القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 المدينة التي لا يجوع فيها إنسان



المدينة التي لا يجوع فيها إنسان

 

في مدينة فلسطينية عريقة يقال إن أحدا لا يبيت فيها جائعا هذه المدينة هي الخليل (أو مدينة خليل الرحمن) حيث يمتزج عبق التاريخ بروح التكافل الاجتماعي ليصنع قصة نجاح إنسانية فريدة السر وراء ذلك بسيط وعظيم في آن واحد وجود تكية سيدنا إبراهيم عليه السلام بجوار المسجد الإبراهيمي تلك المؤسسة الخيرية التي تقدم الطعام المجاني للفقراء وعابري السبيل منذ قرون حتى صارت الخليل تعرف بالمدينة التي لا تعرف الجوع أبدا

في هذا المقال نأخذكم في رحلة عبر الزمن لنستكشف الخلفية الدينية والتاريخية لهذه التكية ودورها الإنساني اليومي في تحقيق التكافل الاجتماعي في فلسطين وكيف أصبحت نموذجا يحتذى به في العالم الإسلامي لضمان ألا يجوع إنسان سنعيش أجواء رمضان الخاصة في أروقة التكية ونشهد تسابق أهل الخير في الاستثمار في الخير عبر أفضل طرق التبرع لإطعام الجائعين كما سنبرز بركة العمل الخيري الجماعي التي حولت الخليل إلى مدينة لا يجوع فيها إنسان

باب تكية سيدنا إبراهيم في الخليل تتصدره عبارة ترحيب تقول "أنتم في بيت أبي الضيفان إبراهيم الخليل عليه السلام", في إشارة رمزية إلى روح الضيافة التي أرساها النبي إبراهيم قبل آلاف السنين

يشتهر نبي الله إبراهيم في التراث الإسلامي بلقب "أبو الضيفان" أي أبو الضيوف لأنه كان مضيافا كريما لا يأكل إلا بصحبة ضيف ويكرم عابري السبيل بنفسه

وقد خلد القرآن الكريم والسنة النبوية مواقف كرم إبراهيم عليه السلام فهو الذي بادر إلى ذبح عجل سمين لإكرام ضيوفه الغرباء ظنا أنهم بشر جائعون كما قال النبي محمد ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه فجعل إكرام الضيف من دلائل الإيمان العميق هذه القيم السامية للضيافة والكرم في الإسلام جعلت من إبراهيم الخليل نموذجا يحتذى به عبر الأجيال

لم تكن كرم


إبراهيم عليه السلام مجرد قصص تاريخية بل أصبحت جزءا من هوية مدينة الخليل نفسها فأينما ذكر اسم الخليل ذكرت معها صفة الكرم وسخاء أهلها حتى باتت المدينة تنسب إلى إبراهيم الخليل رمز الكرم ويؤمن أهالي الخليل أن بركة كرم أبي الضيفان مستمرة في مدينتهم فلم يعرف عن الخليل عبر تاريخها أنها صدت جائعا أو أغلقت بابها في وجه محتاج ومن هذا المنطلق الديني نما في الخليل تقليد التكافل عبر وقف الطعام وإطعام الفقراء كجزء من الإرث الإبراهيمي لقد ترسخت قيم الكرم في الإسلام عمليا في حياة أهل الخليل اليومية وتجلى ذلك بأبهى صوره في إنشاء تكية إبراهيم الخليل قبل قرون طويلة

يعود تأسيس التكية الإبراهيمية في الخليل إلى العصر المملوكي قبل أكثر من سبعة قرون تشير المصادر التاريخية إلى أن السلطان المملوكي المنصور قلاوون الصالحي هو من أنشأ هذه التكية عام 1279م إبان حكم الدولة الأيوبية

أطلق قلاوون عليها آنذاك اسم "الرباط", وكانت أشبه بنزل لخدمة الفقراء والضيوف وطلاب العلم في الخليل وقد اختير موقعها ملاصقا للمسجد الإبراهيمي (الحرم الإبراهيمي) تكريما للنبي إبراهيم عليه السلام المدفون هناك واستلهاما لمعاني كرمه بعد فترة صار الناس يسمونها "الطبلانية" لأن القائمين عليها كانوا يدقون الطبول ثلاث مرات يوميا إعلانا لمواعيد تقديم الطعام صباحا وبعد الظهر وبعد العصر

