اجبرتني حماتي
اجبرتني حماتي
أجبرتني حماتي أن أقيم عزاء زوجي في بيتها لكن في الثانية فجراً، سمعت صوته يخرج من غرفة كانت قد أغلقتها بالمفتاح، وعندما حاولت فتحها، أمسك أخوه بذراعي وهمس إذا أردتِ أن تبقي على قيد الحياة، فتظاهري أنكِ لم تسمعي شيئاً.
في الليلة التي أُقيم فيها عزاء زوجي، لم يسمح لي أحد أن أحزن عليه كما ينبغي.
منذ اللحظة التي وصلت فيها إلى بيت حماتي في أطراف بغداد، كان كل شيء يبدو غريباً، عدد الناس أكبر من اللازم، الدعاء متواصل بلا انقطاع، والعيون تتحرك بقلق كأنها تخفي شيئاً لا يجب أن يُقال، كان الجثمان موضوعاً في وسط غرفة الضيوف ملفوفاً بالكفن الأبيض، تحيط به رائحة البخور وأكواب القهوة المرة، لكن في كل مرة أحاول الاقتراب، كانت حماتي تعترض طريقي بحجة مختلفة.
قالت مرة لا تلمسيه.
ومرة أخرى دعيه يرتاح.
وكأنني غريبة لا زوجته.
كان مصطفى زوجي، شريك حياتي، وأب ابني الوحيد، ومع ذلك كانوا يتعاملون معي كأنني آخر من يحق له الاقتراب.
قالوا إنه تعرض لحادث على الطريق السريع وهو في طريقه إلى بعقوبة، واتصلوا بي عند الغروب ليخبروني أن كل شيء حدث بسرعة، وأن الجثمان لا يمكن رؤيته بسبب حالته، وكانت حماتي أول من كرر ذلك، بنبرة باردة جعلت الدم يتجمد في عروقي.
قالت احتفظي بصورة جميلة له في
ذاكرتك.
لكنني لم أرد صوراً جميلة أردت الحقيقة.
لأن مصطفى، في صباح ذلك اليوم نفسه، قبل أن يخرج من البيت، قبّل جبين ابننا سيف، ثم اقترب مني وهمس بصوت خافت وهو ينظر من النافذة إذا حدث شيء اليوم، لا تثقي بعائلتي.
ضحكت وقتها بتوتر، ظننت أنه يبالغ، فقد كنا بالفعل نعيش خلافات مع أهله منذ أشهر بسبب البيت الذي نسكن فيه، وهو بيت ما زال باسم والده، وكانت عائلته تريد بيعه بأي ثمن، لكنني لم أتخيل أبداً أن ينتهي ذلك اليوم بعزاء وجثمان لا يُسمح لي حتى برؤيته.
مع اقتراب الساعة من الحادية عشرة ليلاً، بينما كان الجيران يقدمون القهوة والتمر في أكواب بلاستيكية، بدأت ألاحظ تفاصيل صغيرة جعلت قلبي ينقبض، كان أخو زوجي، سعد، لا يفارق هاتفه، ينظر حوله باستمرار، وكأن شيئاً يطارده، وكانت حماتي تدخل وتخرج من غرفة في الممر، غرفة كانت دائماً مغلقة، والأسوأ من ذلك كله أن أحداً لم يتحدث عن الحادث بحزن حقيقي، كانوا يهمسون نعم، لكن ليس كمن فقد عزيزاً، بل كمن يحرس قصة لا يجب أن تنكشف.
عندما سألت عن المستشفى الذي نُقل إليه مصطفى، تجاهلتني حماتي، وعندما سألت من الذي تعرّف على الجثمان، رد سعد بعصبية لماذا تريدين معرفة هذا الآن؟
شعرت بفراغ مرعب داخلي.
في الواحدة بعد منتصف الليل، غلب النعاس
ابني سيف، كان عمره ست سنوات فقط، وقد أنهكه البكاء وكثرة الوجوه الغريبة، حملته إلى غرفة الضيوف، ووضعت رأسه على الوسادة، بقيت أراقبه للحظات، ثم هممت بالعودة إلى مجلس العزاء
لكنني سمعت شيئاً.
