فخ اختی وزوجها كامله
فخ اختی وزوجها كامله
“بقولك إيه.. طلقني عشان أعرف أعيش، وأنت ارجع اتجوز أختي اللي كنت بتموت فيها قبل ما تخطبني.. أهو على الأقل هتبقى خدامة مطيعة زي ما إنت عايز!”
دي كانت أول جملة خبطت في ودني وأنا بلف المفتاح في باب شقة أختي “منة”، المفتاح اللي كانت مدياني إياه عشان لو حصلت أي حالة طوارئ.
وقفت في مكاني ومبقتش قادرة أتحرك كأني اتثبتت. عاصم جوزها لف وشه ناحية الباب، ومفيش على ملامحه أي علامة ارتباك أو كسوف، بالعكس، بصلي ببرود يرعب وقال بمنتهى القسوة:
“يا ريتني كنت عملت كدة من زمان.. أهو على الأقل كنت هرتاح من نكدك، وأختك كانت هتعرف تصون البيت وتسمع الكلام، مش واحدة كل همها المنظر والمنظرة قدام الناس وبس.”
الكلمة نزلت عليا زي الس*كينة الحامية. أنا “سارة”، اللي قضيت السنين اللي فاتت دي كلها زي الإسفنجة، بمتص مشاكلهم وأسرارهم، بصلح بينهم، وبسمع لشكاوى عاصم من إهمالها، وبمسح دموع منة من قسوته. وفجأة، بقيت أنا الس*لاح اللي بيمسكوه لبعض عشان يوجعوا بيه بعض!
منة بصتلي وعينيها بتطلع شرار ودموع، وقالت بصوت مرعوش: “انتي من إمتى بتدخلي هنا وهو لوحده يا سارة؟ ومن إمتى وهو بيثق فيكي أكتر مني؟”
حاولت أرد وأدافع عن نفسي، وصوتي طلع مخنوق بالبتسامة: “أنا كنت بصلح بينكم! أنا كنت بحاول أحافظ على بيتك!”
لكن عاصم قاطعني بابتسامة صفراء وسمجة: “لا يا سارة.. متعمليش فيها الملاك الطاهر. إنتي كنتِ بتسمعي وتسمعي، وفي الآخر بتعرفي كل نقط ضعفي، وكنتِ مستنية اللحظة اللي منة تغلط فيها عشان تاخدي مكانها.”
في اللحظة دي، حسيت إن السقف وقع فوق دماغي. كل تضحياتي، وكل ليلة قعدت أنصح فيها منة عشان تصبر، وكل مرة كنت بوقف فيها عاصم عند حده لما يحاول يتخطى حدوده في الشكوى.. كل ده اتقلب ضدي في ثانية واحدة. خرجت من الشقة وأنا مش شايفة قدامي والدموع مغمية عيني.
مرت تلات شهور ورا بعض زي الكابوس. الطلاق بين منة وعاصم خلص بسرعة الصاروخ وبشكل غريب. والغريب مش الطلاق نفسه، الغريب إن عاصم مسبنيش في حالي؛ بدأ يبعت رسايل، ويتصل، ويتحايل عليا أديله فرصة، ويحلف إن كلامه يوم الخناقة كان هو الحقيقة وأنه طول عمره كان بيتمناني أنا، وإن منة هي اللي دبسته في الجوازة دي بألاعيبها.
أما منة، فقفلت معايا تماماً. قاطعتني وقاطعت أمي، واعتبرتني الخاينة اللي سرقت جوزها. حاولت كذا مرة أفهمها إني ضحية للعبة عاصم الخبيثة عشان يهد ثقتها في نفسها وفيا، بس هي قفلت كل الأبواب في وشي. وبقيت في نظر عيلتي والناس كلها المتهمة اللي خطفت جوز أختها.
تحت الضغط النفسي الفظيع ده، والاتهامات الظالمة اللي كانت محاوطاني من كل حتة، عاصم لقى الثغرة اللي يدخل منها. بدأ يظهر في دور الراجل الشهم اللي عايز “يصلح الغلط” ويحميني من كلام الناس. ومن كتر ما كنت ضعيفة ومستهلكة نفسياً، وعايزة أثبت للدنيا كلها إني معملتش حاجة في السر.. وافقت أتجوز منه، بشرط إنه يكون جواز رسمي ومعلن، عشان الكل يشوف إنه اشتراني في النور ومكنتش عشيقة في الضلمة.
