القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 أمي جت تقعد معايا



أمي جت تقعد معايا

"إنتِ جاحدة وقليلة الأصل!"


الكلمة دي نزلت على دماغي زي الصاعقة... وأنا واقفة متعلقة في طرف الرخامة بعد العملية بيومين بالعافية قادرة أخد نفسي.


بصيت لأمي بصدمة وقلت:


أنا؟ أنا اللي جاحدة؟

هزت كتفها بعصبية وقالت:


آه إنتِ... بدل ما تشكريني إني سايبة بيتي وجاية أخدمك قاعدة تعلّمي فيا وتصححيلي كل حاجة!

سكت ثواني وأنا حاسة إن في حاجة جوايا بتتكسر.من يوم ما عملت العملية وأمي أصرت تيجي تقعد معايا كام يوم لحد ما أقف على رجلي. في الأول فرحت جدًا... أصل أمي طول عمري شايفاها ست قوية وجدعة وقدوتي في الحياة. بس من أول ليلة بدأت أكتشف حاجات عمرها ما كانت باينة ليا.


بعد ما اتعشينا قلتلها:


يا ماما ممكن تشغلي غسالة الأطباق؟ الدكتور مانعني أنحني. بصتلي باستغراب وقالت:

معرفش أشغلها.

افتكرتها بتهزر، قلت:


يعني إيه متعرفيش؟ قالت بمنتهى البساطة:

أبوكي هو اللي بيشغلها دايمًا.

تاني يوم الصبح قلت:


تعمليلي فنجان قهوة؟ ردت:

معرفش بتتعمل إزاي... أبوكي هو اللي بيعملها.

بدأت أستغرب... بس قلت عادي. لحد ما جيت أطلب منها تشيل كيس الزبالة التقيل، قالت:


حاضر. وقعدت مكانها. ساعة... واتنين... ومفيش حاجة حصلت. وفي الآخر أنا اللي قمت بالعافية وشلته بنفسي. لما خلصت قلت:

طب حطي كيس جديد. ردت:

معرفش بيتحط إزاي.

الموضوع فضل يتكرر في


كل حاجة تقريبًا؛ غسالة... قهوة... تنضيف... حتى أبسط الحاجات. كل مرة نفس الرد: "أبوكي هو اللي بيعملها." ومع كل رد كنت بحس إن الصورة اللي رسمتها لأمي طول عمري بتتشق قدام عيني حتة حتة.

لحد النهاردة، كنت محتاجة حد يملا خزان المية بتاع القطط لأنه تقيل. ناديت عليها كذا مرة، ولما جات عملت حاجة غلط تمامًا. فقلت بهدوء:


لا يا ماما استني... بصي هقولك يتعمل إزاي.

فجأة قلبت وشها واتعصبت وقالت:


هو أنا جاهلة يعني؟!

لا طبعًا...

يبقى متعاملنيش كأني عيلة صغيرة!

وقبل ما ألحق أرد سمعتها بتقول الجملة اللي كسرتني: "إنتِ جاحدة وقليلة الأصل."


في اللحظة دي بصيت لها... ولأول مرة في حياتي حسيت إني مش عارفة الست اللي قدامي. واكتشفت سر عمره عشرات السنين كان مستخبي عني... سر خلاني أفهم ليه أبويا كان بيعمل كل حاجة في البيت بنفسه... وليه عمره ما اشتكى قدام حد.


في نفس الليلة، وبعد ما أمي دخلت أوضتها وقفلت الباب وهي زعلانة، فضلت قاعدة لوحدي على الكنبة ودماغي هتنفجر من التفكير. أول مرة في حياتي أحس إني مش فاهمة أمي، وأول مرة أحس إن الصورة اللي كنت راسماها ليها طول عمري كانت ناقصة.


لما جوزي رجع بالولاد، حكيتله كل حاجة. قال لي بهدوء:


يمكن تعبانه أو متوترة. هززت راسي وقلت:

لا يا أحمد... الموضوع أكبر من كده. ماما حرفيًا متعرفش تعمل أي حاجة. ولا حتى أبسط

الحاجات.

