القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 


كانت مجرد خادمة بسيطة






كانت مجرد خادمة بسيطة


كانت مجرد خادمة بسيطة لكن حين رأت التوأم يبكيان كل ليلة اكتشفت سرا مظلما كان الأب المليونير يخفيه وما فعلته بعد ذلك غير كل شيء إلى الأبد

صرخ ماركوس سيلفا بصوت يملؤه الغضب في وجه المربية الثانية عشرة التي تطلب الاستقالة خلال ثلاثة أشهر فقط

أنا أدفع ثلاثة آلاف ريال شهريا ومع ذلك لا تستطيعون إيقاف بكاء طفلين!

أي نوع من الموظفين أنتم!

كانت فيرناندا المرأة الأربعينية ذات الخبرة التي تجاوزت عشرين عاما ترتجف يداها وهي توضب حقيبتها

قالت بصوت منخفض

سيد ماركوس لم أر في حياتي شيئا كهذا هذان الطفلان لا يتوقفان عن البكاء خمس دقائق حتى كأنهما كأنهما مسكونان

مسكونان ضحك ماركوس بمرارة

إنهما في الثامنة من العمر طفلان طبيعيان

التفتت إليه فيرناندا بنظرة حادة كأنها تطعنه

أطفال طبيعيون لا يبكون ثماني ساعات متواصلة كل ليلة

ولا يحدقون في السقف كأنهم يرون ما لا نراه

وأطفال طبيعيون لهم أب يحملهم بين ذراعيه

كانت الجملة الأخيرة كصفعة أيقظت شيئا خامدا في صدره احمر وجهه غضبا لكن خلف الغضب كان هناك خوف لم يعترف به حتى لنفسه

كيف تجرئين على انتقاد أسلوبي! أنا أعمل ست عشرة ساعة يوميا لأوفر لهم كل شيء!

همست فيرناندا وهي تلتقط حقيبتها

كل شيء إلا الحنان

ماذا قلت!

لا شيء سيدي فقط أتمنى أن تجد من يساعد هذين الطفلين لأنهما يتألمان

ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها بقوة تاركة القصر في صمت ثقيل


 


 


لم يكن صمتا عاديا كان صمتا يبتلع جدران المنزل مثل دخان لا يرى

تقدم ماركوس ببطء داخل الرواق الواسع والظلال تمتد فوق الرخام المصقول

لم يكن يسمع إلا صوت بكاء الطفلين لكنه كان بكاء مختلفا هذه المرة

أقرب إلى استغاثة

أقرب إلى شيء يشبه الخوف

وقف أمام باب غرفتهما ووضع يده على المقبض

كانت يده ترتجف ولا يعلم لماذا

كانت تأتي من الطابق العلوي صرخات التوأمين بيدرو وباولو المألوفة اللذين يبدوان في عمر الثمانية أشهر كأنهما أعلنا الحرب على الصمت كانت الساعة الثانية بعد ظهر يوم خميس وقد مضى على بكائهما المتواصل أربع ساعات كاملة صعد ماركوس الدرج بخطوات ثقيلة وتوقف عند باب غرفة الطفلين من خلال الفتحة الضيقة رأى سريري الخشب المصمت يهتزان مع حركات التوأمين اليائسة

كان بيدرو محمر الوجه من شدة البكاء قبضتاه مضمومتين وجسده كله متوترا وكان باولو يفعل الشيء نفسه وكأنهما متزامنان في العذاب

صرخ ماركوس كارمن! فظهرت المدبرة تجري

قالت نعم يا سيدي

قال بحدة أريد مربية أخرى اليوم قبل الغد اتصلي بكل الوكالات التي تعرفينها

أطرقت كارمن بعينيها وقالت سيدي لقد حاولت أمس بعد أن أخبرتنا فيرناندا أنها ستترك العمل لا وكالة تريد أن ترسل موظفات إلى هنا

قال غاضبا ماذا تقصدين لا تريد

أجابت يقولون إن المربيات عندك يعدن دائما وهن مصابات بصدمة نفسية إحدى الوكالات قالت حتى إنها ستضعنا في قائمة الزبائن المشكلين

شعر ماركوس أن العالم ينهار تحت قدميه في ثمانية أشهر جرب كل شيء تقريبا مربيات يحملن شهادات ممرضات متخصصات بل وحتى امرأة ادعت أنها خبيرة في الأطفال الصعاب لكن الجميع فر كأن البيت يحترق

تمتم بيأس وماذا أفعل الآن

قالت كارمن بتردد هناك فتاة عند الباب تريد التحدث معك بخصوص وظيفة

مربية

لا يا سيدي خادمة منزل لكنها قالت إنها تملك خبرة مع الأطفال

نظر إليها ماركوس كأنها فقدت صوابها كارمن البيت نظيف دائما أنا لا أحتاج خادمة أحتاج شخصا يجعل هذين الطفلين يتوقفان عن البكاء

قالت أعلم ذلك لكنها أصرت بشدة وبالطريقة التي تسير بها الأمور

في تلك اللحظة ارتفعت صرخات الطفلين من الطابق العلوي وكأنهما يعلمان أنهما موضوع الحديث مرر ماركوس يده في شعره وهو يشعر أنه على وشك الانفجار

قال مستسلما حسنا أدخليها لكن لا أعد بشيء

دخلت هيلينا سيلفا


إلى الصالة كأنها لا تخشى شيئا شابة في الثامنة والعشرين من عمرها شعر أشقر مربوط بذيل حصان بلوزة بيضاء بسيطة


 


وبنطال جينز باهت لم تبد منزعجة لا من فخامة القصر ولا من الصرخات التي تتردد في أرجائه

قالت وهي تمد يدها مساء الخير سينيور ماركوس اسمي هيلينا سيلفا

قال ببرود هيلينا سأكون صريحا أنا لا أحتاج خادمة بل أحتاج شخصا يجعل أطفالي يتوقفون عن البكاء

أجابت بهدوء سمعتهم من الخارج يبدو الأمر صعبا على الجميع

قال بسخرية مريرة صعب أنا لم أنم نوما طبيعيا منذ ثمانية أشهر خسرت عقودا مهمة لأنني أذهب إلى الاجتماعات كأنني زومبي اثنتا عشرة مربية قدمن استقالتهن

حافظت هيلينا على نبرتها الهادئة وسألت وماذا قال الأطباء

أجاب بغيظ قالوا إنه لا يوجد أي خطأ لديهم الفحوصات كلها طبيعية صحتهم ممتازة ومع ذلك يبكون كأنهم يعذبون

قالت بهدوء هل يمكنني الصعود لرؤيتهم

رد بانفعال ولماذا أنت لست مربية!

قالت صحيح لكنني اعتنيت من قبل بطفل كان يبكي كثيرا

نظر إليها ماركوس بعدم ثقة ومتى كان ذلك

قالت بصوت منخفض يحمل شيئا من الألم عندما ربيت أخي الصغير وحدي وأنا في الثامنة عشرة كان عمره شهرين حين مات والدانا وكان يبكي مثلهم بل أسوأ

كان في صوتها شيء جعل ماركوس يتوقف عن طرح الأسئلة كأن فيه صدقا لا يقبل الجدال

قال أخيرا حسنا لكن فقط لتنظري

صعدا معا وكلما اقتربا من الغرفة تعاظم صوت البكاء حتى أصبح يصم الآذان كانت غرفة التوأمين على قدر كبير من الفخامة أثاث فاخر ألعاب مستوردة كل شيء مثاليا وفي وسط كل ذلك طفلان صغيران يبكيان كأن العالم ينهار فوقهما اقتربت هيلينا من السريرين ببطء

كان وجه بيدرو مبللا بالدموع وذراعاه ممدودتين إلى أعلى أما باولو فكان يلتوي في مكانه كأن شيئا يؤلمه

سألت منذ متى وهم على هذه الحال اليوم

أجاب منذ العاشرة صباحا وأمس بكوا من التاسعة ليلا حتى السادسة صباحا

وقفت هيلينا تراقب الطفلين في صمت لم تحاول أن تحملهما لم تصدر أصواتا لتلهيهما لم تلوح بالألعاب فقط نظرت إليهما

قالت بعد دقائق سينيور ماركوس هل يمكنني أن أطرح سؤالا

قال بحدة تفضلي

سألت بهدوء كم مرة تحمل أطفالك بين ذراعيك

جاء السؤال كصفعة على وجهه شعر ماركوس بالغضب ينفجر في صدره

قال اسمعي يا هيلينا لا أدري ماذا ومن تكونين لكنني لا أحتاج درسا في الأبوة أحتاج شخصا يحل هذه المشكلة

ردت بلا انفعال أنا لا ألقي درسا فقط أحاول أن أفهم

قال بعصبية تفهمين ماذا سبب بكائهم لقد قلت لك إن الأطباء لم يجدوا شيئا

قالت أصدقك لكن المشكلة ليست دائما جسدية

توقف ماركوس عن الصراخ وسأل بلهجة أقل حدة ماذا تقصدين

قالت الأطفال يشعرون بكل شيء يا سيدي بالغضب بالحزن بالوحدة حتى لو لم يفهموا بالكلمات فهم يمتصون مشاعر الكبار حولهم قد يبدو هذا كلام مجانين ربما لكن أخي توقف عن البكاء عندما تعلمت أنا أن أهدأ قربه

استمر بكاء التوأمين كما لو أن شيئا في العالم لا يمكن أن يخفف ألمه نظر ماركوس إلى طفليه ولأول مرة منذ أشهر رآهما حقا طفلين صغيرين عاجزين ربما يطلبان شيئا لا يعرف كيف يعطيهما إياه


 


قال متعبا وماذا تريدين مقابل أن تحاولي المساعدة

قالت أعمل كخادمة منزل راتب شهري ألفا ريال

تفاجأ ألفان فقط هذا أقل مما أصرفه في ليلة واحدة في مطعم لماذا المبلغ قليل

قالت لأنني لست مربية محترفة أنا فقط شخص يفهم الأطفال الحزانى

نظر إليها ثم إلى طفليه ولم يعد أمامه الكثير ليخسره

قال حسنا يمكنك البدء غدا صباحا لكن أوضح من الآن أنا لا أؤمن بالمعجزات فقط حاولي أن تكتشفي لماذا يبكون كثيرا

هزت رأسها قائلة سأكتشف أعدك يا سيدي

عندما خرجت بقي ماركوس وحده مع الطفلين اللذين استمرا في البكاء ولأول مرة راوده السؤال هل المشكلة حقا فيهم أم فيه هو

كانت تلك الليلة الأخيرة التي تجاهل فيها صرخات طفليه بالكامل لأن الغد سيحمل معه هيلينا ومعها حقائق لم يكن مستعدا لمواجهتها

