حين استرددتُ نفسي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
حين استرددت نفسي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
بسم الله الرحمن الرحيم
منذ أن فتحت عيني على هذه الدنيا كنت إنسانة راضية بما قسمه الله لي قانعة بكل ما أملك مهما كان بسيطا. كنت أؤمن وما زلت أن النعمة لا تقاس بكبرها بل بحمد القلب عليها وأن الغنى الحقيقي ليس فيما تملكه اليد بل فيما يطمئن له الصدر. نشأت في قرية صغيرة حيث يعرف الجميع الجميع البيوت مفتوحة لبعضها كما لو أن الجدران خلقت لتزول والقلوب كذلك لا تغلق بابا ولا تخفي وجعا. في السراء والضراء كنا عائلة واحدة نتقاسم الخبز والهم والفرح إذا ضحك بيت ضحكت القرية وإذا بكى أحدنا بكت معه الأزقة.
كبرت وكبر اسمي معي. كان أهل القرية يعرفون فاطمة جيدا يعرفون أخلاقي وطبعي وخجلي لكنهم لم يعرفوا وجهي لأنني منذ بلغت الثالثة عشرة غطيته وصرت أرى في الحياء تاجا لا يرى وفي الستر كرامة لا تشيخ. كنت أعشق الدراسة عشقا لا يوصف الكتب كانت ملجئي حين يضيق العالم والأرقام كانت عالمي الذي أرتب فيه الفوضى لكن في قريتنا كان أقصى طموح مسموح به للبنت هو الوصول إلى الثانوية فقط. وصلت فعلا ثم توقفت توقفت عند بوابة حلمي كما يتوقف المسافر حين يغلق الطريق في وجهه فجأة.
ومع أن معدلي كان عاليا جدا اقتربت مني معلمتي يوما نظرت إلي بعين مليئة بالدهشة والشفقة كأنها ترى شيئا ينكسر ولا تستطيع إنقاذه وقالت
إزاي يا فاطمة ما تفكريش في الجامعة إنت مستواكي يسمح تدخلي أحسن كلية!
خفضت عيني وشعرت بثقل الكلام يسقط على صدري وقلت بهدوء مثقل
يا أبلة أهلي مش موافقين. بيقولوا المصاريف كتير وبعدين سمعنا إن الجامعات
اختلاط وكده
هزت رأسها بعنف والغضب يسبق الكلمات وقالت
مين قال الكلام ده الاختلاط مش زي ما متخيلين!
تنفست بعمق كأنني أبتلع حلما كاملا وقلت بحزن حاولت أن أخفيه
الله يسعدك يا أبلة ما تعلقيش قلبي بحاجة مش هتحصل. أنا خلاص عرفت إن أحلامي هنا هتوقف. بقلم الكاتبة نرمين عادل همام لو عجبتك الرواية نوروني بصفحتي
كانت المعلمة من المدينة جاءت لتعين في مدرستنا منذ سنوات قليلة ولم تكن قد تعودت بعد على حياة القرى حياة بسيطة لكنها قاسية على الأحلام قاسية حين تولد الرغبة أكبر من المسموح به. وعندما بلغت الثامنة عشرة وصلت إلى العمر الذي كانت بنات جيلي يتزوجن فيه العمر الذي تغلق فيه دفاتر الدراسة وتفتح دفاتر العمر بلا استئذان. وفي يوم عادي تقدم لي شاب من القرية اسمه مصطفى. لم يكن من قبيلتي لكن عندنا لم يكن هذا عيبا المعيار الوحيد كان الخلق والدين. سأل أبي عنه عرف أخلاقه فوافق وتزوجنا.
وعشنا أياما كانت بحق من أجمل ما يكون أياما خفيفة كنسمة فجر هادئة كقلب لم يجرب بعد. سكنا في بيت العائلة عمارة كل طابق فيها لابن من الأبناء وكان مصطفى الأوسط وأنا زوجته. وهناك عند تلك العتبة تحديدا بدأ كل شئ
كانت لي سلفة زوجة الأخ الأكبر اسمها مرام. امرأة متسلطة متكبرة تحب أن تكون الكلمة كلمتها والأمر أمرها والبيت بيتها كأن غيرها لا يرى ولا يفهم. كانت تتصرف بثقة من يظن أن الكون صمم ليدور حوله وأن البيوت خلقت لتدار بإشارة من يده وحده. زوجات الأبناء هن من يقمن بكل شيء الطبخ والتنظيف والترتيب وخدمة البيت بأكمله بلا استثناء ولا رحمة من الوقت أو الجسد.
