القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 س السر المرعـ,ـب



س السر المرعـ,ـب



السر المرعـ,ـب اللي سابه العم على الكرسي: السبب الحقيقي اللي خلا المدير يطردني


الريح كانت بتهب جامد، والميه من المطر كانت بترش وشّي. بس مش البرد اللي حسيت بيه، ده كان برد الخـ,ـوف الصافي.


وقفت متجمدة، وباصص على الكرسي المعدني الأبيض اللي قبل ثواني كان قاعد عليه العم الكبير. الطبق اللي حضرتله بحب لسه واقع على الأرض، البيض والفول متخلطين مع ميه التراب الوسخ على الرصيف.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

مستحيل يكون الراجل ده اختفى. الشارع طويل ومستقيم، مفيش أي حتة يختفي فيها فجأة. الراجل الكبير ده بمشيته الصعبة، ماكانش يقدر يروح من نظري في اللحظة اللي المدير سامي صـ,ـرخلي فيها. كان اختفى في الهوا كده ببساطة.


بس مش اختفاؤه اللي خلّى المدير سامي يركع على الأرض المبلولة، ويدهس البنطلون الغالي بتاعه. اللي خلّى الدنيا تقلب هو الحاجة اللي العم سابها على الكرسي.


قربت ببطء، ورجلي بتترعش. نفسيتي كانت متقطعة.


على المعدن البارد للكرسي، كان فيه ساعة جيب.


مش أي ساعة. كانت قطعة فضة قديمة، مطموسة وشويّة متكسرة، والغطا بتاعها نصف مفتوح. متغطيه بطين أسود سميك وريحة وحشة جدًا، نفس الطين اللي كان على المعطف وأظافر العم. ريحة الرطوبة، والبيت المغلق، والورد الذابل، وطين المقبرة ضربت أنفي لدرجة إني حسيت إني هتقيأ.


تحت الساعة، باين طرف صورة قديمة ومجعدة، مغطية بالوحل.


المدير سامي كان بيطلع صوت غريب، كأنه بيختنق. عيونه اللي دايمًا مليانة كبرياء وسلطة، دلوقتي كانت حمرا ومليانة رعـ,ـب. كان بيرتج من الخـ,ـوف لدرجة إن سنانه بتتقشر على بعض.


الماضي المظلم ورا إمبراطورية الزجاج


كنت محتاجة الشغل ده. أنا أم وحيدة، والشغل في المطعم ده كان مصدر دخلي الوحيد عشان أدفع الإيجار وأكل بنتي. لما المدير سامي صرخلي «إنتي متشغليش هنا تاني!»، حسيت إن الدنيا وقعت عليّ. أول حاجة خـ,ـطرتلي في دماغي كانت الفقر، إني مش هعرف أكل لبنتي.


بس لما شفت الراجل الغني، صاحب سلسلة المطاعم، واقع على الأرض بيعيط زي طفل خايف، همي الشخصي اختفى. كان فيه حاجة مظلمة وغريبة بتحصل قدامي.


—الساعة دي… أنا اللي حطيتها في تابوته من عشرين سنة… —تمتم المدير سامي بصوت مكسور وريحة لعاب بتسيل من دقنه.


وقفت متجمدة. اللغز بدأ يتجمع في دماغي بطريقة مـ,ـرعبة.


ريحة الطين، الأظافر المدمرة والملغمة بالطين، المعطف القديم… العم ده ماكانش متسول عابر.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

ده كان أبو المدير سامي.


خلال شهور شغلي في المطعم، كنت سامعة إشاعات بين الموظفين القدامى. كانوا بيقولوا إن المدير سامي ما بناش إمبراطوريته بمجهوده. وكانوا بيقولوا إنه شب صغير خدع أبوه، وسرق منه أوراق البيت وكل مدخراته عشان يفتح أول فرع ليه.


طبقًا للشائعات، أبو المدير سامي انتهى في الشارع بيتسول بعد ما ابنه اللي اتربى على إيده سبه يموت. أنا دايمًا كنت فاكرة ده كلام سايب من موظفين زعـ,ـلانين، مبالغات عن المعاملة الوحشة للمدير.


