القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

كنتُ قد انتهيتُ للتو من تنظيف حماتي الطريحة على السرير

 كنتُ قد انتهيتُ للتو من تنظيف حماتي الطريحة على السرير



كنتُ قد انتهيتُ للتو من تنظيف حماتي الطريحة على السرير

 

حين عاد زوجي سيف بعد عمله في الخارج لثلاث سنواتٍ كاملة.

في اللحظة التي دخل فيها البيت، بدأ يوزّع الهدايا.. وكأنه يحمل معه الفرح كله.

قال بابتسامةٍ واسعة

أمي.. أبي.. لقد تقدمتما في العمر، فأحضرتُ لكما فيتامينات ومكمّلات غذائية باهظة من الخارج.. لتحافظا على صحتكما.

أضاء وجه أم سيف فجأة، وكأنها نسيت ألمها في لحظة.

تقدّمت رنا بسرعة، والتقطت أغلى حقيبة، وهي تصرخ بحماسٍ مبالغ فيه

أنت أفضل أخ في الدنيا!

كنتُ أقف بهدوء في زاوية الغرفة

ما زلت أرتدي مئزري.. ويداي مبللتان بالعرق.

ثلاث سنوات

كل شيء في هذا البيت كان على عاتقي وحدي.

رعاية والديه.. تربية طفلنا.. إدارة كل تفصيلة.

وفي المقابل.. لم يرسل لنا دينارًا واحدًا.

حين التقت عيناه بعيني أخيرًا.. توقّف.

قفز قلبي.

ظننت.. أن دوري قد جاء.

مددتُ يدي نحو أجمل صندوق على الطاولة

لكن صوته جاء قاسيًا، كصفعةٍ قبل أن تقع

لا تلمسيه بيديك المتسختين.. هذا لشريكتي في العمل، ندى.

تجمّدتُ في مكاني.

ذراعي معلّقة في الهواء.. كأنها لا تخصني.

قلت بصوتٍ جاف

وأين هديتي؟

تردّد لحظة

ثم أخرج من حقيبته سلسلة مفاتيح رخيصة، وألقاها نحوي بلا اهتمام

هذه لكِ.. اخترتها خصيصًا، فحافظي عليها.

اصطدمت بيدي.. وأوجعتني.

نظرتُ إلى الهدايا الفاخرة المنتشرة على الطاولة

ثم قلبتُ السلسلة بين أصابعي.

وجدتُ الملصق الصغير

هدية مجانية مع الشراء

ضحكت أم سيف وصفّقت

ابني يعرف كيف يقدّر


الناس!

احتضنت رنا حقيبتها، ونظرت إليّ بسخرية

لا تكوني درامية.. خذيها وانتهي.

رفعتُ السلسلة أمامه، وصوتي يرتجف

تعطيني هدية مجانية.. بعد كل هذا؟

تغيّر وجه سيف، وقال ببرودٍ جارح

وإن كانت مجانية؟ أنتِ طمّاعة.

انفجرتُ أخيرًا

شريكتك تأخذ عطرًا غاليًا.. وأختك تأخذ حقيبة فاخرة.. وأنا؟!

اقترب خطوة.. ونظر إليّ نظرة خالية من أي رحمة

لأنك لا تستحقين أكثر.

توقّف كل شيء داخلي.

خرج صوتي بالكاد

لا أستحق؟!

انهمرت دموعي، ولم أعد أستطيع التوقف

ثلاث سنوات وأنا أخدم في هذا البيت!

كل يوم أعتني بوالدتك.. أخاف عليها من المرض!

أطعمها بيدي!

أربي طفلنا.. وأهتم بوالدك!

كل شيء.. كان عليّ أنا!

وأنت؟ غائب ثلاث سنوات.. لا مال.. ولا حتى اتصال!

وتعود الآن.. لتعطيني هذا؟!

صرخ فجأة

اصمتي!

ثم

صفعة.

ثم ثانية.

ثم ثالثة.

دوّى الصوت في الغرفة

لكن الأشد قسوة.. كان الصمت.

