القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 تركتُ أمي مع زوجتي بعد الولادة…



“تركتُ أمي مع زوجتي بعد الولادة… لكن ما اكتشفته عند عودتي حطّم قلبي للأبد!”

 

لم أستوعب ما قاله الطبيب في البداية.


كنتُ واقفًا في الممر الأبيض البارد، وطفلي بين أيدي الممرضة، بينما سميرة تُدفَع على السرير نحو غرفة الفحص، وشعور ثقيل يضغط صدري حتى كدت أختنق.


لكن الطبيب


أمسك ذراعي بقوة وقال ببطء:

"هل رأيت هذه العلامات؟"


نظرت.


حول معصمي سميرة… كانت هناك آثار حمراء داكنة.


كأن أحدهم أمسكها بعنف.


أو قيّدها.


ارتجفت يدي.


قلت بصوت مبحوح:


"لا… لا يمكن…"


نظر



الطبيب نحوي مباشرة:

"زوجتك تعاني جفافًا حادًا، وإرهاقًا شديدًا، وهناك علامات إهمال خطير على الطفل… لكن هذه الآثار لا تشبه آثار الإرهاق."


ثم اقترب أكثر وهمس:


"هي كانت تحاول أن تقول شيئًا قبل



أن تفقد وعيها."

شعرت بقلبي يتوقف.


"ماذا قالت؟"


صمت الطبيب لحظة.


ثم قال:


"قالت… لا تتركهم يأخذونه."


في تلك اللحظة…


لم يعد الدم يتحرك في عروقي.


شعرت بشيء مظلم ينفتح داخلي ببطء.


شيء لم



أعرفه من قبل.

غضب.


خوف.


ورعب أكبر من أي شيء تخيلته.




 أخذوا آدم إلى قسم الأطفال فورًا.


كان صغيرًا جدًا على كل هذا الألم.


جهاز صغير يقيس نبضه.


إبرة دقيقة في ذراعه.


وجسده الصغير


يرتجف رغم الحمى.

وقفت خلف الزجاج أراقبه…


وأشعر أنني أفشل كأب للمرة الأولى في حياتي.


اقتربت مني ممرضة شابة وسألت بهدوء:


"من



كان يعتني بالطفل؟"

لم أجب فورًا.


لأن الكلمات كانت تخنقني.


ثم قلت:


"أمي… وأختي."


تغيّرت ملامحها للحظة.


شيء صغير جدًا… لكنه



كان كافيًا لألاحظه.

قالت بحذر:


"حين وصل الطفل… كان في حالة ليست جيدة."


ابتلعت ريقي.


"هل كان ممكن أن…؟"


لم تكمل هي الجملة.



لكنني فهمت.


وفهمت بطريقة جعلت معدتي تنقلب.




بعد ساعة تقريبًا…


استعادت سميرة وعيها.


دخلت الغرفة بسرعة.


كانت شاحبة بشكل مرعب.


شفاهها جافة.


وعيناها غارقتان في الهلع.


ما إن رأتني حتى بدأت تبكي.


ليس بكاءً عاديًا…


بل بكاء شخص عاش شيئًا حاول الصمت عنه طويلًا.


جلست بجانبها فورًا.


"سميرة… ماذا حدث؟"


حاولت الكلام.


لكن صوتها خرج متكسرًا:


"يوسف…"


أمسكت يدها.


كانت باردة جدًا.


"أنا هنا."


نظرت حولها بخوف.


حتى داخل المستشفى.


حتى وهي بعيدة عن البيت.


ثم همست:


"لا تدعهم يعرفون أنني أخبرتك."


شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.


قلت ببطء:


"من؟"


ارتجفت شفتاها.


ثم قالت:


"أمك."


سقطت الكلمة عليّ كضربة.


أمي؟


أمي التي كانت تطهو لي حين أمرض.


أمي التي كانت تبكي إذا تأخرت خارج البيت.


أمي نفسها؟


هززت رأسي بعنف:


"لا… لا… أنتِ متعبة فقط…"


لكن سميرة أمسكت يدي فجأة بقوة لم أتوقعها.


وعيناها امتلأتا بالدموع.


"اسمعني هذه المرة… أرجوك."


سكتُّ.


فأغمضت عينيها للحظة، ثم بدأت تتكلم بصوت متقطع:


"في أول يوم بعد سفرك… كنت متعبة جدًا… آدم لم يكن يتوقف عن البكاء… حاولت إرضاعه لكنني كنت أتألم."