ثلاث طرقات ثقيلة.
قادمة من جهة الممر.
من الغرفة المغلقة.
تجمدت في مكاني، حاولت إقناع نفسي أنه مجرد صوت عابر، نافذة، أو أنبوب ماء، أي شيء إلا ما كنت أفكر فيه، لكن الصوت عاد مرة أخرى، أوضح هذه المرة، كأن شيئاً يُسحب على الأرض، وكأن نفساً متقطعاً يحاول ألا يُسمع.
فتحت باب الغرفة قليلاً، ونظرت إلى الممر، كان مظلماً، لا يضيئه سوى ضوء خافت قادم من مجلس الرجال، ثم
سمعته.
مزنة
كان صوته.
صوت مصطفى.
لم يكن واضحاً تماماً، لكنه كان هو، شعرت بأن الأرض تميد بي، تقدمت ببطء نحو الباب المغلق، أنفاسي تتقطع، طرقت الباب مرة واحدة، لم يجب أحد، وضعت أذني على الخشب
وسمعته مجدداً، هذه المرة أكثر ضعفاً وأكثر يأساً.
لا تتركيهم
ولم يكمل.
مددت يدي نحو المقبض، كان مغلقاً، وفي اللحظة التي كدت أصرخ فيها
سحبني أحدهم بعنف من ذراعي حتى كدت أسقط.
التفتُ.
كان سعد.
وجهه شاحب، وعيناه مذعورتان، وقطرات العرق البارد تغطي جبينه، أمسك بذراعي بقوة ونظر حوله ليتأكد أن لا أحد يسمعنا، ثم اقترب أكثر، حتى شعرت
بأنفاسه تلامس أذني، وزادت قبضته على ذراعي بشكل مؤلم
وهمس بصوت منخفض، ثابت، خالٍ تماماً من أي انفعال
إذا أردتِ البقاء على قيد الحياة فتظاهري أنكِ لم تسمعي شيئاً.
قالها بهدوءٍ مخيف، دون تهديد، دون رفع صوته، وكأنه لا يخيفني بل ينصحني، كمن يخبرك بأن المطر سيهطل بعد قليل، وأن الأفضل أن تغلقي النافذة.
وهذا ما أربكني.
لم يكن ما قاله
بل الطريقة.
طبيعيته.
حدقت به، عاجزة حتى عن الرمش، بينما قلبي بدأ يخفق بعنف داخل صدري.
همست بصوت مرتجف
ماذا فعلوا بمصطفى؟
ابتلع سعد ريقه، وبدا في عتمة الممر أسوأ بكثير مما كان عليه قبل قليل، قميصه مجعد، ملامحه مرهقة، وقطرات العرق تتسلل من جبينه رغم برودة الليل، لطالما رأيته أضعفهم، ذلك الذي يطيع دون نقاش ثم يبرر خوفه بأنه يريد تجنب المشاكل، لكن في تلك اللحظة لم أرَ ضعفاً.
رأيت رعباً حقيقياً.
قال بسرعة وهو يشيح بنظره
ليس هنا عودي إلى سيف. الآن.
هززت رأسي بعناد، وقلت بصوت خافت لكنه حاد
لن أتحرك حتى أفتح هذا الباب.
اشتدت قبضته على ذراعي أكثر، حتى شعرت بوخز حاد في جلدي.
قال بلهجة قاسية وهو يقترب أكثر
مزنة، اسمعيني جيداً إذا أحدثتِ أي ضجة الآن، فلن تنقذي مصطفى بل ستتسببين في هلاكه.
شعرت بالدم يندفع في رأسي.
نظرت إليه وقلت ببطء، كأنني أتأكد من كلماتي
إذن هو على قيد الحياة.
لم يجب.
لكن
صمته كان كافياً.
على الجانب الآخر من الباب، عاد الصوت مرة أخرى ضربة خفيفة، كأن أحدهم ارتطم بساق السرير، أو جرّ قدمه على الأرض بصعوبة.