لم يتحرّك أحد.

لم يدافع أحد.

وضعت يدي على خدي المحترق، وقلت بذهول

سيف.. ضربتني؟

قال ببرود

تستحقين.

ثم أضاف بغضب

العطر الذي كسرته كان باهظ الثمن.. ستدفعين ثمنه!

نظرت إليه وكأنني لا أعرفه

أنا؟ أدفع؟

لم يجب.

بل أخرج دفترًا أسود قديمًا.. ورماه أمامي.

تبعثرت صفحاته على الأرض.

وأشار إليه

ثلاث سنوات.. طعامك، ملابسك، الكهرباء، الماء، علاج أمي، مدرسة الطفل.. كل ذلك محسوب.

سدّدي ديونك.. قبل أن تطلبي هدايا.

جلستُ على الأرض.. أحدّق في الدفتر.

كل سطر.. يسجّل تكاليفي.


لكن

لم يُسجَّل فيه يومٌ واحد.. أنني لم آخذ منه شيئًا.

كل ما أنفقته

كان من مدّخراتي قبل الزواج.

أرهقت نفسي في خدمتهم

وفي النهاية.. أعطاني فاتورة.

وقفت ببطء.

لم أعد أبكي.

لم أعد أجادل.

دخلت الغرفة

أخذت هويتي.. بطاقتي البنكية.. وبعض الملابس وضعتها في حقيبة وخرجت.

كان لا يزال يحسب بصوتٍ بارد

المجموع 14500 دولار.. ادفعي 8000 أولًا

خرجتُ من الغرفة ومعي حقيبتي، ومررتُ بجانبه دون أن أنظر إليه، بينما كان سيف لا يزال جالسًا على الأرض ممسكًا بدفتره الأسود، يتمتم بالأرقام وكأن ما يحدث حوله لا يعنيه.

المبلغ الإجمالي أربعة عشر ألفًا وخمسمائة دولار.. ادفعي ثمانية آلاف أولًا، والباقي لاحقًا.

لم أتوقف.. ولم ألتفت.. وكأن صوته لم يعد يصل إليّ.

وأنا أعبر غرفة المعيشة، وقعت عيناي للحظة على زجاجة العطر المكسورة، وعلى أم سيف التي كانت تنظر إليّ ببرود، وعلى رنا التي بدت منتصرة، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن.

وصلتُ إلى الباب، وانحنيتُ قليلًا لأرتدي حذائي، وفي تلك اللحظة فقط أدرك سيف أن شيئًا لم يعد طبيعيًا.

نهض فجأة، وتقدّم نحوي، وأمسك بذراعي بقوة وقال بحدّة

ديانة.. ماذا تفعلين؟ إلى أين تذهبين؟

توقفتُ، لكنني لم ألتفت إليه، وجاء صوتي هادئًا على غير عادتي، خاليًا من أي رجاء

كنتُ مخلصةً لهذه العائلة ثلاث سنوات، خدمتكم جميعًا دون أن أطلب شيئًا، ولم تعطوني مقابل ذلك مالًا.. ولا حتى كلمة تقدير.

سكتُّ

لحظة، ثم تابعتُ بالهدوء ذاته

والآن.. لم أعد أريد شيئًا.

ساد صمتٌ قصير، ثم انفجروا جميعًا في وقت واحد.

اشتدّت قبضة سيف على ذراعي حتى شعرتُ بأصابعه تغرس في جلدي، وقال بلهجة يغلب عليها الغضب

تزوجتُك لتخدمي والديّ وتعتني ببيتي، هذا ليس فندقًا تغادرينه متى شئتِ.

نظرتُ إليه أخيرًا نظرة باردة لم يعتدها مني، ثم نزعتُ يده عني بهدوء، وكأنني أزيح شيئًا لا يخصني.

صرخت أم سيف من خلفنا بصوتها الحاد

تريدين الرحيل؟ يا لكِ من زوجة سيئة! تتركين البيت بسبب هدية؟!

