القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

قال لها ابنها السيارة ممتلئة يا أمي… لكن رحيلها بعدها غيّر كل شيء

 قال لها ابنها السيارة ممتلئة يا أمي… لكن رحيلها بعدها غيّر كل شيء



قال لها ابنها السيارة ممتلئة يا أمي… لكن رحيلها بعدها غيّر كل شيء

— هل أنتِ جاهزة يا أمي؟ سنغادر خلال خمس دقائق.


انطلق صوت كارلوس من غرفة الجلوس، مستعجلًا، يكاد يكون آليًا. نظرت إلى نفسي للمرة الأخيرة في المرآة. لم يكن الفستان الأزرق الذي أرتديه جديدًا، لكنني احتفظت به بعناية للمناسبات الخاصة. كان زوجي الراحل قد أهداني إياه في ذكرى زواجنا الخامسة والثلاثين. وما زلت أذكر كيف نظر إليّ في ذلك اليوم، وكأنني أجمل امرأة في العالم.


اليوم… لم يعد أحد ينظر إليّ بتلك الطريقة.


تنفست بعمق وخرجت من الغرفة، أرتّب شعري بيديّ. كان عبير الأرز الطازج يصل من المطبخ، لكن لم يكن لدى أحد وقت للجلوس وتناول الطعام. كانت ماريانا تنتقل من مكان إلى آخر، تراجع حقيبتها، بينما كانت الصغيرة صوفيا تقفز بحماس قرب الباب.


— جدتي، سنخرج لنتناول الطعام! — قالت الطفلة بعينين متألقتين.


ابتسمت. كنت دائمًا أبتسم حين تحدثني. كانت الشيء الوحيد الذي يجعلني أشعر أن لي مكانًا في هذا البيت.


— نعم يا حبيبتي، قادمة — أجبت بصوتٍ أكثر ثباتًا مما أشعر به في داخلي.


حملت حقيبتي بعناية، تلك التي تآكلت زواياها مع مرور السنوات. لم تكن شيئًا مميزًا، لكنني تعلمت أن أحبها، كما أحببت أشياء كثيرة لم يعد أحد غيري يلاحظها.


عندما وصلت إلى غرفة الجلوس، كان الجميع مستعدين. كان كارلوس يمسك بمفاتيح السيارة، وماريانا تراجع هاتفها، وصوفيا قد ارتدت حذاءها بالفعل، تنتظر بفارغ الصبر.


للحظة، لم يقل أحد شيئًا.


كان صمتًا قصيرًا… لكنه ثقيل.


رفع كارلوس نظره نحوي. ترددت عيناه. لاحظت ذلك. بالطبع لاحظته. فالأم ترى كل شيء، حتى ما يحاول الأبناء إخفاءه.


— آه… أمي… — بدأ وهو يحكّ مؤخرة عنقه بخفة.


شعرت بشيء غريب في صدري، كإنذار.


— نعم يا بني؟


تجنب النظر إليّ مباشرة. نظر نحو الباب، ثم نحو ماريانا، وكأنه يبحث عن دعم.


— السيارة ممتلئة قليلًا… — قال أخيرًا، مبتسمًا ابتسامة لم تصل إلى عينيه — والمطعم سيكون مزدحمًا اليوم… في يوم آخر آخذك أنا وحدك، حسنًا؟


توقف الزمن.


لم يكن ما


قاله… بل الطريقة التي قاله بها. بلطف. وكأن الأمر لا أهمية له. وكأنه لا يترك أمه خارج… عائلتها.

اشتدت أصابعي حول الحقيبة.


كان بإمكاني أن أقول الكثير. كان بإمكاني أن أذكّره بالليالي التي لم أنم فيها، بالتضحيات، بالسنوات التي كرّستها لرؤيته يكبر. كان بإمكاني أن أسأله متى توقفت عن أن أكون جزءًا من حياته.


لكنني لم أفعل.


لأن الأم… تتعلم الصمت.


— بالطبع — قلت وأنا أومئ ببطء — إذا كانت السيارة ممتلئة، فلا بأس. سأبقى هنا.