أغمض سعد عينيه لثانية، وكأن كل صوت يُسمع هو عدٌّ تنازلي لشيء قادم لا يمكن إيقافه.
قال بسرعة، بصوت خافت لكنه حاسم
ارجعي إلى سيف وانتظريني عشر دقائق خلف المطبخ لوحدك ولا تقولي لزوجة أبي شيئاً
نظرت إليه بشك، وقلت
ولماذا يجب أن أثق بك؟
اشتدت نظراته، ومرّ فيها حزن ثقيل لم أره فيه من قبل، ثم قال ببطء
لو كنت أريد أذيتك لكنت تركتك تفتحين الباب.
ترك ذراعي أخيراً، واستدار مبتعداً في الممر، ثم عدّل من وقفته قبل أن يعود إلى غرفة الجلوس، حيث استمرت تلاوة القرآن، واختلطت رائحة القهوة المحترقة بالبخور، وكل ذلك المشهد بدأ يبدو لي كتمثيل سيئ عزاء بلا حزن، ووجوه تحفظ أدوارها أكثر مما تشعر بها.
بقيت واقفة لثانيتين لا أتحرك.
ثم رفعت يدي، وطرقت الباب بخفة، وكأنني أخشى أن يسمعني أحد أو أن يرد أحد.
همست
مصطفى
لم يأتِ أي رد.
فقط صمت.
صمت ثقيل خانق كأن من في الداخل يكتم أنفاسه عمداً، خوفاً من أن يُكتشف.
شعرت بأن صدري يضيق، وكأن الهواء لم يعد يكفي، أردت أن أصرخ، أن أركض إلى المجلس وأفضحهم جميعاً، أن أكسر كل شيء لكن سيف كان نائماً على بعد أمتار، وجهه الصغير ما
زال منتفخاً من البكاء على أبٍ ربما لم يمت.
أو ربما مات بطريقة أسوأ.
عدتُ إلى غرفة الضيوف.
حملت سيف بين ذراعي، رغم أنه بدا أثقل من المعتاد، وعدّلت وضعيته على السرير برفق، لم أرد أن أتركه لحظة واحدة، لكن شيئاً داخلي كان يدفعني للخروج، لمعرفة الحقيقة مهما كانت.
انحنيت بجانبه، رأيته نائماً، فمه مفتوح قليلاً، وذراعه ملتفة حول لعبته الصغيرة، تذكرت كلمات مصطفى في ذلك الصباح
إذا حدث شيء اليوم فلا تثقي بعائلتي.
اليوم لم يقل يوماً ما لم يقل إذا حدث لي شيء بل قال اليوم.
وكأنه كان يعلم.
وكأنه خرج من البيت وهو يعرف أن هذه الليلة لن تنتهي بشكل طبيعي.
وقفت ببطء، أغلقت الباب خلفي بهدوء، واتجهت نحو المطبخ عبر الممر الجانبي، كان بيت حماتي قديماً، سقوفه عالية، وأرضيته باردة، في طفولتي كان يبدو لي مهيباً أما في تلك الليلة، فبدا ككائن حي، ضخم يتنفس بصمت ثقيل.
كان سعد هناك، يقف بجانب المغسلة، يحمل كوب ماء لم يشرب منه، وما إن رآني حتى خفض صوته فوراً.
ليس لدينا وقت.
نظرت إليه مباشرة وقلت
ابدأ من في تلك الغرفة؟
ترددت عيناه للحظة، ثم انزلقتا نحو الباب البعيد.
وقال كلمة واحدة
مصطفى.
شعرت بأن الأرض تميد بي، رغم أنني كنت أعرف أو ربما كنت أرفض التصديق، لكن سماعها منه كان مختلفاً، كأن الحقيقة انزلقت
أخيراً إلى مكانها الصحيح المرعب.
قلت بصوت شبه مكسور
لماذا هو محبوس؟
مرر سعد يده خلف رقبته بتوتر، ثم قال
لأنه رفض التوقيع.
