في اليوم اللي شفت فيه بنت مربوطة ومتعلقة في شجرة ضخمة
في اليوم اللي شفت فيه بنت مربوطة ومتعلقة في شجرة ضخمة
في اليوم اللي شفت فيه بنت مربوطة ومتعلقة في شجرة ضخمة، والفراغ تحتها، وتحتها مباشرة قطيع من النمور البرية بيقفز بجنون عشان يوصل لها… ساعتها فهمت إن لو لفّيت ضهري ومشيت، مش هي اللي هتموت بس… في حاجة جوايا أنا كمان هتموت للأبد.
الجزء الأول
طول تلات سنين كنت عايش كأن الدنيا مدينة لي بالصمت.
اسمي حسن العشري… رغم إن محدش بقى بيناديني باسمي كامل زي زمان.
من يوم ما مراتي ماتت، حياتي بقت مجرد تكرار ممل: قهوة من غير طعم، شغل من غير هدف، وقلب بطل يحس… حتى بالألم.
أنا ما كنتش مستني حاجة من الحياة… والحياة كأنها كمان بطلت تستنى مني حاجة.
في اليوم ده، خرجت زي كل يوم، راكب حصاني "برق"، وبراجع السور اللي حوالين أرضي القريبة من غابة كبيرة جنب قرية المنصورة الجديدة.
الشمس كانت لسه بتطلع، والجو تقيل… كل حاجة كانت طبيعية… زيادة عن اللزوم.
وفجأة…
حصل حاجة غريبة.
العصافير سكتت.
الهوا وقف.
و"برق" بدأ يتوتر، يرجع لورا خطوة ورا التانية.
وساعتها… سمعته.
صوت صرخة.
في الأول كانت ضعيفة… كأن الغابة بتبلعها.
بعدين بقت أوضح… أقوى… مليانة رعب وإنسانية.
وقفت مكاني.
لحظة واحدة بس فكرت…
إني أمشي.
إني ما أدخلش نفسي في مشاكل.
إني خلاص تعبت ومش ناقص هموم حد تاني.
أيوه… فكرت كده فعلًا.
لكن الصرخة رجعت تاني.
وساعتها… حاجة جوايا، حاجة كنت فاكرها ماتت من سنين… اتحركت قبل حتى ما عقلي يفكر.
ضربت "برق" برجلي ودخلت وسط الشجر.
الأغصان كانت بتخبط فيا، والشوك بيجرح جلدي… بس ما وقفتش.
الصوت كان بيشدني كأنه جرح مفتوح.
لما وصلت لمكان فاضي وسط الغابة…
النفس اتسحب مني.
كانت هناك.
بنت صغيرة…
مربوطة من إيديها في فرع شجرة ضخم، ومتعلقة فوق أرض صخرية.
وتحتها…
قطيع من النمور.
كبار… جوعانين… عيونهم كلها شر.
بيتنططوا واحد ورا التاني، يحاولوا يوصلوا لها… كل مرة أقرب من اللي قبلها.
الشجرة نفسها كانت بتتهز… بتصرخ… كأنها هتقع في أي لحظة.
البنت كانت بتنهار.
إيديها بترتعش… نفسها بيتقطع…
الخوف هو اللي ماسكها واقفة زي ما الحبال ماسكاها.
ما كانتش هتستحمل.
وفي اللحظة دي… جالي أسوأ تفكير ممكن:
أمشي.
لكن فجأة…
هي شافتني.
عيوننا اتقابلت.
وما شفتش غريبة.
شفت…
ابني.
نفس الخوف.
نفس الرجاء.
نفس النظرة اللي قبل كده… ما عرفتش أنقذها.
صرخت:
— استحملي!
نزلت بسرعة من على "برق"، وإيدي كانت بتترعش وأنا بطلع الحبل.
ربطته بسرعة في صخرة ثابتة.
النمور زأرت بصوت أعلى… حسوا بوجودي… وبدأوا يلفوا حوالين الشجرة زي ظلال مرعبة.
حاولت أحسبها…
المسافة عالية.
الخطر كبير.
لكن… ما فيش وقت.
رميت الحبل.
غلطت.
الوقت كأنه اتكسر.
