القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

عادَت أمُّه بعد 11 عامًا لتأخذ ملايينه

 

عادَت أمُّه بعد 11 عامًا لتأخذ ملايينه




😳 عادَت أمُّه بعد 11 عامًا لتأخذ ملايينه… لكنها لم تكن تعلم أن طفل التوحّد الذي تركته كان يحتفظ بكل شيء بالصوت والصورة! 💔🔥

انفتح المجلد على شاشة التلفاز كأنه فمٌ واسع.

توقفت ريم عن الابتسام.

أما أنا، فشعرت أن يديّ تجمدتا، لأن ياسر لم يكن يفعل شيئًا دون أن يفكر فيه ثلاث مرات. وإذا كان هذا المجلد موجودًا، فهذا لم يكن غضبًا.

كان ذاكرة.

في السطر الأول ظهر تاريخ.

فجر اليوم الذي رحلت فيه ريم.

ثم ظهرت صورة.

ياسر، في الخامسة من عمره، نائم على مقعدي القديم، يحتضن ديناصورًا صغيرًا من القماش. وعلى صدره كانت ورقة ريم، مكتوبة بقلم أزرق

لا أستطيع تحمّله تولّي أمره أنتِ.

وقفت ريم فجأة.

هذا شيء خاص!

لم يرمش ياسر.

هذه حياتي.

اقترب الأستاذ سامر من التلفاز ووجهه شاحب. أما محامي ريم، فشدّ فكه، لكنه لم يقل شيئًا. لم يعد يبدو واثقًا كما كان وهو يحمل حقيبته السوداء.

لمس ياسر جهازه اللوحي مرة أخرى.

فظهرت تسجيلات صوتية.

قالت ريم بسرعة

لا تشغّلها.

انكسر صوتها.

وللمرة الأولى منذ دخولها بيتي، لم


تعد تبدو كامرأة أنيقة. بدت مثل الطفلة المدللة التي كانت تكسر الأطباق عندما لا تحصل على ما تريد.

خفض ياسر الصوت قبل التشغيل.

كان دائمًا يفكر في أذنيّ، وفي أذنيه، وفي كل شيء.

ثم امتلأت غرفة الجلوس بصوت ريم

هذا الطفل ليس طبيعيًا يا أمي. لا أستطيع أن أعيش وأنا أعتني بشخص لا يعانقني حتى.

ثم تسجيل آخر

إذا كنتِ تدافعين عنه إلى هذا الحد، فاحتفظي به. أنا سأبدأ حياتي من جديد.

ثم تسجيل ثالث

لا تبحثي عني من أجل المصاريف. لست مضطرة أن أصرف على خطأ.

شعرت أن ساقيّ تخونانني.

كنت قد سمعت تلك الجمل قبل سنوات، لكن سماعها مرة أخرى أمامها كان كأنني أخرج سكينًا صدئًا من جرحٍ قديم.

نظرت ريم إلى محاميها.

قل لهم إن هذا لا قيمة له.

تنحنح المحامي وقال

التسجيلات يمكن الطعن فيها.

أومأ ياسر برأسه، وكأنه كان يتوقع هذه الجملة.

المجلد التالي.

تبدلت الشاشة.

ظهرت إيصالات طبية.

جلسات

تخاطب.

طبيب أعصاب أطفال.

طبيبة نفسية.

نظارات.

أدوية.

تشخيصات.

تقارير مدرسية.

فواتير من المكتبة التي كنت أشتري منها البطاقات المصورة، وأغلف الجداول اليومية، وأصنع بطاقات تساعده على أن يقول أتألم، أنا خائڤ، أحتاج إلى الهدوء.

كل ملف كان مؤرخًا.

كل دفعة مالية كانت مصورة.

كل مصروف كان باسمي.

ولا شيء كان باسم ريم.

نظر إليّ الأستاذ سامر بمزيج من الخجل والأمل.

ياسر هل أنت من فعل كل هذا؟

عدّل حفيدي الجهاز اللوحي فوق ساقيه.

منذ كنت في الرابعة عشرة.

وضعت يدي على فمي.