واتجوزنا. وفي أول ليلة لينا في شقته الجديدة، كنت قاعدة على طرف السرير، والدموع حارقة جفوني، حاسة بذنب قاتل ناحية أختي رغم إني مغلطتش، وخايفة من الراجل ده اللي فجأة اتقلب من جوز أختي لـ جوزي!
دخل عاصم الأوضة، وكان ماسك تليفونه في إيده وبيغني وبيدندن بانتصار. قعد قدامي، ومكنش في عينيه أي حب أو لهفة، بالعكس، كانت فيه نظرة شماتة وتغفيل غريبة جداً.
طلع كارت ميموري (Memory Card) صغير من جيبه، وفضل يقلبه في إيده، وبصلي ببرود يموت وقال:
“مبروك يا سارة.. أخيرًا الخطة كملت.”
بصيتله وأنا مش فاهمة حاجة: “خطة إيه؟”
ضحك ابتسامته الصفراء إياها وقال: “أنا مكنتش بحبك يا سارة.. ولا كنت بتموت فيكي زي ما منة قالت. أنا ومنة عمرنا ما اختلفنا أصلاً، الخناقة اللي انتي سمعتيها يوم ما دخلتي بالمفتاح.. كانت تمثيلية متدربة عليها كويس قوي.”
حسيت إن جسمي تلمد: “تمثيلية؟ يعني إيه؟”
قام وقف وبدأ يتمشى في الأوضة بكل ثقة وقال: “منة أختك اشترت أرض ومكتب عقارات باسمها من ورايا، وباعته بـ 5 مليون جنيه عشان تاخد الفلوس وتطفش بيها برة البلد من غير ما تديني مليم، وتطلب الطلاق وتدبسني في المؤخر. لما عرفت، هددتها إني هبلغ عنها بالثغرات القانونية اللي عملتها في غسيل الأموال ده وهسجنها. فاتفقنا على صفقة.. هي تخلع من حياتي بالفلوس وتتنازل عن كل حقوقها الشرعية، في مقابل إني ملاحقهاش قانونياً.”
سألته برعب: “وأنا.. أنا ذنبي إيه في الليلة دي كلها؟!”
عاصم ضحك بصوت عالي: “ذنبك إنك كنتِ الغطاء المثالي! عشان منة تخلع من كلام الناس ومحدش من أهلك يلومها أو يقولها ‘سبتيه ليه وأخدتي الفلوس وفين حق الراجل؟’، كان لازم تطلع في دور الضحية المكسورة اللي أختها خانتها وأخدت جوزها.. وعشان أنا أوافق مبلّغش عنها، كان لازم أضمن إني أخد تمن سكوتي. والتمن هو نصيبك انتي في ورث أبوكي (العمارة اللي في وسط البلد) اللي انتي مأمنة نفسك بيها ورافضة تبيعيها.. منة هي اللي اقترحت عليا أتجوزك عشان أخد الورث ده بالود أو بالعافية، والـ Memory Card ده عليه تسجيل بالصوت والصورة لـ ‘منة’ وهي بتشرحلي إزاي أوقعك، وإزاي نلعب اللعبة دي عليكي عشان نخلص منك ومن مثاليّتك اللي كانت خانقانا إحنا الاتنين!”
قرب مني وهمس في ودني بقسوة: “أختك دلوقتي في المطار وبتسافر، وانتي هنا معايا.. وبكرة الصبح هتمضيلي على توكيل عام ببيع نصيبك في العمارة، وإلا التسجيل ده هينزل على النت وفضيحة أختك وهي بتخطط لخراب بيتك هتحط راس عيلتكم كلها في الطين.. اختاري بقا يا ست الملاك الطاهر: تمضي بالذوق، ولا تخسري أختك وأهلك وشرفك؟”
اتسمرت في مكاني، والصدمة شلت عقلي. الشخص اللي افتكرت إني ضحيت بسمعتي عشانه، والأخت اللي بكيت عليها ليالي.. كانوا شركاء في مسرحية رخيصة، البطلة فيها أنا، والتمن.. هو حياتي وشقا عمري.
الكلمات كانت بتتردد في ودني زي صدى صوت في مكان مهجور.. “مسرحية رخيصة.. أختك في المطار.. توكيل عام بالبيع..”.
