روحت عزومه عشا
روحت عزومه عشا
رحت عشا خطوبة بنت خالتي، وأمي قالتلي: “روحي اقعدي مع العيال… الترابيزة دي للكبار بس.” ولما الجرسون اداني الفاتورة، رديت: “وديها للكبار اللي هناك!”…
أول ما دخلت القاعة الخاصة في مطعم “روز جاردن”، حسّيت إن السهرة بدأت من غيري أصلًا.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
بنت خالتي “نور” كانت واقفة جنب الشباك بتستعرض دبلة الخطوبة، وخطيبها “مروان” بيصافح كل خال وعم عنده عربية فارهة وكل خالة فاكرة نفسها خبيرة جواز.
ريحة الستيك والبرفيوم والفلوس مالية المكان.
أمي “منى” أول واحدة شافتني.
—أهي جت أخيرًا.
ابتسامتها كانت
مشدودة بشكل مستفز.
—اتأخرتي.
—متأخرتش غير 6 دقايق… جاية من الشغل على طول.
عينها نزلت على البنطلون الأسود والباليه ووشي المرهق.
كان عندي 26 سنة، بشتغل شيفتين في مركز طبي، وبصرف على نفسي بالكامل…
ومع ذلك، أهلي لسه بيعاملوني كأني الطفلة اللي كانت توقع العصير في العزايم.
قربت أسلم على نور، لكن أمي مسكت دراعي.
—روحي اقعدي مع العيال.
افتكرتها بتهزر.
—نعم؟
بصت بطرف عينها ناحية ترابيزة صغيرة جنب باب المطبخ.
كان قاعدين عليها الأطفال، ماسكين موبايلات وبيأكلوا بطاطس.
—يا ماما أنا
مش هقعد على ترابيزة العيال.
ابتسامتها بقت أبرد.
—الترابيزة الكبيرة للكبار بس النهارده.
كام شخص سمعوا الجملة.
خالتي بصت في الكوباية.
وجوزها ضحك بخبث.
أما نور…
فوشها احمر لكنها ما اتكلمتش.
حسيت الدم طلع في وشي.
—أنا بدفع إيجار شقتي لوحدي… وبصرف على نفسي. إيه اللي مخليني مش كبيرة كفاية؟
أمي قربت وهمست بعصبية:
—ما تفضحينيش الليلة دي. دي ليلة نور.
وده كان أسوأ حاجة في عيلتي.
هما يهينوك قدام الناس عادي…
لكن لو رديت، تبقي إنت المشكلة.
وفي الآخر…
قعدت مع الأطفال.
ساعتين كاملين.
بقطع فراخ لطفل عنده 7 سنين.
وبساعد ابن خالي يصلح اللعبة على موبايله.
وفي نفس الوقت، “الكبار” بيطلبوا جمبري وستيك وحلويات عليها نار.
وكل شوية أمي تبصلي بنظرة انتصار كأنها كسبت حرب.
وفجأة…
الجرسون خرج شايل فاتورة سوداء جلد.
عدّى من جنب ترابيزة الكبار.
ووقف قدامي أنا.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
—آنسة صوفيا؟ والدتك قالت إن حضرتك هتدفعي الحساب.
الصمت نزل على الأوضة كلها.
فتحت الفاتورة.
4386 جنيه.
رفعت عيني ناحيتها.
لقيتها بتبصلي من بعيد وبتقول بشفايفها:
“من فضلك.”
وقفت بهدوء، ماسكة الفاتورة بإيدي.
وبعدين ابتسمت.
وقلت بصوت عالي خلّى كل الترابيزات تبص:
—آسفة… الحساب ده يروح للكبار اللي قاعدين هناك.
القاعة كلها سكتت.
شوكة وقعت من إيد حد.
ونور شهقت بخضة.
أما أمي…
فوشها قلب ألوان.
—إنتِ بتعملي إيه؟! همست بعصبية.
بصيتلها بثبات لأول مرة من سنين.
—لو أنا صغيرة على القعدة معاكم… يبقى أكيد صغيرة على دفع فاتورتكم.
خالي حاول يضحك ويهدي الجو:
—يا بنتي ما تكبريش الموضوع…
قاطعتُه فورًا.
—أنا مكبرتوش. أنا بس فهمت مكاني عندكم الليلة دي.
الجرسون وقف متوتر، مش عارف يعمل إيه.
وأنا قفلت الفاتورة وحطيتها على ترابيزة أمي.
—اتفضلي يا ماما… دي فاتورة الكبار.
ولأول مرة…
ما حدش فيهم عرف يرد.
ظلَّت الفاتورة الجلدية السوداء قابعة على الطاولة أمام أمي، كأنها قنبلة موقوتة. نظرات المعازيم كانت تتنقل بيني وبين "الكبار" الذين تجمدت الابتسامات الزائفة على وجوههم. أمي كانت تحاول التنفس بصعوبة، وصدرها يعلو وينخفض من فرط الإحراج والغضب.
— أمي بصوت مخنوق: "صوفيا.. أنتِ عارفة إن كريم (خالك) نسي محفظته، وإحنا اتفقنا إنك هتسدي العزومة دي كهدية لنور بمناسبة ترقيتك الجديدة."