وأضافت رنا بسخرية وهي تحتضن حقيبتها

يا إلهي، أي دراما هذه! هل تظنين أن العمل في الخارج سهل؟ لقد تعب أخي ليجلب هذه الأشياء!

أما حماي، فلم يتكلم، بل ظل واقفًا ينظر إليّ بنظرة قاسية، وكأنني أنا المخطئة.

في تلك اللحظة، لم أعد أستطع كتمان ما بداخلي.

نظرتُ إلى سيف وقلتُ بصوت ثابت، رغم الألم الذي لا يزال يشتعل على وجهي

خدعتني بهدية مجانية.. ثم رفعت يدك عليّ.

غبت ثلاث سنوات، لم ترسل مالًا، ولم تسأل.. والآن تعود لتطالبني بديون؟!

ابتسمتُ بسخرية مريرة وأضفت

بأي وجه تتكلم؟ ومن أين جئت بكل هذا؟

ثم التفتُّ إلى أم سيف التي كانت تراقب بصمت متوتر، وقلت

خدمتكِ لسنوات، واعتنيت بكِ، وطبخت لكِ، وسهرت عليكِ.. هل سمعتِني أشتكي يومًا؟

توقفتُ لحظة، ثم نظرت في عينيها مباشرة

واليوم.. هل قلتِ كلمة واحدة لتدافعي عني؟

ساد الصمت.. حتى صوتها اختفى.

عدتُ أنظر إلى سيف، وكانت عيناه لا تزالان ضيقتين، ممتلئتين بالغضب والغرور، فقلتُ بهدوء حاسم

سيف.. في ثلاث سنوات، أنهيت كل ما كان عليّ في هذا

 

البيت.

ومن اليوم.. لا شأن لي بكم.

ثم سحبتُ حقيبتي، وفتحتُ الباب وخرجت.

في اللحظة التي عبرتُ فيها العتبة، شعرتُ بخفة لم أعرفها من قبل، كأن شيئًا ثقيلًا كان جاثمًا على صدري قد سقط أخيرًا.

أخرجتُ هاتفي واتصلت.

كانت الحاجة أم حسين، المرأة الطيبة في حيّنا، التي لطالما رأت تعبي بصمت، وكانت دائمًا تقول لي

بابي مفتوح لكِ في أي وقت.

حين ردّت، جاء صوتها هادئًا

مرحبًا يا ديانة، هل كل شيء بخير؟

أخذتُ نفسًا عميقًا، محاوِلةً تثبيت صوتي

يا حاجة.. كنتِ قد عرضتِ عليّ العمل سابقًا.. إن كان العرض ما يزال قائمًا، فأنا موافقة.

ساد صمت لثوانٍ، ثم جاء صوتها مفعمًا بالدهشة والفرح

حقًا يا ديانة؟ بالطبع ما يزال قائمًا! أنا بحاجة إلى شخص أمين مثلك، تعالي فورًا، سأكون بانتظارك.

لقد عاد ابني من السفر، والبيت بحاجة إليك.. وستكونين في أمان إن شاء الله.

أغلقتُ الهاتف ببطء.. وفي تلك اللحظة سمعتُ ضحكة ساخرة خلفي، فالتفتُّ.

كان سيف يقف عند الباب، ينظر إليّ باستخفاف، وقال بنبرة مليئة بالتهكم

ستذهبين لتخدمي في بيوت الناس؟ هذا هو مستواك الحقيقي.

ثم تابع بسخرية أشد

مدبّرة منزل؟ تريدين أن تعيشي في بيت غريب وتتصرفي كما يحلو لك؟ لا تتوقعي أن أفتح لكِ هذا الباب مرة أخرى.

ضحكت رنا وهي تنظر إلى أظافرها بلا مبالاة، وقالت بلهجة استهزاء

بصراحة،

لا أفهم ما الصعب في الأمر. إن كنتِ ستنظفين بيت شخص غريب، فلماذا لا تبقين هنا وتخدمين أمّي؟ على الأقل نحن عائلتك.

