الاب يعود
الاب يعود
رجعت من المأمورية قبل ميعادها ب 3 أيام.. بنتي مكنتش في أوضتها، ومراتي قالت لي إنها عند جدتها.. رحت هناك جري، بس لقيت بنتي واقفة في حفرة في جنينة البيت ورا، متبهدلة من العياط والبرد.. قالت لي بصوت بيترعش تيتا قالت لي إن البنات الوحشين مكانهم القبر.. كان عندها تلات سنين من بس!
شلتها بسرعة وحضنتها، ولسه هتحرك لقيتها بتهمس في ودني يا بابا.. بلاش تبص في الحفرة التانية..
علاء المنشاوي قضى 6 شهور طوال في الخدمة العسكرية على الحدود، كان بيأدي واجبه بكل فخر، بس الأيام كانت تقيلة ومبتخلصش.. وحشة بنته إيمي اللي عندها 7 سنين كانت بتاكل في قلبه، خصوصاً إنه فوت عيد ميلادها ومكنش معاها.. صوت الرصاص والمدافع كان أهون عليه من السكوت اللي بيحس بيه وهو بيفكر فيها وفي ضحكتها.
فجأة، المأمورية خلصت لظروف استثنائية.. ركب أول طيارة، ومنها على أول ميكروباص وصله لبلده في أرياف مصر.. ساق طول الليل، والطريق كان بيسحب قدامه وهو ملوش غير فكر واحد إيمي.
وصل البلد مع خيوط الفجر الأولى، شاف بيته المتواضع، وشاف المرجيحة اللي معلقها لبنته في شجرة التوت قدام البيت.. كل حاجة زي ما هي، والهدوء في البلد كان غريب على ودنه اللي اتعودت على ضرب النار.. ركن العربية ونزل وهو ملهوف يكبس عليهم ويفاجئهم.
دخل البيت، لقى الباب موارب.. قلبه قبضه، هو دايماً يوصي مراته بثينة تقفل الترباس كويس، خصوصاً وهو مش موجود.. دخل البيت لقى الدنيا مقلوبة؛ المواعين في الحوض، ورق مرمي على الترابيزة، وشنطة بثينة مرمية في الأرض بإهمال.. طلع الجري على أوضة النوم.
لقى بثينة نايمة بهدوم الخروج،
وجنبها إزازة دوا فاضية أو ريحة المكان توحي إنها مش في وعيها.. هزها جامد لحد ما فاقت وهي مش مركزة.. علاء؟ أنت جيت إمتى؟ إيمي فين؟
رد عليها بصوت ميت، صوت العساكر وقت الجد بنتي فين يا بثينة؟
قالت له بتلجلج عند أمي.. بعتت لك إيميل وقلت لك إنها هناك من يوم الثلاثاء عشان ورايا شغل ومصالح..
علاء بص لها بشك، بثينة في ال 12 سنة جواز مكنتش بتعرف تكذب عليه، وعينيها دلوقتي كانت بتقول إن فيه مصيبة مستخبية.. سابها ونزل ركب عربيتة وطار على بيت حماته الحاجة مرضيّة في آخر النجع.
حماته مكنتش بتطيقه، ست غامضة وناشفة، ودايماً غرقانة في حكايات الروحانيات والزهد بطريقة غريبة.. أول ما وصل لقى الأنوار قايدة، والحاجة مرضيّة واقفة على الباب كأنها مستنياه بثينة كلمتني وقالت لي إنك جاي.. البنت نايمة يا علاء.
علاء محترم كلامها، بس قلبه كان حاسس بحاجة غلط.. دخل يدور في البيت ملقاش حد، طلع على الجنينة اللي ورا.. وهناك كانت الصدمة.. حفرة غريقة في نص الأرض، وإيمي واقفة جواها ببيجامتها، بتترعش من السقعة والتراب.
بابا!.. صرخت البنت أول ما شافته.. علاء شالها في ثانية، كانت متلجة وهدومها غرقانة طين.. لفها بجاكت البدلة العسكرية بتاعته وحضنها وهي بتشهق من العياط بقيتي هنا من إمتى يا بنتي؟.
قالت له وهي بتموت من الرعب مش عارفة.. تيتا قالت لي إن البنات اللي مبيسمعوش الكلام مكانهم القبور.. لازم أتربى يا بابا.. لازم أتعلم الأدب.