كنا نستيقظ قبل تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
الفجر في الساعة الخامسة تماما حين يكون الضوء ما زال مترددا خلف النافذة والهواء باردا كأن الليل لم يغادر بعد. نبدأ التنظيف ثم الإفطار وبعد ذلك الغداء ثم مرحلة العشاء وفيما بين كل هذا عمل لا ينتهي جهد متواصل لا يعرف الراحة ولا يترك في القلب إلا الإرهاق. شغل شغل شغل وكانت الحياة روتينية ثقيلة تمضي ببطء كأن الأيام تتشابه فلا نكاد نفرق بين صباح وأمس بقلم الكاتبة نرمين عادل همام لو عجبتك الرواية نوروني بصفحتي
مر شهر والحمد لله.
لم تمض أيام كثيرة حتى علمت أنني حامل وكان الفرح يملأ قلبي كما لم يحدث من قبل فرحا يشبه الضوء حين يتسلل إلى غرفة مظلمة فيوقظ فيها كل شيء. رزقني الله بأول مولود ولد كنت أراه الدنيا بأكملها أحمله وكأنني أحمل الحياة نفسها بين ذراعي. كان أول حفيد في العائلة من جهة مصطفى وكان جده وجدته يغمرانه حبا ودلالا وكنت أرى نفسي في تلك النظرات أما محاطة بالنعمة والطمأنينة.
لكن هذه النعمة لم ترض مرام. منذ ذلك اليوم تغير كل شيء. صار اهتمام الجدين بابني نارا تأكل صدرها ورأيت الحقد يكبر في عينيها حقدا علي وعلى طفلي معا. بدأت تثقلني بأعمال البيت كلها حتى صرت وحدي أقوم بكل شيء وكانت تجلس أحيانا وقد وضعت قدما على قدم تشير بيدها في برود قاس
اعملي هنا نضفي هنا عدلي ده النهارده عايزين الطبخة الفلانية.
وأنا أصبر. أقول لنفسي اصبري يا بنت الحلال ما تعمليش مشاكل ما تكبريش الموضوع سيبيه يعدي. كنت أكرر داخلي إنت جاية من بيت محترم أبوك رباك أحسن تربية وأمك ما قصرت في حاجة ما تدخليش البيت ده وتعملي مشاكل. كنت أظن أن البنت إذا طالبت بحقها
تصنف مشاكسة وإذا قالت لا تصبح قليلة الأدب وإذا اعترضت توصف بالقسوة والوقاحة. كنت أظن الدفاع عن النفس عيبا وأن الصمت فضيلة وأن الاحتمال بطولة.
كنت صغيرة. تزوجت في الثامنة عشرة بلا خبرة في الدنيا ولا فهم لمعنى الحدود. مرت السنوات وجاء طفلي الثاني ثم الثالث. ثلاثة أولاد وحياة روتينية لا يتغير فيها شيء إلا أنا كنت أنا وحدي التي تتغير بصمت.
وعندما كبر ابني الأكبر أسامة قليلا وصرت أوصله إلى المدرسة كل صباح كنت أقف أحيانا أمام البوابة أحدق في البنات بزيهن المدرسي فأشعر بقلب قديم في صدري يستيقظ وأهمس لنفسي يا رب لو كنت أكملت تعليمي لو دخلت الجامعة لو مضيت في ذلك الطريق الذي أغلق باكرا في وجهي. ثم أعود فأبتسم بحزن خفيف وأقول لنفسي كمن يربت على جرحه الحمد لله لماذا ننظر دائما لما ليس في أيدينا ولا ننظر لما أغدق الله به علينا أليس أولادي نعمة أليست هذه الحياة رغم قسوتها مملوءة بخير خفي ثم أمضي وأكمل يوما جديدا من الصبر صبر يشبه العادة ويشبه العبادة بقلم الكاتبة نرمين عادل همام لو عجبتك الرواية نوروني بصفحتي
كنت أذكر نفسي دائما أنا متزوجة عندي زوج يحبني وأولاد وحياة مستقرة فلماذا أطمع في أكثر من ذلك كنت أوبخ قلبي حين يضعف يا بنت احمدي ربنا ما تبقيش طماعة فأبتلع أمنياتي وأمضي. وكنت أحرص بين الحين والآخر على لقاء صديقات المدرسة هذه متزوجة وتلك مطلقة وتلك زوجة ثانية وكلنا نمشي في دروب الحياة بنفس الإيقاع المتعب نحمل أيامنا ونجر خلفنا التعب ونتظاهر بالقوة كي نستمر.