نمر منهم نط أعلى من الباقي… وخبط رجلها.
صرخت.
حاولت تاني.
خدت نفس.
فرصة واحدة بس.
رميت الحبل…
ونجحت.
صرخت:
— سيبي إيدك لما أقولك!
هزت رأسها وهي بتعيط.
عدّيت…
— دلوقتي!
سابت نفسها.
وبقت معلقة في الحبل اللي رميته.
وشديت…
بكل قوتي.
بكل إحساس ما حسّيتوش من سنين.
متر… نص متر…
الأرض لسه خطر.
النمور نطت تاني… واحد منهم كان قرب يوصل لها.
هدومها اتقطعت.
صرخت.
وفجأة…
وقعت على الأرض.
حية.
بتتنفس.
بتكح.
وأنا كمان وقعت على ركبتي…
مش فاهم عملت إيه… ولا إزاي.
بصت لي وقالت بصوت مكسور:
— شكرًا… إنك ما مشيتش…
ما رديتش.
لأن الحقيقة ضربتني أقوى من أي صرخة…
أنا كنت هسيبها فعلًا.
والفكرة دي كسرتني من جوا.
لكن قبل ما أستوعب كل حاجة…
هي بطلت ترتعش لحظة… كأنها افتكرت حاجة أسوأ من النمور.
عيونها اتمليت رعب تاني.
وساعتها فهمت…
ده ما كانش حادث.
حد… ربطها هنا.
حد… كان عايزها تموت.
ولما فتحت بُقها عشان تقول مين…
الغابة كلها سكتت… كأنها مستنيه.
القصه مدهشه للتكمله سيب لايك وكمنت وهيوصلك اشعار
الجزء الاخير
الجزء الثاني
لما رجع الرعب لعينيها تاني، كأن الغابة لسه ما خلصتش منها… فهمت إن الخطر الحقيقي ما كانش النمور…
لكن الحاجة اللي افتكرتها فجأة.
لأنها… ببساطة… لسه مش آمنة.
حاولت تقوم، لكن رجليها ما شالتهاش.
إيديها كانت متعلمة من الحبال، نفسها متقطع… ومع كده كانت باصة للشجرة، كأنها مستنية حاجة تانية تقع منها.
قربت منها بحذر… ولسه سامع صوت النمور وهي بتبعد وسط الشجر… كأنهم سابوها فجأة… أو كأن حد ناداهم.
قلت لها:
— خلاص… انتهى.
لكن أنا نفسي ما كنتش متأكد.
هزت راسها بسرعة وهي بتنهج:
— لا… ما انتهتش… هما ما حطونيش هناك عشان أموت بسرعة…
سكت.
الكلام ده ما بيطلعش من حد هرب من حيوانات…
ده كلام واحدة عارفة مين اللي عمل كده فيها.
مديت إيدي أهدّيها… لكنها خافت وبُعدت، كأن حتى لمستي ممكن تأذيها.
سألتها:
— مين؟
بصت لي كويس… كأنها بتحاول تفتكرني.
— رجال المزرعة… اللي في الناحية الشمالية… اللي شغالين عند… —وسكتت فجأة.
الهوا اتحرك… لكن المرة دي كان تقيل… مش طبيعي.
الغابة
كأنها بترجع تسمع تاني.
رجعت خطوة لورا بدون ما أحس.
حصاني "برق" بدأ يتوتر ويبص حوالينه.
قلت بإصرار:
— عند مين؟
عضّت على شفايفها، كأن الكلمة تقيلة عليها:
— عند حد… حضرتك تعرفه.
حسيت ببرد غريب في صدري.
مش من الكلام… لكن من طريقتها.
كأن اسمي… داخل في الحكاية من زمان.
وفجأة…
صوت معدني.
صوت سلاح بيتجهز.
اتجمدنا إحنا الاتنين.
قالت وهي مرعوبة:
— ما كانش المفروض تيجي… هو قال لو حد لقاني… هيكمل اللي بدأه…
الصمت بقى خانق.
وبين الشجر… شفت ظل بيتحرك.
مش بيجري…
بيراقب.
وبصوت واطي جدًا… قالت اسم.
اسم ما سمعتهوش من يوم ما دفنت مراتي.