دموع علاء نزلت، نار ولعت في قلبه.. إزاي جدة تعمل كدة في لحمها ودمها؟ لسه بياخدها ويمشي، إيمي مسكت في رقبتة وقالت له بهمس يقطع القلب يا
بابا.. عشان خاطري.. بلاش تبص في الحفرة التانية اللي هناك دي.
حفرة إيه يا إيمي؟
أرجوك.. بلاش تبص.
علاء طلع الكشاف بتاعه، وشاف حفرة تانية بعيد شوية، متغطية بخشب قديم.. مشي ناحيتها وهو حاسس ببرودة في جسمه كله.. شال الخشب، والريحة كانت صعبة، ريحة عفونة وتراب ومواد كيماوية.. وجه الكشاف لتحت، ودمه اتجمد في عروقه.
عضم.. عضم صغير.. جمجمة طفل واضحة زي الشمس.. ومعاها حتة قماش مهلهلة، وسلسلة صغيرة محفور عليها اسم سارة كمال.
علاء عرف إن الموضوع مش مجرد عقاب لبنته.. دي مقبرة وجريمة بشعة متخطط لها.. طلع موبايله، صور 3 صور بسرعة، وغطى الحفرة تاني وهو عارف إن اللي جاي مش هيعدي على خير..
علاء لَف بنته إيمي في حضنه أكتر، كأنه بيحاول يدخلها جوه ضلوعه عشان يحميها من السواد اللي شافه. بص ناحية البيت، لقى حماته الحاجة مرضيّة واقفة ورا شباك المطبخ، ملامحها في الضلمة زي الشبح، مابتتحركش، بس عينيها كانت مراقبة كل خطوة بيخطيها.
نزل إيمي في الكنبة اللي ورا في العربية وقالها بصوت هادي وهو بيحاول يداري رعبته اقفلي الأبواب عليكي يا قلب بابا، وماتفتحيش لأي حد مهما حصل.. دقيقة وراجعلك.
علاء مكنش هيمشي من غير ما يفهم مين سارة كمال دي وإيه اللي بيحصل في البيت الملعون ده. رجع دخل البيت بخطوات عسكرية ثابتة، لقى الحاجة مرضيّة قاعدة على الكرسي الهزاز وبتحرك سبحة في إيدها، وبتقول بصوت واطي كلنا رايحين للتراب يا علاء.. بنتك كانت محتاجة تطهر قلبها من بدري.
علاء قرب منها وهو ضاغط على سنانه تطهر قلبها في حفرة يا حاجّة؟ وسارة كمال اللي مدفونة ورا دي.. كانت بتطهر
قلبها هي كمان لحد ما ماتت؟
السبحة وقعت من إيدها، وبصت له بجمود سارة دلوقتي في مكان أحسن.. كانت زي بنتك كدة، شقية ومابتسمعش الكلام، وأمها بثينة مكنتش عارفة تسيطر عليها.. أنا بس ساعدتهم.
الصدمة لجمت لسان علاء.. بثينة؟ مراته؟ سارة دي تبقى مين؟
افتكر فجأة كلام الناس في البلد من سنين عن بنت بثينة من جوزها الأولاني اللي مات، اللي قالوا إنها تاهت في الموالد ومحدش لقاها.. أتاريها كانت هنا، مدفونة في جنينة جدتها وبمعرفة أمها!
في اللحظة دي، سمع صوت عربية بثينة وهي داخلة الجنينة بسرعة وصوت فراملها بيصرخ. دخلت البيت وهي بتنهج، وشها أصفر زي الليمونة.. بصت لعلاء وبعدين بصت لأمها وللحفرة اللي اتكشفت ورا.
بثينة وقفت مكانها وانهارت والله ما كان قصدي يا علاء! أمي قالت لي إنها بتأدبها.. قالت لي البنت محتاجة خلوة عشان الشيطان يطلع منها.. ولما ماتت في إيدها، خفت.. خفت أتحبس وأضيع أنا كمان!
علاء بص لمراته باحتقار معمرهوش حسه لبشر قبل كدة. الست اللي ائتمنها على بيته وبنته، طلعت مشاركة في جريمة بشعة ضد طفلة بريئة، وبتكرر نفس المأساة مع بنته إيمي.
مسك موبايله واتصل برئيس المباحث في المركز كان زميله في المدرسة
يا فوزي.. هات القوة واطلع على بيت الحاجة مرضيّة.. عندي جثة مدفونة هنا، وعندي اعتراف بالقتل.
