القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 خيانة في عز الازمة 



خيانة في عز الازمة 

أنا بقالي تلات ساعات بكلمك وابنك روحه بتطلع بين إيدي وحرارته واصلة أربعين، وأنت كل ده بتكنسل عليا عشان بتصلح سباكة في بيت طليقتك! أنت عايش هناك ومأجر عندي سرير تنام عليه وبس! أنا خلاص مش هقسم جوزي مع ست تانية، اتفضل ارجع لها وشبعوا ببعض!

الكلمة دي كانت لسه بتطن في ودن ليلى وهي قاعدة في ضلمة المطبخ، مهدودة، ريحة الخل والكمادات وسخونية العيال لسه لازقة في لبسها وفي مناخيرها. فجأة، صوت مفتاح بيعشق في الكلون.. تكة ناشفة في هدوء الشقة كان وقعها زي ضرب النار. ليلى اتنفضت في مكانها بس ملمتش نفسها، فضلت قاعدة على الكرسي الخشب، عينيها مطفية وبتبص للفراغ.

يا أهل البيت، أنا جيت!.. صوت دياب رن في الطرقة، نبرة صوتا كانت رايقة وعالية بشكل يستفز الحجر. دخل يرزع في الشبا شب ويخبط الشماعة وهو بيقلع الجاكت، وريحة السقعة اللي جاية من برا دخلت معاه، بس مش سقعة الشارع.. دي ريحة تانية، ريحة أكل بيتي مسبك وفانيليا، ريحة بيت دافي هي ملهاش مكان فيه.

نور المطبخ اتفتح فجأة وعمى عينيها، دياب بصلها باستغراب إيه يا ليلى؟ قاعدة في العتمة ليه زي القتيلة؟ في لقمة ناكلها؟ أنا ميت من الجوع، طول النهار على رجلي في الشغل ومطقتش لقمة.

ليلى غمضت عينيها من وجع النور، شعرها المنكوش وهالات التعب اللي تحت عينيها كانوا بيحكوا قصة تانية خالص. همست بصوت مخنوق وطي صوتك.. مروان لسه نايم بالعافية، مش عايزة خبط.

دياب ولا كأنه سمع، كان شغال تفتيش في الحلل، طلع حلة المحشي وشمها وهو بيلوي بوزه هو مفيش غير ريحة الخل دي في الشقة؟ ارحمينا وبخري المكان شوية، الواحد مش عارف يتنفس، قلبناها مستشفى!


فين العيش؟ شد رغيف عيش وبدأ يقطعه بإيده وهو بياكل بنهم، وليلى بتبص لضهره والنار بتغلي في صدرها.

دياب.. قالتها وهي مثبتة عينيها عليه، أنت ليه ريحتك بصل محمر؟ وفانيليا؟ نفس ريحة الكيكة اللي مروة طليقتك بتموت فيها؟

دياب حتة العيش وقفت في زوره، حرك فكه ببطء ولف لها بوش فيه مزيج من الخضة والبجاحة أنتي بتهبدي بتقولي إيه؟ ده ريحة الكافيتريا اللي كلت فيها، المحلات دي بتبقى ريحتها كوكتيل. وبعدين هو ده استقبال؟ داخل من شغلي وتعبان وأنتي نازلة فيا شم وتفتيش؟

ليلى قامت وقفت، ورجليها كانت بتترعش من قلة الأكل والتعب كافيتريا الساعة عشرة بالليل؟ وأنت قايلي إنك في موقع في التجمع والموبيل هيفصل عشان أنت تحت الأرض؟ أنا شفت خريطة الطريق، التجمع كان سالك، لكن وسط البلد اللي ساكنة فيها مروة كانت واقفة تماماً.

دياب رمى العيش على التربيزة بغل أيوة رحت لها! رحت نص ساعة، إيه الجريمة؟ الست اتصلت بيا بتستغيث، السباكة ضربت عندها والبيت كان هيغرق، أعمل إيه يعني؟ أرمي ولادي وأمهم في الشارع؟ أنا لسه راجل وعندي أصل.

ليلى قربت منه وعينيها فيها لمعة وجع سباكة؟ وعشان السباكة تكنسل عليا تلات ساعات؟ تلات ساعات يا دياب وابنك مروان بيتنفض بين إيدي، حرارته وصلت أربعين وعينه قلبت لورا ونفسه قطع، كنت بطلبك وأنا مش شايفة قدامي، وأنت بتكنسل عشان بتركب جلدة حنفية؟

دياب كرمش وشه ببرود يا ستي ما تكبريش الموضوع، العيال كلها بتسخن، عادي يعني ميكروب وهيمشي، شوية سيتال وهيبقى زي الفل، بلاش الدراما دي، ما أنا جيت اهو والواد نايم وزي القرد.