في الرابعة عشرة، بينما كنت أظن أنه يصلح هاتفي فقط ويصمم صفحات لبيع الفطائر، كان يبني جدارًا.

ليس جدارًا من الكراهية.

بل من الحقيقة.

أطلقت ريم ضحكة جافة.

هذا لا يغيّر أنني أمه.

نظر إليها ياسر.

تغيّر الأمر عندما رحلتِ.

قالت بسرعة

كنت مريضة.

أجابها بهدوء

لا.

كانت الكلمة منخفضة، لكنها قطعت الغرفة كالسيف.


ثم فتح مجلدًا فرعيًا اسمه

التناقضات.

ظهرت منشورات ريم على مواقع التواصل.

صور في دبي.

صور في بيروت.

صور في مطاعم فاخرة في عبدون.

تواريخ واضحة.

الحادي عشر من أيار

أخيرًا حرة من الأعباء.

الثالث والعشرون من تموز

حياتي الجديدة تبدأ اليوم.

الخامس من كانون الثاني

عام جديد بلا دراما، بلا أطفال، بلا مشاكل.

كنت أتذكر تلك الصور.

رأيتها ليالي كثيرة والهاتف في يدي، أبكي بصمت في المطبخ، بينما كان ياسر ينام بسماعاته لأن أصوات الألعاب الڼارية في نهاية العام كانت تجعله يرتجف.

اندفعت ريم نحو الجهاز اللوحي.

يكفي!

لم تصل إليه.

تراجع ياسر إلى الخلف، ووقف الأستاذ سامر بينهما.

سيدتي، لا تلمسيه.

رمقته ابنتي بنظرة حادة.

إنه ابني.

قال سامر، وهذه المرة لم يرتجف صوته

إنه قاصر وله حقوق. وأنتِ حاولتِ الآن انتزاع جهازه منه أثناء اجتماع قانوني.

تنفس محامي ريم بعمق.

أقترح أن نهدئ

الأمور.

ضغط ياسر زرًا آخر.

فظهرت على الشاشة صورة جعلت قلبي ينقسم.

ورقة صفراء قديمة، مكتوبة بخط امرأة

 

متعبة.

كانت الورقة الأصلية.

ليست صورة.

بل الأصل نفسه.

قال ياسر

جدتي احتفظت بها في علبة بسكويت. وجدتها وأنا أبحث عن شهادة ميلادي.

ابتلعت ريم ريقها.

هذا لا يثبت التخلي.

عندها فتح ياسر آخر ملف.

فيديو. محطة الحافلات.

كانت الصورة غير واضحة، مأخوذة من كاميرا قديمة. ظهرت ريم وهي تحمل حقيبة حمراء وتخرج من محطة الحافلات في عمّان. التاريخ كان مطابقًا لفجر اليوم الذي اختفت فيه.

لم يكن الصوت واضحًا، لكن الصورة كانت كافية.

لقد رحلت.

وحدها.

دون أن تلتفت.

همست

من أين حصلت على هذا؟

أجاب ياسر

من رجل كان يعمل هناك. صممت صفحة إلكترونية لمحل قطع غيار يملكه. دفع لي بهذه الملفات.

للمرة الأولى، أغلق محامي ريم حقيبته السوداء.

ببطء شديد.

كمن فهم أنه لم يأتِ ليربح، بل لينجو.

أردت أن أعانق ياسر.

لكنني لم أفعل.

هو لا يحب العناق عندما يكون شديد التركيز. بدلًا من ذلك،

وضعت يدي على الطاولة قرب يده. لمس إصبعي بإصبعه لثانية واحدة.

كان ذلك عناقنا.

غيّرت ريم خطتها.

ظهرت الدموع في عينيها وكأنها أخرجتها من حقيبتها.

حبيبي، أنا أخطأت. لكنني أمك. الأم قد تخطئ، لكن الجدة لا يمكن أن تحل محل الأم.

أمال ياسر رأسه.

أمينة لم تحل محل أحد.

شعرت أن صدري ينفتح.

قال بهدوء

أمينة بقيت.

بكت ريم بصوت أعلى.

أنت تعاقبني لأنني إنسانة.

قال

لا. أنا أمنعك من إدارة مالي.

