رواية قرية الزمهرير الفصل السادس الأخير بقلم مصطفى محسن حصريه
رواية قرية الزمهرير الفصل السادس الأخير بقلم مصطفى محسن حصريه
كنت باصص للحج عبد الرحمن واللوحة في إيده وقلبي مش مرتاح… مش عارف ليه بس حسيت إن اللي جاي مش مجرد مواجهة مع شوية ناس… ده دخول في حاجة أعمق بكتير، حاجة لو دخلناها مش هنخرج زي ما دخلنا… شادي كان واقف جنبي ساكت بس عينه فيها نفس الإحساس… خوف مخلوط بإصرار، الحج عبد الرحمن بص لنا وقال: الليلة دي يا ولاد… يا نكسر العهد… يا نبقى جزء منه، الكلمة دي فضلت ترن في ودني وأنا مش قادر أتجاهلها… جزء منه… يعني إيه؟ يعني ممكن نتحول لحاجة تانية؟ ولا نختفي زي باقي الناس؟… سكت لحظة وبعدين قولت: إحنا جاهزين… حتى لو التمن حياتنا، شادي بصلي وهز راسه وقال: النهاية لازم تيجي… يا إحنا يا هما، الحج عبد الرحمن ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: يبقى اتحركوا… الوقت قرب… المغرب أذّن… ومع أول صدى للصوت وهو بيعدّي بين البيوت، كل باب في قرية الزمهرير اتقفل… واحد ورا التاني، خرجنا من البيت بهدوء والدنيا بدأت تظلم… الجو كان تقيل بطريقة غريبة، كأن الهوا نفسه شايل حاجة مش مفهومة… مشينا ناحية الترعة ومن هناك بدأنا نطلع طريق ضيق محدش يعرفه… الطريق كان صعب والظلمة بتزيد حوالينا، كل خطوة كنت حاسس إن في حد بيراقبنا… بس كل ما أبص ورايا ملاقيش حد… أو يمكن… كنت مش عايز أشوف… :
-
وصلنا لنقطة قريبة من الجبل، والحج عبد الرحمن وقف وقال: من هنا هنبدأ… المدخل السري قريب، بس اسمعوا كويس… أول ما ندخل… مفيش رجوع، بصيت له وقلت: إحنا فاهمين، بس هو كمل: لا… مش فاهمين… اللي جوه ده مش زى بره، المكان بيغيرك… بيشوف ضعفك… ويدخل منه، شادي قال: يعني هنشوف إيه؟ رد بهدوء: أسوأ حاجة جواك… وأكتر حاجة فقدتها، الكلمة دي خلت قلبي ينقبض فجأة… من غير سبب واضح، بس حسيت إن في حاجة مستنياني جوه… كملنا مشي لحد ما وصلنا لفتحة صغيرة بين الصخور… لو حد معدي قدامها مش هيلاحظها أصلًا، الحج عبد الرحمن نزل على ركبته وحرك حجر معين… وفجأة الأرض تحتنا اتحركت سنة صغيرة وظهر مدخل ضيق مظلم… نزلنا واحد واحد… أول ما دخلت حسيت إن النفس تقيل… أو يمكن… المكان نفسه مش عايزنا نتنفس، الممر كان ضيق جدًا لدرجة إن كتافي كانت بتلمس الجدران… والحجارة عليها رموز… رموز غريبة… متكررة… كأنها مكتوبة من سنين طويلة… بس الغريب شكلها مش بإيد بشر أصلًا… :
-
وفجأة… سمعنا صوت… همس… خفيف جدًا… بيقول اسمي: عاصم… اتجمدت مكاني، بصيت حواليا مفيش حد… شادي قال بصوت واطي: إنت سمعت؟ قلتله: أيوه… بس ما وقفتش، افتكرت كلام عبد الرحمن… المكان بيلعب بالعقل… بس الصوت رجع تاني… أوضح: عاصم… تعالى… أنا هنا… كان صوت أبويا… اللي مات من سنين… رجلي وقفت غصب عني… قلبي بدأ يدق بطريقة غريبة… كأن في حاجة بتشدني ناحية الصوت… عبد الرحمن شدني بسرعة وقال: متقفش!… افتكر كلامى!