بثينة حاولت تمسك في رجله وهي بتعيط عشان خاطر إيمي يا علاء.. بلاش توديني في داهية، بنتنا هتعيش إزاي وأمها مسجونة؟
علاء زق إيدها عنه بكل قوته وقالها بكلمة واحدة هزت البيت
بنتي مالهاش أم.. أمها ماتت من سنين، واللي قدامي دي شيطانة.
أخد بنته في حضنه ومشي، ومن مراية العربية شاف أضواء البوليس
وهي بتحاصر البيت.. إيمي نامت من كتر التعب، وعلاء حلف وهو بيبوس راسها إنها مش هتشوف يوم أسود تاني طول ما هو عايش، وإن حق سارة اللي راح غدر، هيرجع بالقانون وبالشرع.
علاء مشي بالعربية وقلبه واجعه على البنت اللي نايمة ورا، إيمي اللي شافت رعب ميكفيش مية راجل كبير. كان بيسوق وهو بيفكر في سارة الطفلة اللي ذنبها الوحيد إنها وقعت في إيد ناس معندهاش رحمة باسم الدين والتربية.
وصل علاء البيت، لم هدوم إيمي وكل حاجة تخصها في شنطة واحدة. مكنش طايق يقعد في المكان ده دقيقة واحدة كمان، البيت اللي كانت مراته بثينة قاعدة فيه وهي شايلة سر مقتول تحت التراب.
بعد يومين، الخبر سمع في البلد كلها زي الحريقة. المباحث طلعت جثة سارة، والطب الشرعي أكد إنها ماتت من الجوع والخوف جوه الحفرة. بثينة وحماته مرضيّة وقفوا قدام النيابة، وبثينة كانت بتنهار وبترمِي الحمل كله على أمها، بتقول هي اللي قالت لي إن ده تأديب شرعي وان البنت فيها جن!.. لكن القانون مبيحميش المغفلين، ولا القلوب اللي ماتت فيها الرحمة.
علاء قعد مع إيمي في بيت جده القديم، بعيد عن ذكريات بيتهم المسموم. البنت كانت لسه بتصحى من النوم مفزوعة بتصرخ بلاش الحفرة يا بابا!. علاء كان بيخدها في حضنه ويقرأ لها قرآن لحد ما تهدا.
في يوم، وهما قاعدين في الجنينة، إيمي بصت له وقالت بابا، سارة كانت بتكلمني من تحت الأرض.
علاء جسمه قشعر بتقولك إيه يا حبيبتي؟
قالت
له ببراءة كانت بتقول لي اصبري، بابا علاء جاي في الطريق.. هو اللي هينقذنا.
علاء في اللحظة دي عرف إن ربنا رجعه من المأمورية بدري لسبب.. إنه مكنش بس بينقذ بنته، ده كان بيبرد نار سارة الغلبانة ويجيب حقها عشان روحها ترتاح.
بثينة والحاجة مرضيّة خدوا حكم مؤبد بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد. وعلاء كمل حياته ل إيمي وبس، بقى هو الأم والأب، وعوضها عن كل اللي شافته، وكل ما يشوفها بتضحك، كان بيفتكر إن الحق دايماً صوته عالي، وإن الستر آخره بينكشف لو كان مبني على دم وظلم.
بعد شهور من الحادثة، علاء قرر يبيع كل حاجة ويطلع برا النجع خالص، مش بس عشان يهرب من كلام الناس، لكن عشان إيمي متبقاش قريبة من أي مكان يفكرها باللي حصل. اشترى شقة صغيرة في مدينة تانية، وبدأ يبني حياة جديدة خالص.
وفي ليلة من ليالي الشتا، وعلاء قاعد بيراجع دروس إيمي، لقاها سكتت فجأة وبصت للصورة اللي معلقها على الحيطة.. صورة قديمة ل سارة جابها من ملفات التحقيق عشان يحطها لروحها صدقة جارية.
إيمي قالت بصوت هادي بابا.. أنا حلمت بسارة النهاردة.
علاء ساب القلم من إيده وقرب منها حلمتِ بإيه يا حبيبتي؟
قالت وهي مبتسمة لأول مرة بصفاء شفتها لابسة فستان أبيض وشكله جديد أوي، ومكانش فيه طين على إيدها.. قالت لي قولي لبابا شكراً عشان هو خلاني أشوف النور.
