اكتشاف السر بعد 14 سنة
اكتشاف السر بعد 14 سنة
أنا اسمي عصام، عندي 39 سنة، وشغال فني كهرباء في أكتوبر، ودي حكاية بدأت من قرار كنت فاكره أذكى قرار أخدته في حياتي وانتهت بحاجة قلبت كل مفاهيمي عن نفسي وعن الدنيا كلها.
من 14 سنة، كنت واقف على أرض مهزوزة ديون، مسؤوليات، وضغط من كل اتجاه. ساعتها كنت لسه متجوز ليلى، بنت بسيطة وطيبة، قلبها أبيض زي الورق، وبتحلم بحياة هادية فيها بيت دافي وطفل يملأ الدنيا ضحك. لكن أنا كنت شايف الصورة بشكل تاني خالص.
كنت شايف الفقر بيكسر الناس حواليا، صحابي اللي خلفوا بدري واتحملوا فوق طاقتهم، مشاكلهم، خناقاتهم، ووشوشهم اللي اتغيرت من التعب. كنت خايف أبقى واحد منهم. مش جبان بس مرعوب من المستقبل.
قعدت مع ليلى يومها وقولتلها إحنا ممكن نعيش مرتاحين بس لازم نضحي بحاجة.
بصتلي وسألتني بهدوء إيه الحاجة دي؟
قولت لها وأنا بحاول أبان واثق الخلفة على الأقل لفترة طويلة.
سكتت شوية السكون كان تقيل، بس في الآخر هزت راسها وقالت لو ده هيخلينا نعيش كويس أنا معاك.
وقتها افتكرت إني كسبت.
بعدها بفترة، خدت قرار تاني القرار اللي غير كل حاجة. عملت عملية تمنع الإنجاب. الدكتور
طمني وقال إنها بسيطة، مضمونة، ونسبة نجاحها عالية جدًا. خرجت من العيادة وأنا حاسس إني سيطرت على حياتي قفلت باب القلق بإيدي.
عدّت السنين.
عيشنا حياة مستقرة ليلى فتحت كوافير صغير، وأنا اشتغلت في مشاريع كتير. كنا بنضحك، ناكل سوا، نتفرج على التلفزيون، وننام وإحنا مرتاحين. مفيش ضغط، مفيش مسؤوليات تقيلة.
بس كان فيه حاجة صغيرة كنت بتجاهلها.
نظرة ليلى للأطفال في الشارع ابتسامة باهتة بتظهر وتختفي صمتها لما حد يجيب سيرة العيال.
كنت بقول لنفسي ده اختيارنا وهي موافقة.
لحد الليلة اللي غيرت كل حاجة.
رجعت من الشغل تعبان، لقيت ليلى قاعدة ساكتة، قدامها اختبار صغير على الترابيزة.
بصيت عليه خطين.
رفعت عيني عليها.
قالت بهدوء غريب أنا حامل.
في اللحظة دي الدنيا سكتت.
أنا؟ حامل؟ بعد 14 سنة؟
جريت على الدرج، طلعت الورق القديم كل حاجة كانت بتقول إن ده مستحيل.
بس الحقيقة كانت قدامي.
سكت.
ماصرختش ما اتهمتش ما عملتش حاجة.
قررت أراقب أستنى أفهم.
عدّت شهور الحمل وأنا معاها في كل خطوة. بروح معاها للدكتور، بجيب لها أكل صحي، بسهر جنبها لما تتعب. من بره كنت الزوج
المثالي ومن جوا كنت بحر أسئلة.
لكن الغريب
ليلى ما اتغيرتش.
كانت نفس الشخص نفس الطيبة، نفس النظرة الصادقة. مفيش خوف، مفيش ارتباك، مفيش حاجة تخلي الواحد يشك.
وده كان بيجنني أكتر.
لحد يوم الولادة.
وقفت قدام أوضة العمليات، قلبي بيدق بشكل غريب. وبعد شوية، خرجت الممرضة شايلة الطفل.
صغير بيصرخ حي.
خدته في إيدي لأول مرة أحس بإحساس غريب خليط بين رهبة وحنان وخوف.
ليلى خرجت بعدها، تعبانة، بس أول ما شافتني، ابتسمت وقالت ده ابننا.
الكلمة دي ابننا فضلت ترن في ودني.
لكن أنا كنت محتاج إجابة.
بعد كام يوم، عملت تحليل DNA في هدوء تام.