ساد الصمت في الغرفة.

وتوقفت ريم عن البكاء.

هناك ظهرت الحقيقة.

لم يكن يؤلمها أن تخسره هو.

كان يؤلمها أن تخسر الحسابات.

تنفس الأستاذ سامر، ثم قال كأنه استعاد روحه

يا أمينة، بهذه الأدلة يمكننا طلب إجراءات حماية فورًا. ويمكننا أيضًا طلب تدخل الجهة المختصة بحماية الأطفال والأسرة. مصلحة ياسر هي الأهم من أي مطالبة مالية.

قطّب محامي ريم جبينه.

نحن لا نقبل هذا التفسير.

فتح

ياسر مجلدًا آخر.

الصندوق الائتماني.

تجمّد محامي ريم.

والټفت سامر إليّ.

أي صندوق ائتماني؟

أنا أيضًا لم أكن أعرف.

نظر ياسر إلى الشاشة، لا إلينا.

الشركة في دبي لم تودع المبلغ كله في حسابي. العقد يتضمن صندوقًا ائتمانيًا حتى أبلغ الثامنة عشرة. الإدارة مشتركة مع لجنة. جدتي لا تستطيع صرفه. وريم أيضًا لا تستطيع.

فقدت ابنتي لون وجهها.

لكنك قلت إنها ثلاثة ملايين ومئتا ألف دولار.

نعم.

أين هي؟

محمية.

سقطت الكلمة كأنها باب حديدي أُغلق بقوة.

نظرت ريم إلى محاميها پغضب.

أنت قلت لي إننا نستطيع طلب الوصول إليها.

خفض صوته

لو لم تكن هناك بنية قانونية، نعم. لكن إذا كان هناك صندوق ائتماني

صړخت

أنت قلت إن الأمر سهل!

سمعتها.

وسمعها الجميع.

حتى هي أدركت متأخرة ما اعترفت به للتو.

ابتسم الأستاذ سامر لأول مرة.

لم تكن ابتسامة واسعة.

كانت شرارة صغيرة.

شكرًا لكِ يا سيدة

ريم.

عضّت شفتيها.

ولمس ياسر الجهاز اللوحي من جديد.

هذه المرة ظهر مستند موقّع لدى كاتب عدل.

عرفت ذلك اليوم.

كان بعد بيع التطبيق. ذهبنا إلى وسط عمّان، مررنا بشوارع قديمة، ثم اشترى ياسر لي قهوة وقال إن رائحتها لا تزعجه إذا جلسنا بعيدًا عن الزحام. بعد ذلك أخذني إلى مكتب وقال إنه يحتاج إلى ترتيب المستقبل.

ظننت أنها أوراق تخص الشركة.

لم أفهم كل شيء.

وقّعت فقط حيث شرح لي كاتب العدل أن الأمر لا يسلب شيئًا من حفيدي، بل يحميه.

كان اسمي ظاهرًا على الشاشة

أمينة ناصر.

مقدّمة الرعاية الأساسية المعترف بها في القرارات الطبية والتعليمية والدعم اليومي.

لم تكن حضانة كاملة، لكنها كانت مرساة.

كاد الأستاذ سامر يضحك من شدة الارتياح.

ياسر يا ولدي المبارك

هزّ كتفيه ببساطة.

قرأت.

ضړبت ريم الطاولة.

عمره ستة عشر عامًا! لا يستطيع أن يقرر وحده!

نظر إليها ياسر دون ڠضب.


لهذا لم أقرر وحدي.

رُنّ جرس الباب.

التفتنا جميعًا.

فتح الحارس من الخارج، ودخلت امرأة ترتدي بدلة

 

رمادية، شعرها مرفوع، وتحمل ملفًا رسميًا. وخلفها رجل يحمل بطاقة تعريف.

قالت

مساء الخير. أنا الأستاذة هبة العابد، من وحدة حماية الأسرة والطفل.

شعرت أن روحي خرجت من جسدي.

من اتصل بكِ؟

رفع ياسر يده.

أنا. في الساعة الحادية عشرة واثنتين وأربعين دقيقة. قبل أن تصل ريم.