علاء حس إن جبل انزاح من على صدره. الكلمتين دول كانوا الخاتمة اللي مستنيها عشان
ينام وهو مرتاح.
النهاية للقصة دي مكانتش في المحكمة
بثينة وأمها قبعوا ورا القضبان، والبلد كلها اتبرت منهم، وبقوا عبرة لكل واحد بيستخدم القسوة أو الجهل باسم التربية والدين.
علاء قدم استقالته من الخدمة عشان يتفرغ لتربية بنته، وفتح ورشة نجارة صغيرة، وكان كل قطعة خشب بيصنعها بيطلع جزء من تمنها لله، بنية إن ربنا يغفر ل سارة ويحفظ إيمي.
ومرت السنين، وإيمي كبرت وبقت عروسة، وفي يوم فرحها، علاء كان واقف ماسك إيدها، وبص للسما وقال في سره يا رب، أنا أديت الأمانة..
وهي ماشية جنبه، مالت على ودنه وهمست عارف يا بابا.. الحفرة اللي كنت فيها زمان دي، كانت هي اللي خلتني أعرف قيمتك وأعرف إنك سندي في الدنيا.
علاء ابتسم ودموعه في عينه، وعرف إن ربنا عوضه عن كل لحظة خوف عاشها بضحكة بنته اللي ملت عليه الدنيا، وإن الظلم مهما طال ليله، لازم الصبح يطلع، والحق يرجع لأصحابه.. حتى لو كانوا تحت التراب.
بعد سنين، إيمي كبرت ودخلت كلية الطب، كانت عايزة تعالج وجع الناس زي ما باباها عالج وجعها. وفي يوم تخرجها، كانت واقفة في الحفلة وماسكة الشهادة بتركيز، وعلاء واقف بعيد بيبص لها بفخر وعينه مليانة دموع.
وهي بتلقي كلمة الخريجين، قالت جملة خلت القاعة كلها تسكت
الإنسان مش بيكبر بسنين عمره، الإنسان بيكبر باللحظة اللي بيقرر فيها يواجه الضلمة عشان يطلّع منها نور.. وأنا مدينة بحياتي كلها للبطل اللي علمني إن الحق عمره ما
بيضيع، وإن الرحمة هي أقوى سلاح في الدنيا.
بعد الحفلة، علاء وإيمي راحوا يزوروا قبر سارة كمال.. علاء كان مهتم بالقبر ده وكأنه قبر بنته بالظبط، كان دايماً يزرع حواليه ورد ويوزع صدقات على روحها.
وقفت إيمي قدام القبر وقالت ارتاحي يا سارة، النور اللي بابا طلّعه يومها لسه قايد، ومحدش هيقدر يطفيه تاني.
وهما راجعين في العربية، إيمي بصت لباباها وقالت له عارف يا بابا، أنا لسه فاكرة ليلة ما رجعت من المأمورية.. ريحة الجاكت بتاعك وهي بتحميني من برد الحفرة كانت هي الأمان اللي خلاني أعيش لحد النهاردة.
علاء طبطب على إيدها وقال لها يا بنتي، المأمورية الحقيقية في حياتي مكنتش الحرب اللي على الحدود، المأمورية الحقيقية كانت إني أحافظ عليكي وأربي فيكي إنسانة تعرف تفرق بين الدين اللي كله رحمة، وبين الجهل اللي بيلبس قناع الدين.
علاء عاش بقية عمره في هدوء، وإيمي كملت مسيرتها، وبقت دكتورة إيمي المنشاوي معروفة في كل مكان بإنها بتعالج الأطفال الغلابة مجاناً، وكأنها بتكفّر عن اللي شافته سارة، وبترد الجميل لربنا اللي بعت لها أبوها في الوقت المناسب.
الخلاصة
البيوت مش حيطان، البيوت أمان.. والستر مش إننا نداري الجريمة، الستر إننا نحمي البريء. وعلاء المنشاوي فضل في نظر بنته وفي نظر كل اللي عرفوا قصته، هو البطل اللي مغلبتوش الحرب، لكنه انتصر في معركة الإنسانية.
هذه القصص مقتبسه من احداث اجنبيه اي لا تمثل مجتمعنا الشرقي


تعليقات
إرسال تعليق