استلمت النتيجة وأنا قاعد لوحدي في العربية.
إيدي كانت بتترعش قلبي بيدق بسرعة مش طبيعية.
فتحت الورق
وقريت.
وقتها حسيت إن الأرض بتتهز تحتي.
النتيجة كانت واضحة وصريحة
الطفل ابني أنا.
فضلت باصص في الورقة مش مصدق إزاي؟ إزاي ده حصل؟
رجعت للدكتور القديم عملت تحاليل كشف شامل.
والحقيقة طلعت أبسط وأصعب في نفس الوقت.
العملية اللي عملتها من 14 سنة نجحت في وقتها.
لكن مع السنين حصل إعادة توصيل طبيعي نادر جدًا في الجسم.
الدكتور قال
لي ده بيحصل في حالات قليلة جدًا الجسم أحيانًا بيصلح نفسه.
يعني ببساطة أنا رجعت أقدر أخلف من غير ما أعرف.
خرجت من عنده وأنا مش عارف أضحك ولا أعيط.
رجعت البيت ليلى كانت شايلة الطفل.
بصتلي وقالت مالك؟
قعدت قدامها وحكيت كل حاجة.
كل شكي خوفي تحليلي
وساعتها عينيها دمعت، بس مش زعل وجع.
قالتلي بهدوء أنا استحملت سكوتك طول الشهور دي عشان كنت حاسة إنك تايه بس عمري ما كنت أتخيل إنك تشك في حاجة زي دي.
سكت لأني ماكنتش أستحق أرد.
قربت مني، وحطت الطفل في إيدي وقالت بص كويس ده مش بس ابنك ده فرصة ليك تبدأ من جديد.
بصيت للطفل لأول مرة من غير شك.
ملامحه هدوءه حتى طريقته في الحركة كان فيه حاجة مني.
في اللحظة دي حسيت بثقل كبير بيتشال من على صدري.
مش بس لأني عرفت الحقيقة
لكن لأني فهمت حاجة أهم
إن الحياة مش دايمًا بتمشي على خططنا وإن السيطرة الكاملة وهم.
وإن أوقات الحاجة اللي بنخاف منها هي اللي بتدينا معنى.
من يومها، حياتي اتغيرت.
بقيت أرجع البيت مستني أشوفه أسمع صوته أشيله.
ليلى رجعت تضحك من قلبها الضحكة اللي كنت محروم منها سنين.
وأنا؟
بقيت كل يوم أحمد ربنا على الغلط اللي افتكرته كارثة
وطلع أعظم نعمة دخلت حياتي.
عدّت شهور بعد اللي
حصل بس الحقيقة إن اللي اتغير في حياتي ماكانش مجرد حدث وعدّى، ده كان بداية حياة جديدة بكل معنى الكلمة.
أول أسبوع بعد ما عرفت الحقيقة، كنت ماشي في البيت وأنا حاسس إني غريب مش من ليلى ولا من الطفل من نفسي. كل حاجة كنت فاكر إني فاهمها عني طلعت غلط. كنت فاكر إني مسيطر، حاسب كل خطوة لكن في لحظة، اكتشفت إن فيه حاجات أكبر مني بكتير.
كنت ببص للطفل اللي سميناه آدم وأفضل ساكت. ساعات أشيله وأفضل مركز في ملامحه أدقق في عينه، في صوابعه الصغيرة، في حركته وهو نايم. مش شك لأ، الشك انتهى دي كانت محاولة استيعاب.
إزاي الكائن الصغير ده بقى محور حياتي فجأة؟
ليلى كانت بتراقبني بهدوء. عمرها ما فتحت الموضوع تاني لا لوم، ولا عتاب، ولا حتى نظرة تضايقني. وده كان أصعب بكتير من أي كلام.
في ليلة، كنت قاعد جنب السرير، وآدم نايم، وليلى بتجهز له هدوم بكرة.
قولتلها بصوت واطي إنتي زعلانة مني؟
وقفت لحظة وبعدين قالت كنت بس دلوقتي لأ.
بصيتلها باستغراب
إزاي؟
ابتسمت ابتسامة هادية وقالت لأنك رجعت مش بس عرفت الحقيقة لا، رجعت لنفسك.
الكلمة دي فضلت معايا.
رجعت لنفسك.