ضحكتُ باستهزاء، ولم يكن ضحكي سخرية بقدر ما كان إعلاناً للحرية.
— "هدية لنور؟ الترقيات والمكافآت دي تخص 'العيال' اللي زيي يا ماما. والكبار اللي هنا، اللي بيملكوا عقارات وشركات، أكيد مش مستنيين 'عيل' بيقطع الفراخ للأطفال هو اللي يدفعلهم تمن الستيك والجمبري."
خالي كريم، الذي كان منذ قليل يتفاخر بساعته الجديدة، بدأ يتلعثم: "يا صوفيا.. عيب اللي بتعمليه ده، إحنا أهل.. والفلوس بتروح وتيجي."
— "فعلاً يا خالو،" رددتُ وأنا أرتدي معطفي ببطء. "والكراسي كمان بتروح وتيجي. لما قررتوا تقعدوني هنا، قررتوا إن ذمتي المالية كمان تبقى 'هنا'. أنا دفعت تمن البطاطس والعصير بتوعي وبتوع الأطفال اللي معايا.. والباقي عليكم."
في هذه اللحظة، دخل مدير المطعم، رجل وقور يرتدي حلة رسمية، وتوجه نحوي مباشرة وسط ذهول الجميع.
— المدير باحترام شديد: "آنسة صوفيا.. دكتور (أحمد) اتصل بينا وبلغنا إن حضرتك هنا. هو بيعتذر جداً إنه ما قدرش ييجي، وطلب مننا نلغي الفاتورة بالكامل لأن حضرتك ضيفة عزيزة علينا."
"دكتور أحمد" هو صاحب سلسلة المطاعم دي، ومدير المركز الطبي اللي أنا بشتغل فيه، والشخص اللي أمي كانت دايمًا بتقول عليه "أكيد
بيشغلك سكرتيرة عنده".
أمي فتحت بؤها بصدمة: "دكتور أحمد؟ صاحب المطعم؟"تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
بصيت لأمي وقلت لها ببرود: "أيوة يا ماما.. الدكتور اللي كنتي بتقولي إني 'عيلة' في نظره، طلع بيقدرني أكتر من أهلي. هو عرض يلغي الفاتورة.. بس أنا رفضت."
التفت للمدير وقلت له: "يا ريت تلغي فاتورتي أنا والأطفال بس.. أما فاتورة 'الكبار' فخليها زي ما هي. هما محتاجين يحسوا بقيمة القعدة اللي اختاروها."
نور، بنت خالتي، قامت من مكانها وجت عندي وهي بتعيط.
— نور: "صوفيا.. أنا آسفة. أنا كان لازم أتكلم.. أنا مكنتش أعرف إن ماما وخالتو مخططين يخليكي تدفعي كل ده."
حضنت نور وقلت لها: "أنا مش زعلانة منك يا نور.. مبروك على الخطوبة. بس لازم تعرفي إن اللي بيقبل يهين أهله عشان يرضي 'المنظرة الكدابة'، بكرة هيتهان هو كمان."
التفت لأمي اللي كانت بتموت من الكسوف قدام مروان (خطيب نور) وعيلته اللي بدأوا يهمسوا إن عيلة العروسة "بيشحتوا" من بنتهم.
— صوفيا: "تصبحوا على خير يا كبار.. أتمنى يكون الجمبري كان طعمه حلو، لأن تمنه غالي أوي المرة دي."
خرجت من المطعم، والهواء البارد خبط في وشي
وحسيت إني بتنفس لأول مرة من سنين. ركبت عربيتي البسيطة اللي جايباها بـ "شقايا"، وشغلت المزيكا وعليتها.
تاني يوم، أمي كلمتني وهي بتعيط وبتقولي إن خالي اضطر يرهن ساعته عشان يسدد الحساب لأن مفيش حد فيهم كان معاه المبلغ ده "كاش"، وإن مروان خطيب نور بدأ يسأل عن "ديون العيلة".
— صوفيا بهدوء: "يا ماما.. الدرس مكنش عن الفلوس. الدرس كان عن 'الكرسي'. يوم ما تحترمي بنتك وتقعديها جنبك، بنتك هتشيلك فوق راسها. لكن يوم ما تعامليها كأنها 'زيادة'، ما تستنيش منها تكون 'سند'."
أمي سكتت، ولأول مرة من سنين ملقيتش رد ترد بيه.
صوفيا كملت حياتها، وبقت دكتورة مشهورة في المركز، واتجوزت الشخص اللي عرف يقدر قيمتها ويقعدها في "صدر البيت". أما عيلتها، فبقوا بيعملوا لها ألف حساب قبل ما ينطقوا اسمها، وعرفوا إن البنت اللي كانت "بتقطع الفراخ للأطفال"، هي اللي قطعت حبال الاستغلال اللي كانت خنققاها للأبد.
اتعلمت صوفيا إن "الكبار" مش بالسن ولا بالفلوس.. الكبار هما اللي بيعرفوا يحافظوا على كرامة اللي منهم. والترابيزة اللي أمها طردتها منها، بقت هي اللي بتحلم تقعد عليها دلوقتي عشان بس تنال رضا بنتها.
**تمت.**


تعليقات
إرسال تعليق