تجمدت في مكاني.
وسألته ببطء
التوقيع على ماذا؟
نظر إليّ سعد وكأنه يزن كلماته بدقة، كمن يحاول قول الحقيقة دون أن يدفع ثمنها فوراً.
قال بصوت منخفض
بيع البيت وبعض الأوراق الخاصة بأرض في أطراف بعقوبة وأشياء أخرى.
قطبت حاجبي، وقلت بعدم فهم
لا أفهم.
تنهد ببطء، ثم قال
أبي غارق في الديون ديون كبيرة. منذ شهور وهم يحاولون بيع البيت الذي تعيشون فيه، وكذلك الأرض التي ورثها مصطفى عن جده، لكن مصطفى رفض، بل فعل شيئاً لم يتوقعوه نقل ملكية البيت باسمك أنتِ وسيف ليحميه.
وزوجة أبي هي من أقنعته بأن مصطفى خرج عن طوعه، وأنه لم يعد الابن الذي يُعتمد عليه، بل صار في نظرها ولدًا عاقًا يستحق أن يُجبر على التوقيع بأي طريقة.
تجمدت في مكاني.
وتابع بصوت أثقل
زوجة أبي عرفت بالأمر قبل أسبوع.
نظرت إليه، عاجزة عن استيعاب ما أسمع.
في ذلك الصباح قال لي مصطفى إنه ذاهب ليُنهي بعض معاملات التوقيع، كان يرتدي قميصه ويبدو عادياً تماماً، وظننت أنها مجرد مشكلة جديدة مع البنك أو مع والده، لم يخطر ببالي أبداً أن الأمر بهذا الحجم.
رفعت عيني إليه وسألته أخيراً
ماذا فعلوا به؟
وضع سعد الكأس جانباً
دون أن يشرب، وكأن الماء نفسه لم يعد يهم.
قال بصوت خافت
وضعوا له شيئاً.
شعرت بقلبي ينقبض.
ماذا تقصد؟
قال
مهدئ أظنه في القهوة. كانوا يريدون أخذه ليوقّع وهو شبه فاقد للوعي، ومعهم شخص يوثق الأمر لصالح أبي لكن حالته ساءت فجأة، فقد توازنه وتشنج وظنوا أنه يموت بين أيديهم.
شعرت بالغثيان يلتف حول معدتي.
يا الله
أكمل بسرعة
استدعوا طبيباً لا يسأل كثيراً قال إنه لا يزال على قيد الحياة، لكن وعيه متقطع، أحياناً يدرك وأحياناً يغيب. زوجة أبي أصابها الذعر وكذلك أبي ثم قرروا أسوأ شيء يمكن أن يخطر ببال أحد.
نظرت إليه، وقلبي يخفق بعنف.
ماذا؟
قال وهو يشيح بنظره لأول مرة، كأنه يخجل
أن يقنعوا الجميع أنه مات.
شعرت بأن الأرض تميل تحت قدمي.
مات؟
أومأ ببطء، ثم قال
قالوا إنهم إذا أعلنوا أنه توفي في حادث، ستنتهي الإجراءات، والأسئلة، والضجيج وسيكملون الباقي لاحقاً. أخفوه في الغرفة الخلفية بينما أقاموا هذا العزاء.
ابتلعت ريقي بصعوبة، وقلت
والجثمان؟
نظر إليّ مباشرة وقال
فارغ.
طنّ في أذني صوت حاد.
فارغ؟
وضعوا أغطية وبعض الأوزان حتى يبدو طبيعياً إذا اقترب أحد أو حاول تحريكه.
تشبثت بحافة الطاولة كي لا أسقط.
في الخارج كانوا يقرؤون القرآن على روح رجل لم يمت.
يتلقون العزاء ويأكلون ويدعون
بينما هو يتنفس مخدَّراً ومحبوساً خلف باب مغلق.