، فوقت فجأة وكملت مشي بالعافية، بس الصوت كان بيقرب… لحد ما وصلنا لنقطة أوسع شوية… الحج عبد الرحمن وقف فجأة وقال: وصلنا بداية المغارة… ومن هنا… كل حاجة هتختلف، بصيت قدامي… الظلمة كانت أعمق… وفجأة… شوفنا نور… بعيد… وسمعنا أصوات رجالة… نفس الستة… واقفين حوالين حفرة كبيرة… وفي النص… واحد متربط… الحج عبد الرحمن بص لنا وقال بصوت واطي جدًا: القربان بدأ… دي فرصتنا الوحيدة… يا نوقفهم دلوقتي… يا كل حاجة تضيع… وفي اللحظة دي… قبل ما نتحرك… حسيت بحاجة بتلمس كتفي من ورا… لمسة تقيلة… باردة… ومعاها صوت قريب من ودني بيهمس: اتأخرت… يا عاصم… إحنا مستنيينك من زمان… ولما لفيت ورايا… شوفت حاجة خلت دمي يتجمد في عروقي… لأن اللي واقف ورايا… ماكنش بني آدم خالص… :
-
قلبي كان هيقف، شوفت ظل واقف ورايا… ملامحه مش واضحة… بس إحساسه تقيل… تقيل بطريقة تخليك عايز تهرب بس رجلك مش بتتحرك…
وفجأة… الحج عبد الرحمن شدني ناحية وراه وهو بيصرخ: ما تبصش في عينه!، وفي نفس اللحظة طلع اللوحة الخشبية ورفعها قدام الكائن، الرموز اللي عليها بدأت تنور نور خافت بس واضح، والهواء حوالينا اتحرك بقوة كأن في حاجة اتخبطت في المكان كله، الكائن صرخ صرخة مش بشرية… صرخة خلت دماغي توجعني، وبعدين رجع لورا واختفى جوه الضلمة… وقعت على ركبتي وأنا بحاول أتنفس، بصيت لعبد الرحمن وقلت بصوت متقطع: ده… ده كان إيه؟، رد وهو بيبص قدامنا: دي مش حاجة واحدة… دي بداية بس… ركز… إحنا داخلين على الأصعب… بصيت قدامنا تاني… الستة واقفين حوالين الحفرة… النور اللي معاهم ضعيف بس كفاية يبين وشوشهم… نفس الناس… نفس الرعب… والراجل المتربط في النص بيتحرك بالعافية… الحج عبد الرحمن قال: لازم نكسر الطقس قبل ما النفس الأخير يطلع منه… شادي قرب مني وقال: أنا هروج الناحية التانية… يمكن اكتشف حاجة… وأنا بصيت له وهزيت راسي من غير ما أفكر… بس جوايا حاجة صغيرة كانت بتقول… في حاجة غلط… بس تجاهلتها… :
-
بدأنا نتحرك… كل خطوة كانت تقيلة… الأرض نفسها كأنها بتقاومنا… واحد من الستة رفع راسه فجأة وقال: في حد هنا… قلبي وقع… لكن عبد الرحمن رفع اللوحة وقال بصوت قوي: كفاية لحد هنا… الطقس ده مش هيكمل … الستة بصوا له… وبعدين واحد منهم ابتسم وقال: رجعت يا عبد الرحمن… افتكرناك انت مش مت من زمان… عبد الرحمن رد: كنت هموت… بس ربنا كتبلي أرجع عشان أنهي اللي بدأتوه… واحد تاني قال وهو بيبصلي: وده مين؟… القربان الجديد؟… :
الكلمة دي خلت جسمي يتجمد… بس حسيت بإيد على كتفي… شادي… قال بهدوء: متخافش… أنا معاك… عبد الرحمن بص عليه نظرة غريبة… نظرة شك… بس ما اتكلمش… :
-
فجأة واحد من الستة رفع إيده… والراجل المتربط بدأ يصرخ بصوت عالي جدًا… صرخة مش طبيعية… كأن روحه بتتسحب منه… كان فيه رموز مرسومة على الأرض نورت… والمغارة كلها اهتزت… :
عبد الرحمن صرخ: دلوقتي! أمسحواالرموز… جريت وبدأت أمسح الرموز بإيدي… كانت سخنة… بتحرق جلدي… بس كملت… شادي كان جنبي بيساعدني… أو على الأقل… أنا كنت فاكر كده… :