وصلت هيلينا في صباح اليوم التالي تماما عند السابعة كما اتفقوا استقبلتها كارمن عند باب الخدمة وعلى وجهها تعبير شفقة كأنها ترى شخصا يخطو بقدميه نحو هاوية

قالت لها هامسة يا ابنتي هل أنت متأكدة أنك تريدين العمل هنا لا يزال أمامك وقت لتتراجعي

سألت هيلينا وهي تربط المئزر حول خصرها ولماذا أتراجع

قالت كارمن لأنهم يبكون منذ الخامسة صباحا السينيور ماركوس لم ينزل حتى لتناول الإفطار أغلق باب مكتبه على نفسه بعنف

كأن ذلك كان إشارة فقد ترددت صرخات التوأمين في أرجاء البيت كلها صوت يائس قادر على دفع أي شخص إلى الهرب

وقفت هيلينا تصغي إليهم كما لو أنها تحاول فك شيفرة لحن معقد

سألت هل هم جائعون

أجابت كارمن أعطيناهم زجاجة الحليب عند السادسة غيرت حفاضاتهم وأخذوا حمامهم كل شيء كما ينبغي ومع ذلك لا يكفون عن البكاء

صعدت هيلينا الدرج ببطء تتبع الصوت كان ممر الطابق الثاني أنيقا تزينه لوحات غالية وسجاد سميك يخفف وقع الأقدام لكن شيئا غريبا لفت انتباهها فورا كل الأبواب كانت مغلقة ما عدا باب غرفة التوأمين

نادت كارمن! عندما لحقت بها المدبرة

أي غرفة تخص السينيور ماركوس

أشارت كارمن إلى نهاية الممر آخر غرفة في الممر بعد مكتبه

نظرت هيلينا في الاتجاه الذي أشارت إليه

كان بين غرفة التوأمين وغرفة الأب ما لا يقل عن عشرين مترا

سألت وهل هو ينام هناك منذ ولادة الصغيرين

أجابت دائما منذ ولدا وقبل ذلك عندما كانت زوجته على قيد الحياة كان ينام في غرفة النوم الرئيسية في الطرف الآخر من البيت لكنه بعد وفاة السيدة إيزابيلا انتقل إلى أبعد غرفة عن الأطفال

توقفت هيلينا عند باب غرفة التوأمين وكان بيدرو وباولو في سريريهما يبكيان بشدة لا تبدو ممكنة لطفلين بهذا العمر لكنها لم تدخل مباشرة بل ظلت لحظة أخرى تراقب الممر


 


قالت كارمن أريدك أن تريني البيت كله أريد أن أعرف كل غرفة

استغربت المدبرة ولماذا أنت ستعملين في المطبخ وأماكن الخدمة فقط

قالت هيلينا بهدوء أريد أن أفهم كيف كانت هذه العائلة تعيش قبل ولادة التوأمين

ترددت كارمن لكنها في النهاية وافقت نزلتا إلى الطابق الأرضي وبدأت كارمن الجولة

البيت كان واسعا إلى حد مربك غرفة معيشة غرفة طعام مكتبة مكتب مطبخ فاخر منطقة ترفيه كل شيء مزين بعناية لكنه يحمل برودة الأماكن التي لا يسكنها أحد حقا

سألت هيلينا أين كنتم تتناولون الطعام عندما كانت السيدة إيزابيلا على قيد الحياة

أجابت كارمن في غرفة الطعام دائما كانت تصر على أن تكون الوجبات أوقاتا عائلية

سألت وماذا عن الآن

قالت كارمن بحزن السينيور ماركوس يأكل في المكتب إذا أكل أحيانا يبقى اليوم كله على القهوة فقط

ذهبت هيلينا إلى غرفة الطعام كانت الطاولة المصنوعة من الماهوغني لاثني عشر شخصا مرتبة بإتقان كأن أحدا لم يجلس عليها منذ زمن طويل لكن على البوفيه الخشبي كانت هناك دوائر باهتة على السطح كأن أشياء وضعت هناك ثم أزيلت

سألت وهي تمرر إصبعها على العلامات ما الذي كان هنا

خفضت كارمن رأسها وقالت صور العائلة السينيور ماركوس أمر بحفظها كلها بعد ولادة الصغيرين

سألت هيلينا وأين حفظت

أجابت في غرفة السيدة إيزابيلا أقفل الباب ومنع أي أحد من الدخول

شعرت هيلينا بانقباض في صدرها لم يكتف بإخفاء كل ما يذكره بزوجته بل فعل ذلك بعد أن أحضر التوأمين من المستشفى مباشرة

سألت ومتى حدث هذا بالضبط

ردت كارمن في الأسبوع الأول بعد خروج الأطفال من المستشفى

صعدت هيلينا مرة أخرى إلى الطابق الثاني لكنها هذه المرة انتبهت لتفاصيل لم ترها من قبل كانت على جدران الممر أماكن مستطيلة أفتح لونا تدل على صور أزيلت من هناك وفي نهاية الممر باب يحمل قفلا مختلفا عن باقي الأبواب

سألت هذه غرفة السيدة إيزابيلا صحيح

قالت كارمن كانت غرفة الزوجين الرئيسية وهي مغلقة منذ ثمانية أشهر

اقتربت هيلينا من الباب وألصقت أذنها به من الداخل كان صمت ثقيل كأن الغرفة نفسها ميتة لكن أكثر ما لفت انتباهها هو موقعها كانت ملاصقة تماما لجدار غرفة التوأمين

سألت بهدوء كارمن هل يمكن أن أسألك سؤالا شخصيا

توترت المدبرة يتوقف على السؤال

سألت كيف ماتت السيدة إيزابيلا

قالت بحزن مضاعفات في الولادة القيصرية فقدت الكثير من الدم ولم يستطيعوا إنقاذها

وهل كان السينيور ماركوس حاضرا

نعم كان في غرفة العمليات حين رحلت خرج من هناك محطما تماما

عادت هيلينا إلى غرفة التوأمين حيث ظل بيدرو وباولو يبكيان بلا توقف هذه المرة دخلت وتقدمت من السريرين كان الصغيران


 


منهكين بوضوح لكنهما عاجزان عن التوقف

همست لهما تشعران أليس كذلك تعرفان أن شخصا مهما جدا كان يجب أن يكون هنا لكنه ليس موجودا

وكأنهما فهمتا كلماتها ارتفع بكاؤهما أكثر لاحظت هيلينا أمرا لم تنتبه له أي مربية من قبل لم يكونا يبكيان وهما ينظران في أي اتجاه دائما كانت عيونهما تتجه إلى الجدار الذي يفصل غرفتهما عن غرفة النوم الرئيسية

نادت كارمن تعالي دقيقة

دخلت المدبرة مترددة

قالت هيلينا راقبي إلى أين ينظران وهما يبكيان

نظرت كارمن لثوان فرأت بيدرو يوجه وجهه نحو الجدار الأيمن وباولو يفعل الشيء نفسه كأنهما يناديان شخصا خلف تلك الجدار

تمتمت كارمن يا إلهي إنهما ينظران إلى غرفة أمهما

قالت هيلينا بالضبط وأراهن أنهما يفعلان ذلك منذ ولادتهما

قالت كارمن لكن هذا مستحيل الأطفال لا يعرفون أين يكون الناس ولا حتى أين هم أنفسهم

قالت هيلينا مصححة إنهم لا يعرفون أين هم لكنهم يعرفون حيث ينبغي أن يكونوا

في تلك اللحظة فتح باب الغرفة بعنف دخل ماركوس كالإعصار شعره مبعثر وملامحه متشنجة من الغضب

صرخ ماذا تفعلان هنا لماذا لا تهتمان بما وظفتم من أجله

قالت هيلينا بهدوء سينيور ماركوس أحاول فقط أن أفهم لماذا يبكي أطفالك كثيرا

قال بحدة قلت لك أمس لا توجد أي تفسيرات إنهم فقط يبكون

قالت بثبات هناك تفسير وأنت تعرفه

جمد مكانه ماذا قلت

قالت أطفالك ينادون أمهم ويعرفون أنك تلومهم على موتها


 


خيم صمت ثقيل على الغرفة حتى الطفلان توقفا عن البكاء لثوان كأنهما يحسان أن شيئا مهما قيل للتو شحب وجه ماركوس وارتجفت يداه من الغضب

قال بصوت منخفض خطر أنت لا تعرفين ما الذي تتحدثين عنه

قالت بهدوء بل أعرف أنت أزلت كل ذكريات زوجتك من البيت وانتقلت إلى أبعد غرفة عن أولادك وتتجنب لمسهم لأنهم يذكرونك بخسارتك

صرخ اصمتي! ليس من حقك الحديث عن عائلتي

سألت بثبات وأطفالك أليسوا جزءا من عائلتك

أصاب السؤال ماركوس كالرصاصة نظر إلى الطفلين اللذين عادا للبكاء ثم إلى هيلينا التي واجهته من دون خوف

قال بصوت متهدج لقد قتلوا زوجتي كانت إيزابيلا بخير تماما حتى قررت أن تنجب لو لم تحمل لكانت لا تزال حية

رفعت كارمن يدها إلى فمها مصدومة في ثمانية أشهر لم تسمعه يوما يتحدث بهذه الصراحة عن شعور الذنب الذي يحمله

قالت هيلينا بلطف سينيور ماركوس هل تسمح أن أحكي لك شيئا عن نفسي

قال لا أريد أن أسمع شيئا

قالت عندما ولد أخي تعرضت أمي لمضاعفات في الولادة وماتت بعد ثلاثة أيام كنت في الثامنة عشرة وقضيت الأيام الثلاثة أكره ذلك الطفل كنت أعتقد أنه قتل أمي وعندما ماتت فعلا ألقيت عليه اللوم في كل شيء

سأل بمرارة وماذا بعد

قالت قضيت شهرين أعامله بسوء وهو طفل بريء حتى مات أبي في حادث عندها فقط أدركت أن أخي لم يقتل أحدا وأنه ليس سوى ثمرة حب بين والدي

جلس ماركوس على المقعد في الغرفة كأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله

قال بصوت متهدج لكن إيزابيلا ماتت بسببهما


 


قالت هيلينا إيزابيلا ماتت لتمنحهما الحياة وأراهن أنه لو أتيح لها الاختيار مرة أخرى لاختارت الشيء نفسه أنت لا تعرفها

قال أنت لم تعرفيها

قالت صحيح لكنني أعرف الأمهات والأم لا تلوم أبناءها على موتها بل تطلب من الأب أن يحبهم بالنيابة عنها

كان التوأمان


 


 


لا يزالان يبكيان لكن بكاءهما تغير لم يعد عويلا يائسا بل كأنه نداء واستغاثة لمن يحتاجانه بشدة الأب