ازدهرت التكية الإبراهيمية عبر العصور بفضل اهتمام السلاطين والحكام المسلمين ففي عهد الأيوبيين ثم المماليك وقفت الأوقاف والأراضي الزراعية الشاسعة لضمان تمويل مستدام للتكية والمسجد الإبراهيمي سجلات الوقف المحفوظة حتى اليوم تظهر أن ملوكا وسلاطين وقادة أوقفوا للتكية قرى وأراضي كثيرة في فلسطين ومصر والشام وحتى شرق الأردن وكان ريعها يستخدم لشراء القمح والشعير ولوازم

الطعام خلال الحقبة الفاطمية خصصت مبالغ سنوية ثابتة لدعم التكية أما في زمن السلطان صلاح الدين الأيوبي فقد زاد الدعم لها وجرى توسعة خدماتها إكراما لإبراهيم الخليل بل إن صلاح الدين أوقف للتكية والمسجد الإبراهيمي موارد كبيرة تكفي لإطعام الوافدين وإطعام خيولهم أيضا

حرصا منه أن يبقى هذا العمل الخيري مشروعا مستداما لإطعام الفقراء وعابري السبيل إلى يوم القيامة

لم يكن الدعم مقتصرا على المال والحبوب بل أيضا على تطوير البنية التحتية للتكية نفسها تظهر وثائق ورحلات تاريخية وصفا حيا لنشاط التكية قبل مئات السنين فقد ذكر الرحالة ناصر خسرو (القرن الحادي عشر الميلادي) وجود مكان في الخليل يقدم الطعام للفقراء والزوار

كما وصف ابن بطوطة في القرن الرابع عشر الهجري (القرن الثامن الهجري) موائد التكية العامرة في تلك الأيام البعيدة كانت التكية تطعم الناس ثلاث مرات يوميا كما أسلفنا وينادى عليهم بالطبول كان هناك فرن ضخم ومطاحن قمح ملحقة بها وكان المؤنة من القمح والشعير تخزن في علية البناء تبين إحدى الوثائق أنه كان يخبز في التكية حوالي 14 ألف رغيف خبز يوميا يصل أحيانا إلى 15 ألف رغيف

ويطهى الحساء المسمى "الدشيشة" في قدور كبيرة لتوزيعه على الأهالي والزوار إنه رقم هائل يعكس ضخامة الوقف والموارد التي سخرت لإطعام الجائعين آنذاك

على مر العصور استمر عمل التكية الإبراهيمية دون انقطاع تقريبا لتبقى من أقدم مؤسسات الإطعام المجاني في العالم الإسلامي ولكن في العصر الحديث واجهت بعض التغييرات والتحديات في ستينيات القرن العشرين وتحديدا عام 1964م أزيل المبنى القديم للتكية ومرافقه خلال أعمال تطوير ساحة المسجد الإبراهيمي بحجة التوسعة والتجميل نقلت التكية حينها بشكل مؤقت إلى موقع مجاور يدعى "بركة السلطان" ولاحقا في عام

1983م قامت وزارة الأوقاف ببناء مقر جديد للتكية على مقربة أمتار من المسجد الإبراهيمي من جهته الشمالية أعيد تجهيز المبنى الجديد بكافة ما يلزم من مطابخ وقاعات استقبال لضمان راحة المستفيدين واستمرار تقديم الخدمة بنفس الهمة

فرضت القوات حظر تجول طويلا على البلدة القديمة ما أعاق وصول الطهاة والمتطوعين إلى مقر التكية

ونتيجة لذلك حرم مئات الفقراء مؤقتا من الوجبة المجانية اليومية التي اعتادوا عليها إلا أن القائمين على التكية ووزارة الأوقاف بذلوا جهودا مضنية للحصول على تصاريح خاصة للطهاة للوصول أثناء الإغلاقات ومع اشتداد الحصار اتسع نطاق عمل التكية لتلبية الاحتياجات المتزايدة تؤكد وزارة الأوقاف أن أعداد الأسر الفقيرة المستفيدة ارتفعت بنحو 15 بعد تشديد الحصارمما دفع أهل الخير إلى مزيد من العطاء لتعويض النقص