رفعتُ عينيّ إليهم، ونظرتُ إليهم بمزيج من السخرية والاحتقار، وقلت بهدوء

عائلة؟

سكتُّ لحظة، ثم تابعت بصوتٍ ثابت يحمل كل ما كتمته لسنوات

في هذه العائلة، كنتُ الغسيل، والطعام، والتمريض، وكل ما يخطر على بالكم.. بلا أجر، وبلا تقدير.

في هذه العائلة، لم أُعامل يومًا كإنسانة.. بل كخادمة يُؤخذ منها كل شيء، ويُردّ لها الإهانة.

ثم نظرتُ إلى سيف مباشرة، وقلت بمرارة واضحة

أنا زوجتك.. ومع ذلك عاملتني أسوأ مما يُعامل به كلب.

كنتُ على وشك أن أفتح الباب وأغادر، حين تقدّم حماي فجأة وسدّ الطريق أمامي، وكان صوته منخفضًا، لكنه يحمل أمرًا لا يقبل النقاش

ديانة، اتركي الحقيبة. كل ما تملكينه هنا، حتى الملابس التي ترتدينها، هو من مال ابني. لن تغادري بشيء يخص هذه العائلة.

نظرتُ إليه بثبات، دون خوف، وقلت بهدوء حاسم

يبدو أنك نسيت يا أبي.. المال الذي اشتريتم به دواءك، والكهرباء التي تنعمون بها، وحتى الطعام الذي تأكلونه كل يوم.. كل ذلك كان من مدّخراتي قبل أن أعرف ابنك.

تقدّمت خطوة، وأخرجت هاتفي، ثم عرضت كشف حسابي أمامهم

تفضلوا.. إن كنتم تريدون الحقيقة.

ثم وجهت كلامي إلى سيف

انظر بنفسك. خلال ثلاث سنوات.. لم تُرسل

لي تحويلًا واحدًا.

توقفت لحظة، ثم أضفت بصوتٍ أوضح

ما أنفقته على هذه العائلة تجاوز مليون دينار.. من طعام، وعلاج، ومصاريف، وحتى رعاية أمك.

رفعتُ عينيّ إليه بثبات، وقلت

والآن تطلب مني أن أدفع لك ستة آلاف دولار؟

ابتسمتُ بسخرية باردة، وأكملت

حسنًا.. فلنقم بالحساب الصحيح. اطرح ما تدّعيه.. من المليونين الذين تدين لي بهما.

تجمّد سيف في مكانه، وأخذ الهاتف من يدي بسرعة، وبدأ يتصفح الأرقام بارتباك واضح، ومع كل ثانية كان وجهه يزداد شحوبًا.

تمتم بصوتٍ متقطّع

كيف.. من أين حصلتِ على كل هذه الأموال؟

نظرتُ إليه دون تردد، وقلت بوضوحٍ لم أعد أخفيه

كنت أعمل.

كل صباح، قبل أن تستيقظوا.. كنت أبيع عبر الإنترنت.

كنت أعيد استثمار ما أشتريه من البقالة.. وأدير كل شيء بصمت، وأنا أعتني بأمك في الوقت نفسه.

توقفتُ لحظة، ثم نظرت إليه نظرة حادة، تحمل كل ما مررت به

وبينما كنتَ أنت تعيش حياتك في الخارج.. مع سكرتيرتك.. كنتُ أنا أقاتل وحدي حتى لا نجوع.

وفجأة.. انفتح باب الغرفة، وخرج كرار وهو يبكي، وعيناه تبحثان عني بذعر.

أمي! لا ترحلي.. أرجوكِ!

ثم التفت إلى سيف وصرخ بصوتٍ مكسور

أبي.. لماذا تؤذي أمي؟

اندفع نحوي، لكن سيف أمسك بذراعه بعنف وأوقفه.

وقال ببرودٍ قاسٍ

ديانة، إن كنتِ ستغادرين.. فاتركي الطفل هنا. لن تأخذي مني شيئًا. دعينا

نرى كم أنتِ قوية من دونه.