سكت شوية وبعدين مسكت الموبايل واتصلت بأبويا. رد عليا:


ألف سلامة عليكي يا بنتي، عاملة إيه دلوقتي؟ قلتله بعد تردد:

بابا... هو صحيح إنك طول عمرك اللي بتعمل كل حاجة في البيت؟

سكت ثواني... ثواني طويلة جدًا. بعدها قال جملة واحدة خلتني أتجمد مكاني:


أمك عمرها ما كانت عاجزة يا بنتي... أمك كانت مكسورة.

سكت ومفهمتش قصده، قلت:


يعني إيه؟ تنهد وقال:

إنتي صغيرة ومتعرفيش اللي حصل زمان.

وقعد يحكي... طلع إن أمي وهي صغيرة كانت متفوقة جدًا في دراستها، دخلت كلية كبيرة وكان عندها أحلام وطموحات. لكن جدتي مرضت مرض شديد وهي في بداية العشرينات، وساعتها اضطرت أمي تسيب شغلها وأحلامها وتقعد تخدم أمها سنين طويلة. بعدها اتجوزت أبويا، وكانت نفسيتها متدمرة من اللي فاتها، وبدأت تدخل في اكتئاب شديد.


قال:


كانت بتقضي أيام كاملة مش قادرة تقوم من السرير. أنا كنت بخاف عليها، فبدأت أعمل عنها الحاجات واحدة واحدة؛ أعمل الأكل، أغسل المواعين، أشتري الطلبات. ومع الوقت بقى ده نظام حياتنا.

قلت:


بس ليه عمرها ما قالتلي؟ قال:

لأنها كانت محرجة. كانت خايفة تبصي لها نظرة شفقة.

فضل كلامه يرن في وداني. وفي اليوم اللي بعده صحيت بدري، لقيت أمي قاعدة لوحدها في البلكونة، ووشها كان باين عليه إنها عيطت طول الليل. قعدت جنبها وسكتنا شوية.


فجأة قالت من


غير ما تبصلي:

أنا خذلتك صح? اتصدمت وقلت:

ليه بتقولي كده؟ قالت ودموعها نزلت:

لأنك طول عمرك شايفاني ست قوية. بس الحقيقة إني ضعيفة جدًا.

لأول مرة أشوف أمي بتنهار قدامي، وقالت:


أنا عارفة إني معرفش أعمل حاجات كتير. وعارفة إن أبوكي شايلني فوق طاقته من سنين. بس عمري ما حسسني إنه بيعايرني، عمري ما حسسني إني أقل من حد.

ساعتها حسيت بغصة في قلبي، لأني كنت قاسية في حكمي عليها. يمكن فعلًا كانت مقصرة في حاجات كتير، بس نسيت إنها برضو إنسانة، ونسيت إنها طول عمرها كانت بتحبني بطريقتها.


مديت إيدي ومسكت إيدها وقلت:


طب نتعلم سوا. بصتلي باستغرب، قلت وأنا بضحك:

نتعلم نشغل غسالة الأطباق، ونعمل قهوة، ونغير كيس الزبالة.

ضحكت وسط دموعها وقالت:


بعد العمر ده كله؟ قلت:

أهو أحسن من مفيش.

ومن يومها بقى عندنا روتين غريب؛ كل يوم نتعلم حاجة جديدة. مرة نطبخ، مرة نستخدم الأجهزة، مرة ننظم البيت. وكانت كل ما تنجح في حاجة تفرح زي الأطفال.


بعد شهرين تقريبًا، أبويا دخل البيت لقى أمي عاملة الغدا كله لوحدها. وقف مذهول وقال:


مين دي؟ ردت أمي وهي بتضحك:

النسخة الجديدة.

ولأول مرة شفت الفخر في عيونها، وأول مرة هي نفسها تحس إنها قادرة تعتمد على نفسها.


أما أنا... فاتعلمت درس عمري ما هنساه؛ إننا أحيانًا بنحكم على الناس من اللي بنشوفه دلوقتي...


وننسى الحروب اللي خاضوها زمان لوحدهم.

وأمي؟ رجعت قدوتي من جديد... بس المرة دي مش لأنها كاملة، لأنها إنسانة وقعت وقامت... واتعلمت تبدأ من أول وجديد مهما كان العمر.


تمت ❤️


تعليقات

close