شهدت التكية تطورا آخر بدعم من أشقاء وأصدقاء الشعب الفلسطيني ففي عام 2017 مولت وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) مشروع إعادة تأهيل لمبنى التكية حيث تم توسيع المطبخ وإضافة قاعات حديثة لتوزيع الطعام هذا الاهتمام التركي امتداد لعلاقة تاريخية منذ العهد العثماني إذ يعتبر الأتراك التكية الإبراهيمية إرثا عثمانيا أيضا وقد أشار مدير التكية الحالي السيد لؤي الخطيب إلى أن التكية رمز للخير في مدينة الخليل منذ العهد الأيوبي مرورا بالعهد العثماني وحتى يومنا هذا ورغم تحديث المرافق بقي جوهر عمل التكية كما هو تقديم الغذاء المجاني لمن قصده من محتاجين على مدار العام

ومن اللافت أن التكية واصلت عملها حتى في أحلك الظروف كجائحة كورونا الأخيرة عندما تفشى الوباء واضطرت الناس للبقاء في منازلهم سارعت التكية إلى إيصال وجبات ساخنة للمصابين المعزولين في بيوتهم أو في المستشفيات

كما تضاعفت أعداد المترددين عليها بسبب تدهور


الأوضاع الاقتصادية خلال الجائحة وتشير الإحصاءات إلى أن التكية وزعت خلال شهر رمضان لعام 2020 (أثناء الجائحة) أكثر من 289 ألف وجبة خلال الشهر الفضيل وارتفع الرقم في رمضان التالي إلى ما يزيد عن نصف مليون وجبة بسبب ازدياد الحاجة هذه الأرقام المذهلة تؤكد أن روح التكية الإبراهيمية بقيت عصية على كل عراقيل الزمن تؤدي رسالتها السامية في أصعب الظروف

داخل التكية الإبراهيمية في الخليل تبدأ الحركة مع ساعات الفجر الأولى طهاة متطوعون يرتدون ملابسهم البيضاء يعملون كخلية نحل لإعداد كميات هائلة من الطعام تكفي الآلاف يوميا في قدور عملاقة تغلي الحبوب واللحوم وتمتزج رائحة "شوربة إبراهيم" المميزة (حساء القمح المجروش) مع بهجة العطاء التي يشعر بها كل من في المكان وبحلول الصباح الباكر يكون الإفطار جاهزا للتوزيع يصطف عشرات من المحتاجين في ساحة التكية بانتظام وانتظار هادئ أغلبهم من كبار السن والأرامل والأطفال الذين يعرفون أن وجبتهم الدافئة المضمونة بانتظارهم

من بين تلك المشاهد الإنسانية تقف طفلة في الحادية عشرة من عمرها تدعى شيماء حاملة وعاء كبيرا يفوق حجمها تنتظر دورها بصبر تقول شيماء وهي تخفي خجلها إنها تأتي يوميا لتحمل وجبة الإفطار لعائلتها المكونة من سبعة أفراد بعد أن فقدوا معيلهم في عيني الطفلة بريق امتنان وهي تتسلم حصتها حساء ساخن ولحم وأرز وخضار لتعود به مبتسمة إلى أمها وإخوتها مثل شيماء هناك مئات الأطفال والنساء الذين يجدون في التكية طوق نجاة من الجوع وضيق الحال تقول إحدى المسنات من المستفيدات (أم أحمد) وهي ترعى أحفادا يتامى "التكية لا توفر لنا الطعام الساخن وحسب بل هناك أهل خير يتكفلون أحيانا بدعمنا ماليا لتأمين باقي احتياجات أسرتي الفقيرة"

فالمساعدة التي يحصلون عليها تتجاوز طبق الطعام لتمنحهم شعورا بالأمان بأن مجتمعهم لن يتركهم وحدهم

