القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سابني في فويس نوت



سابني في فويس نوت

 

سابني في فويس نوت تلتين ثانية وأنا واقفة في صالة المطار، وسافر وسابني لوحدي. طلبت من غريب لابس بدلة شيك يمسكني ثانية واحدة بس عشان مأقعش من الصدمة. بعد تلات أيام، لقيته قاعد قدامي في الشركة، هو نفسه الراجل اللي جاي يشتري شقى عمر أبويا الله يرحمه.

أوسخ حاجة عملها فيا مصطفى مش إنه مشي وسابني، الصدمة كانت في الطريقة؛ فويس نوت تلتين ثانية بعتهولي وأنا واقفة في طابور تذاكر مطار القاهرة، ماسكة شنطتي بإيد، وبالإيد التانية ماسكة اللي باقي من كرامتي وحياتي القديمة اللي كنت فاكراها مستقرة. صوته في الموبايل كان طالع بارد قوي، زي ما يكون بيقرا نشرة الأخبار ومش فارق معاه الكوارث اللي بيقولها.

فريدة، أنا عارف إنك مسافرة إسكندرية دلوقتي وممكن ميكونش ده الوقت المناسب، بس لو مقلتش ده دلوقتي مش هعرف أقوله بعدين. إحنا مش نافعين لبعض، وأنا هعدي الأسبوع ده ألم حاجتي من الشقة. رحلة سعيدة.

بس كدة.

من غير خناقة.

من غير تمهيد.

من غير أي أصل.

بني آدم بيقفل قصة تلات سنين حب في فويس نوت بين نداءات الطيران، كأنه بيلغي ميعاد مع حلاق نسيه. فضلت واقفة في مكاني والموبايل على ودني بعد



ما الصوت سكت، الطابور بيتحرك، والناس بتزق، وبرة القزاز كان المطر بتاع فبراير بيخبط في العربيات والجو مغيم وكئيب زي قلبي. عدت الفويس مرة، واتنين، وتلاتة، مش عشان مش فاهمة، بس عشان كنت مستنية نبرة صوته تتغير، أو يطلع بيهزر. في المرة الخامسة، في حاجة جوايا اتهدت ومستأذنتش قبل ما تنهار. الصوت اللي طلع مني مكنش عياط هادي وكيوت زي بتاع الأفلام، ده كان شهقة وجع مكتومة، صوت طالع من الروح، مبهدل ومكسور، وميطلعش من واحدة لابسة بالطو شيك ورايحة تقدم عرض شغل مهم.

الست اللي قدامي لفت بصتلي وأخدت بنتها في حضنها وخافت، والراجل اللي ورايا فجأة عمل نفسه بيعدل ساعته، وموظف صالة المطار بصلي وبص في الأرض بسرعة، أصل المطارات مليانة ناس مكسورة ومحدش عايز يشيل شيلة حد. باسبوري كان بيترعش في إيدي، وتذكرتي اتعقدت في صوابعي، كنت محتاجة أي حاجة أسند عليها، مش عايزة نصيحة ولا مواساة ولا نظرة شفقة، كنت عايزة حيطة، بني آدم، أي حاجة صلبة تحميني من الوقوع. لفيت يمين ومسكت في أول ضل اسود ظهر جنبى من غير ما أفكر، ومن غير ما عقلي يلحق ينقذني من الفضيحة.

إيدي قفلت على قماش بدلة سودة شيك


جداً، كان لسة ساقع من جو برة، وتحته جسم ناشف وصاحبه واقف زي الوتد. الراجل جمد في مكانه، كان طويل وعريض ولابس لبس يخلي المطار كله يظهر جنبه مبهدل. قميصه الأبيض متقفل على الشعرة، وشعره متسرح لورا بهيبة تخليك تحس إنه بيملك المكان. عينه كانت رمادي، حادة، وذكية، ومصدومة من الست اللي متبهدلة دموع وماسكة في هدومه. وراه كان واقف تلات رجالة ببدل، واحد بوقفة حرس شخصي، والتاني ماسك نوتة حمراء كأنه درع، والتالت بيبصلي كأنه بيحسب حجم المصيبة اللي هتحصل.

مفرقش معايا كل ده، ميلت راسي وسندت جبهتي على كتف الراجل الغريب ده، وهمست وصوتي رايح في قماش بدلتة أبوس إيدك.. اسندني ثانية واحدة.. ثانية واحدة بس.