في تلك اللحظة.. انفجر كل ما بداخلي.

التقطتُ كأس الماء من على الطاولة، ورششته مباشرة في وجهه دون تردد.

قلت بصوتٍ مرتجف من شدة الغضب

لا تستخدم ابني لإيذائي!

تقدّمت خطوة، ونظرت إليه بعينين لم يعرفهما من قبل

بعد ثلاث سنوات.. لا تعرف حتى في أي صف يدرس ابنك!

لم تكن تعلم أنه يعاني من الربو!

لم تكن تعلم كم مرة سهرته بين ذراعي وأنا أقاتل وحدي من أجل أن يتنفس!

توقفت لحظة، ثم قلت بحسم

ليس لك الحق.. أن تناديه ابنك.

ساد الصراخ في المكان

وفي وسط الفوضى، توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام المنزل.

نظر الجميع نحو الباب في دهشة، ثم فُتح.. ودخل رجل أنيق يرتدي بدلة رسمية، بهدوء وثقة.

كان ابن الحاجة أم حسين.

تقدّم بخطوات ثابتة، وعيناه تراقبان كل تفصيلة في المكان، ثم قال بهدوء

ديانة.. هل أنتِ مستعدة؟ قالت والدتي إنكِ بحاجة إلى مساعدة.

تجمّد سيف في مكانه، ونظر إليه بارتباك واضح، وكأن الفارق بينهما أصبح فجأة لا يُخفى.

سأله بصوتٍ متوتر

من أنت؟ وماذا تفعل في منزلي؟

ألقى الرجل نظرة سريعة على زجاجة العطر المكسورة، ثم على وجهي المحمر، ثم على الدفتر الملقى على الأرض، وابتسم ابتسامة باردة تحمل أكثر مما تُظهر.

ثم قال بهدوءٍ حاسم

أنا صاحب العمل الجديد لديانة.

وتابع بنبرة أكثر صلابة

ومن الواضح.. أن لديك الكثير لتشرحه أمام القانون، بشأن ما تعرضت له من إساءة وإذلال واستغلال.

لم يرد

 

سيف.

لم يستطع.

تقدّمتُ نحو كرار، واحتضنته بقوة، ثم حملته بين ذراعي، وأمسكت حقيبتي.

هذه المرة.. لم يعد هناك ما يمكن أن يوقفني.

وقفت عند الباب، ونظرت إلى سيف نظرة أخيرة، وقلت بهدوءٍ قاطع

لا تنتظر مني شيئًا.. انتظر فقط أوراق الطلاق، ودعوى النفقة التي تجاهلتها ثلاث سنوات.

ثم استدرت.. وخرجت.

تركتهم جميعًا خلفي، واقفين وسط الفوضى التي صنعوها بأيديهم.

ركبت السيارة.. وأُغلق الباب.

ومع أول حركة لها، سمعت صرخة أم سيف من الداخل، ممتلئة بالذعر والغضب

سيف! من سيهتم بي الآن؟! من سيطبخ؟!

نظرتُ أمامي.. وابتسمت ابتسامة هادئة.

لأول مرة منذ سنوات كنتُ حرة.

مرّ شهرٌ منذ أن غادرتُ ذلك المنزل الكئيب، وكانت حياتي في بيت الحاجة أم حسين أشبه بحلم لم أكن أتوقعه يومًا، فلم أعد أرى نفسي خادمة، بل إنسانة موثوقة لها مكانتها، أعيش بكرامة وأتنفس بهدوء. وبينما كان كرار يلعب بسعادة في الحديقة الواسعة،

كنت أتعافى ببطء من كل ما مررت به، كأن روحي تُرمَّم قطعةً قطعة.

في إحدى الظهيرات، وبينما كنت أرتّب الزهور قرب المدخل، سمعت طرقًا عنيفًا على البوابة، يتبعه صراخٌ مألوف.

ديانة! اخرجِي! لا يمكنكِ أن تفعلي هذا بنا!