ولا يقتصر الأمر على المحتاجين وحدهم فمشروع التكية هذا بات مدرسة للأجيال في عمل الخير "لقد ورثت حب التطوع هنا عن والدي" هكذا يقول أحد الشباب المتطوعين وهو يعبئ الحساء في أوعية المستفيدين عشرات الشبان والشابات من أهل الخليل يقضون ساعات يوميا في خدمة التكية دون مقابل يملؤهم شعور عميق بالرضا لأنهم جزء من هذه الرسالة النبيلة إنهم يرون في التكية ملاذا آمنا للشباب أيضا حيث يتعلمون قيمة العطاء والعمل الجماعي المنظم المتطوعون جنبا إلى جنب مع 8 طهاة متفرغين يشكلون فريقا متفانيا

ينسق بحرفية البعض يقطع الخضروات وآخرون يجهزون اللحم والخبز وآخرون يقفون عند نقاط التوزيع يرحبون بالمحتاجين بكلمات طيبة وابتسامات حانية في الأعياد والمناسبات يزداد عدد المتطوعين بشكل لافت فالكل يرغب بالمشاركة في صنع الفرحة على موائد الفقراء

لقد نجحت التكية الإبراهيمية عبر نشاطها اليومي الدؤوب في تحقيق الأمان الغذائي لفئات واسعة من المجتمع الخليلي فأصبح الفقراء والمساكين يعلمون أن باب "أبو الضيفان" مفتوح لهم كل يوم وبأن لقمة العيش الأساسية مضمونة لا محالة هذا الشعور بالأمان قلص حالات التسول بحثا عن الطعام في شوارع الخليل إلى حد كبير فقلما تجد متسولا يطلب طعاما في هذه المدينة لأن الكل يعلم أين يمكنه أن يأكل مجانا بكرامة وهكذا تحولت التكية إلى صمام أمان يقي شر الجوع والفقر المدقع ويصون كرامة الإنسان المحتاج عبر توفير احتياجه الأساسي دون منة أو إحراج

إن استمرار تكية سيدنا إبراهيم بهذا الزخم عبر نحو ثمانية قرون وقدرتها على إطعام الآلاف يوميا جعل من الخليل بحق مدينة لا

يجوع فيها إنسان هذه المقولة لم تعد مجرد شعار بل واقع يشهد به أهل الخليل وكل من زارها

يصف أحد أبناء الخليل ويدعى محمد إبراهيم كيف تغيرت حياته بعدما فقد ساقيه في حادث وظروفه المعيشية يقول الرجل البالغ 48 عاما والذي يعيل أسرة من ثمانية أفراد "قبل سبع سنوات تعرضت لحادث أفقدني قدرتي على العمل فأصبحت عاجزا عن إطعام أسرتي لكن لم يطل الأمر حتى وجدت التكية سندي صرت أحصل على طعام عائلتي كاملا سبعة أيام في الأسبوع من تكية الخليل" ويستطرد وعيناه تلمعان بالتقدير "نحن محظوظون هنا في الخليل الجميع يحصل على الغذاء الضروري ولن تجد فقيرا ينام جائعا في مدينة الخليل" كلمات هذا الأب تلخص حقيقة أصبح أهل الخليل فخورين بها وهي أن التكافل بينهم جعل مدينتهم نموذجا فريدا حيث الجوع ليس واردا رغم كل الفقر والمعاناة حولهم

لقد أصبح التكافل الاجتماعي في فلسطين متمثلا في أبهى صوره بهذه التكية ففي وقت تشير فيه الإحصاءات إلى أن حوالي 14 من سكان الضفة الغربية يقعون تحت خط الفقر

تبدو الخليل كواحة أمان بفضل تكاتف أهلها وعندما اشتدت جائحة كورونا وازدادت معدلات البطالة والفقر كانت الخليل مستعدة بفضل هذا الإرث التكافلي نصف مليون وجبة وزعت في رمضان واحد كما أسلفنا مما يعني نصف مليون مرة قال فيها محتاج "الحمد لله شبعت اليوم" إن هذه النتائج ليست إلا قصة نجاح إنسانية تلهم الآخرين قصة مدينة انتصرت على شبح الجوع بالتراحم والتآزر