نظرت الأستاذة هبة إلى ريم، ثم إليّ، ثم إلى ياسر.

وصلنا بلاغ عن احتمال وجود خطړ عائلي ومالي على قاصر. كما أُبلغنا بوجود حالة من طيف التوحد والحاجة إلى تهيئة مناسبة أثناء أي مقابلة.

فتحت ريم عينيها بدهشة.

هذه مؤامرة.

لم تتأثر الموظفة.

لا يا سيدتي. هذا إجراء.

أعاد ياسر سماعاته إلى أذنيه، لكنه ترك واحدة مرفوعة قليلًا. هذا كان يعني أنه يريد أن يواصل السماع، لكن العالم أصبح صاخبًا أكثر مما ينبغي.

لاحظت الأستاذة هبة ذلك.

فخفضت صوتها.

ياسر، هل تريد أن نواصل هنا أم تفضّل

مكانًا آخر؟

أشار حفيدي إلى غرفة الجلوس.

هنا. مع أمينة.

لم يقل جدتي.

قال اسمي.

لكنها في فمه بدت كأنها كلمة بيت.

وقفت ريم.

لن أسمح أن يهينني أحد.

فتحت الأستاذة هبة ملفها.

لا أحد يهينكِ. نحن نوثّق حالة. سيكون بإمكانكِ الإدلاء بأقوالك.

صړخت ريم

أنا جئت من أجل ابني!

ضغط ياسر أصابعه على الجهاز اللوحي.

رأيت ذلك.

كانت إشارة صغيرة.

تغيّر تنفسه.

الضجيج، والأصوات، والانفعالات كل شيء بدأ يرتفع حوله مثل موجة.

اقتربت منه ببطء.

يا بني، انظر إلى الستارة الزرقاء.

أدار وجهه قليلًا.

في بيتنا كانت هناك ستارة زرقاء خصيصًا لهذا الأمر. كي يثبت نظره عليها عندما يفقد العالم شكله.

همست

واحد اثنان ثلاثة.

تنفس معي.

نظرت إلينا ريم بانزعاج.

دائمًا تعاملينه كأنه زجاج.

عندها رفع ياسر رأسه.

أنا لست زجاجًا.

خرج صوته أوضح من أي مرة.

أنا ذاكرة.

لم يتحرك

أحد.

تابع

أتذكر السترة الحمراء التي كنتِ ترتدينها يوم رحلتِ. أتذكر أن رائحتكِ كانت عطر الفانيلا. أتذكر أن أمينة بكت دون صوت لأنها ظنت أنني نائم. أتذكر أول يوم لي دونكِ. وأتذكر كل الأيام التي عشتها دونكِ.

بدأت ريم تهز رأسها.

كنت أريد العودة.

لم تعودي.

لم أستطع.

لم تريدي.

كان الأمر صعبًا!

كنت طفلًا.

انتزعت الجملة الهواء من البيت كله.

حتى المحاميان خفضا نظريهما.

لمس ياسر صدره بإصبعين، كما كان يفعل عندما يحاول تسمية شيء يؤلمه.

كنت صعبًا لكنني كنت طفلًا.

وضعت ريم يدها على فمها.

ربما سمعت أخيرًا ما رفضت سماعه طوال سنوات.

وربما أدركت فقط أن تمثيلها ينهار.

لا أعرف.

ولم يعد الأمر يهمني.

طلبت الأستاذة هبة الحديث مع ياسر. وافق بشرط أن أكون حاضرة، وأن لا يقاطعه أحد. جلسنا في المطبخ، حيث كانت رائحة الأرز الأبيض والقرفة تملأ المكان،

لأنني كنت أضع القرفة دائمًا حين أشعر بالتوتر.

في الخارج، كانت ريم تتجادل بصوت منخفض مع محاميها.

سمعت كلمات متقطعة

دعوى.

مال.

الصورة أمام الناس.

تسوية.

لكن في المطبخ كان هناك شيء آخر.

كان هناك صدق.

سألت الأستاذة هبة ياسر بهدوء من يعتني به؟ من يحضّر طعامه؟ من يأخذه إلى الطبيب؟ من يعرف نوباته؟ من يحترم صمته؟

أجاب دون تزيين

أمينة.