مرت السنوات على هذا الروتين الثقيل أولاد وبيت وهموم لا تنتهي. ثم رزقني
الله بعد ثلاثة أولاد
ببنت وكانت تلك آخر حملي فقد حذرني الطبيب أن الحمل بعدها قد يعرض حياتي للخطر. وكانت ابنتي روحي وقلب عمري وكانت في قلب أبيها شيئا لا يشبه أي شيء. كان مصطفى يعشقها عشقا لا يوصف يدللها ينفذ كل طلب لها مستحيل أن يرفع أحد صوته عليها أو يقول لها لا. كانت ملكة البيت بلا منازع تمشي فيه كضوء صغير يبدد شيئا من عتمة الأيام.
ومرت الأيام إلى أن جاء ذلك الحلم. حلم غريب مقلق لا يغادرني. استيقظت منه فزعة أقول لنفسي إيه اللي أنا حلمت بيه ده وليه فقلت خلاص أنساه. ده من الشيطان. لكن الحلم عاد ثم عاد مرة ثالثة كأنه يطرق باب قلبي بعناد لا يحتمل. وقفت عندها عاجزة فذهبت إلى أبي وقلت له يا بابا أنا بحلم بالحلم ده كتير. إيه تفسيره ارتبك أبي قليلا ثم قال ولا حاجة يا بنتي في أحلام مالهاش تفسير. اذكري ربنا وانفثي عن شمالك.
لكن الحلم لم يرحل بل صار أوضح وجوه كانت ضبابية ثم بدأت تتشكل ومع كل مرة كنت أستيقظ وكأن شيئا ما يزاح عن عيني. وفي إحدى الليالي أدركت الحقيقة المرعبة الرجل في الحلم كان مصطفى. جلست على السرير وأنا أرتجف أنظر إليه نائما بجواري وأهمس لنفسي مين الست اللي معاه ليه الحلم ده بيتكرر في حاجة غلط ولا أنا اللي مش فاهمة ثم استغفرت ربي سريعا وقلت استغفر الله مصطفى مش كده. مصطفى راجل محترم يعرف ربنا. إحنا عايشين مع بعض بقالنا سنين عشر يمكن اتناشر سنة. لو كان ناوي يتجوز كان عملها من الأول.
كنت صادقة مع نفسي. لم أكن مقصرة معه. كنت أدبر البيت بحرص أوفر من المال أؤجل احتياجاتي لأجل أولادي وأقول دائما الفلوس
دي لأولادي للبيت لزوجي. ذلك هو تفكير الأمهات قلب يوزع نفسه على الجميع ولا يحتفظ بشيء لنفسه بقلم الكاتبة نرمين عادل همام لو عجبتك الرواية نوروني بصفحتي
.لكن الحلم لم يتركني. كان يطاردني كما يطارد الظل الجسد في ضوء قاس لا مهرب منه ولا نجاة. لم أعد أحب النوم بل صرت أهابه أخاف أن أغمض عيني فأقع من جديد في تلك الدوامة نفسها. شغلت نفسي بالبيت بالأولاد بالزيارات بالطبخ والتنظيف ملأت أيامي حتى الاختناق وتناسيته عن قصد لكنه لم ينسني. كان يسكن صدري أسمعه داخلي كل ليلة كنبض ثقيل وأشعر به يتمدد في أعماقي بصمت مرعب.
كنت أخشى أن أقول لمصطفى أنا شاكة فيك بسبب حلم لأنني أعرف مسبقا ماذا سيكون رده إنت بتهلوسي بتشكي في جوزك عشان حلم أعرف نبرته وحدة غضبه إذا شعر أن أحدا يشك فيه فآثرت الصمت وابتلعت خوفي وتركت الشك ينمو في صدري وحده بلا صوت بلا شاهد.
لكن الأمر ازداد ثقلا حتى بلغني التعب من الداخل ذلك التعب الذي لا يرى. وصلت إلى حدي. ذهبت إلى شيخ غير أبي وقصصت عليه الحلم بكل تفاصيله. أنصت طويلا ثم سألني من إمتى والحلم ده بيتكرر قلت من فترة. هز رأسه ببطء وقال اللي باين من الرؤيا إن جوزك يعرف واحدة تانية. وقفت مذهولة كأن الأرض انسحبت من تحت قدمي. قال لي إن الحلم حين يتكرر بهذا الشكل يكون رؤية لا مجرد أضغاث.