من اللافت أن هذا النجاح لم يكن ليتم لولا التجاوب الشعبي الواسع فالناس في الخليل يعتبرون التكية مسؤوليتهم جميعا لذا نراهم "يتسابقون إلى عمل الخير" كما يقول مدير التكية في رمضان مثلا ما إن يعلن حلول الشهر حتى يزدحم جدول التكية بأسماء المتبرعين

الذين حجز كل منهم يوما أو أكثر لتقديم وجبات إفطار فاخرة للمحتاجين

منهم من يتبرع بالخراف أو الدجاج ومنهم من يهدي كميات من الأرز والخضار وآخرون يدفعون الأموال لتتكفل التكية بتجهيز الوجبات هذا السخاء الجماعي أثمر بركة واضحة يشعر بها الجميع فالمجتمع المتراحم الذي لا يبيت فيه جائع هو مجتمع أكثر أمنا واستقرارا وتآخيا بلا شك

يقف خلف استمرارية التكية الإبراهيمية عبر الزمن جيش من أهل الخير ممن نذروا أموالهم وأوقاتهم لخدمة الفقراء فمنذ القدم اعتمدت التكية على نظام الوقف والتبرعات لم تكن لها ميزانية حكومية ثابتة بقدر ما كانت صدقات المحسنين هي غذاؤها وروحها

واليوم تدار التكية إداريا من قبل وزارة الأوقاف الفلسطينية لكن مصاريفها كافة تأتي عبر تبرعات أهل المدينة وخارجها على حد قول مديرها لؤي الخطيب يصف الخطيب مشهدا يتكرر كل عام خصوصا في رمضان "منذ أول أيام شهر رمضان يتسابق أهل الخير على تقديم تبرعاتهم لإطعام الفقراء" لقد نظم القائمون على التكية جدولا بأسماء المتبرعين وأنواع تبرعاتهم فمثلا يوم الإثنين تبرع أحدهم بذبح عجول وطهيها ويوم الثلاثاء قدمت عائلة أخرى كميات من الخضار والأرز وهكذا دواليك لضمان تنوع الوجبات يوميا هذه المنافسة المحمودة بين المحسنين جعلت التكية واحة ممتدة العطاء لا ينضب خيرها بإذن الله

أما أفضل طرق التبرع التي يفضلها الناس هنا فهي تلك التي تترك أثرا مستداما كثير من العائلات تخصص مبالغ دورية (شهرية أو سنوية) لتمويل مطبخ التكية كنوع من الصدقة الجارية وهناك من يوقف جزءا من أملاكه كعقار أو أرض ويوصي بأن يصرف ريعه على إطعام الفقراء في الخليل محييا بذلك تقاليد الوقف القديمة أي الاستثمار في الخير بشكل مؤسسي يجمع أهل الخليل على أن التبرع



للتكية من أنبل ما ينفق فيه المال فهي تسد حاجة ملحة وتغذي بطونا جائعة وتبث الطمأنينة في النفوس يقول أحد المتبرعين الدائمين "حين أرى قدور التكية تفور بالطعام الذي أسهمت فيه أشعر أن مالي حقق الغاية الأفضل فهذا المشروع بمثابة استثمار في الخير يعود ريعه بركة في الدنيا وثوابا في الآخرة" وبفضل هذا الحس الجمعي لا تمر مناسبة سعيدة في الخليل كنجاح أو زواج أو موسم حصاد إلا ويكون للتكية نصيب منها سواء بالتبرع بالأطعمة أو حتى بوليمة كاملة تهدى للفقراء تقربا لله وشكرا على النعم

وللمتطوعين حكاية مجد أخرى فهؤلاء الشباب والفتيات الذين يعملون ساعات طويلة في الطبخ والتنظيف والتوزيع دون أي مقابل هم العمود الفقري لهذا المشروع كثير منهم ينظر للأمر كتدريب روحي وعملي على حد سواء فهم يكتسبون مهارات الطهي الجماعي وإدارة الكميات الكبيرة ويتعلمون معاني الصبر والتواضع وخدمة المجتمع في مشهد التكية اليومي قد لا تميز المتطوع من العامل بأجر فالكل يعمل بإخلاص وبسمة تعلو محياهم وقد أصبح التطوع في التكية جزءا من ثقافة المدينة تتناقله الأجيال كإرث اجتماعي ثمين والأمر لا يقتصر على الشباب فقط بل هناك متطوعات كبيرات في السن يساهمن في تقشير الخضار أو خبز العجين ورجال متقاعدون ينقلون أكياس الطحين والحبوب إلى المخازن كل يقدم ما يستطيع في مشروع مستدام لإطعام الفقراء وإغلاق أبواب الجوع