أنا كنت ضايع فعلًا مش بس في الشك لكن في سنين طويلة كنت عايشها بحذر زيادة عن اللزوم. كنت بخاف من الخسارة لدرجة إني حرمت نفسي من حاجات كتير أهمها الإحساس.
من اليوم ده، قررت أتعلم.
مش أتعلم أبقى أب لأ، أتعلم أبقى إنسان طبيعي.
بدأت بحاجات بسيطة أرجع من الشغل بدري، أقعد مع ليلى وآدم، أشاركها تفاصيل يومها في الكوافير، أسمع منها مش بس أرد. بقيت أضحك أكتر أتكلم أكتر حتى سكتتي بقت مختلفة، مش تقيلة زي زمان.
آدم كبر شوية وبدأ يبتسم.
أول مرة ضحك فيها، كنت أنا شايله.
ضحكة صغيرة بس بالنسبة لي كانت زلزال.
حسيت بحاجة بتتكسر جوايا كل الحواجز اللي كنت حاططها.
قولت بصوت عالي كأني طفل شافتي؟ ضحك! ضحكلي أنا!
ليلى ضحكت وقالت طبيعي ده أبوه.
الكلمة دي المرة دي دخلت قلبي من غير مقاومة.
ومع الوقت، بقيت أتعلق بيه بشكل غريب. لما
يتعب، قلبي يوجعني لما ينام، أفضل أبص عليه لما يصحى، أحس إن اليوم بدأ بجد.
لكن الحياة مش بتمشي دايمًا بسهولة.
بعد حوالي 6 شهور، حصل موقف رجعني خطوة لورا.
كنت في الشغل، وواحد من زمايلي كان بيهزر، وقال إيه يا عم عصام، جبت الواد بعد 14 سنة فجأة؟ شكلك كنت مستخبي فين!
ضحك واللي حواليه ضحكوا.
أنا ضحكت معاهم بس من جوايا حاجة وجعتني.
رجعت البيت يومها ساكت ليلى لاحظت فورًا.
قالت فيه إيه؟
قولت الناس
قعدت جنبي وقالت الناس عمرهم ما بيسكتوا المهم إنت مصدق إيه.
بصيت لآدم كان بيلعب في الأرض بيحاول يمسك لعبة أكبر من إيده.
ساعتها فهمت.
أنا كنت خايف من كلام الناس طول عمري لدرجة إني بنيت قراراتي عليهم.
لكن دلوقتي عندي حاجة أهم من أي كلام.
عدّى الوقت وآدم بدأ يحبو وبعدين يمشي خطوات صغيرة.
أول مرة قال بابا كنت أنا في المطبخ.
سيبت كل حاجة وجريت عليه.
قعدت قدامه وقلت قولها تاني!
قالها وضحك.
والله العظيم، حسيت إن الدنيا كلها اتردتلي
في اللحظة دي.
لكن أهم لحظة كانت بعدها بفترة.
كنت قاعد أنا وليلى على البلكونة، وآدم نايم جوه.
الجو كان هادي نفس الهدوء اللي كنا عايشين فيه زمان بس الإحساس مختلف تمامًا.
قولتلها فاكرة لما اتفقنا إننا مش عايزين نخلف؟
قالت فاكرة.
سكت شوية وبعدين قولت أنا كنت فاكر إني بحمي نفسنا بس الحقيقة إني كنت بهرب.
بصتلي وسألت من إيه؟
قولت من المسؤولية من الخوف من إني أتوجع.
قربت مني وقالت والدلوقتي؟
بصيت لجوه على أوضة آدم وقلت دلوقتي لو رجع بيا الزمن، كنت هختار نفس الوجع عشان أوصل لنفس اللحظة دي.
ابتسمت وقالت يبقى إحنا وصلنا صح.
في اللحظة دي، حسيت إن الدائرة قفلت بس بشكل أحسن بكتير.
أنا ما بقيتش الشخص اللي بيحسب كل حاجة ولا اللي بيخاف من بكرة زيادة عن اللزوم.
بقيت أب وزوج وإنسان اتعلم إن الحياة مش معادلة تتظبط دي رحلة تتعاش.
وآدم؟
كبر وهو بيجري في البيت، يوقع، يقوم، يضحك، ويملأ المكان حياة.
وأنا كل يوم أبص له وأفتكر الورقة اللي كنت فاكرها نهاية كل حاجة
واكتشف إنها كانت مجرد بداية.


تعليقات
إرسال تعليق