بصيت لعاصم اللي كان واقف قدامي، ملامحه اللي كنت بشوفها زمان ملامح راجل بيعاني من قسوة مراته، اتحولت في اللحظة دي لملامح شيطان بيتغذى على خراب البيوت. رمى الورق على السرير جنبي، وحط الكارت الميموري في جيبه، وضحك ببرود وهو بيقول:
**”معاكي للصبح يا سارة.. فكري براحتك، بس افتكري إن دموعك دي مش هتنفعك. أنا داخل أنام في الأوضة التانية، والصبح هصحيكي تشربي معايا القهوة واحنا بنمضي.”**
خرج وقفل الباب وراه بالمفتاح. صوت “التكة” بتاعة القفل كانت كأنها بتعلن نهاية حياتي القديمة وبداية كابوس ملوش آخر.
وقعت على الأرض، ركبي مبقتش شيلاني. حطيت إيدي على بوقي عشان أكتم صوت صريخي اللي كان هيهد حيطان الشقة. إزاي؟ إزاي منة تعمل فيا كدة؟ دي مش بس أختي، دي بنتي اللي كبرتها بعد وفاة أبونا! إزاي هانت عليها كل ليالي السهر، وكل مرة كنت بداري فيها على غلطاتها، وكل قرش كنت بحرم نفسي منه عشان أسندها؟ باعتني عشان 5 مليون جنيه؟ ورمتني لراجل معدوم الضمير عشان تشتري حريتها بدمي وعرضي؟
فضلت أعيط لحد ما عيني نشفت، وجسمي كله كان بينتفض من البرد رغم إننا في عز الصيف. حسيت إن روحي بتنسحب مني، وكنت بتمنى الأرض تنشق وتبلعني ولا إني أعيش اللحظة دي. لكن وسط كل الانهيار ده، وفجأة، عيني وقعت على صورة أبويا اللي كنت حطاها في شنطة هدومي اللي لسه متفتحتش.
## الجزء الخامس: ولادة من رحم الألم
سحبت الصورة، وبصيت في ملامح أبويا اللي شقي وتعب عشان يبني العمارة دي، العمارة اللي كانت أماني الوحيد في الدنيا، واللي عاصم ومنة خططوا عشان يسرقوها.
صوت أبويا رن في ودني وهو بيقولي زمان: *”يا سارة، الطيبة لو زادت عن حدها بتبقى ضعف، وإوعي تفتكري إن كل الناس ملايكة زيك.”*
في اللحظة دي، حسيت بنار غريبة بتسري في عروقي. نار بتحرق كل ذرة ضعف، وكل ذرة مثالية غبية عشت بيها عمري كله. مسحت دموعي بعنف. “الملاك الطاهر” اللي عاصم كان بيتريق عليه مات الليلة دي على أرضية الأوضة دي. اللي قامت من على الأرض مكنتش سارة “الإسفنجة” اللي بتمتص أوساخ الناس.. اللي قامت كانت سارة تانية خالص، سارة اللي اتطعنت في ضهرها ومعدش عندها حاجة تبكي عليها.
قمت وقفت، وبدأت أفكر بسرعة وتركيز غريب. عاصم غبي، الغرور عماه لدرجة إنه فاكرني هسلم رقبتي بسهولة. هو معاه الكارت الميموري اللي فيه فضيحة منة، لكن هو نسي حاجة مهمة جداً.. نسي إن السنين اللي قضيتها “بصلح بينهم” خلتني أحفظ كل تفصيلة في حياة عاصم، كل ورق شغله، كل حساباته، وكل ثغرة هو نفسه حكالي عنها في لحظات غضبه من منة!
## الجزء السادس: رقعة الشطرنج
طلع النهار، ونور الشمس كشف عتمة الأوضة. سمعت صوت المفتاح بيلف في الباب. دخل عاصم، لابس بدلة شيك جداً، وماسك في إيده فنجانين قهوة، وعلى وشه ابتسامة انتصار لزجة.
بصلي ولقاني قاعدة على الكرسي، لابسة هدومي، ومفيش على وشي أي أثر للدموع. استغرب للحظة، بس غروره طمنه.