مبادرات مشابهة في العالم الإسلامي

لم تكن فكرة التكايا وإطعام الفقراء حصرا على الخليل وحدها بل انتشرت تاريخيا في العديد من حواضر العالم الإسلامي اقتداء بهذا النموذج الرائد ويرجح بعض المؤرخين أن الخليل نفسها كانت صاحبة السبق في ابتكار هذه المنارات الخيرية التي اقتفت أثرها مدن أخرى فمثلا في القدس الشريف تأسست في العصر العثماني تكية خاصكي سلطان عام 1552م قرب المسجد الأقصى المبارك قامت السلطانة ركسيلانة (هرم سلطان) زوجة سليمان القانوني بإنشاء تلك التكية ووقف أوقاف هائلة لها شملت ريع أكثر من 90 قرية ومدينة لتأمين مواردها وإلى اليوم ما زالت تكية خاصكي سلطان في القدس تعمل وتقدم الطعام المجاني للفقراء ورواد الأقصى خاصة في شهر رمضان وهي بذلك ثاني أقدم تكية في فلسطين بعد تكية الخليل العثمانية تاريخا وتذكر المصادر أن تكية القدس هذه كانت تطعم في الماضي مئات الفقراء يوميا وحديثا خلال شهر رمضان يستفيد منها نحو 500 شخص يوميا في القدس

وفي مدن أخرى من العالم الإسلامي ازدهرت تقاليد مشابهة ففي مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدت عبر التاريخ ما يعرف ب"الرباط" أو "

المطعم الخيري" لإطعام الحجاج وأبناء السبيل وفي القاهرة خلال العصر المملوكي والعثماني كانت هناك "موائد للأيتام والفقراء" تنصب في الساحات خاصة في رمضان تسمى "موائد الرحمن" لازال تقليدها قائما حتى اليوم في مصر كما أقام العثمانيون شبكات واسعة من المطابخ الخيرية (تعرف باسم "إمامارات" أو "عمارة") في مدنهم الكبرى كإسطنبول ودمشق وبغداد وكانت جزءا من الأوقاف الملحقة بالمساجد الكبيرة مثلا مطبخ السلطان سليمان القانوني في إسطنبول كان يطعم المئات يوميا ضمن مجمع سليمانية الشهير

أما في العصر الحديث فقد أحيت دول إسلامية عدة هذه الفكرة بمبادرات عصرية في الأردن تأسست عام 2003 "تكية أم علي" كمؤسسة غير حكومية مبنية على نموذج التكية التقليدي

أنشأتها الأميرة هيا بنت الحسين تخليدا لذكرى والدتها الملكة علياء وتعد أول مبادرة من نوعها لمكافحة الجوع في الأردن والعالم العربي تقدم "تكية أم علي" آلاف الطرود الغذائية شهريا للأسر المحتاجة بالإضافة إلى وجبات ساخنة دورية معتمدة على التبرعات ووقف الطعام تماما كنهج تكية الخليل وفي دول أخرى كباكستان وإندونيسيا وتركيا تنتشر مطابخ الفقراء التابعة لجمعيات خيرية أو مساجد كبرى تطعم مئات المحتاجين يوميا خاصة أثناء الكوارث والأزمات الاقتصادية هذه المبادرات وإن اختلفت مسمياتها يجمعها هدف واحد هو إحياء سنة التكافل وإطعام الجياع دون مقابل