سألته

هل تريد أن تعيش مع ريم؟

لا.

هل تريد أن تراها؟

تأخر ياسر في الرد.

نظر إلى يديه.

ثم نظر إلى كوب الطين الذي اشتريته من سوق قديم، الكوب الذي كان يحب أن يشرب فيه الحليب الدافئ أيام الأحد.

قال

ليس الآن.

لماذا؟

لأنها لم تأتِ لرؤيتي. جاءت من أجل المال.

كتبت الأستاذة هبة ملاحظتها.

وبكيت أنا دون صوت.

مدّ ياسر يده ولمس ذراعي.

لا بأس يا أمينة.

لكن كان هناك بأس.

كان هناك كل شيء.

كان هناك خوف حملته أحد

عشر عامًا من أن أموت وأتركه بلا حماية.

وكان هناك كل مرة نظرت فيها إلى بيوت عمّان القديمة وتمنيت أن

 

أكون لياسر كالحجر فوق الحجر، ثابتة مهما عضّ الزمن أطرافي.

وفجأة اكتشفت أنه هو أيضًا كان يبني.

لم يكن يبني جدرانًا.

كان يبني أدلة.

وطرقًا.

ومخارج.

عندما عدنا إلى غرفة الجلوس، كانت ريم واقفة قرب الباب.

كان وجهها قاسيًا.

قالت

أنا مستعدة للوصول إلى اتفاق.

رفع الأستاذ سامر حاجبه.

أي اتفاق؟

قالت

أتنازل عن الحضانة إذا حصلت على تعويض. تعويض عن السنوات التي خسرتها كأم.

شعرت بالغثيان.

أغلقت الأستاذة هبة قلمها.

وأغلق محامي ريم عينيه.

حتى هو بدا متعبًا منها.

أمال ياسر رأسه.

كم ثمن أن تتركيني؟

لم تجب ريم.

قال

قولي. أحتاج إلى الرقم.

لم أقل الأمر بهذه الطريقة.

لكنك فكرتِ به بهذه الطريقة.

فقدت ابنتي صبرها.

أنا من أعطيتك الحياة!

خلع ياسر سماعاته تمامًا.

وهذا أخافني أكثر من أي صړاخ.

قال

أمينة علّمتني كيف أعيشها.

رفعت ريم يدها.

لا أعرف إن كانت ستشير إليه، أو تسكته، أو ټضرب الطاولة.

لكنها

لم تصل إلى شيء.

تقدمت الأستاذة هبة خطوة.

سيدة ريم، تم تدوين ذلك. أنصحكِ ألا تتابعي.

أمسكها محاميها من ذراعها.

لنذهب.

قالت

لا.

كرر

ريم، لنذهب.

نظرت إليّ بكراهية.

أنتِ جعلته ضدي.

وللمرة الأولى منذ أحد عشر عامًا، لم تؤلمني كلماتها.

قلت

لا يا ابنتي. أنتِ تركتِه بعيدًا عنكِ، وانتظرتِ أن يعيده المال إليكِ.

التوى وجهها.

ستندمين.

شغّل ياسر التلفاز مرة أخرى.

ظهرت كاميرا المراقبة عند المدخل.

كل ما حدث منذ وصول ريم كان مسجلًا.

بما في ذلك ټهديدها.

تنهد الأستاذ سامر.

سيدتي، أرجوكِ لا ټغرقي أكثر.

نظرت ريم إلى الشاشة.

ثم إلى البيت.

ثم إلى ياسر.

كانت هناك ثانية واحدة، ثانية فقط، ظننت فيها أنها ستعتذر.

اعتذارًا حقيقيًا.

متواضعًا.

متأخرًا، لكنه إنساني.

لكنها أمسكت حقيبتها، وعدّلت شعرها، وقالت

الأمر لن ينتهي هنا.

أُغلق الباب خلفها.

وغادرت السيارة البيضاء، تاركة خلفها رائحة الوقود والعطر

الغالي.

لم يتكلم أحد لبعض الوقت.