شعرت برغبة جارفة في تحطيم كل شيء، في الصراخ، في كشفهم
جميعاً لكن صوتي خرج بالكاد مسموعاً
لماذا تخبرني الآن؟
صمت سعد للحظة، ثم قال
لأنني سمعته قبل قليل ينادي باسم سيف ولأن زوجة أبي طلبت مني أن أحتفظ بالمفتاح حتى الصباح فهمت أنهم لم يعودوا يريدون إخفاءه بل يريدون أن يقرروا ماذا سيفعلون به مع الفجر.
تجمدت يداي.
قلت بسرعة
المفتاح معك؟
تردد ثم أخرج من جيبه مفتاحاً صغيراً قديماً، لونه نحاسي.
قال
لا أستطيع إعطاءك إياه هنا هناك من يراقب.
نظرت إليه بحدة
إذن افتح الباب.
هز رأسه
ليس الآن.
قلت بغضب مكتوم
سعد!
اقترب أكثر، وقال بصوت أخفض
اسمعيني أبي يحمل سلاحاً.
تجمدت كلماتي في حلقي.
وأكمل بسرعة، كأنه أخيراً قرر قول كل شيء
منذ بدأت مشاكل الديون، وهو يحتفظ بمسدس في مكتبه واليوم أخرجه. رأيته بنفسي. وإذا أحدثتِ أي ضجة الآن كل شيء سيتحول إلى كارثة.
شعرت بأن جدران المطبخ تضيق حولي.
قلت بصوت مرتجف
وماذا تريدني أن أفعل؟ أن أجلس هناك وأنتظرهم ليقرروا إن كان سيعيش أم لا؟
قال بثبات تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
أريدك أن تفكري لا أن تنهاري.
وقبل أن أجيبه، سُمعت خطوات تقترب.
أعاد سعد المفتاح بسرعة إلى جيبه، ورفع الكأس وكأنه كان يشرب، وفي تلك اللحظة ظهرت حماتي عند الباب.
كانت ترتدي السواد بعناية، ومسبحتها بين أصابعها، ووجهها يحمل ملامح الحزن لكن عينيها لم تكونا كذلك، كان فيهما شيء يقظ حاد كأنه يراقب كل حركة.
قالت بنبرة باردة
ماذا تفعلين هنا؟
أجبت بثبات
أحاول أن ألتقط أنفاسي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة لا تصل إلى عينيها.
هذا ليس وقت التجول في المنزل هناك من يهتم بأمر ابني.
قلت بهدوء
نعم لاحظت ذلك.
وضع سعد الكأس في الحوض وقال
سأعود إلى المجلس.
خرج دون أن ينظر إليّ.
تقدمت حماتي خطوة نحوي، وقالت بصوت منخفض
لا أعرف ماذا تعتقدين أنك سمعتِ لكن تذكري أنك هنا من أجلنا.
نظرت إليها مباشرة.
من أجل ماذا؟
قالت
سيف يحتاج إلى الاستقرار وأنتِ لستِ في موقع يسمح لك بمواجهة هذه العائلة.
قلت ببطء
أنا زوجة مصطفى.
ظهرت على شفتيها ابتسامة باردة.
أنتِ أم ابنه هذا صحيح أما الباقي فيعتمد على أدوار لم تريها بعد.
سقطت كلماتها بيننا كأنها تهديد مغلف.
أردت أن أسألها أن أواجهها لكن صوتاً جاء من الخارج يناديها.
نظرت إليّ للحظة أخيرة، ثم عدلت عباءتها وعادت بوجهها الحزين إلى المجلس.
تركتني وحدي.
أتنفس بصعوبة.
وأفكر في كلماتها
أدوار لم تريها بعد.
أدركت حينها أن الأمر لم يكن مجرد بيت.
كان هناك شيء آخر.
شيء لم يخبرني به مصطفى
وشيء كانت زوجة أبيه مستعدة لدفنه حتى لو كان لا يزال على قيد الحياة.
عدتُ إلى غرفة الضيوف، وأغلقت الباب خلفي بهدوء، ثم فتّشت حقيبتي بسرعة. كان هاتفي لا يزال يعمل، لكن لا أثر للشبكة. كانت الإشارة ضعيفة دائماً، نعم لكنها لم تكن بهذا السوء من قبل، كأنها قُطعت عمداً.