قالت هيلينا سينيور ماركوس متى كانت آخر مرة حملت فيها طفليك

قال مرتبكا لا لا أذكر

قالت لا تذكر أم أنك لم تفعل قط

أغمض عينيه واعترف لم أستطع أبدا كلما نظرت إليهما رأيت إيزابيلا تموت على طاولة العمليات

قالت وهم يشعرون بذلك لهذا يبكون كثيرا يعرفون أنه ينبغي أن يحبوا لكنهم لا يجدون سوى الرفض

تحدثت كارمن أخيرا بعد صمت طويل سينيور ماركوس السيدة إيزابيلا كانت دائما تقول إنها تريد أن يكبر أبناؤها وسط حب كبير

سأل بصوت مخنوق كانت تقول ذلك

قالت نعم في الأشهر الأخيرة من الحمل لم تكن تتحدث عن شيء سوى كيف ستربي الصغيرين بحنان

اقتربت هيلينا من ماركوس ببطء وقالت هل تجرب فقط لبضع دقائق

سأل أجرب ماذا

قالت أن تحمل أحد طفليك بين ذراعيك

نظر إلى السريرين كأنهما قنبلتان على وشك الانفجار

قال لا أستطيع

قالت تستطيع وهما بحاجة إلى ذلك

ذهبت إلى سرير بيدرو ورفعته بحنان ظل الطفل يبكي لكنه هدأ قليلا عندما شعر بلمستها

اقتربت من ماركوس ومدت الطفل نحوه قائلة دقيقة واحدة فقط

بيدين مرتجفتين أخذ ماركوس ابنه بين ذراعيه كان بيدرو أصغر مما تخيل أضعف وأكثر حقيقة وفي اللحظة التي شعر فيها بدفء أبيه توقف عن البكاء تماما

خيم على الغرفة صمت مهيب للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر يتوقف أحد التوأمين عن البكاء وهو قريب من أبيه وبمجرد أن رآه باولو هادئا خف بكاؤه هو الآخر

همس ماركوس مذهولا يا إلهي لقد توقف

قالت هيلينا لأنه حصل أخيرا على ما يريده منذ البداية حب أبيه


 


نظر ماركوس إلى بيدرو الذي كان يرمقه بفضول كأنه يراه لأول مرة وربما كان ذلك حقيقيا

تمتم أنا أب سيئ

قالت لست سيئا أنت فقط أب خائف من أن يحب ويخسر مرة أخرى

قال وماذا لو لم أستطع ماذا لو جلبت لهم المزيد من الألم فقط

ابتسمت لأول مرة منذ وصولها وقالت حينها سأعلمك لهذا أنا هنا

في الخارج بدأ المطر يهطل كأن السماء تغسل سنوات من الألم المتراكم ولأول مرة منذ ثمانية أشهر عرف بيت عائلة سيلفيرا دقائق من السلام لكن هيلينا كانت تعرف أن هذا مجرد بداية وأن أكثر الحقائق إيلاما لم تكشف بعد

لم يدم ذلك اللحظ السحري سوى خمس دقائق كان بيدرو قد توقف عن البكاء بين يدي أبيه وباولو يراقب من السرير والبيت يعيش صمتا لم يعرفه منذ شهور لكن عندما حاول ماركوس أن يعيد الطفل إلى هيلينا بدأت يداه ترتجفان بقوة

قال وهو يمد بيدرو بسرعة لا أستطيع لا أقدر أن أنظر إليه من دون أن أرى إيزابيلا وهي تموت

حملت هيلينا الطفل مجددا فعاد للبكاء فورا كأنه أحس أنه فقد فرصة الاتصال بأبيه

قالت برفق سينيور ماركوس ما الذي حصل بالتحديد يوم ولد الصغيران

قال بعصبية قلت لك ماتت إيزابيلا في الولادة

قالت لا أريد أن أعرف ما حدث فعليا التفاصيل

نهض فجأة من المقعد ولماذا تريدين معرفة ذلك لن يغير شيئا

قالت بل سيغيره ما دام لم تواجه الحقيقة سيستمر أولادك في البكاء إنهم يشعرون بألمك يا سينيور ماركوس يشعرون بذنبك

تقدمت كارمن خطوة إلى الأمام بعد أن ظلت تراقب بصمت سيدي ربما حان الوقت للحديث عن ذلك اليوم

صرخ كارمن لا

قالت بحزم لطيف مر ثمانية أشهر وأنت تحمل هذا العبء وحدك ولم ينفع ذلك

مشى ماركوس إلى النافذة وأدار ظهره لهما كان المطر قد توقف بالخارج لكن السماء بقيت رمادية

قال بألم أنتم لا تفهمون أنا من قتل زوجتي

سألت هيلينا بنعومة كيف

قال أنا من أقنعتها بأن تنجب كانت تخاف الحمل دائما تقول إن لديها شعورا سيئا لكنني أصررت قلت لها إنها سخيفة وأن النساء يلدن كل يوم بلا مشكلة

كان بكاء الطفلين الآن أهدأ كأنهما يصغيان لاعتراف أبيهما

قالت هيلينا ثم ماذا

قال خلال الحمل عانت


من مضاعفات عدة ضغط مرتفع ونزيف الطبيب نصح براحة تامة لكنني كنت منشغلا بالشركة واعتقدت أنها تبالغ كنت أراها


 


ضعيفة بينما كنت أفكر في الصفقات

خفضت كارمن عينيها كانت تتذكر كل شيء

تابع في يوم الولادة كانت خائفة حد الرعب تمسك بيدي وتقول إنها متأكدة أن شيئا سيئا سيحدث وأنا كنت أضحك وأقول إنها درامية

استدار نحو الطفلين بعينين ممتلئتين بالدموع آخر ما سمعته مني هو كفاك مبالغة يا إيزابيلا كل شيء سيكون بخير

ساد الغرفة صمت ثقيل كانت هيلينا تهز بيدرو بإيقاع لطيف وقد هدأ قليلا

سألت وماذا حدث بعد ذلك

قال دخلت غرفة العمليات وبقيت أنا في غرفة الانتظار كنت قلقا لكنني لا أزال مقتنعا أن الأمر مجرد مبالغة عندما خرج الأطباء ومعهم الطفلان ظننت أن كل شيء انتهى لكنهم عادوا مسرعين بعد دقائق كانت تعاني نزيفا حادا لا يستطيعون وقفه مرت ساعة ثم ساعتان والأطباء يدخلون ويخرجون من غرفة العمليات وأنا هناك أساوم الله على الوقت

سألته وماذا جرى بعد ذلك

قال أخبرني أحد الأطباء أنهم نجحوا في إيقاف النزيف لكنها دخلت في غيبوبة وأن الساعات التالية ستكون حاسمة

اقتربت منه هيلينا وسألت وماذا عن الطفلين

قال كانا في العناية المركزة لحديثي الولادة كاملين بصحة ممتازة يبكيان بصوت عال وكنت أكرههم كنت أنظر إليهما وأفكر بسببكما قد تموت زوجتي

قالت هيلينا وماذا حدث بعدها

قال بقيت ثلاثة أيام في المستشفى بلا نوم ولا طعام فقط أدعو الله وكنت طوال الوقت أفاوضه في داخلي يا رب لو أنقذت زوجتي سأفعل أي شيء سأتبرع بكل ثروتي أكرس حياتي للفقراء فقط لا تأخذها مني

كانت كارمن تبكي بصمت لم تسمع هذه التفاصيل من قبل

تابع ماركوس في اليوم الثالث استفاقت إيزابيلا لبضع ساعات ظننت أن الله استجاب دعائي كانت ضعيفة لكنها واعية تحدثت إلي وسألت عن الطفلين

قالت هيلينا وماذا قلت لها

قال قلت إنهما بخير ووعدتها أننا سنربيهما معا وأنها ستتعافى تماما كانت تلك كذبة كذبة تمنيت أن تكون حقيقة

قالت هيلينا بلطف ثم ماذا

قال تدهورت حالتها في تلك الليلة مجددا تعفن الدم جسدها لم يعد قادرا على المقاومة عندما استدعاني الأطباء آخر مرة عرفت أن النهاية اقتربت طلبت مني أن أعدها بشيء قبل أن ترحل

سألت بصوت خافت بماذا

قال أن أحب أبناءنا من أجلنا نحن الاثنين وألا ألومهم أبدا على موتها

شعرت هيلينا بغصة في حلقها

سألت وماذا فعلت

قال وعدتها أمسكت يدها وتعهدت أن أكون أفضل أب في العالم ثم ابتسمت وأغمضت عينيها

لم يستطع متابعة الجملة وانفجر في بكاء لم يذقه منذ ثمانية أشهر شهقات عميقة تخرج من أعماق روحه

وضعت هيلينا بيدرو في السرير واقتربت منه

قالت يا سينيور ماركوس لم تكن تلك غلطتك

قال بإصرار بل كانت لو لم أصر على الإنجاب لكانت حية الآن

قالت ربما وربما لا لا أحد يعرف المستقبل إيزابيلا اختارت أن تكون أما أيضا لم يكن قرارك وحدك


 


قال بمرارة لكنني من أقنعها

قالت الإقناع ليس إجبارا كان بإمكانها أن تقول لا

تقدمت كارمن خطوة أخرى سينيور ماركوس هل أستطيع أن أخبرك شيئا لم أخبرك به من قبل

نظر إليها عبر الدموع

قالت جاءتني السيدة إيزابيلا قبل أسبوعين من ولادة الصغيرين قالت إنها تخاف من الموت في الولادة لكنها لا تندم على الحمل قالت إنها لو حدث لها شيء ينبغي أن أذكرك بأن القرار كان قرارها أيضا وأنها كانت سعيدة بالحمل

ظل ماركوس صامتا يحاول استيعاب ما سمع

قالت كارمن هناك شيء آخر طلبت مني أن أخفي أشياء للصغيرين رسائل صور تذكارات قالت إنه عندما يكبران يجب أن أعطيهما كل شيء رسائل كتبتها لهما رسالة لكل سنة من عمرهما حتى يبلغا الثامنة عشرة ستا وثلاثين رسالة

شعرت هيلينا بقشعريرة تسري في جسدها

سألت وأين هذه الرسائل

قالت كارمن مخبأة في غرفتها أعطتني مفتاحا إضافيا وطلبت مني أن لا أفتح الغرفة إلا حين يكون السينيور مستعدا

نظر ماركوس إليها غير مصدق أكان معك مفتاح الغرفة طوال هذا الوقت

قالت نعم لكنني احترمت حزنك كنت أعلم أن الوقت لم يحن بعد

قالت هيلينا والآن حان أطفالك بحاجة إلى أن يتعرفوا إلى أمهم وأنت بحاجة إلى أن تودعها حقا

نظر إلى الطفلين اللذين هدأ بكاؤهما قليلا أثناء الحديث كان واضحا أنهما يشعران أن شيئا مهما يحدث