في الخارج، بقيت عمّان هادئة، بذلك الهدوء المخادع للمدن الكبيرة. سمعنا بائعًا ينادي على الخبز. ومن بعيد نبح كلب. وفي المطبخ بدأ الأرز يلتصق بقاع القدر.

ركضت لإطفاء الڼار.

كانت يداي ترتجفان لدرجة أنني كدت أسقط الغطاء.

وعندما عدت، كان ياسر ما زال جالسًا.

الجهاز اللوحي مطفأ.

ونظره ثابت على الستارة الزرقاء.

جلست على ركبتي أمامه، دون أن أقتحم مساحته.

يا بني.

تأخر في الرد.

رأسي يؤلمني.

أجهز لك غرفتك.

لا.

نظر إليّ.

كانت عيناه جافتين، لكنهما متعبتان.

هل فعلت الصواب؟

انكسرت.

ليس پبكاء جميل.

بل بنشيج قديم، نابع من سنوات طويلة.

فعلت أكثر مما استطعنا جميعًا فعله.

فكر في الجملة.

ثم قال

كنت خائفًا.

وأنا أيضًا.

لم أرد أن تأخذ منكِ البيت.

هذا البيت لا يساوي شيئًا أمامك.

قطّب جبينه.

بل يساوي. فيه حديقة. وإضاءة قابلة للتخفيف.

ضحكت وأنا أبكي.

وابتسم هو قليلًا.


خط صغير جدًا، يكاد لا يُرى.

لكنه بالنسبة لي كان فجرًا.

في تلك الليلة، تركت الأستاذة هبة إجراءات حماية مؤقتة. لم يعد بإمكان ريم الاقتراب دون إشعار أو ضغط. وسيبدأ إجراء لمراجعة التخلي، وحماية ياسر، وتثبيت ما كان حقيقة بلا ختم طوال أحد عشر عامًا

أنني كنت بيته.

بقي الأستاذ سامر حتى وقت متأخر.

راجع الصندوق الائتماني، والأوراق الموثقة، والأدلة. شرح لي أن الطريق ما زال طويلًا، وأن المحاكم ليست عصا سحرية، وأن العدالة كثيرًا ما تمشي ببطء وتعب.

لكنها تمشي.

والآن صار لدينا شيء لم يكن لدينا من قبل.

صوت ياسر.

في اليوم التالي، قبل الذهاب إلى الجهة المختصة، أعددت له فطوره المفضل أرز، وبيض دون أطراف محمرة، وموز مقطع إلى دوائر متساوية. رتّب كل دائرة كأنها كوكب.

قال

أمينة.

نعم يا بني؟

عندما أبلغ الثامنة عشرة، أريد أن أنشئ مؤسسة.

من أجل ماذا؟

من أجل الجدات بلا أوراق.

شعرت بضړبة في صدري.


الجدات بلا أوراق؟

نعم. اللواتي يعتنين، لكن القانون لا يراهن بسرعة. ومن أجل الأطفال الذين لا يستطيعون الشرح.

جلست

 

أمامه.

كان ضوء الصباح يدخل ناعمًا من النافذة. وفي الحديقة كانت الأزهار تتحرك مع الهواء.

قلت له

أمك لم تستطع أن تأخذ منك شيئًا.

رفع نظره.

بل استطاعت.

تجمدت.

ماذا أخذت؟

قال

سنوات.

لم أعرف ماذا أقول.

أخذ قطعة موز ووضعها في طبقي.

لكنها لم تستطع أن تأخذكِ مني.

في ذلك اليوم، مشينا في وسط عمّان بعد الموعد. مررنا بشوارع مزدحمة، ومحال صغيرة، وباعة يبيعون الخبز والقهوة، وناس يلتقطون الصور تحت الشمس. كان ياسر يضع سماعاته وقبعة رمادية. وكنت أحمل ملفه ملتصقًا بصدري كما كنت أحمل حفاضاته وتشخيصاته ومخاوفه من قبل.

توقفنا أمام درجٍ حجري قديم.

عدّ ياسر الدرجات بصوت منخفض.

لم أقاطعه.

وعندما انتهى، قال

الشيء يبدو قويًا لأن هناك أشياء كثيرة تسنده.

نظرت إليه.

هكذا نحن.