كان سيف لا يزال نائماً. جلست بجانبه، أحدق في وجهه الصغير، وأحاول أن أفكر، أن أرتب كل شيء قبل أن ينهار كل شيء. حادث مُفبرك جسد غير موجود غرفة مغلقة حما يحمل سلاحاً وحماة مستعدة لدفن الحقيقة كاملة إذا كان ذلك يحمي ما تريده.
الاتصال بالشرطة من داخل المنزل مخاطرة، قد يسمعني أحد قبل أن يصل أي أحد، والخروج وحدي وترك سيف مستحيل. وحتى لو أخذته معي، قد يعودون وينقلون مصطفى قبل أن أرجع، أو يقلبون القصة ضدي ويجعلونني أبدو وكأنني فقدت عقلي، خاصة مع نفوذ أبيه وعلاقاته.
كل الاحتمالات كانت سيئة.
ثم تذكرت شيئاً بسيطاً بسيطاً لدرجة أنني كدت أضحك.
جهاز سيف اللوحي.
كنت أتركه له عندما نأتي إلى هذا البيت، لأن الإنترنت هنا، رغم ضعفه على الهاتف، كان يعمل بشكل أفضل على شبكة المنزل. نهضت بسرعة، فتحت الخزانة، وأخرجت حقيبته، بحثت فيها حتى وجدته، كان مشحوناً بشكل جيد، ضغطت على زر التشغيل وانتظرت ثوانٍ بدت أطول مما يجب.
ثم أخيراً اتصل بالشبكة.
بدون كلمة مرور.
كما هو الحال دائماً.
لم تتعلم حماتي يوماً كيف تغيّر أي شيء.
فتحت تطبيق الرسائل فوراً،
وكتبت إلى جارتي، الوحيدة التي كانت تعلم أن مصطفى كان قلقاً في الأيام الأخيرة، والتي يعمل شقيقها في الشرطة. لم أكتب كثيراً، فقط ما يكفي لينقذنا
مصطفى ليس ميتاً أنا في بيت أهله لقد احتجزوه الجثمان غير حقيقي إذا لم أرد خلال خمس دقائق، أرسلوا الشرطة فوراً العنوان ادخلوا الآن.
أرفقت صورة. لم أستطع تصوير الغرفة المغلقة، لكنني التقطت صورة من المجلس الكفن الشموع المشهد كله.
ثم أرسلتها.
وبدون تفكير، شغّلت مسجل الصوت، ووضعته داخل جيب سترتي. إذا حدث شيء أردت أن يبقى دليل. أي شيء.
مرت دقيقتان.
ثم ثلاث.
ولا رد.
فقط صمت ثقيل يضغط على صدري.
وفجأة سُمِع صوت ارتطام، ثم همهمة، ثم خطوات سريعة في الممر.
رفعت رأسي بسرعة، فرأيت سعد في نهاية الممر يشير إليّ بعجلة واضحة والمفتاح في يده.
نهضت فوراً، خرجت من الغرفة، وأغلقت الباب خلفي بحذر. قلبي كان يخفق بعنف، لدرجة شعرت أن صوته قد يفضحني.
وقفنا في منتصف الممر.
همس بسرعة
أبي في الخارج وزوجة أبي في المجلس ليس لدينا سوى أقل من دقيقة.
ووضع المفتاح في يدي.
نظرت إليه وسألته بسرعة
إذا أخرجناه هل يستطيع الوقوف؟
قال
أحياناً وأحياناً لا هو مقيد من يده.
تجمدت.
مقيد؟
أغمض عينيه لحظة، وقال
لا تسألي الآن.
أدخلت المفتاح في القفل.
كانت يدي ترتجف أخطأت مرة ثم ثانية
وفي الثالثة استقر.
سمعت صوت طقطقة خفيف.
وبمجرد أن بدأت في تدوير المفتاح
رنّ الجهاز اللوحي من داخل الغرفة.
صوت إشعار واضح مرتفع مزّق الصمت.