قال بصوت خافت لا أدري إن كنت أستطيع دخول تلك الغرفة

قالت هيلينا لن تدخلها وحدك سندخل معك وإن كان الألم شديدا سيكون كذلك على أي حال لكن الألم الذي تعيشه الآن وأنت تهرب من الذكريات أشد قسوة

أخذت كارمن مجموعة مفاتيح من أحد الأدراج

قالت سيدي هذه الغرفة مغلقة منذ ثمانية أشهر ربما حان الوقت ليدخلها الهواء من جديد

نهض ماركوس كمن يتجه إلى محكمة ينتظر فيها الحكم على حياته

قال حسنا لكن إن لم أستطع البقاء داخلها سنخرج

قالت هيلينا اتفقنا

خرجوا من غرفة التوأمين وتركوا بابها مفتوحا حتى يسمعوا إن عاد الطفلان للبكاء

مشوا في الممر حتى وصلوا إلى باب غرفة النوم الرئيسية وضعت كارمن المفتاح في القفل لكنها التفتت إلى ماركوس قبل أن تديره هل أنت متأكد يا سيدي

أخذ نفسا عميقا وقال نعم

انفتح الباب بصوت خافت كانت الغرفة مظلمة الستائر مغلقة ورائحة المكان المغلق تفوح منها


 


أضاءت كارمن المصباح فتوقفوا جميعا عند المدخل كانت الغرفة كما تركتها إيزابيلا تماما سرير مرتب عطور على التسريحة ملابس في الخزانة القريبة من الفتح كأنها خرجت إلى المستشفى وستعود في أي لحظة

تقدم ماركوس خطوة وتوقف أشعر بعطرها

قالت كارمن كانت السيدة إيزابيلا دائما تستخدم عطر الورد هذا

نظرت هيلينا حولها بتمعن كانت الصور في كل مكان صور لماركوس وإيزابيلا في رحلات في أعياد ميلاد في يوم الزواج وعلى الطاولة الصغيرة قرب السرير صورة لها وهي حامل تبتسم وتمسك ببطنها

قالت هيلينا كانت تبدو سعيدة بالحمل

قال ماركوس كانت كذلك رغم خوفها كانت مشعة تقول إنها تشعر بحركات الطفلين وتحدثهما كل ليلة

ذهبت كارمن إلى الخزانة وفتحت درجا في الأسفل قالت الرسائل هنا أخرجت صندوقا خشبيا مزخرفا مملوءا بأظرف مرقمة على الظرف الأول كان مكتوبا إلى بيدرو وباولو السنة الأولى من العمر

أخذ ماركوس الظرف بيدين مرتجفتين

سأل هل يمكنني فتحه

قالت كارمن طبعا تركت تعليمات بأن تفتح عندما يكون ذلك لازما

فتح الظرف بحذر وأخرج رسالة مكتوبة بخط يدها الرقيق

قالت هيلينا اقرأ بصوت عال

بدأ ماركوس يقرأ بصوت متهدج

أحبائي بيدرو وباولو

إن كنتم تستمعون إلى هذه الرسالة الآن فهذا يعني أنني لم أستطع البقاء لأعتني بكما بنفسي لكن اعلموا أن كل ثانية قضيتها وأنا أحملكما في بطني كانت أسعد فترات حياتي

توقف إذ جعلته الدموع عاجزا عن المواصلة

شجعته هيلينا تابع


 


أكمل بصعوبة

قد يكون والدكما حزينا أو غاضبا الآن ربما يلومكما على رحيلي لكن لا تلوموه لقد أحبني كثيرا إلى درجة أنه سيضيع من دونه تحليا بالصبر مع أبيكما

انهار ماركوس في البكاء مجددا أكملت كارمن القراءة عنه

أريدكما أن تعرفا أنني اخترتكما رغم معرفتي بالمخاطر اخترت أن أهبكما الحياة وسأختار ذلك مرة أخرى ملايين المرات أنتما أعظم هدية أستطيع أن أقدمها للعالم

اعتنيا ببعضكما وكونا صديقين دائما واعتنيا بأبيكما أيضا سيحتاج حبكما كثيرا

يوما ما عندما تكبران أخبراه أنني لا ألوم أحدا على موتي لقد كان الثمن الذي دفعته مقابل حياتكما وكان ثمنا عادلا

عاشا بسعادة كونا لطيفين شجاعين ومحبوبين واعلما أنني حيثما كنت سأظل دائما أحرسكما

مع كل حبي

أمكما إيزابيلا

ساد الغرفة صمت تام ثلاثة بالغين يبكون وهم يستوعبون كلمات امرأة عرفت أنها ستموت لكنها اختارت أن تترك خلفها حبا بدل المرارة

همس ماركوس إنها لا تلومني

قالت كارمن لم تلمك أبدا قالت لي إن الشيء الوحيد الذي يحزنها هو احتمال أن تلوم نفسك طوال حياتك

اقتربت هيلينا منه وقالت أطفالك لم يقتلوا زوجتك يا سينيور ماركوس إنهم آخر هدية تركتها لك

نظر ماركوس حول الغرفة وللمرة الأولى لم ير فيها قبرا للذكريات المؤلمة بل مكانا مملوءا بالحياة واللحظات السعيدة

قال أخيرا أريد أن أحاول

سألته أن تحاول ماذا

قال أن أكون الأب الذي أرادت إيزابيلا أن أكونه


 


ابتسمت هيلينا من خلال دموعها فلنبدأ من الآن

خرجوا من الغرفة وتركوا بابها مفتوحا للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر وعندما وصلوا إلى غرفة التوأمين وجدوا بيدرو وباولو نائمين بهدوء وللمرة الأولى منذ ولادتهما لم يكونا يبكيان

الساعة الثالثة صباحا وللمرة الأولى منذ ثمانية أشهر لم توقظه صرخات التوأمين كان الصمت عميقا إلى درجة أنه استيقظ وحده مذعورا ظانا أن مكروها قد حدث نهض بسرعة وركض إلى غرفة الطفلين وقلبه يخفق بقوة

وجد بيدرو وباولو نائمين بهدوء في سريريهما يتنفسان بانتظام وعلى وجهيهما تعابير سلام لم يرها من قبل للمرة الأولى يشبهان حقا أطفالا عاديين لا ضحايا لشيء لا يستطيعون التعبير عنه

كانت هيلينا مستغرقة في النوم على كرسي بجوار السريرين أمضت الليل كله هناك تراقب لتتأكد أن الطفلين حقا في سلام وقف ماركوس عند الباب يراقب مشهدا لم يكن يتخيل أنه ممكن

قالت وهي تستيقظ على وقع خطواته سينيور ماركوس

همس قلقا هل هما بخير

قالت بابتسامة هادئة بخير ناما طوال الليل دون حتى أن يأنا

اقترب ماركوس من السريرين ببطء كأنه يزور عالما جديدا كان بيدرو ينام ويده الصغيرة قريبة من فمه أما باولو فنام على بطنه ووجهه الوردي على الوسادة

قال مذهولا يبدوان مختلفين

قالت هما لم يتغيرا أنت الذي تغيرت أمس حين قرأت رسالة إيزابيلا حدث شيء بداخلك وقد شعروا به


 


قال مترددا الأطفال لا يشعرون بتلك الأشياء أليس كذلك

قالت بل يشعرون وخصوصا عندما يتعلق الأمر بوالديهم لقد عاشوا ثمانية أشهر وهم يشعرون بذنبك وغضبك ورفضك أمس وللمرة الأولى شعروا بالحب

بقي ماركوس صامتا يراقبهما كان يعرف في داخله أن شيئا تغير فعلا بعد الرسالة ثقل الذنب الذي سحقه ثمانية أشهر خف وحلت محله معرفة مؤلمة لكنها ضرورية

قال بصوت خافت هيلينا هل أستطيع أن أسألك سؤالا

قالت طبعا

سأل لماذا تهتمين كثيرا أنت لا تعرفينني ولا تعرفين عائلتي لماذا تفعلين كل هذا

ابتسمت بحزن لأنني أعرف ماذا يعني أن تكبرين بلا حب الأب

سأل ألم يجبك والدك

قالت كان يحبني لكنه كان غارقا في ألمه بعد موت أمي قضى عامين يلومني على ما حدث عامين شعرت فيهما أنني لا أستحق الوجود

شعر ماركوس بانقباض في صدره

سأل وماذا حدث بعد ذلك


 


قالت مات في الحادث قبل أن يسامحني حقا وقبل أن يحبني من جديد كما كان

قال متأثرا أنا آسف

قالت لا أريد لأطفالك أن يمروا بما مررت به لا أريدهم أن يكبروا وهم يعتقدون أنهم مذنبون بموت أمهم

تحرك بيدرو قليلا في السرير لكنه ظل نائما شعر ماركوس برغبة غريبة في لمس وجه ابنه لكنه تردد

قالت هيلينا مشجعة يمكنك أن تلمسه لن يستيقظ

مد يده بحذر شديد ولمس خد بيدرو كانت بشرته طرية ودافئة حقيقية تماما ثمانية أشهر وهو يراهما كأشباح لزوجته الميتة والآن يراهما كما هما فعلا طفلين صغيرين يحتاجان إلى أبيهما

همس إنه صغير جدا

قالت وصغير بما يكفي ليحتاج إليك أكثر من أي شخص آخر

قال مترددا لا أعرف كيف أكون أبا يا هيلينا لم أتعلم ذلك

قالت لا أحد يولد يعرف نتعلم ونحن نجرب

سأل بقلق وماذا لو أخطأت ماذا لو آذيتهم من دون قصد

قالت حينها نصلح الخطأ أن تخطئ وأنت تحاول أفضل من ألا تحاول إطلاقا

في تلك اللحظة استيقظ باولو لم يبك بل فتح عينيه ونظر حوله وعندما رأى ماركوس لم يصرخ كما كان يفعل دائما بل ظل يراقبه بفضول

قال ماركوس مذهولا إنه ينظر إلي

قالت نعم يريد أن يتعرف إلى أبيه وماذا ستفعل


 



 


الآن

قال مرتبكا أكلمه لكنه لا يفهم شيئا

قالت لا يهم الأطفال يحبون سماع صوت الوالدين تحدث إليه

اقترب من السرير متوترا وقال مرحبا يا ابني خرجت كلمة يا ابني غريبة من فمه كأنها لغة جديدة يتعلمها لكن باولو ابتسم كانت ابتسامة صغيرة لكنها واضحة

قال ماركوس مدهوشا لقد ابتسم!