خرجت من عنده وأنا أكاد أختنق. لم أحتمل. ذهبت إلى شيخ ثان ثم ثالث والتفسير واحد كأنه حكم لا مهرب منه.
وفي تلك الليلة دخل مصطفى من عمله نظر إلي وقال ببرود قاتل اسمعي أنا متجوز. ضحكت ظننتها مزحة ثقيلة
قلت من جدك فأخرج عقد الزواج ووضعه أمامي. في تلك اللحظة انهار العالم. صرخت بكيت سألت عاتبت توسلت أنا قصرت في إيه خدمت بيتك ربيت ولادك استحملت أهلك عمري ما طلبت حاجة ليه تعمل فيا كده كان صامتا ثم قال بكل برود ده حقي وما عملتش حاجة تغضب ربنا.
حينها شعرت أنني رخيصة في عينيه وأنني عشت عمرا كاملا أتنازل حتى اختفيت. لم أعد أحتمل. جمعت أغراضي. ركض ورائي. دخل أبوه وأمه على صراخي وقلت لأول مرة بصوت عال ابنكم اتجوز علي. قالت أمه من حقه الشرع محلل له أربعة. فصرخت وأنا حقي فين!
ثم نطق الاسم هاجر.
هاجر المرأة الأكبر منه بعشر سنوات امرأة في عمر أمه تقريبا.
ساد الصمت.
قال أبوه غاضبا إنت مريض!
حاول مصطفى أن يتذرع بالدين فقاطعه أبي بغضب لم أره في حياته اسكت!
وقف مصطفى فجأة
و تف في وشي.
وفي اللحظة دي والله العظيم ما عرفت أضحك ولا أبكي.
المشكلة لم تكن في السن بل في المنطق نفسه. قلت في سري وأنا أرتجف هذا ليس إنسانا طبيعيا هذا رجل مريض. أنا لم أقصر يوما معه خدمته احترمته حملت بيته فوق رأسي ودفنت تعبي في صدري دون شكوى ثم في النهاية يتزوج علي امرأة أكبر منه بسنوات لماذا ماذا وجد عندها ولم يجده عندي نظرت إلى أبيه وقلت أنا طالعة من البيت. قال بصوت مكسور
اعذريني يا بنتي واعتذر لك عنه خليك في بيتك مع ولادك.
فقلت له وأنا أرتعش ترضى لبناتك يحصل فيهم اللي حصل فيا
التفت إلى أمه التي ما زالت تردد ببرود من حقه.
فقلت لها ترضين لبناتك كده كما تدين تدان الدنيا دوارة يا خالتي.
وكان الأطفال يصرخون
والبكاء يملأ المكان وأنا واقفة وسط كل هذا الخراب كأنني أتهاوى من الداخل أتساءل هل كنت مخطئة نعم كان المفروض أفكر في نفسي فقط لكن لم يكن ذلك بيدي. في تلك اللحظة اكتشفت أنني عشت مع رجل لا أعرفه.
عدت إلى بيت أهلي وفي القرى الأخبار تجري أسرع من النار في الهشيم خلال ساعات كانت القرية كلها تعرف. بعضهم قال مصطفى اتجوز واحدة كبيرة
وبعضهم قال ساخرا مصطفى اتجوز أمه
والله العظيم ربنا رد لي حقي على ألسنة الناس قبل أن يرده إلى قلبي. رأيت نظراتهم له من فوق لتحت سمعت همساتهم القاسية إزاي تاخده على دي الست دي مش بتستحي. واحدة كبيرة تتجوز واحد قد عيالها. وعرفت أن عندها أولادا كبارا وأنها لم تعد تخرج من بيتها من شدة الفضيحة.
أمي وقفت بجانبي كجدار لا يهتز وقالت هتتطلقي ومش هترجعي لراجل خاين. بنتي خدمته وخدمت أهله وسكتنا علشان تحبه لكن الجوازة دي دي النهاية.
ثم رفعت الهاتف وكلمته خلي عيالها عندك وخلي مراتك الجديدة تربيهم. بنتي هتتجوز أحسن منك وفي مليون راجل يتمناها.