حط القهوة قدامي وقال بصوت هادي مستفز: **”صباحية مباركة يا عروسة.. نمتي كويس؟ ياللا عشان المحامي زمانه على وصول، الورق جاهز، هتمضي ونخلص، وأوعدك هعيشك ملكة باللي هيتبقى من فلوسك.”**
بصيت للورق اللي حطه قدامي.. التوكيل العام. رفعت عيني وبصيت في عينيه مباشرة، ومسكت القلم. ابتسامته وسعت، لكن فجأة، حطيت القلم على الترابيزة وسندت ضهري لورا، وقولتله بصوت ثابت، بارد، كأنه طالع من تلاجة موتى:
**”أنا مش همضي على حاجة يا عاصم.”**
عقد حواجبه وقال بعصبية: “إنتي شكلك مجنونة وعايزة تفضحي عيلتك! الكارت الميموري معايا، وبضغطة زرار واحدة هخلي أختك دي فرجة على كل جروبات السوشيال ميديا، وساعتها مش هتعرفي تمشي في الشارع!”
ابتسمت أنا المرة دي، ابتسامة رعبته، وطلعت تليفوني من جيبي، وحطيته على الترابيزة قدامه، وقولتله:
“إنت اللي نسيت إني كنت الإسفنجة يا عاصم.. الإسفنجة اللي شربت كل وساختكم. إنت فاكر إني زعلت على منة؟ منة ماتت بالنسبة لي امبارح بالليل.. تفضحها؟ افضحها! تنزل الفيديو؟ نزله! دي واحدة باعتني عشان فلوس، تفتكر هيهمني سمعتها؟”
ملامح عاصم اتغيرت، والتوتر بدأ يظهر عليه: “إنتي بتهوشي.. إنتي أضعف من إنك تستحملي فضيحة زي دي!”
كملت كلامي بنفس الهدوء القاتل:
“أنا مبتهوشش.. بس أنا عايزة أسمعك حاجة صغيرة.”
دوست على زرار التشغيل في تليفوني.. واشتغل تسجيل صوتي:
*(صوت عاصم من ليلة امبارح وهو بيقول: “منة أختك اشترت أرض ومكتب عقارات باسمها من ورايا، وباعته بـ 5 مليون جنيه… فاتفقنا على صفقة.. هي تخلع بالفلوس، في مقابل إني ملاحقهاش قانونياً.. والتمن هو نصيبك انتي في ورث أبوكي…”)*
عاصم قفز من مكانه كأن عقرب لدغه، ووشه جاب ألوان: “إنتي.. إنتي سجلتيلي؟”
وقفت قصاده، ووشي في وشه، وقولتله بكل قوة:
**”التسجيل ده اترفع حالا على السحابة (Cloud) بتاعتي، ونسخة منه راحت لإيميل محامي الشركة اللي أنا بشتغل فيها. إنت مفكرني غبية؟ إنت معترف بصوتك إنك بتتستر على جريمة غسيل أموال، وإنك شريك في تهريب الفلوس دي برة البلد مقابل عمولة (اللي هي عمارتي)، ومعترف بالابتزاز الواضح الصريح ليا! لو الكارت الميموري بتاعك بيفضح منة أخلاقياً، فالتسجيل بتاعي بيوديك إنت ومنة ورا الشمس جنائياً بتهمة التستر والابتزاز وغسيل الأموال!”**
عاصم بدأ ينهج، وبص للباب كأنه عايز يهرب، حاول يقرب مني عشان يخطف التليفون، بس أنا رجعت خطوة لورا وقولتله بصوت عالي حاسم:
“إياك تقرب! المحامي بتاعك اللي إنت جايبه عشان يخليني أمضي، هيدخل دلوقتي يلاقيك إنت اللي بتمضي!”
رد بصوت مهزوز: “أمضي على إيه؟”
رميت في وشه ورق كنت مجهزاه من شنطتي:
“هتمضي على تنازل رسمي عن مؤخر الصداق بتاعي، وهتمضي على ورقة طلاق غيابي عند المأذون اللي المحامي بتاعك هيجيبه.. وهتديني الكارت الميموري ده في إيدي دلوقتي حالا.. وإلا قسماً بعزة جلال الله، ليكون التسجيل ده على مكتب النائب العام خلال نص ساعة، وساعتها مش العمارة اللي هتروح منك.. ده عمرك كله هيضيع في السجن!”
وقف عاصم مكسور، عرقان، بيبص للورق وللتليفون، وهو مش مصدق إن “الملاك الطاهر” اللي خططوا عشان يدبحوه، هو اللي ماسك الس*كينة دلوقتي وحاططها على رقبتهم هما الاتنين.