تنفست بصعوبة.


وأكملت:


"أمك قالت إنني مدللة… وإن نساء زمان كن يلدن ويعملن في نفس اليوم."


شعرت بالاختناق.


لكنها تابعت:


"ثم بدأت تمنعني من حمله كثيرًا… تقول إنني لا أعرف كيف أعتني


به."

توقفت.


وبدأت دموعها تنزل بصمت.


"وفي اليوم الثاني… أخذته مني ساعات طويلة."


"ولماذا؟"


"قالت إنني أفسده."


قبضت يدي بقوة.


لكن القادم كان أسوأ.


بكثير.


همست سميرة:


"كنت أسمعه يبكي… وأحاول النهوض… لكنني كنت ضعيفة جدًا."


شهقت بصعوبة.


"وفي كل مرة أحاول الوصول إليه… كانت أختك تدفعني للعودة للفراش."


نظرت إليها بذهول.


لكنها لم تنتهِ.


قالت:


"وفي الليلة الثالثة… سمعت أمك تقول لأختك شيئًا…"


توقف صوتها.


ثم بدأت ترتجف بالكامل.


اقتربت منها فورًا:


"ماذا قالت؟"


رفعت عينيها نحوي…


وكان الخوف فيهما حقيقيًا لدرجة أرعبتني.


ثم همست:


"قالت… لو مات الطفل سترتاح


سميرة ونتخلص من ضعفها."

تجمّدت.


تمامًا.


كأن العالم كله توقف.


حتى صوت الأجهزة اختفى.


حتى أنفاسي لم أعد أسمعها.


قلت ببطء:


"ماذا…؟"


انفجرت سميرة بالبكاء.


"حاولت الاتصال بك… والله حاولت…"


ثم رفعت يديها المرتجفتين.


"لكنهم أخذوا هاتفي."


شعرت ببرودة قاتلة تسري داخلي.


"وفي آخر ليلة…"


سكتت.


ثم قالت بصوت بالكاد سمعته:


"قيّدوا يدي."


لم أعد قادرًا على التنفس.


"ماذا تقولين؟"


"كنت أحاول الوصول لآدم… كان يبكي بحرارة… وأنا خائفة عليه…"


شهقت.


"لكن أمك غضبت… وقالت إنني أم سيئة… ثم أمسكت أختك بيدي… وربطوهما بقطعة قماش حتى لا أتحرك."


وضعت يدي على فمي.


غير


مصدق.

غير قادر على التصديق.


لكن آثار المعصمين…


كانت أمامي.


حقيقية.


مرعبة.


ثم نظرت إليّ سميرة وقالت الجملة التي مزّقتني تمامًا:


"كنت أسمع آدم يبكي طوال الليل… وأنا لا أستطيع حتى لمسه."


وانهارت.



 خرجت من الغرفة وأنا لا أشعر بقدمي.


الممر أمامي كان يتمايل.


أمي…


فعلت هذا؟


أختي شاركت؟


كيف؟


لماذا؟


كنت أريد أن أصرخ.


أن أحطم شيئًا.


أن أعود للبيت وأقلبه فوق رؤوسهم.


لكن قبل أن أتحرك…


سمعت صوتين قرب نهاية الممر.


توقفت.


كانتا أمي وأختي.


وصلتا إلى المستشفى.


اختبأت دون وعي خلف الجدار.


ثم سمعت أمي تقول ببرود مرعب:


"قلت لكِ كان لازم نأخذه منها من البداية."


ضحكت أختي بخفة.


"هي أصلًا لا تصلح لتربية طفل."


ثم قالت أمي الجملة التي حطمت آخر شيء بداخلي:


"يوسف كان سيتعلق بنا نحن… والولد سيكبر معنا… أما هي فكانت ستبقى مجرد زوجة


ضعيفة."

شعرت بشيء ينكسر داخلي.


نهائيًا.


لكن أختي قالت فجأة بتوتر:


"وماذا لو تكلمت؟"


ردت أمي بثقة باردة:


"لن يصدقها… يوسف يعرف أمه جيدًا."


في تلك اللحظة…


خرجت من خلف الجدار ببطء.


وجهي كان جامدًا بشكل أخافهما.


توقفتا فورًا.


رأيت الرعب يظهر لأول مرة في عيني أختي.


أما أمي…


فحاولت الابتسام.


"يوسف… حمدًا لله على الطفل."


لكنني لم أجب.


فقط نظرت إليها.


نظرة طويلة.


صامتة.