قالت هيلينا ابتسم لأنه تعرف إلى صوت أبيه

استيقظ بيدرو أيضا على صوتيهما لكنه لم يبك اكتفى بمراقبة المشهد بعينين طفوليتين متسائلتين

قال ماركوس أخيرا وهو ينظر إليهما إنهما حقا جميلان

قالت هيلينا يشبهان إيزابيلا عندما تبتسم

قال صحيح لهما عيناها وشكل الوجه وربما طباعي أنا

ضحكت أتمنى ألا يرثا عنادك لكن القليل من العناد جيد يعني أنهما لا يستسلمان بسهولة

بدأ باولو يصدر أصواتا صغيرة ليست بكاء بل كأنه يحاول الكلام

قال ماركوس ماذا يريد

قالت يريد انتباه أبيه يريدك أن تتحدث معه

قال متوترا أتحدث عن ماذا إنه لا يفهم شيئا

قالت لا يهم احك له عن أمه

تردد قليلا ثم قال وهو يقترب من السرير باولو هل تعرف أن أمك كانت أجمل امرأة في العالم كانت سعيدة جدا عندما علمت أنكما قادمان اشترت ملابس لكما واختارت اسميكما وجهزت هذه الغرفة بحب كبير

كان بيدرو أيضا يحدق فيه الآن والطفلان منصتان كأنهما يفهمان كل كلمة

قال كانت تغني لكما وأنتم لا تزالان في بطنها دائما الأغنية نفسها تهويدة كانت جدتها تغنيها لها


 


سألت هيلينا هل تتذكر اللحن

قال نعم

بدأ يغني بخفوت لحنا رقيقا سمعه مئات المرات خلال الحمل كان التأثير سحريا ارتخى الطفلان كليا كأن الأغنية أيقظت في داخلهما ذكرى قديمة من وقت كانا فيه آمنين في رحم أمهما

قالت هيلينا متأثرة هما يعرفان هذه الأغنية

قال إيزابيلا كانت تغنيها يوميا تقول إنها تريد أن يولدا وهما يعرفان أنهما محبوبان

قالت وها هما يعرفان الآن لذا توقفا عن البكاء عندما بدأت تظهر حبك

استمر ماركوس في الغناء دقائق حتى غلبهما النعاس مجددا وبقي واقفا يراقبهما يشعر بشيء جديد ينمو في صدره لم تكن تلك المرة الألم ولا الذنب بل شعور بالحماية والرغبة في الرعاية والمسؤولية

قال فجأة هيلينا هل أستطيع أن أخبرك بسر

قالت طبعا

قال لطالما أردت أن أكون أبا منذ صغري كنت أحلم بأطفال أعلمهم وأراهم يكبرون لكن عندما ماتت إيزابيلا تحول الحلم إلى كابوس

سألت وماذا عن الآن

قال الآن أشعر بالخوف أخاف أن أحاول ولا أنجح في أن أكون الأب الذي يستحقانه

قالت سأخبرك ما تعلمته من تربية أخي لا وجود لأب مثالي هناك آباء يحاولون يهتمون ويحضرون إيزابيلا لم تكن تنتظر منك الكمال كانت تنتظر أن تحاول

سأل وماذا لو حاولت وفشلت

قالت حينها حاول مرة أخرى ومرة أخرى حتى تنجح

تحرك بيدرو في السرير وفتح عينيه ثانية هذه المرة عندما رأى ماركوس مد ذراعيه إليه كأنه يطلب أن يقترب منه

سأل ماركوس بدهشة هل يريدني أن أحمله

قالت نعم إنه يطلب حنان أبيه

بضربات قلب متسارعة حمله بين ذراعيه التصق الطفل بصدره مطمئنا وأصدر تنهيدة صغيرة راضية كانت هذه المرة الأولى منذ ثمانية أشهر يشعر فيها أحد الطفلين حقا بالأمان وهو قريب من أبيه

قال ماركوس بصوت متهدج إنه شعور مذهل

قالت هيلينا هذا ما كانت إيزابيلا تريدك أن تشعر به من اليوم الأول

بدأ باولو الذي رأى أخاه قرب أبيه يمد ذراعيه بدوره طالبا الاهتمام نفسه

سأل ماركوس وهو ينظر إلى هيلينا هل أستطيع حملهما معا

قالت مبتسمة بالطبع إنهما أبناؤك

ساعدته على وضع باولو في ذراعه الأخرى وهكذا وللمرة الأولى في حياته كان يحمل التوأمين معا هدأ بيدرو وباولو تماما كأنهما أخيرا وصلا إلى المكان الذي ينبغي أن يكونا فيه منذ البداية

قال ماركوس متأثرا إنهما صغيران جدا ويعتمدان علي بالكامل

قالت صحيح لكنك قادر على رعايتهما

سأل


 


 


كيف يمكنك أن تكوني واثقة إلى هذا الحد

قالت لأنني رأيت الحب في عينيك عندما قرأت رسالة إيزابيلا هذا الحب كان موجودا دائما فقط مختبئ تحت طبقات الألم

ظل ماركوس صامتا وهو يهدهدهما برفق مندهشا من شعوره بالاكتمال كأن جزءا مكسورا فيه منذ ثمانية أشهر بدأ يلتئم

قال أخيرا هيلينا لقد أنقذت عائلتي

قالت لم أنقذها فقط أريتكم ما كان موجودا أصلا

قال ومع ذلك أنا مدين لك بأكثر مما أستطيع أن أقدمه

قالت لا تدين لي بشيء رؤية هذين الطفلين وهما سعداء تكفيني

سألها بفضول لماذا أنت مختلفة عن كل من عمل هنا

سألت مختلفة كيف

قال كل المربيات كن يأتين من أجل المال فقط يعملن بآلية دون أن يهتممن حقا ببيدرو وباولو أما أنت فتهتمين فعلا

ابتسمت وقالت لأني كنت يوما في مكانهما أعرف ماذا يعني أن تكون طفلا ولا تشعر أنك محبوب

سأل وماذا عن أخيك الآن

قالت كبر بصحة جيدة رغم كل شيء تزوج وأنجب أطفالا وهو رجل صالح لكنه يحمل ندوبا من طفولته لن تلتئم أبدا عدم أمان خوف من ألا يكون كافيا صعوبة في الوثوق بمحبة الآخرين أشياء كان من الممكن تجنبها لو أن أبي تجاوز ألمه بسرعة أكبر

نظر ماركوس إلى طفليه بين ذراعيه وقال لا أريد لبيدرو وباولو أن يحتملا مثل تلك الندوب

قالت إذن لن يحدث ذلك لأنك ستكون حاضرا وتظهر حبك وتكون الأب الذي يحتاجان إليه وسأكون إلى جانبك دائما إن احتجت

قال مع مساعدتك يبدو الأمر ممكنا

في تلك اللحظة بدأ بيدرو يبكي بكاء خفيفا ليس صارخا كما في الماضي بل بكاء طفل عادي

سأل ماركوس في قلق ما الذي يريده الآن

ضحكت غالبا جائع متى كانت آخر مرة حصل فيها على زجاجة الحليب

قال لا أعرف كارمن هي التي تهتم بذلك

قالت إذا سنبدأ من هنا أن تكون أبا يعني أن تعرف متى يجوع أطفالك

نزلوا إلى المطبخ كان الوقت الرابعة فجرا والبيت صامتا لكنه الآن صمت سلام وليس صمت توتر أعدت هيلينا الزجاجات بينما بقي ماركوس في الصالة يحمل الطفلين كان بيدرو يستمر في البكاء الخفيف أما باولو فكان هادئا مستمتعا بقرب أبيه

عادت هيلينا بزجاجتي الحليب الدافئ

سأل هل أستطيع أن أطعمهم بنفسي

قالت بالطبع سأعلمك


 


أرته كيف يضع الطفلين وكيف يمسك الزجاجة وكيف يعرف أنهما شبعا اتبع تعليماتها بعناية كأنه أمام عملية دقيقة امتص بيدرو الحليب بنهم واضح أنه كان جائعا أما باولو فأخذ يشرب ببطء ويتوقف أحيانا ليتأمل وجه أبيه كأنه لا يصدق أنه موجود معه حقا

سأل ماركوس منذ متى وهما يتغذيان بالزجاجة

أجابت منذ ولادتهما لم تستطع إيزابيلا أن ترضعهما فكانت كارمن والمربيات يتكفلن بذلك

قال بحزن كانت تريد أن ترضعهما كانت تحلم بذلك طوال الحمل تقول إنه أكثر شكل حميم من أشكال الحب للأبناء

شعر بغصة لكنها لم تكن هذه المرة غصة شلل بل حنينا لطيفا ممتزجا بالامتنان للذكريات الجميلة

قال كانت ستكون أما رائعة

قالت هيلينا وستكون كذلك من خلال الرسائل والذكريات والقصص التي سترويها لهما عنها

بعد أن أنهى الصغيران زجاجتيهما وضعهما ماركوس على كتفه ليتجشيا كما علمته كانت الحركات التي تجيء عفوية للآخرين جديدة تماما عليه

سأل هل أفعل هذا بشكل صحيح

قالت مبتسمة تماما انظر

تجشأ بيدرو بصوت عال فضحك ماركوس تماما مثلي

قالت وباولوا أكثر رقة مثل أمه

بعدها بدأ الطفلان يغلبهما النعاس مجددا هدهدهما ماركوس وهو يدندن تهويدة إيزابيلا حتى ناما بعمق

قال سأعيدهما إلى السرير

سألت هل تريد مساعدتي

قال لا أريد أن أجرب وحدي

صعد السلم بحذر وهو يحمل الاثنين في الغرفة وضع بيدرو أولا ثم باولو وغطاهما بأغطية خفيفة ظلا نائمين بهدوء كانت هيلينا تراقب من الباب ترى لأول مرة ماركوس يقوم بدور الأب الحقيقي وكانت التحول مدهشا

قالت بهدوء سينيور ماركوس هل أستطيع أن أقترح شيئا

قال تفضلي

قالت ما رأيك أن تنام الليلة في الغرفة المجاورة حتى تكون قريبا منهم

نظر إلى غرفة الضيوف بين غرفة التوأمين وغرفة النوم الرئيسية

سأل هل تظنين أن هذه فكرة جيدة

قالت أعتقد ذلك إن استيقظوا تستطيع أنت أن تعتني بهم بنفسك وإن لم تعرف ماذا تفعل نادي علي أو على كارمن لكنني أراهن أنك ستعرف وحدك

هز رأسه موافقا حسنا سأحاول

ولما كانت هيلينا في طريقها للخروج ناداها هيلينا


 


قالت نعم

قال شكرا على كل شيء

قالت على الرحب يا سينيور ماركوس ليلة سعيدة

نزلت إلى الغرفة التي أعدتها لها كارمن في الطابق الأرضي ولأول مرة منذ وصلت إلى ذلك البيت شعرت أنها أدت مهمتها الطفلان في سلام وماركوس يتعلم أن يكون أبا والعائلة بدأت تتعافى لكنها كانت تعرف أن الطريق لا يزال طويلا وأن تثبيت هذه التغيرات يحتاج عملا مستمرا