بس لما شفت اللي حصل قدامي، عرفت إن كل كلمة كانت حقيقة. الذنب وحش مش بينام، والماضي دايمًا بيرجع ياخد حقه.


التفاصيل المـ,ـرعبة في الصورة


بالرغم من خـ,ـوفي، الفضول دفعني أمد إيدي. لمست سلسلة الساعة القديمة والمصدئة، كانت ساقعة كأنها محفوظة في فريزر.


بحذر، شلت الساعة وأخدت الصورة اللي تحتها. الورق كان مبلول وريحة تعفن.


نضفتها شوية بالمئزر بتاعي. كانت صورة ملونة، لكنها باهتة من الزمن. الصورة كانت افتتاح نفس المطعم ده من عشرين سنة.


في النص، كان المدير سامي شاب، مبتسم، بيقص شريط أحمر بمقص كبير، حوالينه ناس بتصفق وسياسيين وأضواء لامعة. صورة نجاحه والاحتفال ببداية إمبراطوريته.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

بس عيوني ما وقفتش عليه. راحت للخلف، للشارع المظلم اللي بره، نفس المكان اللي حطيت فيه الكرسي الصبح ده. هناك، على الرصيف، كان العم جالس.


في الصورة، لابس نفس المعطف الوسخ، وباصص على الكاميرا، أو بالأحرى على المدير سامي. وشه كان مليان جوع، تعب وحزن كسّر قلبي.


وأثناء ما ابنه بيحتفل بالشامبانيا والأكل الفخم، هو كان بره، يموت من البرد والجوع.


—مات في نفس الليلة… في نفس الزاوية —اعترف المدير سامي وهو ماسك دماغه وبيتأرجح على الأرض.


الصدمة كانت زي قطار. العم ما رجعش صدفة النهاردة. رجع لنفس المكان اللي ابنه سبه يموت فيه من جوع من عشرين سنة.


والأغرب، إن خلال عشرين سنة، محدش قدم له أي حاجة هناك. لحد النهاردة.


الطبق اللي جيتله بيه بابتسامة كان أول وأخير فعل خير اتعمل معاه في المكان ده. فعلي الصغير، مجرد بقايا فطار، كسّر الحلقة. كان السبب اللي خلّى روح الأب تعاقب ابنه، مش تشكرني أنا.


عدالة الزمن ودرس لا يُنسى


المدير سامي عمره ما رجع زي الأول. النهارده، الإسعاف خدته بعد ما عمل نوبة عصبية قوية في الشارع. كان بيعيط ويصـ,ـرخ إن فيه تراب في بقته وإيدين ساقعة بتسحبه لتحت.


المطعم اتقفل نفس الأسبوع. سلسلة المطاعم كلها وقعت في شلل خلال شهور بسبب سوء الإدارة وغياب المدير اللي انتهى في مصحة نفسية.


شهور بعد كده، سمعت إنه هرب من المصحة. آخر مرة حد شافه، كانوا بيقولوا إنه بيتمشي في شوارع وسط البلد، منحنِي، لابس معطف وسخ، بيهمهم ويدور على أكل في الزبالة. الكارما، العدالة الإلهية، أو أي اسم تحبيه، خلقت العدالة بطريقة قاسية وشاعرية. حولته بالظبط للي هو خلقه.


أما أنا، الطرد اللي كنت خايفة منه، طلع نعمة متخفية. بعد ما خرجت من الجو السلبي ده، لقيت شغل في كافيه صغير وعائلي، بيقدروني وبيعاملويا كويس.


أحيانًا الحياة بتحطنا في مواقف ظالمة أو مخيفة. بكيت كتير لما اتطردت ظلم عشان كنت طيبة. بس دلوقتي فاهمة إن فعلتي البسيط للخير أنقذني. أنقذني من الشغل مع وحش، وعلمّني إن كل فعل ليه صدى.


الثروة الحقيقية مش في البنوك، ولا مطاعم فخمة مبنية على خيانة. الثروة في راحة البال، في نظرة صافية للناس حواليك، وإيدين نظيفة وقلب هادي.


العم اللي في الشارع علمني إن الخير الحقيقي عمره ما يضيع، حتى لو للروح. وإن الذنب، في الآخر، دايمًا بيطلع من القبر عشان ياخد حقه.



أنت الان في اول موضوع

تعليقات

close