شحب وجه سعد فوراً.
وتجمد كل شيء.
ثم جاء صوت حماتي من بعيد، حاداً كالسيف
ما هذا الصوت؟
شدَدت على المفتاح.
وعلى الجانب الآخر من الباب جاءت ضربة واحدة.
ضعيفة
يائسة.
وفي نفس اللحظة تماماً من خارج المنزل سُمع صوت فرامل سيارة على الحصى.
في اللحظة التي دوّى فيها الصوت، تجمّد كل شيء.
لم يعد هناك وقت للتفكير.
أدرتُ المفتاح وانفتح الباب.
اندفعتُ إلى الداخل دون انتظار.
كانت
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
الغرفة مظلمة ثقيلة كأن الهواء نفسه مخدَّر.
وعلى السرير كان مصطفى.
عيناه نصف مفتوحتين، وجسده مقيد، وذراعه مربوطة بإحكام في اللوح الخشبي، وشفاهه تتحرك بصعوبة، كأنه يحاول أن يقول شيئاً منذ وقت طويل.
اقتربتُ منه بسرعة، وقلبي يكاد يخرج من صدري.
مصطفى أنا هنا.
نظر إليّ، واستغرق لحظة ليتعرف عليّ، ثم تحركت شفتاه بصوت مكسور
خذي سيف وابتعدي
لم أسمح له أن يُكمل.
مددت يدي أحاول فك قيوده
وفجأة دوّى صوت خلفي
ابتعدي عنه!
التفتُّ.
كان أبو قاسم يقف عند الباب والمسدس في يده.
وخلفه زوجة أبيه.
لم يعد في وجهها أي حزن.
فقط برود قاسٍ خالٍ من الرحمة.
قالت بصوت منخفض لكنه مرعب
كنتِ ستفسدين كل شيء
وفي نفس اللحظة
دوّى طرق عنيف على الباب الخارجي.
صوت رجولي حاد
شرطة! افتحوا الباب فوراً!
ارتبك أبو قاسم لثانية ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
اندفع سعد من الخلف، وأمسك بذراع والده بقوة، فاختل توازنه، وانطلقت رصاصة ارتطمت بالجدار.
صرخت زوجة أبيه.
وانفتح الباب بعنف.
اندفع رجال الشرطة إلى الداخل، أوامر حادة، خطوات سريعة، أيدٍ تُمسك، وقيود تُغلق.
كل شيء حدث في لحظات.
وقفتُ بجانب مصطفى، أحاول فك الحبال بيدين مرتجفتين، بينما اقترب أحد المسعفين بسرعة، فحص نبضه، ثم قال بصوت مرتفع
على قيد الحياة!
توقفت للحظة كأنني لم أفهم الكلمة.
ثم نظرت إليه.
يتنفس حي.
خارج الغرفة، كانت زوجة أبيه تُسحب وهي تصرخ، وأبو قاسم يُقيَّد، وسعد يقف بعيداً، صامتاً، كأنه خرج أخيراً من كابوس طويل.
بعد ساعات جلستُ في المستشفى، ممسكة بيد مصطفى.
كان نائماً لكن هذه المرة نوماً حقيقياً.
آمناً.
فتح عينيه ببطء، ونظر إليّ.
ولأول مرة منذ بداية تلك الليلة لم يكن هناك خوف في عينيه.
فقط تعب وراحة.
ضغطتُ على يده وقلت بصوت خافت
انتهى كل شيء.
أغلق عينيه مرة أخرى وكأنه يصدقها أخيراً.
في الخارج، كانت الحقيقة قد كُشفت كاملة محاولة تسميم، احتجاز، تزوير، وسلاح.
لم يعد هناك ما يُخفى.
ولم يعد هناك أحد يستطيع إيذاءنا.
نظرت إلى سيف، النائم على الكرسي بجانبي، ثم عدت بعيني إلى مصطفى.
وتنفست لأول مرة منذ تلك الليلة براحة حقيقية.
انتهى الأمر.


تعليقات
إرسال تعليق