كان سيف.. ومعه رنا وأم سيف، وقد بدوا في حالٍ يُرثى لها؛ وجوه شاحبة، وملابس متسخة، ونظرات مشتتة. حين فُتحت البوابة، نظرت إليهم للحظة ولم أكَد أتعرف عليهم. سيف، الذي كان متعجرفًا بالأمس، بدا اليوم كمن لم يذق النوم منذ أيام.

اقترب بخطوات متعثرة، ثم سقط على ركبتيه أمامي، وقال بصوتٍ مكسور

ديانة.. ارحميني، عودي.. البيت انهار من بعدك، أمي مريضة ولا أحد يعتني بها، ورنا لا تعرف حتى كيف تُعد الطعام.. لم نعد نأكل إلا ما يسدّ الرمق.

نظرتُ إليه من أعلى إلى أسفل نظرة هادئة، ثم قلت

وماذا عن هداياك الفاخرة؟ أين اختفت؟ وأين تلك الحياة التي كنت تتباهى بها؟ لماذا تبدون الآن كمن فقد

كل شيء؟

خفضت رنا رأسها، وبدا على حقيبتها الرخيصة أثر الزيف بعد أن كانت تتباهى بها.

تدخلت أم سيف بصوتٍ متعب

يا ديانة.. لم يعد لدينا مال. كل ما فعله سيف انكشف، الشركة أغلقت بعد أن تبيّن أنه كان يأخذ المال ليتباهى به، وحتى تلك التي كان يعمل معها.. تركته حين سقط.

ابتسمتُ ابتسامة باردة، وقلت في نفسي إن العدالة لا تأتي دائمًا بصوتٍ عالٍ، لكنها حين تصل.. لا تخطئ الطريق.

ثم نظرتُ إلى سيف وقلت بهدوء

أين دفتر حساباتك؟ أين تلك الأرقام التي كنت تلوّح بها في وجهي؟ هل ما زلت تنتظر أن أدفع لك شيئًا؟

هزّ رأسه بسرعة، وقال بصوتٍ يختنق

لا.. لا يا ديانة، سامحيني.. كنت أظن أن المال يصنع الاحترام، وأن الزوجة تُشترى بالخدمة.. كنت مخطئًا.

في تلك اللحظة، توقفت سيارة أمام البوابة، ونزل منها رجل أنيق، ثم تقدّم نحوي بهدوء وسلّمني ظرفًا.

قال بنبرة رسمية

ديانة، هذا الحكم النهائي بحجز ممتلكاتهم لعدم

دفع نفقة الطفل طوال ثلاث سنوات.

اتسعت عينا سيف بصدمة، وقال بصوتٍ مرتجف

ماذا؟ حتى البيت؟

نظرتُ إليه بثبات وقلت

نعم يا سيف، هذا البيت مسجّل باسمنا معًا، وبما أنك لم تتحمل مسؤوليتك، فقد قررت المحكمة أن تكون حصتك من نصيب كرار.. وغدًا ستغادره.

صرخت رنا وهي تبكي

إلى أين سنذهب؟ ليس لدينا مكان!

نظرتُ إليهم نظرة أخيرة، خالية من أي تردد، وقلت

لم يعد ذلك شأني. حين كنتُ بينكم، لم أكن أستحق حتى هدية.. واليوم، أنتم لا تستحقون دقيقة واحدة من وقتي.

أُغلقت البوابة ببطء، فاصلةً بين ماضٍ انتهى.. وبداية جديدة لم أعد أخافها.

دخلتُ إلى الداخل، واحتضنتُ كرار، ولأول مرة منذ سنوات، لم ترتجف يداي، ولم أشعر بثقلٍ على صدري، ولم تعد هناك رائحة دواء أو تعب أو خوف.. بل فقط رائحة طعامٍ طازج، وهدوءٍ يشبه السلام.

أدركتُ حينها.. أن أجمل الهدايا لا تأتي من سفرٍ بعيد، ولا من أشياء باهظة، بل من لحظة تختارين فيها نفسك، وتتركين كل من لم يعرف قيمتك.

 

تعليقات

close