وأغلقت الخط في وجهه.
أما نفسيتي فكانت كأنها موضوعة تحت عجلة قطار لا يتوقف. بيت أهلي صار كالمزار السياحي ناس تشمت ناس تواسي ناس تسأل عرفها إزاي ليه اتجوزها جلست هناك لا أعرف كم مر من الوقت أسبوع أم أسبوعان حتى جاء ذلك اليوم الذي دخلت فيه سارة سلفتي الثانية زوجة الأخ الأصغر يا قلبي عليها. كانت الوحيدة التي أحبتني بصدق.
جلست أمامي وعيناها مليئتان بالخوف علي قبل أن تمتلئا بالكلام وقالت بصوت هادئ وجعه أقسى من الصراخ اسمعي
والله العظيم أنا عارفة اللي
حصلك غلط ومافيش حاجة في الدنيا هتخفف اللي في قلبك بس في حاجة لازم تعرفيها. سكتت لحظة ثم أكملت أولادك مرام بتعاملهم أسوأ معاملة من يوم ما مشيتي بتخلي ولادها يتنمروا عليهم وتستغل إن أنا مش موجودة وتعمل فيهم اللي يكسر القلب. شعرت كأن قلبي وقع في قدمي. ثم قالت وهي تنظر إلى الأرض وكمان جاب هاجر مرات جوزك البيت بتاعك. فصرخت من أعماقي بيتي!
قالت وهي تشد على يدي كأنها تنتشلني من هوة لا قرار لها
أيوه بيتك. بتحاول تقعدها وسط عيالك وتقول لهم دي أمكم الجديدة. ثم تابعت بنبرة أكثر حنوا وصدقا أنا معاكي في أي قرار بس خلي بالك اللي هيبقى لك في الدنيا دول عيالك وبس.
من تلك اللحظة لم أعد أرى نفسي لم أعد أرى شيئا في هذا العالم سوى وجوه أطفالي. صرت أمشي وأنا أحملهم في صدري قبل أن أحملهم في يدي. جلست أفكر أسيب نفسي ولا أسيبهم أي طريق فيه نجاتي لا يمر عبرهم صليت وبكيت ودعوت وقلت من قاع قلبي يا رب مفيش حد فاهمني غيرك.
وبعد أيام دخلت على أبي بهدوء غريب لم أعرف مصدره وقلت
أنا راجعة لجوزي.
صرخت أمي
مستحييييل!
نظرت إليها بثبات لم أعرفه في نفسي من قبل وقلت
راجعة علشان عيالي مش علشانه. ومن النهارده أنا هحارب علشان نفسي وعلشان ولادي وبس.
رجعت. دخلت البيت فوجدت الخراب في كل شيء في الجدران في الوجوه في الروح. أطفالي كانوا كالأيتام بنتي شعرها معكوك ملابسهم بايظة البيت مقلوب. ركضوا نحوي وهم يصرخون
ماما متسيبناش تاني بقلم الكاتبة نرمين عادل همام لو عجبتك الرواية نوروني بصفحتي
ضممتهم وقلت
أنا عمري ما هسيبكم.
نظفت البيت غسلتهم سرحت شعر بنتي وضحكنا قليلا كأن الضحك محاولة يائسة
لترميم ما تهدم. وهو كان واقفا يراقب ينتظر أن أتكلم وأنا كأنني لا أراه. أكلت مع أطفالي ذاكرت لهم نممتهم ثم دخل ورائي وقال
مش هنتكلم
قلت ببرود لم أعرفه في نفسي يوما
نتكلم عن إيه روح سخن أكلك من المطبخ.
من تلك اللحظة انتهى مصطفى. وانتهت معه المرأة القديمة التي كنتها. وبدأت حياتي من جديد.
وفي رأسي انفتحت فجأة نافذة نور كأن غرفة مطفأة منذ سنين أضيئت دفعة واحدة ليه ما أرجعش أكمل تعليمي أنا كنت شاطرة مجتهدة وتركت المدرسة علشان الجواز وعلشان كلام الناس وعلشان القرية.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
قمت في نفس اليوم لبست وذهبت إلى المدرسة الثانوية التي درست فيها. دخلت وقابلت الأبلة التي كانت دائما تقول لي
يا فاطمه إنت لازم تدخلي جامعة.
فرحت حين رأتني وسألتني عن أخباري فقلت لها بهدوء شجاع
أنا عايزة أرجع أكمل تعليمي.
