسى


الجوع مش جوع البطن…

أقسى جوع هو جوع الاحترام.

 تمت 

تعليقات

close