ابتسمت. حتى إنني لوّحت بيدي مودّعة، وكأن الأمر طبيعي تمامًا.


نظرت إليّ صوفيا بحيرة لثانية، لكن ماريانا كانت قد بدأت تستعجلها.


— هيا يا ابنتي، سيتأخر الوقت.


لم يقل كارلوس شيئًا آخر. فقط فتح الباب.


وغادروا.


صوت خطواتهم وهم يبتعدون، ضحكاتهم التي خفتت تدريجيًا، صوت محرك السيارة وهو يشتعل… كل شيء بقي معلقًا في الهواء، كصدى يرفض أن يختفي.


وعندما ملأ الصمت البيت أخيرًا، عرفت الحقيقة.


لم تكن المرة الأولى.


ولا الثانية.


لكنها كانت المرة الأولى… التي يؤلمني فيها الأمر بهذه الطريقة.


جلست ببطء على الأريكة. نظرت حولي. كل شيء في مكانه. كل شيء مرتب. كل شيء… غريب عني.


تنفست بعمق، لكن الهواء لم يكن كافيًا.


لم أكن غاضبة.


كنت… فارغة.


نهضت دون تفكير كبير. قادتني خطواتي مباشرة إلى الغرفة. فتحت الخزانة، ووجدت يداي شيئًا لم ألمسه منذ سنوات.


حقيبة قديمة.


نفس الحقيبة التي جئت بها إلى منزل زوجي عام 1985، مليئة بالأحلام، وبالأماني، وبحياة كنت أظن أنها ستدوم إلى الأبد.


وضعتها على السرير.


وفتحتها.


طويت بلوزة. ثم أخرى. كانت حركاتي بطيئة، شبه آلية، وكأن شخصًا آخر يقرر بدلي.


على الطاولة، كانت صورة زوجي تنظر إليّ.


اقتربت منها.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

— يا رجل… — همست بابتسامة لم تدم — أعتقد أنني فهمت الآن.


شعرت بعينيّ تمتلئان بالدموع.


— في هذا البيت… لم أعد ذات حاجة.


أغلقت الحقيبة.


وفي اللحظة التي حملتها فيها لأغادر… سمعت صوت مفتاح يُدار في الباب الرئيسي.


جعلني صوت المفتاح أتجمّد في مكاني.


للحظة، ظننت أنه خيالي. أن الصمت يخدعني. لكن لا. انفتح الباب ببطء، ودخل خيط من الضوء… وخطوات مسرعة.


— أمي؟


كان صوت كارلوس.


اضطرب قلبي. ليس فرحًا. بل… ارتباكًا.


شدَدت قبضتي على مقبض الحقيبة. لم أتحرك. لم أدرِ هل أخفيها أم أتظاهر بأن شيئًا لم يحدث.


اقتربت الخطوات.


ثم ظهر عند باب الغرفة.


توقف فجأة.


انخفضت عيناه مباشرة إلى الحقيبة المفتوحة على السرير.


— ما هذا؟ — سأل، عابسًا.


لم يكن صوته غاضبًا. بل كان مرتبكًا، كأنه دخل مكانًا لا يريد أن يكون فيه.


ابتلعت ريقي.


— لا شيء… كنت أرتّب بعض الأمور — أجبت، متجنبة النظر إليه.


صمت.


ثقيل. خانق. كأن كل ثانية أثقل من سابقتها.


أطلق كارلوس ضحكة قصيرة متوترة، من تلك التي لا تحمل أي طرافة.


— أمي، لا تبالغي… خرجنا فقط لتناول الطعام، وليس الأمر—


— لن أنتظر عودتكم — قاطعته بهدوء.


فاجأني صوتي. لم يكن يرتجف.


رفع نظره.


وللمرة الأولى… نظر إليّ حقًا.


— ماذا تقصدين أنك لن تنتظري؟


تنفست بعمق.


— سأغادر، يا كارلوس.


بقيت الكلمات معلّقة بيننا.


بسيطة. واضحة. لا رجعة فيها.