نظرت إلي باستغراب جميل وقالت
طبعا ينفع.
قلت
عندي أولاد والظروف صعبة ومش هقدر أداوم كل يوم.
ابتسمت وقالت
ولا يهمك بس لازم تمتحني اختبار القبول.
قلت
أنا مستعدة لأي حاجة.
خرجت من المدرسة وأنا أشعر أنني أتنفس لأول مرة منذ سنوات. مررت على البنت التي تبيع أشياء من المدينة اشتريت كل ما اشتهيته لبس شوزات عطور شنط ثم قلت في نفسي مش لنفسي بس. فاشتريت لأولادي كل شيء. عدت إلى البيت طبخت أوصلتهم من المدرسة أكلنا سويا ثم دخل مصطفى وقال باستغراب
غريبة مستنيتينيش للغدا.
قلت له بهدوء قاتل هدوء امرأة لم يعد في قلبها شيء يكسر
العيال جعانين ومش هستناك وإنت غالبا هتاكل عند مراتك.
بص لي مصدوما كأن الكلام ضربه في وجهه. تجاهلته والتفت إلى أولادي وقلت بصوت دافئ لا يشبه البرود الذي واجهته به
يلا
يا حبايبي اللي خلص يذاكر واللي عايز ينام يريح شوية.
رجع لي وقال باستغراب حائر
إنت مالك
ابتسمت ابتسامة لم أعرفها في نفسي من قبل وقلت
أنا أبدا بالعكس شكرا ليك إنت صحيتني.
سكت. ظل واقفا قليلا ثم عاد بعد لحظة يسأل بصوت منخفض
كان فيه فلوس في الدولاب راحت فين
قلت بهدوء ثابت
صرفتها عليا.
شهق
كلها!
قلت وأنا أنظر إليه بلا أي ندم
آه النسخة القديمة الغبية ماتت.
ومن ذلك اليوم بدأت أعيش.
اشتريت موبايل جديد بدأت أشتغل أونلاين طلبت حاجات لنفسي اهتميت ببشرتي بشعري بروحي. كنت أقف أمام المراية وأقول بصوت مسموع دي مش أنا القديمة دي فاطمه الجديدة.
واللي جاي هو اللي هيخلي القصة تقف على رجليها بقوة.
جاني يوم من الأيام ودخل مصطفى علي مصدوما متوترا واصلا لآخره وجهه محمر وعينه طالعة من مكانها وصوته مشدود كوتر مشدود زيادة عن اللزوم
إنت من جدك ولا بتستهبلي!
رفعت عيني من على الدفتر وقلت بهدوء يغيظه
خير إيه الهجوم ده الناس بتقول السلام عليكم مش بتدخل هايجة كده.
قرب مني وهو مخنوق
إنت فعلا رجعتي تكملي دراستك!
قلت وأنا أقفل الكشكول
آه داومت النهارده.
ضحك بسخرية جارحة
إنت عايزة الناس تضحك عليك!
بصيت له من فوق لتحت وقلت بلا تردد
لا والله مش أكتر من ضحكهم عليك لما اتجوزت واحدة قد أمك.
انفجر
اسمعي إنت مش هتدرسي.
قمت ووقفت قصاده وبصيت في عينه من غير خوف من غير ارتباك من غير المرأة التي كان يعرفها
لا والله لأدرس. غصب عنك برضاك أو من غيره. رأيك ده شيله لنفسك من اللحظة دي مش مهم عندي.
وطويت صوتي فجأة وخفضته بحدة هادئة حدة الأم التي تعرف أين تضرب
ووطي صوتك ولادي لو سمعوك نفسيتهم
تتدمر.
فضل باصص لي مش مصدق
إنت مش هي نفسها اللي اتجوزتها.
ابتسمت ابتسامة وادعة كأنها جنازة امرأة قديمة وقلت
آه صح ديك الهبلة الغبية ماتت. الله يرحمها. ماتت لما مصطفى قرر يبقى الشخص اللي هو بقى عليه بقلم الكاتبة نرمين عادل همام لو عجبتك الرواية نوروني بصفحتي
ومن اليوم ده
بدأت أدرس فعلا.
الكل في البيت كان مستغرب.
العيون بتراقب والناس بتبص والهمس ما وقفش
همس يتسلل بين الجدران يسأل عن المرأة التي عادت ولم تعد هي نفسها.