جسمه كله خشب، مش غضب ولا قرف، ده ذهول.. كأن محدش تجرأ يلمسه برضا أو من غير رضا من سنين، وفجأة تطلعله واحدة بتبكي وكحلها سايل على بدلتة تهد كل القواعد اللي عايش بيها. قعدنا خمس ثواني كاملة هو مش بيتحرك، وبعدين، إيده بدأت تترفع براحة.. وبتوجس..

تفتكروا الراجل الغريب ده هيعمل إيه مع فريدة وهي في أضعف لحظات حياتها؟ ومين هو الراجل اللي هيقلب موازين حكاية أبوها الله يرحمه ويغير


كل اللعبة؟ والصندوق المخفي في مكتب أبوها القديم شايل أسرار إيه هتقلب الترابيزة على كل اللي ظلموها وافتكروها حيطة مايلة؟

لو عايزين تعرفوا الإثارة والدراما اللي جاية، 

بعد خمس ثواني من الصمت، إيده استقرت أخيرًا على ضهر فريدة لمسة ثابتة، حذرة، كأنها أول مرة يلمس فيها حد موجوع ومش عارف الوجع بيتشال إزاي. صوته لما اتكلم كان واطي وخشن بشكل غريب

خدي نفسك واقفة لوحدك كدة هتقعي.

الكلمة البسيطة دي كانت آخر حاجة محتاجاها عشان تنهار فعلًا. ركبتها خانتها، لكنه مسكها بسرعة قبل ما تقع، وإشارة صغيرة منه خلت الرجالة اللي وراه يبعدوا فورًا وكأنهم اتدربوا على الطاعة من غير سؤال.

دخلها قاعة ال من غير ما يسأل اسمها، ومن غير فضول رخيص. قعدت قدامه عشر دقايق كاملة بتعيط في صمت وهو ساكت، سايبها تجمع نفسها بكرامة. ولما ندهوا رحلتها، وقف وقال بهدوء

لو محتاجة حد يوصلك إسكندرية، العربية جاهزة.

رفعت عينيها الحمرا ليه ورفضت فورًا، بقايا الكبرياء لسة بتتنفس بالعافية جواها. هو مهزش حتى كتفه، بس مد لها كارت أسود مطفي

لو الدنيا ضاقت أكتر اتصلي.

خدت الكارت من غير ما تبص فيه، وسافرت.



تلات أيام بعدهم، فريدة كانت


 

واقفة في مكتب أبوها الله يرحمه، بتحاول تتماسك وهي بتراجع عقود الشركة اللي غرقت فجأة بعد وفاته. الديون طالعة من كل درج، والشركاء بيهربوا واحد ورا التاني، والموظفين بيبصولها بنظرة الشفقة اللي كانت بتكرهها.

ولما السكرتيرة دخلت تقولها

المستثمر الجديد وصل يا فندم.

كانت آخر حاجة تتوقعها إنها ترفع عينيها تلاقيه هو.

نفس البدلة السودا. نفس العينين الرمادي. ونفس الهدوء المستفز.

الراجل اللي حضن انهيارها في المطار جاي يشتري الشركة اللي أبوها بناها بعمره.

اتجمدت مكانها.

أما هو، فكان أهدى منها بكتير، كأنه كان متوقع الصدمة. قعد قدامها وقال ببساطة

أستاذة فريدة.

ردت بصوت ناشف إنت؟

آسر الدمنهوري.

الاسم وقع عليها زي حجر. اسم معروف يخوف أي حد في عالم البيزنس. أصغر رجل أعمال دخل قوائم الأثرياء، وأبردهم سمعة. الراجل اللي الشركات بتقع أو تقوم بإشارة منه.

فريدة ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة إيه الصدفة القذرة دي؟

ولأول مرة، زاوية فمه اتحركت بحاجة شبه ابتسامة دي مش صدفة.

سكتت.

فتح ملف قدامه وقال بهدوء أنا كنت جاي أشتري الشركة من قبل ما أقابلك في المطار.

يبقى ربنا بيكرهني فعلًا.

لكن آسر


رفع عينيه ليها وقال جملة غريبة أو يمكن بيحاول ينقذك.

الأيام اللي بعد كدة كانت حرب.

فريدة كانت شايفاه نسر جاي ينهش الباقي من تعب أبوها، وهو كان بيتعامل معاها ببرود مستفز، لكن من غير ما يكسرها أبدًا. كل مرة كانت تتوقع منه ضربة، تلاقيه بيحمي الشركة من كارثة أكبر.

لحد الليلة اللي قلبت كل حاجة.

كانت بتدور في مكتب أبوها القديم على أي ورق ينقذهم، ولما فتحت الدرج السري اللي كانت فاكرة إنه بايظ، لقت صندوق صغير مقفول بمفتاح قديم.