— تغادرين؟ إلى أين؟


كان في صوته الآن شيء آخر. ليس قلقًا… بل دهشة، كأن الفكرة لا تنتمي إلى عالمه.


هززت كتفيّ قليلًا.


— إلى مكان لا أكون فيه عبئًا.


هذه المرة، لم يكن الصمت محرجًا.


بل كان… قاسيًا.


فتح كارلوس فمه، لكن لم تخرج أي كلمة. مرر يده في شعره، وتقدم خطوتين داخل الغرفة، كأنه يبحث عن طريقة لإصلاح الموقف.


— أمي، أنتِ تسيئين فهم كل شيء. الأمر فقط بسبب المساحة، لا أكثر.


أومأت.


— بالطبع. المساحة.


أغلقت الحقيبة بعناية، متأكدة أن كل شيء في مكانه. كان الأمر غريبًا… حياتي كلها كانت داخل تلك الحقيبة.


سنوات من الذكريات اختُزلت في قماش وسحّابات.


— ثم… — تابع بسرعة أكبر — أنتِ تعرفين كيف هي ماريانا… المطعم مزدحم، وصوفيا تصبح مضطربة… أردنا شيئًا هادئًا.


— هادئًا؟ — كررت بهدوء.


نظرت إليه.



نعم يا بني. هادئًا جدًا. من دوني.

تنهد كارلوس، وقد بدا عليه الضيق.


— لماذا تجعلين الأمر أكبر مما هو؟


نظرت إليه لحظات. أردت أن أقول الكثير. أردت أن أسأله متى توقف عن رؤيتي، ومتى توقف عن احتياجي.


لكنني بدلًا من ذلك… ابتسمت.


تلك الابتسامة التي تتعلمها الأمهات حين لا يرغبن في الجدال.


— لا أجعله أكبر — قلت بهدوء — أنا فقط أراه بوضوح.


حملت الحقيبة.


تقدم خطوة.


— وماذا عن البقية؟ عن البيت؟ عنا؟


أطلقت ضحكة خفيفة. لا مرارة فيها. ولا سخرية.


بل تعب.


— البيت لك، يا كارلوس. كان دائمًا لك.


خطوت نحو الباب.


— وأنتم… لقد تعلمتم أن تكونوا بخير من دوني.


آلمه ذلك. رأيته في عينيه. لكنه لم يقل شيئًا.


لأنه، في أعماقه… كان يعلم أنه صحيح.


مررت بجانبه. شعرت بحضوره، بتردده، بصمته.


— وإذا حدث لك شيء؟ — تمتم أخيرًا.


توقفت لحظة.


دون أن ألتفت.


— لقد عشت هنا عامين — قلت بهدوء — والشيء الوحيد الذي حدث… أنني توقفت عن الوجود.


خرجت من الغرفة.


كل خطوة نحو الباب الرئيسي كانت أخف. كأن شيئًا في داخلي يتحرر، طبقة بعد طبقة.


عندما وصلت، وضعت يدي على المقبض.


بارد.


حقيقي.


كان كارلوس خلفي. ليس قريبًا. ليس بالقدر الكافي.


— أمي… — قال مرة أخرى.


هذه المرة… لم أجب.


فتحت الباب.


لفحني هواء الشارع. كان مختلفًا. حرًا.


خطوت خطوة إلى الخارج.


ثم أخرى.


لم أنظر إلى الخلف.


ليس لأنني لا أريد…


بل لأنني أعلم أنه إن فعلت، قد لا أملك القوة لأكمل.


أغلقت الباب بهدوء.


دون صوت.


كأنني لم أكن هناك يومًا.


كانت الليالي الأولى الأصعب.


غرفة صغيرة مستأجرة في بيت قديم جنوب مونتيري. سرير قاسٍ، نافذة بالكاد تسمح بدخول الضوء، وصمت… مختلف.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

لكنه لم يكن مؤلمًا.


بل كان مرافقًا.


في البداية، كنت أعدّ النقود قبل شراء أي شيء. أحسب كل مصروف، كل وجبة. لم تكن الحياة التي تخيلتها… لكنها كانت حياتي.