وفي يوم
وأنا داخلة البيت
لقيت مرام سلفتي الكبيرة واقفة عند منتصف الصالة
واقفة كأنها صاحبة المكان كأن البيوت تمنح لمن يرفع صوته أولا.
قالت بنبرة مصطنعة يكسوها الزيف
يا قلبي أنا زعلت يوم ما مشيتي.
بصيت لسارة سلفتي الحنونة وقلت بهدوء يحمل امتنانا صادقا
ربنا يسعدك يا سارة شكرا على اهتمامك بولادي وسؤالك عنهم.
هاجر كانت واقفة تبص لي بنظرة سامة
نظرة امرأة تعرف أن الأرض التي تقف عليها ليست أرضها.
قالت مرام بحدة مقنعة بابتسامة
طب ليه ما تشكرينيش أنا
لفيت لها بهدوء بارد البرود الذي يولد بعد انكسار طويل وقلت
أشكرك على إيه يا حبيبتي على إنك دخلتي الأفعى دي بيتي ولا على إنك خليتي عيالك يتريقوا على عيالي
وسكت البيت كله.
سكون ثقيل نزل فجأة كأن الهواء نفسه وقف يستمع.
واللي جاي
هو اللحظة اللي فاطمه هتفرض فيها وجودها لأول مرة.
بنتي كانت واقفة تبص لي مش مصدقة اللي أنا بقوله.
قالت مرام بنبرة باينة فيها السخرية
طيب معلش مقدرة إنك زعلانة بس التنضيف النهارده عليك.
رفعت عيني لها وقلت بهدوء ثابت هدوء امرأة وصلت لحدها
نعم
قالت وهي مستغربة
التنضيف عليك.
قلت من غير تردد ولا خوف ولا تراجع
لا والله مش أنا.
قطبت حواجبها
يعني إيه
قلت بوضوح كلمة كلمة
اللي سمعتيه. أنا من
النهارده مش هأنضف ولا أطبخ ولا أخدم حد. أنا أعمل أكل لولادي بس وأنضف بيتي بس.
يا الله تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه و
قامت الدنيا وما قعدتش.
مرام انفجرت غضبا
إنت بتستهبلي ده دورك! إنت كده!
رفعت صوتي لأول مرة من سنين صوت امرأة بتسترد نفسها
وطي صوتك وإنت بتكلميني. كفاية لحد كده. كلمي زين وإلا هسمعك بطريقة تانية.
دخلت أم جوزي على الصوت
ما يصحش الكلام ده يا بنات استحوا!
بصيت لها بثبات
أستحي ليه! هو حد فيكم استحى قبل كده
مصطفى دخل يهواش قال كلمتين مالهمش أي لازمة
وأنا سيبتهم كلهم وطلعت
وأنا لأول مرة في حياتي حاسة إن ظهري مستقيم.
ومن اليوم ده
بدأت أحلى أيامي.
كنت أروح الجامعة يومين في الأسبوع
وأذاكر وولادي بيذاكروا معايا
نقعد حوالين الطاولة الصغيرة
دفاترنا متشابكة كأننا نبني مستقبلنا سطرا سطرا.
لحد ما اتخرجت بمعدل يشرف.
وفي نفس الفترة
أول فرع بنك يفتح في قريتنا
قدمت واتقبلت.
راتب محترم
وشغل أونلاين جنب الشغل رغم سوء النت
وكنت أجمع وأجمع وأجمع
وأحوش في حسابي من غير ما حد يعرف.
قلت لمصطفى وقتها
إحنا خلاص أخوات في البيت. أنا أنام مع بنتي وإنت لوحدك.
ومن اليوم ده
كل حاجة
في اتغيرت
جسمي شكلي نفسيتي روحي.
الناس بقت تبص وتهمس
دي اللي اتسابت واتجوز عليها!
الحمد لله
اشتريت شقة باسمي من غير ما حد يعرف.
ولدي الكبير بس اللي عرف.
سبعتاشر سنة راجل يعتمد على نفسه ويسوق عربية.
والأولاد
حبهم لأبوهم مات.
مش كره
بس برود.
مافيش عشرة مافيش قرب.