ثم قلت بهدوء مخيف:


"ماذا فعلتما بزوجتي؟"


تجمّد وجه أمي.


وقالت بسرعة:


"ما هذه الطريقة؟"


لكنني اقتربت خطوة.


"ماذا فعلتما… بابني؟"


بدأت أختي تتراجع.


وأمي


رفعت صوتها:

"انتبه لكلامك! هذه زوجتك تملأ رأسك بالأكاذيب!"


لكنني قاطعتها.


"والعلامات في يديها؟"



صمت.


لثانية واحدة فقط.


لكنها كانت كافية.


ثم قالت أمي بسرعة:


"كانت هستيرية… وكادت تؤذي الطفل…"


صرخت لأول مرة:


"كاذبة!"


ارتد صوتي في الممر كله.


حتى الممرضات التفتن نحونا.


أمي نظرت إليّ بصدمة…


كأنها لم تتخيل يومًا أن أرفع صوتي عليها.


لكنني لم أعد ذلك الابن.


ليس بعد الآن.


قلت وأنا أرتجف من الغضب:


"طفلي كان يحترق من الحمى… وزوجتي كانت مقيدة!"


حاولت الإمساك بذراعي.


لكنني سحبت يدي فورًا.


كأن لمسها أصبح يؤذيني.


ثم قلت الجملة التي لم أتخيل يومًا أنني سأقولها:


"إذا اقتربتما


منهما مرة أخرى… سأعتبركما خطرًا على عائلتي."

اتسعت عينا أمي.


"يوسف… أنا أمك."


نظرت إليها طويلًا.


ثم قلت بصوت مكسور:


"والله… كنت أتمنى أن تتصرفي كأم."


ساد الصمت.


ذلك النوع من الصمت الذي لا يشبه الهدوء…


بل يشبه النهاية.


أمي بقيت تحدّق بي كأنها لا تعرف من أقف أمامها.


أما أختي، فكانت أول من انهار.


قالت بسرعة وهي تشير إلى أمي:


"أنا لم أفعل شيئًا! ماما هي التي كانت تقول إن سميرة تتصنع المرض!"


التفتت إليها أمي بحدة:


"اصمتي!"


لكن أختي كانت ترتجف.


"أنتِ من أخذتِ الطفل منها!


أنتِ من أغلقتِ الباب!"

صرخت أمي:


"كنت أحاول حماية ابني!"


ضحكتُ.


لكن الضحكة خرجت غريبة…


مكسورة.


"تحمينني؟"


اقتربت منها أكثر.


"بأن تتركي حفيدك يحترق بالحمى؟"


بدأ الناس يتجمعون حولنا في الممر.


ممرضات.


مرضى.


حتى رجل الأمن اقترب بحذر.


لكنني لم أعد أرى أحدًا.


كل ما كنت أراه…


هو صورة آدم الصغيرة داخل غرفة العناية.


وصوت سميرة وهي تبكي لأنها لم تستطع حتى حمل طفلها.


ثم سمعت أمي تقول الجملة التي لن أنساها ما حييت:


"هي سرقتك مني."


شعرت ببرودة تسري في ظهري.


"ماذا؟"


كانت


عيناها ممتلئتين بشيء مخيف…

ليس الحزن.


ولا الندم.


بل الغيرة.


قالت بصوت مرتجف:


"منذ أن تزوجتها وأنت تغيّرت… لم تعد تجلس معي… لم تعد تسمع كلامي… كل شيء أصبح سميرة، سميرة، سميرة!"


ثم أشارت بيد مرتعشة نحو غرفة سميرة.


"تلك الفتاة أخذتك مني!"


لم أصدق.


أربعون سنة من حياتي…


وكنت أظن أن أمي تحبني حبًا طبيعيًا.


لكن الذي كان أمامي الآن…


شيء آخر.


شيء مريض.


قالت وهي تبكي:


"كنت أريد فقط أن تعرف أنها ليست أهم مني."


همست:


"فحبستِها؟"


صرخت:


"لم أقصد أن يصل الأمر لهذا!"


لكن أختي


قالت فجأة وهي تبكي:

"أنتِ قلتِ اتركوها تبكي حتى تتعلم!"


التفتت أمي إليها بصدمة.


ثم…


لأول مرة…


رأيت الخوف الحقيقي في وجهها.


لأن الحقيقة خرجت.


كاملة.


أمام الجميع.




بعد أقل من نصف ساعة…


وصلت الشرطة.