هز رأسه.

لا. أنتِ سندتِ أولًا.

اشترينا حلوى صغيرة

من محل قريب. جرّب ملعقتين فقط لأن قوامها لم يعجبه، لكنه قال إن لونها مريح. وللاحتفال، طلب أن نصنع الفطائر يوم الأحد، لا من أجل الحاجة، بل من أجل المتعة.

وهكذا فعلنا.

في يوم الأحد، امتلأ المطبخ بالعجين والبخار والرائحة الدافئة. كنت أبيع الفطائر سابقًا كي ننجو. أما تلك المرة، فصنعتها كي أتذكر أننا نجونا.

صمم ياسر ملصقًا جديدًا للأكياس

فطائر أمينة مصنوعة بالصبر.

سألته

لماذا الصبر؟

ربط الكيس بصعوبة.

لأنه المكوّن الأساسي.

بعد أشهر، استمع القاضي إلى ياسر.

حضرت ريم دون كعب عالٍ. دون حقيبة فاخرة. دون ابتسامة. تحدث محاميها قليلًا. أما محامينا، فقدم كل شيء التخلي، انقطاع التواصل، غياب أي مساهمة، محاولة الوصول إلى المال، الټهديد المسجل، وتقييم وحدة الحماية.

وعندما سألوا ياسر ماذا يريد، أخذ وقته.

انتظرت القاعة.


وانتظرت أنا.

قال

أريد أن أعيش مع أمينة. أريد ألا تدير ريم مالي. أريد أن أقرر لاحقًا إن كنت سأراها. وأريد ألا يقول أحد إنني لا أفهم فقط لأنني أتكلم بطريقة مختلفة.

صمت القاضي.

ثم أومأ.

لم يكن المشهد مثل الأفلام.

لم يكن هناك تصفيق.

ولم تعزف موسيقى.

لكن عندما صدرت التدابير، وعندما اعترفوا برعايتي، وعندما حُمِيَت أمواله، وعندما قيل بوضوح إن الأمومة البيولوجية لا تمحو أحد عشر عامًا من التخلي، شعرت أن الأرض تعود تحت قدميّ.

خرجت ريم بسرعة.

وفي الممر لحقت بي.

أمي.

توقفت.

كان ياسر يمشي مع الأستاذ سامر على بعد خطوات، ولم يلتفت.

كانت عينا ريم حمراوين.

لم أعرف هل كان ذلك من الڠضب أم من الحزن.

قالت

هل لن يسامحني أبدًا؟

نظرت إليها.

رأيت ابنتي.

ورأيت المرأة التي سړقت نومي.

ورأيت الأم التي لم تعرف كيف تكون أمًا.


ورأيت أيضًا تلك الطفلة التي ربيتها وهي تظن أن الحب سيكون حاضرًا كلما قررت العودة.

قلت

لا أعرف. لكن إذا سامحك يومًا، فسيكون ذلك من أجله هو لا من أجلك.

خفضت رأسها.

لا أعرف كيف أكلمه.

قلت

ابدئي دون أن تطلبي شيئًا.

لم تجب.

واصلت المشي.

كان ياسر ينتظرني في نهاية الممر، تحت نافذة يدخل منها ضوء أبيض. كانت سماعاته في أذنيه وكتفاه مشدودين، لكنه كان هناك.

كان ينتظرني.

سأل

جاهزة؟

ابتسمت.

جاهزة.

قال

في الخارج ضجيج.

كثير.

إذًا نمشي ببطء.

خرجنا معًا.

كانت الشارع مليئًا بالسيارات، والباعة، والناس المستعجلين، والحياة. كان العالم ما زال عالي الصوت عليه، وما زال قاسيًا عليّ. لكننا لم نعد مختبئين تحت الطاولة.

عند الزاوية، أمسك ياسر يدي.

ثلاث ثوانٍ فقط.

لكنها كانت كافية.

قال

أمينة.

نعم يا بني؟

يمكنكِ الآن أن تتوقفي

عن الخۏف.

سقطت شمس عمّان علينا كبركة هادئة.

وللمرة الأولى منذ أحد عشر عامًا

صدقته.

 

تعليقات

close