جواه فلاشات. عقود. وصور.

وصورة واحدة بالتحديد خلت الدم يتسحب من وشها.

أبوها واقف جنب مصطفى.

ومعاهم راجل تالت.

آسر.

لكن الصورة كانت قديمة جدًا.

قديمه لدرجة إن آسر كان أصغر بعشر سنين تقريبًا.

إيديها اترعشت وهي فتحت أول فلاشة.

وصوت أبوها طلع من التسجيل

لو فريدة بتسمع التسجيل ده يبقى أنا غالبًا مت، والشركة وقعت في إيد الناس الغلط.

حست قلبها هيقف.

مصطفى قرب منك بأوامر. كان مطلوب منه يتجوزك ويعرف كل حاجة عن أسهم الشركة.

شهقت بصدمة.

أما آسر فهو الوحيد اللي رفض يدخل اللعبة.

دموعها نزلت وهي تسمع.

أبوها كمل بصوت تعبان أنا ظلمت آسر زمان وأبو آسر مات


بسببي في صفقة فاسدة أنا خوفت أعترف بيها. الولد عنده حق يكرهني ويهد الشركة فوق دماغك لكنه الوحيد اللي وثقت إنه ممكن يحميك بعدي.

في اللحظة دي باب المكتب اتفتح.

آسر كان واقف.

وشه جامد لكن عينيه مليانة وجع قديم.

رفعت الصورة في وشه وهي بتصرخ إيه ده؟! إنت كنت تعرف مصطفى؟!

سكت ثواني طويلة قبل ما يقول أيوة.

يبقى كنت جزء من اللعبة!

في الأول أيوة.

الكلمة دبحتها.

لكن آسر قرب خطوة وقال لأول مرة بصوت مكسور فعلًا بس يوم المطار ماكنش تمثيل.

بصتله بدموعها.

أنا كنت جاي القاهرة عشان آخد منك كل حاجة الشركة الأسهم وحتى البيت. لكن لما شفتك واقفة بتنهاري لوحدك معرفتش.

صوته وطي أكتر لأول مرة حسيت إني بقيت شبه الناس اللي دمرت أبويا.

الصمت بينهم كان تقيل.

وفريدة سألت السؤال الأصعب ومصطفى؟

عيني آسر اسودوا هرب بعد ما خد فلوسه.

يعني باعني؟

باع نفسه قبلك.

بعدها بأسبوع، الحقيقة كلها خرجت.

مصطفى كان شغال مع منافسين للشركة من البداية، وكان بيستغل قربه من فريدة عشان ينقل معلومات. لكن لما أبوها مات والشركة بدأت تقع، الناس اللي وراه قرروا يخلصوا من كل الأطراف بما فيهم مصطفى نفسه.

آسر هو


اللي وقف ضدهم.

واحد واحد، العقود الفاسدة اتكشفت، والحسابات السرية ظهرت، والديون اللي كانت مزورة اتحذفت بالقانون. ولأول مرة من سنين، فريدة دخلت مكتب أبوها وهي حاسة إن المكان مش بيختنق.

وفي آخر قضية، المحكمة حكمت باسمها رسميًا.

الشركة بقت ليها.

طلعت من المحكمة وسط الزحمة والصحافة والهواء السخن، ووقفت على السلم تدور بعينيها عليه.

لقته بعيد كالعادة.

واقف بهدوء، إيده في جيبه، كأنه متعود يراقب من بعيد بس.

قربت منه ببطء.

ليه ساعدتني فعلًا يا آسر؟

بصلها طويل، وبعدين قال عشان يوم المطار أول مرة حد يتمسك بيا مش عشان مصلحة.

الكلمة خبطت قلبها بقوة.

ابتسمت وسط دموعها وأنت أول حد يسندني من غير ما يطلب تمن.

ولأول مرة من سنين، آسر الدمنهوري ضحك فعلًا ضحكة صغيرة، حقيقية، شالت من على وشه سنين قسوة كاملة.

مد إيده ليها بهدوء ها هتقدري تثقي فيا المرة دي؟

فريدة بصت لإيده ثواني.

كانت الحياة علمتها إن الناس بتمشي فجأة، في فويس نوت تلتين ثانية، ومن غير رحمة.

لكنها علمتها برضه إن في ناس تانية ممكن تظهر وسط أسوأ لحظة في عمرك، وتبقى النجاة اللي مكانتش في الحسبان.

فحطت إيدها في إيده.



المرة دي من غير خوف.

والمرادي، لما الدنيا اتحركت تحت رجليها

مكانتش لوحدها


 

تعليقات

close