وقبل ما أستوعب…
صوت تاني قريب.
وساعتها فهمت:
اللي عمل كده… لسه هنا.
الجزء الثالث (الأخير)
الصوت قرب أكتر…
والغابة بطلت تبان مكان طبيعي.
بقت كأنها كائن… بيتنفس معانا… ضدنا.
البنت قربت مني غصب عنها، كأني الأمان الوحيد.
وأنا ما شلتش عيني من الظل.
لحد ما سمعته تاني…
صوت السلاح.
"برق" خبط الأرض بقدمه… متوتر.
وأنا… ما بقيتش الراجل المكسور
اللي كنت عليه.
في حاجة جوايا… رجعت تعيش.
وطلع.
راجل طويل… لابس هدوم شغل، وقبعة غامقة…
لكن عينه… عين واحد جاي يخلص حاجة مش يتكلم.
قال:
— وصلت أخيرًا يا حسن…
الكلمة ضربتني.
بقاله سنين محدش ناداني كده.
البنت وطّت راسها فورًا… كأن جسمها فاكر قبله عقلها.
قال وهو بيشاور عليها:
— ما كانش المفروض تعيش.
قلت بصوت واطي:
— عملت فيها إيه؟
ابتسم بسخرية:
— نفس اللي حصل من سنين… لما مراتك بدأت تسأل كتير.
الدنيا لفت.
اسم مراتي… هنا؟!
البنت رفعت راسها بسرعة:
— قلتلك… مش كانوا عايزين يقتلوك أنا بس… ده أنت الهدف من الأول!
سألتها وأنا مركز معاه:
— إنتِ مين؟
قالت:
— اسمي سلمى… صحفية… ومراتك ما ماتتش زي ما قالوا لك.
الصمت بقى تقيل جدًا.
الراجل شد السلاح:
— كفاية.
لكن "سلمى" كملت:
— مراتك اكتشفت سر الحيوانات… والناس اللي اختفت… والفلوس اللي بتتدفع… كله مرتبط بيه!
— ولما حاولت تفضحه… قتلوها وخلوها حادث.
الذكريات رجعت…
مش صور…
وجع.
الراجل قرب:
— ما كانش لازم تتدخل… ولا إنت
كمان.
ورفع السلاح.
لكن فجأة…
"برق" هجم عليه.
وقعه على الأرض… والسلاح وقع.
أنا اتحركت فورًا.
ما فكرتش.
مسكته… وبدأنا نتخانق على الأرض.
تراب… دم… نفس مقطوع.
صرخ:
— مراتك كانت هتدمر كل حاجة!
رديت:
— كانت عايزة الحقيقة بس!
في اللحظة دي…
"سلمى" خدت السلاح.
إيديها بترتعش… لكن ثابتة.
قال لها:
— مش هتضربي… إنتِ مش قادرة.
لكنها عملت حاجة تانية.
صوّبت على الأرض…
وضربت.
الصوت دوّى في الغابة.
مش قتل…
نهاية.
الطيور طارت…
والصدى رجع الحياة للمكان.
الراجل سكت…
مش عشان مات…
لكن عشان فهم إنه خسر.
بعد شوية… رجالة من المزرعة جم.
مش زيه… لكن شافوا وسكتوا سنين.
واحد منهم قال:
— أخيرًا…
ومسكوه.
الغابة أخيرًا… حسيتها أخف.
"سلمى" رمت السلاح…
إيديها بترتعش… لكن عينيها قوية.
سألتها:
— ليه أنا؟
قالت:
— لأنك الوحيد اللي ما مشيتش…
ولأن مراتك ماتت وهي مستنية حد زيك يكمل.
ما كانش كلام يريح…
لكن كان حقيقي.
الغابة سكتت تاني…
لكن المرة دي…
مش صمت خوف.
صمت راحة.
"برق" قرب مني بهدوء.
و"سلمى" بصت للشجر وقالت:
— خلاص… النور رجع.
وأنا لأول مرة من سنين…
ما حسّتش إن الحياة ساكتة ضدي.
حسّيت…
إني لسه أقدر أعيش…
حتى لو بعد كل ده.


تعليقات
إرسال تعليق