لا شك أن تكية سيدنا إبراهيم في الخليل تبقى من ألمع النماذج تاريخا واستمرارا وهذا ما دفع الكثيرين لزيارتها والاطلاع على آليات عملها للاستفادة منها فمثلا زارها وفد من إحدى الجمعيات الخيرية في غزة مؤخرا لنقل تجربة "مطبخ التكافل" إلى القطاع المحاصر وبالفعل بدأت مطابخ خيرية هناك بتوزيع وجبات ساخنة للفقراء تحمل اسم "تكية" تيمنا بهذا النموذج كذلك في دول مثل السودان واليمن برزت مبادرات شبيهة خلال الفترات الصعبة لإغاثة الأسر المحتاجة يوميا هذه الأمثلة تؤكد أن فعل الخير معد وأن نموذجا ناجحا كتكية الخليل قادر على الانتشار إذا توفرت الإرادة وحسن التنظيم

إن تجربة تكية الخليل تعطينا دروسا مهمة في كيفية بناء مشاريع مستدامة لإطعام الفقراء يمكن تعميمها في مختلف المجتمعات أول هذه الدروس هو أهمية وجود تمويل ثابت يضمن ديمومة المشروع وقد رأينا كيف اعتمدت التكية منذ نشأتها على نظام الوقف حيث أوقف لها المحسنون عبر العصور أراض وممتلكات وصارت أرباحها تمول نفقات الطعام هذا النوع من وقف الطعام إن صح التعبير هو فكرة يمكن تطبيقها اليوم أيضا فبإمكان المجتمعات تأسيس صندوق

وقفي لإطعام المحتاجين تستثمر أمواله في مشاريع آمنة ويصرف ريعه دوريا على مطابخ خيرية أو قسائم غذائية للأسر الفقيرة وبهذا نضمن الاستثمار في الخير بشكل مؤسسي يدر عائدا مستمرا بدلا من الاعتماد فقط على تبرعات موسمية ربما تتقلب

ثاني الدروس هو حسن الإدارة والتنظيم فتكية الخليل نجحت لأنها وضعت نظاما واضحا للتوزيع وعدالة الوصول هناك برنامج أسبوعي معروف يضمن تنويع الوجبات وإيصال اللحوم والبروتينات على فترات منتظمة للمحتاجين

كما أن التسجيل والإحصاء الدقيق للأسر المستفيدة ساعد على معرفة حجم الحاجة والتخطيط وفقها تعلمنا هذه التجربة أن مشروعات إطعام الفقراء لا بد أن تدار بعناية وشفافية وانضباط حتى تؤتي ثمارها المرجوة فمثلا يمكن لكل حي أو قرية إنشاء لجنة تكافل محلية تحصي الأسر الأشد احتياجا وتنظم حملات تبرع عينية (مواد غذائية) أو نقدية وتفتح مطبخا خيريا في مركز الحي يطبخ بانتظام وفق جدول تماما كما في نموذج التكية

ثالثا المشاركة المجتمعية هي قلب النجاح في الخليل يشعر كل فرد بأنه معني بالتكية الغني يمدها بالمال أو الطعام والفقير يمدها بالدعاء والكلمة الطيبة وربما يساهم في الخدمة إن استطاع والمتطوع يمنحها جهده ووقته والجميع يثنون عليها ويدعمونها لأنها أصبحت رمز مدينتهم وفخرها هذا الالتفاف المجتمعي حول التكية من مجرد مبنى أو جمعية خيرية إلى ثقافة مجتمعية راسخة وهنا يكمن سر قابلية تعميم النموذج فإذا استطعنا غرس قناعة لدى الناس بأن "مدينتناقرانا مسؤولة عن أن لا يجوع أحد بيننا" سنجد مبادرات التكية تتكرر أينما وجد المؤمنون بهذه الفكرة وقد رأينا بالفعل أمثلة لمدن تبنت شعارا شبيها في بعض المناطق الريفية بمصر مثلا أطلق الأهالي مبادرات "الثلاجة الخيرية" التي يضع فيها الناس طعاما فائضا ليأخذ منه المحتاج مجانا لضمان ألا يبيت أحد جائع مثل هذه الأفكار رغم بساطتها تنبع من نفس روحية التكية وتؤكد أن الخير يمكن تنظيمه لسد الثغرات الاجتماعية

أخيرا لا بد من الدعم الرسمي والتسهيلات الحكومية دون بيروقراطية معيقة فدور الوزارات والمؤسسات