لباقی الاحداث شوف الجزء الاخیر
الصمت اللي سيطر على الأوضة كان أثقل من الجبال. عاصم، الراجل اللي كان من دقايق بس بيمارس أبشع أنواع السادية والغرور، واقف دلوقتي قدامي عامل زي الفار المبلول. إيده كانت بتترعش وهو بيبص لشاشة التليفون اللي عليها توقيت التسجيل.
حاول يبلع ريقه اللي نشف، وقال بصوت متقطع: “سارة.. إحنا ممكن نتفاهم.. العمارة تفضل باسمك عادي، وأنا مش هأذيكي، بس بلاش النيابة، بلاش تضيعي مستقبلي.”
بصيتله باشمئزاز وقولتله بحسم:
**”مستقبلك؟ إنت مستقبلك انتهى في اللحظة اللي فكرت فيها تستغفلني. الورق قدامك، امضي!”**
في اللحظة دي، جرس الباب رن. كان المحامي بتاعه والمأذون. عاصم فتحلهم وهو بيجر رجليه كأنه رايح لحبل المشنقة. المحامي دخل وطلع ورق التوكيل بابتسامة سمجة، لكن عاصم شاورله بإيده يوقف، وبصوت مخنوق قال: “هات دفتر الطلاق.. وتنازل عن المؤخر.”
المحامي تنح ومكنش فاهم حاجة، بس نظرة الرعب اللي في عين عاصم خليته ينفذ من غير ولا كلمة.
دقايق معدودة، وكانت الكلمات بتنكتب، والتوقيعات بتتحط. رمى عاصم الكارت الميموري على الترابيزة قدامي، وخدت أنا قسيمة الطلاق الغيابي والتنازل، وحطيتهم في شنطتي. وأنا بفتح باب الشقة عشان أخرج، لفيت وشي وبصيتله للمرة الأخيرة:
**”التسجيل هيفضل معايا.. لو فكرت بس تنطق اسمي أو تقرب من أي حاجة تخصني، اعتبر نفسك في السجن. سلام يا.. يا طليق أختي.”**
نزلت الشارع، الهوا خبط في وشي كأنه بيغسلني من كل القذارة اللي عشتها الساعات اللي فاتت. بصيت في ساعتي، كانت 8 الصبح. عاصم قال إن منة طيارتها النهاردة.
قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة. كان ممكن أروح، أعيش حياتي، وأحمد ربنا إني نجيت، بس كان في نار جوايا مش هتبرد إلا لما أبص في عينين منة للمرة الأخيرة. مش عشان أعاتبها، العتاب للناس اللي باقيين عليهم، لكن أنا رايحة أدفن أختي بإيدي.
وقفت تاكسي وقولتله بأعلى صوت: **”مطار القاهرة.. وبسرعة أرجوك!”**
طول الطريق، شريط ذكرياتي مع منة بيتعاد قدامي. منة وهي صغيرة بتستخبى في حضني لما بابا يزعقلها. منة وهي بتعيط يوم فرحها وبتقولي “هتوحشيني يا سارة”. إزاي البراءة دي كلها اتحولت لوحش كاسر ينهش في لحم أخته؟ الدموع نزلت من عيني، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف، دي كانت دموع “الحداد” على أختي اللي ماتت جوايا.
وصلت المطار، وبدأت أجري زي المجنونة بين صالات السفر. رحلات أوروبا.. باريس.. لندن.. دورت في كل الشاشات لحد ما لمحت رحلة متجهة لـ “دبي” في مرحلة النداء الأخير. إحساسي قالي إنها هناك.
جريت ناحية بوابات الجوازات، ومن بعيد.. لمحتها.
واقفة لابسة نظارة شمس كبيرة، معاها شنطة هاند باج ماركة غالية، وبتبص في ساعتها بتوتر.
قربت منها بخطوات بطيئة، وكل خطوة كانت بتدوس على حتة من قلبي. وقفت وراها وقولت بصوت هادي بس مليان قسوة:
**”رحلة سعيدة يا منة.”**
اتنفضت وبصت وراها. النظارة وقعت من على عينيها، ووشها بهت كأنها شافت عفريت. رجعت خطوة لورا وهي بتتلعثم: “سارة؟! إنتي.. إنتي بتعملي إيه هنا؟ وعرفتِ مكاني إزاي؟”
ابتسمت بوجع وقولتلها:
“جاية أودع الميت. جاية أرمي التراب على أختي اللي بعتني بـ 5 مليون جنيه وعمارة.”
