هربي ولادك .
هربي ولادك .
"هربي ولادك و اخدم أمك… وانت تعيش حياتك براحتك، لكن ملكش حق فيا كزوج. باختصار متقربش مني ولا حتى تلمسني. من النهارده أنا هنا مربية وبس. ملكش عندي غير خدمة بيتك وعيالك، لكن رانيا الست… ماتت في اللحظة اللي عرفت فيها الحقيقة. للمرة التانية بقولك: ملكش حق فيا كزوج، ولا تقرب من باب الأوضة دي طول ما أنا فيها."
الشارع كان هادي، لكن جوا صدر رانيا كان في عاصفة.
واقفة مستخبية في مدخل العمارة اللي قصاد عمارتها القديمة، عينيها مش مفارقة الباب. عقلها كان بيجري في ألف اتجاه… وكل مرة ترجع لنفس السؤال.
"معقول يا سعيد؟ معقول كل الحنية دي كانت كلام وخلاص؟"
ضغطت على كف إيدها لحد ما ضوافرها علمت في جلدها.
افتكرت اليوم اللي حاولت فيه ترجع شقتها القديمة… المكان اللي كانت بتسميه "مملكتها".
ست شهور بس… لكنها كانت أجمل شهور في حياتها.
لكن لما حطت المفتاح في الباب… مرضيش يلف.
القفل اتغير.
وقتها حسّت كأن حد مسح وجودها من المكان.
وفجأة… الباب اتفتح.
خرج سعيد.
كان لابس القميص اللي كانت دايمًا تقول إنه أجمل حاجة عليه.
وشه هادي… عادي… كأن الدنيا ماشية طبيعي.
رانيا مقدرتش
تتحمل.
جريت عليه من غير ما تحس.
وقف قدامه فجأة.
سعيد اتفاجئ وقال بتوتر:
"رانيا؟ إنتي هنا بتعملي إيه؟"
ضحكت ضحكة مليانة وجع وقالت:
"جيت أشوف الحقيقة بعيني."
سعيد حاول يهديها:
"خلينا نتكلم بهدوء."تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
لكن رانيا قاطعته:
"كنت فاكرة إن حياتنا بسيطة وواضحة… لكن اكتشفت إن في حاجات كتير أنا معرفهاش."
سعيد سكت لحظة… وبص في الأرض.
قال:
"أنا مكنتش عايز أخبي… بس الظروف كانت معقدة."
رانيا ضحكت بسخرية:
"الظروف؟"
وسكتت لحظة وبعدين قالت بهدوء موجع:
"أنا صدقتك يا سعيد… وكنت فاكرة إنك صادق معايا."
سعيد حاول يقرب منها:
"أنا لسه صادق…"
لكنها رجعت خطوة لورا.
"لا… الصدق ميبقاش بنص الحقيقة."
سعيد قال بنبرة حاسمة:
"أنا مسئول عن بيت كبير… وأمي وعيال محتاجين استقرار."
الكلمة دي وجعت رانيا.
قالت بصوت مكسور:
"يعني أنا كنت مجرد مرحلة؟"
مردش.
والسكوت كان أقسى من أي رد.
وقتها رانيا فهمت كل حاجة.
لفت ومشيت ببطء…
وهي حاسة إن كل خطوة بتبعدها عن حلم كانت فاكرة إنه حقيقي.
بعد ساعات…
رانيا كانت قاعدة في ركن الأوضة الصغيرة في بيت أم سعيد.
ضامة رجليها لصدرها… ودموعها بتنزل من غير
صوت.
الباب اتفتح.
دخل سعيد.
قعد على الكرسي اللي قدامها وقال:
"خلينا نتكلم بعقل."
رفعت عيونها بصعوبة.
قال:
"قدامك اختيارين."
سكت لحظة وبعدين كمل:
"يا تكملي هنا في البيت… وتعيشي وسطنا وتربي العيال، وكل حاجة هتكون متوفرة ليكي… يا تمشي وتبدأي حياتك من الأول."
بصت ناحية أوضة الأطفال.
عيالها نايمين… وشوشهم هادية.
افتكرت بيت أبوها…
صوت مرات أبوها وهي بتزعق…
والذل اللي كانت عايشة فيه.
قلبها اتقبض.
وقفت قدام سعيد.
عيونها كانت ناشفة… كأن دموعها خلصت.
قالت:
"موافقة أقعد."
سعيد ابتسم وهو فاكر إنه كسب.
لكن رانيا كملت:
"بس بشرط."
رفع حاجبه باستغراب.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
قالت بثبات:
"هربي العيال… وأخدم أمك… وأعمل كل اللي مطلوب مني في البيت."
سعيد قال:
"ده الطبيعي."
لكنها كملت كلامها ببرود:
"لكن ملكش حق فيا كزوج."
اتجمد مكانه.
رانيا قالت:
"متقربش مني… ولا حتى تلمسني. من النهارده أنا هنا مربية وبس."
سعيد قال بعصبية:
"الكلام ده مش منطقي!"
لكنها ردت بهدوء أقسى من العصبية:
"الجواز اللي بيتبني على أسرار… ميبقاش جواز."
وسكتت لحظة… وبعدين قالت:
"رانيا اللي كانت بتحبك… ماتت."
الأوضة
سكتت.
سعيد لأول مرة حس إنه خسر حاجة كبيرة.
لكن كبرياءه منعه يعترف.
قال ببرود:
"براحتك."
وقام وخرج.
ومن الليلة دي…
البيت اتقسم نصين.
رانيا بقت تقوم قبل الكل.
تحضر الفطار…
تجهز العيال للمدرسة…
تنضف البيت…
وترعى أم سعيد.
لكن قلبها بقى بعيد عن الكل.
سعيد حاول يكلمها كذا مرة.
لكن ردودها كانت قصيرة.
"حاضر."
"ماشي."
"تمام."
بس.
لا عتاب…
ولا اهتمام.
ومع الأيام…
بدأ سعيد يحس إن البيت بقى غريب.
الهدوء اللي كان فاكره راحة…
طلع فراغ.
وفي يوم…
أم سعيد قالت له وهي بتبص لرانيا:
"البنت دي شايلة البيت كله… ربنا يجازيها خير."
سعيد بص لرانيا.
كانت واقفة في المطبخ…
وشها هادي… لكن بعيد.
وقتها بس فهم…
إن الإنسان ممكن يعيش مع حد في نفس البيت…
لكن يكون خسره للأبد.
مرت شهور.
رانيا بدأت تشتغل من البيت.
كانت بتفصل هدوم للأطفال.
واحدة جابت واحدة…
لحد ما بقى عندها شغل كتير.
وبعد سنة…
قدرت تأجر محل صغير.
علقت لافتة مكتوب عليها:
"مشغل رانيا للخياطة".
وفي يوم افتتاحه…
كان سعيد واقف بعيد يتفرج.
شافها واقفة وسط الزباين…
قوية… وواثقة.
الست اللي كان فاكرها ضعيفة…
بقت أقوى من أي وقت.
رانيا لمحته.
بصت له لحظة واحدة.
لا ابتسمت…
ولا غضبت.
بس لفت وشها…
وكملت شغلها.
كأنه شخص غريب…
عدّى في حياتها…
وخلصت حكايته.


تعليقات
إرسال تعليق