لم يكن يسمع من الطابق العلوي أي صوت للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر كانت عائلة سيلفيرا تنام في صمت كامل

مر أسبوع منذ تلك الليلة التي تغير فيها كل شيء أصبح ماركوس يستيقظ كل يوم عند السادسة صباحا لا بسبب بكاء يائس بل لأنه يريد ذلك اكتشف أنه يحب أن يراقب بيدرو وباولو وهما ينامان أن يرى تلك الملامح المطمئنة التي لم يلاحظها من قبل

في تلك الجمعة صباحا وجد هيلينا في المطبخ تحضر زجاجات الحليب كما تفعل كل صباح منذ قدومها كان يحمل بيدرو بين ذراعيه وقد استيقظ أولا وينظر إليه بفضول

قال ماركوس مبتسما صباح الخير يا هيلينا

قالت صباح الخير يا سينيور ماركوس هل نمت جيدا

قال مبتسما بصدق أفضل من الأشهر الثمانية الماضية كلها

سألها وأنت

قالت أنا أيضا مذهل كيف يتغير البيت عندما يحل السلام

دخلت كارمن إلى المطبخ وفي ملامحها دهشة واضحة

قالت سينيور ماركوس هل تعرف كم الساعة الآن

قال السادسة والربع

قالت بالضبط وأنت مستيقظ بمحض إرادتك وتبتسم وطفلك بين ذراعيك

ضحك غريب أليس كذلك الأسبوع الماضي كنت أكره الاستيقاظ أما الآن فأستيقظ متحمسا لرؤية بيدرو وباولو

قالت كارمن متأثرة السيدة إيزابيلا كانت ستكون سعيدة جدا كانت دائما تقول إنك ستكون أبا رائعا عندما تتجاوز الخوف

سأل كانت تقول ذلك

قالت نعم طوال الحمل كانت تقول إن في قلبك من الحب ما يكفي لفيض كبير وأنه عندما تسمح له بالخروج سيكون جارفا

كانت هيلينا تستمع وهي تنهي تحضير زجاجة الحليب الثانية كان مدهشا أن ترى كيف تغير ماركوس في أسبوع واحد فقط


 


الرجل المر المركب من ذنب وغضب تحول إلى شخص يريد حقا أن يتعلم كيف يكون أبا

قال فجأة هيلينا هل أستطيع طلب خدمة

قالت بالطبع

قال أريد أن آخذ بيدرو وباولو إلى الشركة اليوم أريد أن أعرفهما على مكتبي والموظفين هل ترافقينني

تفاجأت هل أنت متأكد إنه مكان مختلف تماما عن جو الأطفال

قال بثبات أنا متأكد أريد أن يتعرف موظفوني إلى أولادي طوال ثمانية أشهر تصرفت كأنهم غير موجودين الآن أريد أن أري الجميع أنني أب

ابتسمت كارمن بفخر السيدة إيزابيلا كانت تحب هذا كانت تقول دائما إنها تريدك أن تأخذ الصغيرين إلى العمل من حين إلى آخر

سأل متأثرا قالت هذا

قالت نعم قالت إنها تريد للأطفال أن يكبروا وهم يرون أين يعمل والدهم ليشعروا بالفخر به

عاد ذلك الألم اللطيف الممزوج بالحزن إلى صدره لكنه لم يعد يشله صار يدفعه للرغبة في أن يفي بوعودها

قال إذا سنذهب متى يكونان أكثر هدوءا

قالت في الصباح بعد زجاجة الحليب مباشرة لكن يا سينيور ماركوس هل أنت متأكد أنه ليس مبكرا جدا إنهما لا يزالان صغيرين

قال هيلينا طوال ثمانية أشهر عاملتهما كأنهما مشكلة الآن أريد أن أعاملهما كما هما فعلا أبنائي

بعد ساعتين كانوا في السيارة متوجهين إلى الشركة كان ماركوس يقود متوترا ينظر في المرآة الخلفية باستمرار ليتأكد أن الطفلين بخير في مقعدي السيارة الصغيرين اللذين اشتراهما خصيصا لهذه المناسبة

سأل للمرة الخامسة خلال عشر دقائق هل هما بخير

أجابته بصبر بخير تماما بيدرو نائم وباولو ينظر إلى الطريق

سأل هل يمكن أن يصابا بدوار من حركة السيارة

قالت ربما لكن هذا غير مرجح لقد اعتادا على الخروج إلى الطبيب

سأل مستغربا كيف تعرفين ذلك

ترددت لحظة ثم قالت لأن كارمن أخذتهما كثيرا إلى طبيب الأطفال كانا يسافران جيدا دائما

توقف عند إشارة حمراء واستدار لينظر إليهما قال بأسى كان ينبغي أن أكون معهم في تلك المواعيد

قالت صحيح لكن لا تثقل على نفسك المهم أنك هنا الآن

سكت قليلا ثم سألها هل أستطيع أن أسألك شيئا شخصيا

قالت نعم

سأل لماذا لم تنجبين أطفالا حتى الآن أنت ممتازة مع الصغار


 


صمتت قليلا فهو سؤال يلامس جرحا في حياتها

قالت أخيرا كنت مخطوبة لكن الخطبة انتهت بشكل سيئ خطيبي السابق لم يردني أن أستمر في العناية بأخي قال إن علي أن أختار بينه وبين عائلتي

سأل واخترت عائلتك

قالت نعم كان أخي بحاجة إلي أكثر من أي رجل لكنه لم يفهم وقال إنني لن أكون زوجة جيدة لأن لدي مسؤوليات كثيرة

شعر ماركوس بغضب خفي من رجل لم يره بحياته

قال كان مخطئا أي رجل يجب أن يشعر أنه محظوظ لو كان في حياته شخص مثلك

ابتسمت بحزن شكرا لكن بعد تلك التجربة ظننت أن تكوين عائلة خاصة بي ربما ليس قدري

سأل وهل تندمين

قالت أحيانا نعم لكن عندما أرى حالات مثل حالتك عائلات مكسورة تحتاج إلى من يساعدها أفكر أن ربما هذا هو هدفي أن أساعد العائلات على أن تلتئم

وصلوا إلى مبنى الشركة كان برجا أنيقا من عشرين طابقا تحمل واجهته اسم سيلفيرا للاستيراد بحروف ذهبية قالت هيلينا متأملة مبنى مهيب

قال ماركوس وهو يخرج بيدرو من السيارة بينما تحمل هي باولو إيزابيلا كانت تحب أن تجيء إلى هنا كانت دائما تقول إنها ستأخذ الأطفال يوما ما ليروا أين يعمل أبوهم

دخلوا إلى الردهة فعمت حالة من الفوضى الصغيرة موظفون يعرفون ماركوس منذ سنوات وقفوا مدهوشين لرؤيته يحمل طفلا ومعه امرأة تحمل الآخر

قال الحارس صباح الخير يا سينيور سيلفيرا

قال صباح الخير يا روبرتو هؤلاء أولادي بيدرو وباولو

اتسعت عينا الرجل طوال ثمانية أشهر وهو يرى ماركوس يمر بوجه عبوس متعب قليل الكلام الآن يراه مبتسما يحمل طفلا وفخورا بتقديمه

قال الحارس ما شاء الله جميلان جدا يشبهانك كثيرا

قال ماركوس وهو يبتسم شكرا هيا يا هيلينا لنصعد بالمصعد

عندما فتح المصعد في الطابق الخامس عشر حيث الإدارة كادت السكرتيرة ساندرا التي تعمل مع ماركوس منذ عشر سنوات أن تسقط من كرسيها


 


قالت سينيور ماركوس يا لها من مفاجأة! وهؤلاء

قال بفخر واضح هذان أولادي بيدرو وباولو

اقتربت ساندرا وعيناها تلمعان هل لي أن أراهما عن قرب

قال بالطبع

نظرت إليهما قائلة يا إلهي إنهما متطابقان ولديهما عيون رائعة

قال ماركوس بهدوء عيون والدتهما

قالت ساندرا متأثرة صحيح أذكر السيدة إيزابيلا كانت امرأة مميزة

سرعان ما تجمع الموظفون حولهم بدافع الفضول في دقائق تكونت دائرة صغيرة من الناس تريد رؤية التوأمين

سألت موظفة الحسابات كارلا عذرا يا سينيور ماركوس هل هذه هي المربية الجديدة

قال هذه هيلينا سيلفا لقد ساعدتنا كثيرا في الأسابيع الأخيرة

لاحظت هيلينا أنه لم يعرفها كخادمة فشعرت بالامتنان كان سيبدو محرجا أمام كل هؤلاء المديرين أن يقول إنها خادمة

بدأ بيدرو يظهر علامات الانزعاج من كثرة الوجوه يصدر أصواتا صغيرة تعرف هيلينا معناها

قال ماركوس أظنه متضايق لنذهب إلى مكتبي حيث الجو أهدأ

دخلوا إلى المكتب الفخم المطل على المدينة وضعت هيلينا باولو على الأريكة الجلدية بينما كان ماركوس يهدهد بيدرو

قالت وهي تنظر من النافذة منظر مذهل


 


قال كانت إيزابيلا تعشق هذا المنظر كلما جاءت إلى هنا جلست طويلا تنظر إلى المدينة

سألت هل كانت تأتي كثيرا

قال في السنوات الأخيرة نعم كانت تقول إنها تريد أن تفهم عملي لتستطيع أن تتحدث معي عنه

اقترب من النافذة وهو يحمل بيدرو كانت تجلس هناك على الأريكة حيث يجلس باولو الآن وتراقبني وأنا أعمل


 



 


تقول إن مراقبة تركيزي شيء مريح لها

قالت هيلينا كنتما قريبين جدا

قال كنا كذلك ربما لهذا كان تقبل خسارتها صعبا إلى هذا الحد

قالت يا سينيور ماركوس هل أستطيع أن أخبرك شيئا تعلمته عن الحزن

قال تفضلي

قالت ألم الفقد لا يختفي تماما لكنه مع الزمن يتغير يتوقف عن شلك ويتحول إلى شوق يدفعك إلى الأمام يمكنك أن تستخدم الحب الذي كنت تحمله لإيزابيلا لتحب بيدرو وباولو وتربيهما كما كانت تحب وتعلمهما القيم التي آمنت بها

نظر إلى الطفل بين ذراعيه وسأل هل تظنين أنني أستطيع

قالت أنا متأكدة رأيت كيف تغيرت في أسبوع واحد وإن استطعت ذلك فأنت قادر على أي شيء

كان بيدرو هادئا ينظر إلى أبيه وباولو على الأريكة يبدو مطمئنا كأنه يشعر أنه في مكان مهم في حياة الأسرة