حاولت تتصنع القوة وتتلفت حواليها بخوف: “أنا مش فاهمة إنتي بتقولي إيه.. عاصم هو اللي ضحك عليكي، أنا ماليش دعوة!”
طلعت الكارت الميموري من شنطتي وحطيته في إيدها، وقولتلها:
“عاصم سلمك تسليم أهالي. الكارت ده عليه كل تخطيطك القذر ليا ولشرفي. عاصم اعترف بكل حاجة، ومضى على طلاقي، وتنازل عن كل حاجة عشان ينفد بجلده من التسجيل اللي سجلتهوله وهو بيعترف بغسيل الأموال اللي عملتوه سوا.”
منة بصت للكارت بصدمة، شفايفها كانت بتترعش، وقالتلي بدموع التماسيح إياها: “سارة.. سامحيني.. أنا كنت خايفة من عاصم، هو اللي أجبرني! أنا أختك يا سارة.. لحمك ودمك!”
قاطعتها بصوت صارم هزها:
**”إنتي مش أختي! أختي ماتت. أنا مش زعلانة على الورث ولا على المؤامرة الرخيصة بتاعتكم.. أنا زعلانة على البنت اللي كنت بضفرلها شعرها وأغطيها في ليالي الشتا. إنتي بعتيني عشان ورق بيلونوه، واشتريتي عداوتي طول العمر. سافري يا منة.. خدي الفلوس واهربي، بس صدقيني، الفلوس دي عمرها ما هتشتريلك لا أمان ولا راحة بال.”*
لفت منة وشها ناحية البوابة عشان تهرب من عيني، وهي بتحاول تستجمع غرورها المكسور وقالتلي بتحدي: “هسافر.. وهعيش أحسن عيشة، والـ 5 مليون هيعملولي حياة إنتي عمرك ما تحلمي بيها.”
لسه بتدي ضهرها وبتمشي، ظهر فجأة راجلين لابسين بدل مدنية، وقفوا قدامها وطلعوا كارنيهات.
“مدام منة؟ معاكي مباحث الأموال العامة. مطلوب القبض عليكي فوراً للتحقيق في بلاغ تضخم ثروة، وتهريب أموال خارج البلاد، وتزوير أوراق عقارية.”
منة صرخت برعب والشنطة وقعت من إيدها: “بلاغ إيه؟! أنا مسافرة دلوقتي! دي فلوسي!”
الضابط رد ببرود: “البلاغ متقدم من امبارح بالليل من الأستاذ عاصم جوزك السابق، ومرفق بيه كل المستندات اللي بتثبت تورطك، وتم تجميد أرصدتك في البنوك من ساعة واحدة.”
بصتلي منة وعينيها مليانة رعب وتوسل، صرخت وهي بتمسك في دراعي: “سارة! الحقيني يا سارة! ماليش غيرك! ده فخ من عاصم عشان ياخد الفلوس لوحده.. سارة متسبينيش!”
رجعت خطوة لورا، وسحبت دراعي من إيدها بهدوء شديد. بصيت في عينيها اللي مليانة ذل وانكسار، وقولتلها الكلمة اللي هتفضل ترن في ودنها طول ما هي عايشة:
> *”إنتي اللي اخترتي تلعبي مع التعابين يا منة.. ومكانك الطبيعي دلوقتي هو السم اللي هتشربيه منهم.”*
>
لفيت ضهري، وخطيت أول خطوة برة صالة السفر. صوت صريخها وهي بتترجاني وبتتشد في إيد الضباط كان بيخفت مع كل خطوة ببعدها.
طلعت من باب المطار الرئيسي، رفعت راسي للسما، وخدت نفس عميق جداً. شمس الصبح كانت دافية، بتنور طريق جديد، طريق مفيهوش مثالية ساذجة، ولا تضحيات في غير محلها. لأول مرة في حياتي، كنت حاسة إني حرة، وإن سارة الجديدة اتولدت من رحم الوجع، قوية، صلبة، ومحدش يقدر يكسرها.


تعليقات
إرسال تعليق