وهذا… غيّر كل شيء.


مرت الأيام.


ثم الأسابيع.


وجدت عملًا أساعد فيه في مطبخ صغير. لا أناقة


فيه. ولا أهمية. لكن يديّ تذكرتا. دائمًا تتذكران.

التقطيع، الخلط، التتبيل.


الخلق.


في المرة الأولى التي تذوق فيها أحدهم طعامي وابتسم… شعرت بشيء لم أشعر به منذ سنوات.


القيمة.


ومع الوقت، بدأت صاحبة المكان تثق بي. تتركني مسؤولة، تسألني عن رأيي. حتى إنها غيّرت بعض الوصفات بناءً على اقتراحاتي.



 

— في طعامك شيء مميز — قالت لي يومًا.


ابتسمت.


ربما… ما زال لدي ما أقدمه.


وفي تلك الأثناء، في البيت الآخر… تغيّر الصمت أيضًا.


بدأ كارلوس يلاحظ أمورًا.


صغيرة في البداية.


لم يعد أحد يطوي ملابسه كما كنت أفعل. لم يعد أحد يسأله إن كان قد تناول طعامه. لم يعد أحد يترك له كوب ماء قرب سريره.


كانت صوفيا تسأل عني.


— أين جدتي؟


وكانت ماريانا… تتجنب الحديث.


حتى جاء يوم فتح فيه كارلوس خزانة الغرفة التي كنت أنام فيها.


فارغة.


تمامًا.


حينها فهم.


لم أغادر غاضبة.


ولم أغادر لألفت الانتباه.


غادرت… لأني لن أعود.


في تلك الليلة، أخذ مفاتيح السيارة.


— سأذهب لأبحث عنها — قال.


لكنه لم يكن يعلم…


أنه حين يجدني، لن أكون المرأة نفسها التي تركها.


لم يستغرق كارلوس وقتًا طويلًا ليجدني.


لم يكن الأمر صعبًا. مونتيري ليست كبيرة حين تعرف من تبحث عنه… خاصة حين تبدأ بملاحظة كل ما كنت تعتبره أمرًا مسلمًا به.


استغرق الأمر ثلاثة أيام.


ثلاثة أيام من السؤال، ومن التجوال في شوارع لم يسر فيها من قبل، ومن دخول أماكن لم يتخيل أن يجدني فيها.


حتى أخبره أحدهم:


— هل تبحث عن دونيا إلينا؟ التي تطبخ… نعم، هي هناك، في المطعم الصغير عند الزاوية.


عندما وصل، وقف عند الباب.


لم يدخل فورًا.


بقي ينظر.


ولم… لم يتعرف عليّ مباشرة.


لأن المرأة التي في الداخل لم تكن المرأة التي تركها.


كنت واقفة أمام الموقد، أحرّك قدرًا بهدوء. كنت أرتدي مئزرًا بسيطًا، وشعري مرفوع، ويداي مشغولتان… وظهري مستقيم.


كان هناك أناس.


ضحك.


حركة.


حياة.


— ماذا تريد يا سيدي؟ — سألت دون أن أنظر، وقد اعتدت إيقاع المكان.


لم يُجب كارلوس.


لم يستطع.


اقترب ببطء، كأن كل خطوة ثقيلة.


— أمي…


توقفت يدي.


لثانية فقط.


ثم عدت إلى التحريك.


كأن شيئًا لم يكن.


— سأخدمك حالًا — قلت بنبرة مهنية.


لكن صوتي… لم يكن كما كان.


وقد لاحظ ذلك.


بقي واقفًا، لا يدري ماذا يفعل. وللمرة الأولى منذ زمن… لم يكن مسيطرًا على الموقف.


عندما انتهيت، مسحت يدي بالمئزر ورفعت رأسي.


تلاقت أعيننا.


صمت.


لكنه لم يكن صمت ذلك البيت.


هذا… لم يكن مؤلمًا.


— مرحبًا يا كارلوس — قلت بهدوء.