العامة أن تحتضن هذه المشاريع وتؤطرها قانونيا وتوفر لها ما أمكن من موارد أو إعفاءات ضريبية وتشجع القطاع الخاص على تمويلها ضمن برامج المسؤولية الاجتماعية إن تلاقح الجهود بين الحكومة والمجتمع يخلق بيئة مثالية لتوسيع نطاق مبادرات إطعام الفقراء وربما يمكن التفكير أيضا في شبكات تكايا تتواصل فيما بينها لتتبادل الفائض عند وفرة التبرعات في مكان ونقصها في آخر أو للتعلم من تجارب بعضها البعض فكما أنشأت

الخليل نموذجها وألهمت غيرها تاريخيا يمكن اليوم لتجربة ناجحة في بلد أن تنتقل عبر المعرفة والدعم إلى بلد آخر بحاجة

قصة تكية سيدنا إبراهيم في الخليل هي قبل كل شيء قصة بركة العمل الخيري الجماعي عندما يجتمع الناس على هدف نبيل كإطعام الجائع فإن بركة ذلك تتجاوز إشباع البطون لتطال كل جوانب الحياة رأينا كيف أن مدينة بأكملها نعمت بالأمن الاجتماعي لأن أهلها تكافلوا فلم يتركوا فقيرا يتضور جوعا هذه بركة حقيقية تشعر ولا تحصى بالأرقام فقط فرب أسرة معوز استطاع أن يوفر قوت أطفاله اليومي بكرامة وهدوء بفضل التكية سوف يكون أكثر قدرة على البحث عن عمل وأقل شعورا بالضغط وربما نجى من سوء مسلك قد يدفعه إليه اليأس وطفل يتيم وجد يدا حانية تقدم له وجبة ساخنة كل يوم سيكبر وفي قلبه شعور بالولاء لمجتمعه الذي لم يخذله ومتبرع سخر شيئا من ماله أو وقته في سبيل الله لإطعام إخوانه سيبارك الله له في ماله وعمره كما يعتقد وكما يجد فعليا أثر ذلك في نفسه ومجتمعه

إن بركة هذا العمل الجماعي تجلت أيضا في استمراريته عبر القرون فكم من مشروع أو مؤسسة بدأت ثم اندثرت إلا هذا العمل الخيري استمر رغم الحروب والفقر والوباء ألا يوحي ذلك بأن يدا غيبية تحفظه لعلها دعوات الجوعى والمساكين التي كانت تصعد إلى السماء كل يوم "اللهم بارك في من أطعمنا" فاستجيبت الدعوات وبقيت التكية مباركة في أهلها وخيرها يقول الله تعالى في محكم التنزيل فأما من أعطى واتقى فسنيسره لليسرى فمن أعطى وتصدق ابتغاء مرضاة الله يعده الله بالتيسير والبركة وهذا ما نلمسه في الخليل فحين أعطى أهلها بسخاء أكرمهم الله بأن كفاهم شح الفاقة وكابوس الجوع وأصبح رزقهم يأتيهم رغدا من خلال تعاونهم وتراحمهم

وفي الختام تلقي تكية سيدنا إبراهيم في الخليل دروسا بليغة لكل البشرية بأن الكرم والإيثار يمكن أن يصنعا المعجزات من غرفة بسيطة قيل إنها كانت ذات يوم مكانا يأكل فيه إبراهيم عليه السلام مع ضيوفه انبثقت شعلة خير لا تزال متقدة هي شعلة تقول لنا لن يجوع إنسان بين أناس يمتلكون الرحمة وإن كانت الخليل اليوم مدينة لا يجوع فيها أحد فلا سبب يمنع تكرار هذه التجربة في كل مدينة وبلدة إنها مسألة إرادة جماعية وتنظيم وحب للخير وعندما تتوفر هذه العناصر سنرى عالما أقل جوعا وأكثر شبعا وسلاما وكما بدأت قصتنا بكرم إبراهيم عليه السلام نختمها بحكمة نبوية عظيمة "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس" وما أنفع وما أجمل من أن تشبع جائعا وتحيي نفسا تلك هي رسالة الخليل وتكية إبراهيم إلى العالم ازرع الخير في أرضك فلن تجني إلا خيرا وبركة

 

تعليقات

close