وأنا
بدأت أتمرن في البيت
أهتم بأكلي
وأبني نفسي من جديد
على مهل وبقلب وجعان للحياة كانت الأيام تمشي واللي جاي كان اللحظة اللي فاطمه هتقفل فيها باب الماضي وراها نهائيا. كل حاجة بقت الحمد لله وأنا بقيت أحلى أشيك أهدى أقوى. ومصطفى كان بيجن أكتر كل يوم. وأنا بقى صدقا نفسي عافت عنه مش قادرة أتقبله قلت خلاص
_مش عايزاك بعد عني.
هو بقى ما بقاش عنده غير الست الكبيرة اللي اتجوزها وكان ييجي يهددني ويقول هتجوز تالتة فأبص له وأنا هادية
وأرد وأنا أروح أخطب لك بنفسي وأجوزك التالتة والرابعة النهارده قبل بكرة أنا قاعدة هنا عشان ولادي بس.
عملت حاجة مجنونة نقلت كل حاجتي في أوضة بنتي وقفلت الأوضة علينا وحرمت عليه يدخلها والله ما بقاش يطيق نفسه. وفي يوم جت زوجته التانية واقفة بتصرخ
_إنت
فاكرة نفسك جميلة عشان الناس تبص لك إنت رخيصة!
وأنا كنت ببصلها بهدوووء وأتلذذ بالنار اللي مولعة في قلبها وهي تصرخ هو يحبني أنا! أنا حبيبته!
فقلت لها طب اهدي من قال لك أصلا إني عايزاه والله لو جه دلوقتي وقال لي تعالي نطلق أقول له ياريت! كتر خيرك. إنت اقنعيه يطلقني. كانت مصدومة
فقلت لها بهدوء قاتل وقتك انتهى. اطلعي بره بيتي. صرخت ده بيت جوزي! قربت منها وقلت لا. ده بيتي. دخلتي بإذن وتطلعي من غيره. وطلعت.
مصطفى جه يزعق قلت له اسكت ولو رجعت تدخل بيتي تاني متلومش إلا نفسك. ومن ساعتها سكن عندها. وبعد فترة رن تليفوني
العجوز بتقول تعالي خدي جوزك تعبان.
قلت أخده ليه هو علبة
قالت جلطة تعب مش قادرة أستحمله.
ضحكت جوه نفسي وبعت ابني الكبير يجيبه رجع مكسور والست ولا حتى سلمت عليه. وهنا بدأت آخر فصول سيطرة فاطمه على حياتها.
سألت الدكتورة بهدوء مكسور حالته إيه ممكن يرجع زي الأول هزت رأسها ببطء وقالت للأسف الحالة ميؤوس منها. وفي اللحظة دي
الست اللي اتجوزها مصطفى بعد ما خرب بيته وحياتي هي نفسها اللي طلبت الطلاق.
والله العظيم
الرب جاب لي حقي وأنا قاعدة مكاني.
وقتها قلت في سري حسبي الله ونعم الوكيل.
السنين عدت وهي بنفسها طلبت الطلاق وأم مصطفى اللي كانت بتبرر له كل حاجة طلعت تفضحها في البلد وهي تفضح فيه والسمعة نزلت الأرض.
ما شفقتش عليه.
لأ ده حقي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام لو عجبتك الرواية نوروني بصفحتي
أكتر حاجة كانت توجعني
ولادي
نظرات الناس ليهم.
نظرات ما تنساش ولا تتنسي.
قعدت مع مصطفى ست شهور.
يحاول. يعتذر. يبكي.
يقول لي
أنا حقير ما عرفتش قيمتك.
سمعته بهدوء من غير غضب من غير دموع من غير وجع ظاهر وقلت له
أنا هنا عشان ولادي وبس. قدام ربنا عملت اللي علي. لكن قلبي ما قدرش يرجع.
نفسي عافت.
والقلب لما يعاف ما يرجعش.
النهارده
أنا خريجة جامعة.
لي شغل.
لي شقة.
ربيت ولادي.
وأبويا فخور بيا.
وأقول لكل واحدة سامعاني
العيب مش فيك العيب في أصل اللي قدامك.
فاطمه ما انهزمتش.
هي بس اتكسرت الأول.
وبعدها قامت.
وفي النهاية تعلمت أن الله لا يترك قلبا صبر طويلا دون جبر
وأن الكرامة حين تحفظ يعود العمر أجمل مما كان
وأن المرأة حين تقوم من انكسارها لا تعود كما كانت بل أقوى أصفى وأصدق
وهكذا أغلقت باب الماضي وفتحت للحياة بابا يليق بي.
بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
تمت


تعليقات
إرسال تعليق