-
فجأة… حسيت إن إيده مسكت دراعي بقوة غريبة… قوة مش طبيعية… بصيت له… لقيت عينه… اتغيرت… سودة… مش عين بني آدم… اتجمدت… وقلت: شادي…؟ :
ابتسم… ابتسامة باردة…
-
فجأة… حسيت إن إيده مسكت دراعي بقوة غريبة… قوة مش طبيعية… بصيت له… لقيت عينه… اتغيرت… سودة… مش عين بني آدم… اتجمدت… وقلت: شادي…؟ :
ابتسم… ابتسامة باردة… رجعت لورا بخوف… عبد الرحمن صرخ: ابعد عنه يا عاصم… بصيت له وأنا مش فاهم… قال بصوت تقيل: ده مش شادي… الدنيا لفت بيا… قلت: إنت بتقول إيه؟… ده صاحبي… عبد الرحمن قرب خطوة وهو رافع اللوحة: صاحبك مات من زمان… وانت عارف… بس عقلك رفض يصدق… اللي قدامك ده… كائن تابع ليهم… معمول عشان يوصلك لحد هنا… الكلام نزل عليا زي الصدمة… الصور رجعت في دماغي… حادثة شادي… موته… الجنازة… كل حاجة… بصيت له تاني… “شادي” كان واقف بيبتسم… بس وشه بدأ يتشقق… زي قناع بيتكسر… وطلع من تحته شكل تاني… حاجة مش بشر… وجسمه مش ثابت… كأنه دخان متجمع…
قال بصوت متداخل: كنا محتاجينك تيجي برجلك… وفعلاً جيت… صرخت… :
الكائن قال: أنا اللي خليتك تثق فيا… وأنا اللي جبتك هنا… :
عبد الرحمن رفع اللوحة وقال: كفاية تمثيل… انتهى دورك… النور طلع من اللوحة أقوى بكتير… الرموز عليها بدأت تتحرك كأنها حية… والكائن صرخ وتراجع لحد ما اتبخر فى الجو… راجل من الستة قال: اتحركوا بسرعة: واقتلوهم!… :
-
المغارة اتحولت لساحة حرب… الأرض بتتهز… الأصوات بتصرخ… الرموز بتنكسر… :
عبد الرحمن دخل بينهم مباشرة… كأنه مش خايف… اللوحة في إيده بتطلع نور قوي… وكل ما يقرب منهم يتراجعوا… واحد منهم حاول يهجم عليه… بس أول ما قرب… اتحرق كأنه لمس نار… واختفى في لحظة… باقي الستة بدأوا يتراجعوا… واحد ورا التاني… كأن قوتهم بتضعف… قال واحد منهم: الطقس اتكسر… لازم ننسحب… وقبل ما ينسحبوا صخرة كبيرة من المغارة وقعت عليهم وماتوا…
وفي نفس اللحظة… المغارة كلها بدأت تنهار… سقفها بيقع… الأرض بدات بتتشقق… :
عبد الرحمن جري ناحيتي وقال: فك الراجل المربوط ده مفيش وقت!… :
فكيته بسرعة وجرينا… الحجارة بتقع حوالينا… الصوت كان مرعب… كأن الجبل كله بيقع فوقنا… :
قبل ما نخرج بلحظة… بصيت ورايا… وشوفت اللوحة… وقعت على الأرض…
عبد الرحمن وقف لحظة… وبص لها… وقال بهدوء غريب: دي كانت الضحية… :
وفجأة… اللوحة انفجرت نور… نور غطى المغارة كلها… ووقف الانهيار لحظة كأن الزمن اتجمد… :
مسكني عبد الرحمن وشدني لبرا… خرجنا… :
وأول ما خرجنا… الجبل كله انهار ورانا… ودخل في سكون… :
وقعت على الأرض وأنا بنهج… بصيت لعبد الرحمن… قلت بصوت مكسور: شادي… :
سكت لحظة… وبعدين قال: اللي شوفته مكنش شادى… كان وهم معمول عشان يكسرك… :
بصيت ناحية الجبل… وعرفت إن الليلة دي… مش بس غيرت حياتي… دي غيرت حيات اهل قرية الزمهرير…
-
تمت


تعليقات
إرسال تعليق