ابتلع ريقه.


— أمي… أنا…

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

لم يكمل.


لم يكن بحاجة إلى ذلك.


رأيت في وجهه كل ما لم يقله من قبل.


الندم.


الذنب.


والفراغ الذي تعلم أخيرًا أن يسميه.


— كنا نبحث عنك — قال أخيرًا بصوت خافت — صوفيا تسأل عنك كل يوم.


أومأت ببطء.


— إنها طفلة لطيفة.


لا شيء أكثر.


لا عتاب.


لا دموع.


وذلك… آلمه أكثر من أي كلام.


— عودي إلى البيت — قال فجأة — من فضلك. لقد تحدثنا… يمكن أن تتغير الأمور.


نظرت إليه لحظات.


لا غضب.


لا حقد.


فقط… وضوح.


— تتغير لمن؟ — سألت.


خفض نظره.


لم يكن لديه جواب.


تنفست بعمق.


— يا كارلوس… أنا لم أغادر لأنكم لا تحبونني… غادرت لأنني أنا نفسي توقفت عن حب نفسي.


رفع رأسه، مصدومًا.


— قضيت سنوات أحاول ألا أكون عبئًا. ألا أتكلم. ألا أزعج. كنت أصغر… أصغر… حتى اختفيت.


صمت.


وهذه المرة… شعر به.


حقًا.


— وفي ذلك اليوم… عندما قلت إنه لا يوجد مكان لي… كنت فقط تؤكد ما كنت أشعر به منذ زمن.


توقفت لحظة.


ثم نظرت حولي.


— لكن هنا… هناك مكان لي.


شدّ شفتيه. وامتلأت عيناه بالدموع.


— أمي… سامحيني.


ها هي الكلمة.


الكلمة التي لم تأتِ لوقت طويل.


والتي


ظننت أنني لن أسمعها.

لكن عندما جاءت أخيرًا…


لم تعد تؤلمني كما كنت أظن.


ابتسمت.


ابتسامة مختلفة.


هادئة.


— لا شيء يحتاج إلى مسامحة — قلت.


وكان ذلك صحيحًا.


لأن الغفران لا يأتي دائمًا كما نتخيله.


أحيانًا… يأتي عندما لا نعود بحاجة إليه.


اقترب خطوة.


— إذًا… لن تعودي؟


نظرت إليه.


ولأول مرة منذ سنوات…


لم أتردد.


— سأزوركم — قلت بهدوء — أنا أمك. هذا لا يتغير.


أضاء بصيص أمل في عينيه.


لكنني أضفت:


— لكنني لن أعود للعيش في مكان لا يوجد فيه متسع لي.


كان الصمت الذي تلا ذلك مختلفًا.


لم يكن محرجًا.


بل… حاسمًا.


أومأ كارلوس ببطء.


كمن يفهم شيئًا… متأخرًا جدًا.


— هل يمكنني أن آتي لزيارتك؟ — سأل، كطفل.


ابتسمت.


— متى شئت. لكن تعال كابن… لا كمن يريد إصلاح شيء.


أومأ.


ولأول مرة… لم يحاول الإلحاح.


بقي لحظات ينظر إليّ.


كأنه يحاول أن يحفظ ملامحي.


ثم…


استدار.


وغادر.


في تلك الليلة، أغلقت المطبخ متأخرة أكثر من المعتاد.


كان التعب حاضرًا.


لكن كان هناك أيضًا… سلام لم أعرفه من قبل.


جلست قرب نافذة الغرفة الصغيرة


التي أصبحت أسميها بيتي. في الخارج، كانت المدينة تسير بإيقاعها. ضجيج، أضواء، حياة.

وأنا… لم أعد أشعر أنني خارجها.


حملت فنجان قهوة بين يدي.


دافئ.


حقيقي.


لي.


نظرت إلى الفراغ لحظات… ثم ابتسمت.


ليس لأن كل شيء مثالي.


بل لأنني، ولأول مرة منذ زمن طويل…


كان لي مكان في هذا العالم.


 

تعليقات

close