قال ماركوس فجأة أريد أن أريك شيئا

ذهب إلى مكتبه وفتح درجا وأخرج إطار صورة كان مقلوبا كانت صورة لإيزابيلا وهي حامل تبتسم وتحتضن بطنها

قال هذه الصورة كانت دائما على مكتبي في اليوم الذي ولد فيه الولدان قلبتها نحو الأسفل ولم أستطع النظر إليها مجددا حتى اليوم

وضع الصورة في مكانها القديم واقفة كما كانت

قال الآن أريدها أن ترى كيف يكبر طفلاها

اغرورقت عينا هيلينا بالدموع كانت إيزابيلا ستفخر كثيرا بالأب الذي أصبحت عليه

سأل حقا تظنين ذلك

قالت أنا متأكدة

في تلك اللحظة طرقت ساندرا الباب سينيور ماركوس آسفة على الإزعاج لكن هناك مشكلة تحتاج إلى قرارك

سأل أي نوع من المشاكل

قالت المورد الصيني يواجه مشكلة في المستندات قد تتأخر الشحنة أسبوعين


 


نظر ماركوس إلى بيدرو بين يديه ثم إلى باولو على الأريكة قبل أشهر كانت مثل هذه الأخبار ستجعله يعمل ليل نهار ويغرق في الضغط الآن أحس أن أولوياته تغيرت

قال بهدوء حددي اجتماعا عبر الفيديو يوم الاثنين اليوم أريد أن أبقى مع أولادي

بدت الدهشة واضحة على وجه ساندرا ماركوس الذي تعرفه لم يكن يؤجل قضية تجارية من أجل أي شيء

قالت هل أنت متأكد يا سيدي إنه عقد بقيمة مليوني ريال

قال بثبات أنا متأكد المال يمكن تعويضه أما الوقت الذي يضيع مع الأبناء فلا يعود أبدا

بعد خروجها نظرت هيلينا إلى ماركوس بإعجاب لقد تغيرت فعلا إيزابيلا كانت ستفهم الآن ما أرادت قوله لك حين كانت تحذرك من أن العمل قد يسرق منك لحظات مهمة

قال نعم فهمت الآن هذان الطفلان سيكبران بسرعة ولا أريد أن يفوتني شيء من حياتهما

بدأ باولو يصدر أصواتا تدل على الانزعاج

قال ماركوس أظن أنه حان وقت تغيير الحفاض ثم زجاجة الحليب

قالت هيلينا وهي تنظر حول المكتب لا أرى طاولة لتغيير الحفاض

قال مبتسما سنبتكر واحدة

أزاح أوراقا عن طاولة الاجتماعات وفرش عليها منشفة من الخزانة

قالت هنا مناسب تماما

راح ماركوس يغير حفاض باولو بحذر لا يزال مرتبكا لكنه مصمم على التعلم كان مشهدا غريبا رجل أعمال ثري يغير حفاض طفله فوق طاولة اجتماعات بعد دقائق قال بفخر ها هو نظيف ورائحته طيبة

قالت ممتاز والآن بيدرو

بعد أن انتهى من الطفلين بدا كل منهما أكثر راحة وهدوءا

قالت هيلينا يبدو أنهما يحبان هذا المكان كأنهما يعلمان أنه جزء مهم من حياة أبيهما

في تلك اللحظة دخل رجل في الخمسين من عمره دون أن يطرق الباب كان رودريغو مينديز الشريك الأصغر في الشركة وأقرب الناس إلى ماركوس مهنيا

قال ماركوس يجب أن نتحدث عن يا إلهي!

توقف في منتصف الجملة عندما رأى ماركوس وهو يحمل أحد الطفلين والآخر بين ذراعي هيلينا

قال ماركوس رودريغو هذان أولادي بيدرو وباولو

جلس رودريغو على الكرسي مذهولا ماركوس ما الذي يجري اختفيت أسبوعا عن الشركة لا ترد على الهاتف والآن تظهر هنا مع الطفلين!

قال ماركوس الذي حصل أنني أخيرا تعلمت أن أكون أبا

سأل متشككا كيف ذلك

نظر ماركوس إلى هيلينا التي هزت رأسها تشجيعا فقص عليه بإيجاز ما حدث في الأسبوع الأخير بكاء الطفلين الذي لا يتوقف اكتشاف أن مشاعر الأب تنعكس عليهما رسائل إيزابيلا والتحول الذي بدأ يتجذر في داخله

قال رودريغو متأثرا لا يصدق! وماذا الآن

قال ماركوس الآن سأكون الأب الذي أرادت إيزابيلا


 


 


أن أكونه سأخفف من عملي وأقضي وقتا أطول في البيت الشركة ستواصل نموها لكنها لن تكون محور حياتي الوحيد

ابتسم رودريغو لأول مرة منذ دخوله المكتب إيزابيلا ستكون فخورة بك

قال ماركوس أتمنى ذلك

بدأ الطفلان يصدران أصواتا تدل على الجوع نظرت هيلينا إلى الساعة وقالت حان وقت زجاجة الحليب

سأل ماركوس هل يوجد مكان لتسخين الحليب هنا

قال رودريغو هناك مطبخ صغير في هذا الطابق لكن هل ستغذيهما هنا في المكتب

قال ماركوس نعم ما المشكلة

قال رودريغو مترددا لا شيء فقط الأمر غريب في مكتب كبار المديرين

نظر إليه ماركوس بنظرة لم ير مثلها من قبل لم تكن نظرة غضب بل حزم هادئ رودريغو حيث أكون يكون أولادي موضع ترحيب

قال رودريغو بسرعة بالطبع بالطبع لقد فاجأتني فحسب

عادت هيلينا بزجاجتي الحليب وجلس ماركوس على الكرسي الجلدي الكبير يغذي الطفلين كانت صورة غير مألوفة مدير ثري يطعم توأميه في أحد أفخم مكاتب المدينة

قال رودريغو هل أستطيع مساعدتك

قال ماركوس مبتسما يمكنك أن تحمل بيدرو بينما أطعم باولو

حمل رودريغو الطفل بحذر وقال منذ زمن لم أحمل طفلا إنهما مميزان حقا

قال ماركوس وهو ينظر إلى باولو هما كذلك ويبدوان هادئين الآن

قالت هيلينا لم يكونا كذلك في الماضي لكن حين هدأت روح الأب هدأت روح الصغار الأطفال مرآة لمشاعر الكبار

سأل رودريغو هل هذا صحيح فعلا

قالت نعم الأطفال أكثر حساسية مما نظن يشعرون بالتوتر والغضب والحزن لكنهم يشعرون أيضا بالحب والأمان والطمأنينة

بعد أن انتهيا من الحليب قال ماركوس أظن أن الوقت حان لنعود إلى البيت يجب أن يأخذا قيلولة

قال رودريغو قبل أن يغادر ماركوس في خمسة عشر عاما من الشراكة لم أرك يوما بهذه السعادة تبدو كاملا

نظر ماركوس إلى الطفلين وقال كنت أظن أنني فقدت كل شيء عندما ماتت إيزابيلا لكنني أدركت أنها تركت لي أعظم هدية أبناءنا

قال رودريغو ولم يكن الوقت متأخرا لتستعيدهم

قال ماركوس مبتسما نعم بفضل هيلينا

احمر وجهها خجلا الفضل لك يا سينيور ماركوس أنا فقط أريت الطريق

قال طريق ما كنت لأجده وحدي

غادروا الشركة تحت نظرات تعجب وإعجاب من الموظفين في السيارة هذه المرة كان ماركوس يقود أكثر هدوءا يدندن التهويدة التي كانت تغنيها إيزابيلا

قالت هيلينا وهما يقتربان من البيت سينيور ماركوس هل أستطيع أن أسألك شيئا

قال طبعا

قالت ماذا تنوي أن تفعل في المستقبل مع الطفلين مع العمل مع حياتك

فكر قليلا ثم قال أريد أن أربي بيدرو وباولو كما حلمت إيزابيلا أن يكبرا وهما يعرفان أنهما محبوبان وأن أمهما أرادتهما كثيرا وأن


 


أباهما حاضر في حياتهما

سألت وماذا عن العمل

قال العمل سيتكيف سأوظف أشخاصا أكثر وأفوض مسؤوليات لا أريد أن أفوت خطواتهما الأولى ولا كلماتهما الأولى ولا أي لحظات أولى في حياتهما

سألت وماذا عن الحنين إلى إيزابيلا

قال سأكرم ذكراها بأن أكون الزوج والأب الذي أرادتني أن أكونه سأحكي عنهما قصصا عنها أريهما صورها وأقرأ لهما رسائلها

ابتسمت هيلينا ستكون فخورة بك

قال آمل ذلك

عندما وصلوا إلى البيت كانت كارمن تنتظر عند الباب بلهفة كيف سارت الأمور هل تصرف الطفلان جيدا

قال ماركوس بفخر كانا أفضل طفلين في ساو باولو اليوم والجميع أحبوهما

سألت وأنت كيف شعرت وأنت تأخذهما معك

قال شعرت بالاكتمال لأول مرة منذ ثمانية أشهر شعرت أنني أب بحق

قالت كارمن ودموعها تلمع السيدة إيزابيلا ترى كل هذا من السماء أنا متأكدة

قال وأنا أيضا

دخلوا البيت الذي لم يعد كما كان قبل أسبوع لم يعد مكانا مظلما مليئا بالصمت الكئيب بل بيتا يحمل حياة وأملا صعدت هيلينا مع ماركوس ليضعا الطفلين في السرير في الغرفة وضعهما برفق في سريريهما وغطاهما

همس نما جيدا يا أحبائي أبوكما سيكون دائما هنا من أجلكما

أغمض بيدرو وباولو أعينهما في الحال تقريبا كأنهما يعلمان أخيرا أنهما في أمان

قالت هيلينا حين خرجا من الغرفة سينيور ماركوس هل أستطيع أن أقول إنني فخورة بك

ضحك نعم يمكنك

قالت أنا فخورة بك حقا

قال وهيلينا شكرا لأنك لم ترجعي لي أبنائي فقط بل أعدت لي نفسي أيضا

قالت كان شرفا لي أن أرى هذه العائلة تتصالح من جديد كان ذلك أعظم هدية يمكن أن أحصل عليها

نزلوا معا إلى المطبخ حيث كانت كارمن تعد العشاء كان البيت في سلام مليئا بالحياة والاحتمالات كانت عملية التحول قد اكتملت في جوهرها أصبح ماركوس الأب الذي كان دائما قادرا على أن يكونه وحصل بيدرو وباولو على الحب الأبوي الذي


 


احتاجاه وأتمت هيلينا مهمتها في شفاء عائلة كانت مكسورة

لكن بقيت مفاجأة أخيرة اكتشاف سيغير كل شيء إلى الأبد

بعد ستة أشهر من تلك الليلة الأولى من السلام تغير بيت عائلة سيلفيرا تماما أصبحت ضحكات بيدرو وباولو اللذين بلغا عاما وشهرين تتردد في الممرات التي عرفت سابقا الصمت والتوتر فقط صار ماركوس أبا حاضرا كما كانت إيزابيلا تحلم وظلت هيلينا الملاك الحارس الذي يحافظ على تماسك العائلة

في صباح سبت حدث ما سيغير كل شيء كانت هيلينا في المطبخ تحضر الإفطار عندما سمعت ماركوس يتحدث مع الطفلين في الغرفة في الأشهر الأخيرة أصبح يعتاد أن يحكي لهما كل صباح قصصا عن أمهما ويريهما صورها ويقرأ مقاطع من رسائلها

سمعته يقول بيدرو باولو انظرا كم كنتما جميلين في هذه الصورة مع الأم كانت تمسك ببطنها وتقول إنكما ستكونان أكثر طفلين محبوبين في العالم

ابتسمت وهي تحضر زجاجة الحليب لم تتعب يوما طوال تلك الأشهر الستة من سماع ماركوس يتحدث بحب عن إيزابيلا تحولت ألمه إلى حنين رقيق وحلت مكان الذنب مشاعر امتنان

فجأة سمعت صوته من الطابق العلوي يناديها بلهفة هيلينا!