لم أتخيل يومًا أنني سأقف في ممر مستشفى وأشاهد أمي تُسأل عن إيذاء زوجتي وطفلي.


لكن ذلك حدث.


الضابط كان هادئًا.


يسأل.


يدوّن.


ينظر إلى آثار المعصمين.


إلى تقرير الطبيب.


إلى حالة آدم.


ثم سألني:


"


هل تريد تقديم شكوى رسمية؟"

نظرت إلى أمي.


كانت تبكي.


تبكي لأول مرة بطريقة حقيقية.


لكنني حين تذكرت آدم…


وهو يبكي


وحده…

وسميرة عاجزة عن الوصول إليه…


اختفى التردد.


قلت:


"نعم."


أغمضت أمي عينيها كأن أحدهم صفعها.


ثم همست:


"يوسف…"


لكنني لم أعد أحتمل سماع اسمي من فمها.



 بقيت في المستشفى ثلاثة أيام.


لم أغادر لحظة.


كنت أنام على الكرسي بين غرفة سميرة وقسم الأطفال.


كلما استيقظ آدم وبكى…


أحمله فورًا.


كلما ارتجفت سميرة


من الكوابيس…

أمسك يدها حتى تهدأ.


وفي الليلة الثالثة…


استيقظتُ على صوتها.


كانت تحدق في السقف.


قلت بهدوء:


"هل الألم شديد؟"


هزت رأسها بالنفي.


ثم همست:


"


كنت أظن أنك لن تصدقني."

شعرت بشيء يخنقني.


جلست بجانبها.


"وأنا أظن أنني لن أسامح نفسي أبدًا."


نظرت إليّ بعينيها المتعبتين.


"أنت لم تكن هنا."


لكنني


قلت فورًا:

"كان يجب أن أكون."


صمتت.


ثم همست:


"كنت أناديك كل ليلة."


أخفضت رأسي.


وشعرت بدموعي لأول مرة منذ سنوات.


"سامحيني."


مدّت يدها ببطء…


ولمست


وجهي.

"عدتَ."


تلك الكلمة وحدها…


كسرتني أكثر من أي شيء.




بعد أسبوع…


خرج آدم من المستشفى.


أخبرنا الطبيب أن الأمر كان قريبًا جدًا.


قريبًا بطريقة أرعبتني.


قال إن ساعات إضافية فقط كانت قد تغيّر كل شيء.


وفي تلك الليلة…


حين عدنا إلى البيت…


لم


أعد إلى منزل أمي.

أبدًا.


استأجرت شقة صغيرة قرب البحر.


قديمة.


ضيقة.


لكنها كانت هادئة.


لا صراخ فيها.


لا خوف.


لا أبواب مغلقة.


في أول ليلة هناك…


كان آدم نائمًا على صدر سميرة.


وهي


جالسة قرب النافذة.

ضوء الفجر الخافت يلامس وجهها المتعب.


اقتربت منها بهدوء.


فقالت دون أن تنظر إليّ:


"أتعرف ما أكثر شيء أخافني؟"


"ماذا؟"


ابتلعت ريقها.


"أن يكبر آدم يومًا… ويظن أن ما


حدث طبيعي."

جلست بجانبها فورًا.


ونظرت إلى طفلي الصغير.


ثم قلت ببطء:


"لن أسمح بذلك."


التفتت نحوي.


فأكملت:


"لن يعرف الخوف داخل بيته."


سكتُّ لحظة.


ثم قلت:


"ولن نسمح لأحد أن يؤذيه…


حتى لو كان من دمنا."

بكت بصمت.


لكن هذه المرة…


لم تكن دموع خوف.


كانت دموع نجاة.



 

بعد شهرين…


وصلني اتصال من رقم غريب.


عرفت صوت أمي فورًا.


كانت تبكي.


تقول إنها تريد رؤيتي.


مرة واحدة فقط.


جلست طويلًا أحدق في الهاتف.


ثم أغلقت الخط.


ليس كرهًا.


ولا انتقامًا.


بل لأن بعض الجروح…


حين تقترب منها


مرة أخرى…

تنزف من جديد.


وفي تلك الليلة…


استيقظ آدم باكيًا.


حملته فورًا.


ضممته إلى صدري.


ففتح عينيه الصغيرتين


ونظر إليّ بهدوء.

همست له:


"أنا هنا."


ثم أغمض عينيه…


ونام مطمئنًا.


وعندها فقط…


أدركت أن الوعد الذي قطعته


لسميرة في المستشفى…

بدأ يتحقق أخيرًا.


 

تعليقات

close