صعدت مسرعة خائفة أن مكروها أصاب الطفلين وجدته في الغرفة يحمل بيدرو ودموع الفرح في عينيه

سألت قلقة ما الذي حدث

قال بصوت مخنوق من التأثر لن تصدقي يا هيلينا

سألت ماذا

أنزل بيدرو على الأرض فوقف وحده لثوان ثم خطا خطوته الأولى المتعثرة نحوها

صرخ ماركوس لقد مشى! بيدرو مشى لأول مرة

جثت هيلينا على ركبتيها وفتحت ذراعيها فهرع إليها بيدرو متمايلا يبتسم بفخر

قالت يا الله! ما أجملك! مبروك يا بيدرو

لم يشأ باولو أن يتأخر وضعه ماركوس على قدميه ولدهشة الجميع مشى هو الآخر خطوات قليلة قبل أن يقع جالسا على السجادة وهو يضحك

قالت هيلينا مدهوشة الاثنان في اليوم نفسه! يا لها من مصادفة مدهشة

قال ماركوس وهو يحمل الصغيرين ليست مصادفة اليوم هو اليوم

سألت أي يوم

قال اليوم يمر عام كامل على موت إيزابيلا وعام على ولادة ولدي


 


شعرت هيلينا بقشعريرة كان اليوم 15 فبراير التاريخ الذي حمل للطرفين الحزن والحياة معا

قالت وهما يختاران اليوم نفسه ليخطوا أولى خطواتهما كأن إيزابيلا تقول إن كل شيء على ما يرام وأن الحياة تسير وأن أبناءنا يكبران بسعادة

ظهرت كارمن عند الباب بفعل الصياح ما الذي يحدث هنا

قال ماركوس بفخر كارمن بيدرو وباولو مشيا! الاثنان في اليوم نفسه

قالت وهي تضع يدها على صدرها يا الله السيدة إيزابيلا ترى ذلك الآن أنا متأكدة

أنزل ماركوس الطفلين على الأرض فراحا يحاولان المشي من جديد وكل خطوة تحتفل بها كإنجاز عظيم كانت هيلينا تراقب المشهد وقلبها يفيض بالفرح

قالت سينيور ماركوس هل أستطيع أن أقول شيئا

قال طبعا

قالت اليوم أيضا يوم خاص بالنسبة لي

سأل لماذا

قالت لأنه مضى الآن ستة أشهر بالضبط منذ أن جئت إلى هنا وخلال هذه الأشهر الستة رأيت أعجب تحول في حياتي تحولك أنت يا سينيور ماركوس قبل ستة أشهر كنت رجلا محطما يلتهمه الذنب عاجزا عن حب طفليه واليوم أنت أكثر أب أعرفه تفانيا

اغرورقت عينا ماركوس بالدموع من جديد

قال لولاك يا هيلينا لما وصلت إلى هنا أبدا

قالت كنت ستصل ربما بعد وقت أطول وبطريق أصعب لكن الحب دائما يجد طريقا

اقترب بيدرو منها متمايلا ورفع ذراعيه طالبا أن تحمله حملته فأراح رأسه على كتفها كما يفعل كل يوم منذ شهور

قال ماركوس بهدوء هيلينا يجب أن أخبرك بشيء

سألت ماذا

قال أنت لم تعودي خادمة لدينا منذ زمن لم تعد علاقتنا هذه

قالت متفاجئة ماذا تقصد

قال أنت فرد من العائلة بيدرو وباولو يحبانك كأنك منهم وكارمن تتعامل معك كابنة وأنا أراك الأخت التي كانت إيزابيلا لتختارها لتعتني بأبنائنا


 


انسابت الدموع على وجه هيلينا

قالت يا سينيور ماركوس

قال مقاطعا لا تناديني بعد اليوم بالسينيور نحن عائلة

اقتربت كارمن وعانقت هيلينا منذ أول يوم جئت فيه إلى هنا وأنا أعلم أن الأمر ليس صدفة بل تدبير إلهي

سألت كيف تكونان متأكدين هكذا

ابتسم ماركوس لأنك وصلت في اللحظة التي كنا نحتاج فيها إليك بالضبط ولأنك عرفت تماما ماذا تفعلين ولأنك لم تتخلي عنا حتى عندما بدا كل شيء مستحيلا

تقدم باولو هو الآخر يقترب منها أمسكت الطفلين بحنان وشعرت للمرة الأولى في حياتها أنها تملك العائلة التي حلمت بها

قال ماركوس أريد أن أقدم لك عرضا

سألت أي عرض

قال أريدك أن تكوني رسميا العرابة لبيدرو وباولو ليس على الورق فقط بل في الحياة أريدك أن تشاركي في تربيتهم وأن تكوني حاضرة في كل مراحلهم

قالت وهي تبكي لا أدري إن كنت أستحق هذه المكانة

قال أنت أحق بها من أي شخص في العالم لقد أعطيتنا الحياة من جديد وعلمتنا كيف نكون أسرة

قالت كارمن السيدة إيزابيلا ستكون في غاية السعادة لو عرفت أن هناك شخصا مثلك إلى جانب أبنائها

نظرت هيلينا إلى التوأمين وهما قريبان منها في الأشهر الستة الماضية تعلقت بهما تعلقا يفوق ما تخيلت وصارا بالفعل أبناء قلبها

قالت أخيرا أوافق سيكون شرفا لي أن أكون عرابتهما

ماركوس وهو لا يزال يحمل الطفلين شكرا لك هيلينا على كل شيء

في تلك اللحظة نظر بيدرو إليه وقال بوضوح باباي! بابا

عم الصمت المكان كانت تلك أول كلمة واضحة ينطق بها أحد الطفلين


 


صرخت كارمن لقد قال بابا!

قال ماركوس وهو يلتقطه بين ذراعيه قلها مرة أخرى يا بني

قال باباي بابا

حاول باولو اللحاق بأخيه فقال با بابا

قالت هيلينا في اليوم نفسه الذي تعلموا فيه المشي ينطقان بابا يا له من يوم مميز!

رفع ماركوس رأسه إلى السماء كأنه يخاطب إيزابيلا حبيبتي أبناؤنا يكبرون وهم سعداء أتمنى أن تكوني فخورة بنا

قالت كارمن وهي تمسح دموعها هي فخورة بالتأكيد يا سينيور مار بل يا ماركوس

كانت هيلينا تنظر إلى الأسرة التي ساعدت على إعادة لحمتها قبل ستة أشهر كان البيت مليئا بالصمت والألم والذنب واليوم بات مليئا بالحب والضحك والأمل

قالت سأقترح أمرا ما رأيك أن نزور قبر إيزابيلا اليوم لنخبرها عن أولى خطوات الطفلين وأولى كلماتهما

ابتسم ماركوس من خلال الدموع فكرة رائعة ستحب أن تسمع كل شيء وسنأخذ معنا زهورا ورودا بيضاء كانت المفضلة لديها

قالت كارمن لنذهب كلنا كعائلة

بعد ساعة كانوا في المقبرة كان ماركوس يحمل بيدرو وهيلينا تحمل باولو وكارمن تمسك باقة الورود البيضاء كانت تلك المرة الأولى التي يزور فيها ماركوس قبر إيزابيلا منذ دفنها

جلس على ركبتيه أمام شاهد القبر وقال مرحبا يا حبيبتي أتيت بك ابنينا لتتعرفي إليهما

أنزل بيدرو إلى الأرض فسار متمايلا نحو القبر وفعل باولو الشيء نفسه كأنهما يعرفان intuitively أين يجب أن يذهبا

قال ماركوس تعلما المشي اليوم يا إيزابيلا ونطقا كلمة بابا لأول مرة يكبران جميلين وبصحة جيدة

اقتربت هيلينا وقالت ومحبوبين جدا كل يوم أخبرهما كم أمهما مميزة

تابع ماركوس أريدك أن

تتعرفي أيضا إلى هيلينا لقد أنقذتنا وعلمتنا كيف نكون أسرة من جديد وستكون العرابة لبيدرو وباولو


 


هز الهواء أغصان الأشجار بلطف كأن الريح تحمل موافقة صامتة من روح إيزابيلا

همس ماركوس شكرا يا حبيبتي لأنك منحتني هذين الكنزين ولأنك علمتني أن الحب أقوى من الألم ولأنك سامحتني

بقوا دقائق في صمت عائلة أعادت بناء نفسها بقوة الحب والإصرار على عدم الاستسلام

وعندما عادوا إلى البيت هرع بيدرو وباولو أو بالأحرى مشيا بخطواتهما المتعثرة إلى ألعابهم كطفلين سعيدين ومحبوبين

كانت هيلينا تعد الغداء في المطبخ بينما ماركوس يعمل على حاسوبه المحمول في غرفة المعيشة لكن هذه المرة وأطفاله يلعبون إلى جواره

قال لها فجأة هيلينا لقد أنقذت أكثر من عائلتنا لقد أنقذت مستقبل بيدرو وباولو

ابتسمت وقالت وأنتم أنقذتم حياتي أنتم أيضا أعطيتموني الأسرة التي حلمت بها

في الخارج كان الشمس تشرق بقوة تنير بيتا عرف من قبل أعمق الظلمات ثم وجد من جديد أبهى النور

الخادمة التي لم يردها أحد أصبحت أهم قطعة في هذه العائلة والطفلان اللذان كانا يبكيان كل ليلة صارا يملآن البيت الآن ضحكا كل يوم

كانت المعجزة قد اكتملت


تمت 

تعليقات

close