هنا ليلى حست إن في حاجة جواها انكسرت ومعدش ينفع تتصلح.

صوتها طلع زي الفحيح أنت كنت قاعد بتاكل بطاطس وكيكة وهي بتدلع عليك، وأنا هنا كنت هموت من الرعب على ابني، كنت حاسة إنه بيودعني.. أنت مش بس خذلتني، أنت قتلت كل حاجة حلوة كانت باقية لك عندي.

دياب بصلها ببرود مرعب، قعد على الكرسي وبدأ يغرف لنفسه وهو بيقول خلصتي نمرة المظلومة؟ عشان أنا مش هسمع الصداع ده تاني. مروة ست غلبانة، متعرفش تدق مسمار، وحنفيتها كانت هتغرق الجيران، والسباك دلوقت بياخد خمسمية جنيه في الطلة، أنا وفرت الفلوس دي لبيتي.. بدل ما تشكريني إني مدبر، جاية تنكدي عليا؟

ليلى سندت على التلاجة وهي مش مصدقة، بصت له بذهول تشكرك؟ دياب.. أنت كنسلت أربعين مرة، أي حد عنده دم كان هيرد يشوف في إيه، إنما أنت قفلت الصوت عشان الهانم متضايقش وهي بتسقيك الشاي.

أيوة عشان مكنتش فاضي لرغيك! زعق دياب وهو بيخبط المعلقة في الطبق، أنتي ست قوية وبتعرفي تتصرفي، بتروحي مستشفيات وبتجيبي أدوية وبتشيلي جبال، إنما مروة رقيقة، بتنهار من أقل حاجة ومحتاجة راجل يسندها.. أنتي راجل في ست، شيلي شيلتك بقى وبطلي قرف!

ليلى ضحكت ضحكة مكسورة، ضحكة حد جاب آخره يعني عقابي إني ست بجد؟ إني شيلت وحميت بيتي فبقيت بنسبالك راجل ف ملوش لازمة تطمن عليا؟

مدت إيدها، وبحركة هادية سحبت مفتاح الشقة من جيب جاكته اللي كان مرمي على الكرسي، وفتح باب الشقة وسابت المفتاح في الكلون من برا. بصت له وقالت بكلمة واحدة هزت حيطان المكان اطلع برا يا دياب.. اطلع للي محتاجة راجل يركب لها جوان حنفية، عشان ابني من النهاردة ملوش أب، وأنا ماليش غير نفسي.

دياب وقف مذهول، لسه هينطق، لقت مروان الصغير بدأ يصرخ في الأوضة

جوه.. صرخة وبعدها قذع النفس، وفي اللحظة دي دياب ملامحه اتغيرت بس مش ندم، دي كانت نظرة تانية خالص خلت ليلى تدرك إن اللي جاي، أسوأ بكتير من اللي فات....... 

دياب وقف مكانه متنح، عينه بتتحرك بين ليلى اللي واقفة زي السد، وبين باب الأوضة اللي جاي منه صريخ مروان اللي بيقطع القلب. ليلى محيتش تستنى رد فعله، جريت على جوه وهي بتنهج، لقت مروان جسمه زي النار تاني ووشه غرقان عرق. دياب دخل وراها الأوضة ببرود مستفز، وقف يسند كتفه على الباب وقال بنبرة واثقة أهو شفتي؟ اديكي صحيتي الواد بصوتك العالي، مكنش فيه حاجة وكان نايم زي الفل، أنتي اللي غاوية نكد وتكبير مواضيع.

ليلى بكت من قهرها وهي بتشيل مروان وتضمه لصدرها، وبصت لدياب بنظرة خلت ريقه ينشف اخرج برا يا دياب.. اخرج بدل ما ألم عليك العمارة دلوقت وأقولهم إنك سايب ابنك بيموت وبتمسح بلاط عند طليقتك.. اخرج! دياب حس إن الموضوع قلب جد، وشكلها مش هتهدى المرة دي، فخد مفاتيحه بزهق وهو بيتمتم بكلام مش مفهوم عن ستات نكدية مبيعجبهاش العجب، ورزع الباب وراه بكل قوته لدرجة إن برواز صورته هو وليلى اللي في الصالة وقع واتدشدش مية حتة.

عدى أسبوع، ليلى كانت فيه زي النحلة، نزلت الشغل ورجعت رتبت حياتها وموبايل دياب اللي مبيفصلش رن ورسايل اعتذار كانت رمياه في البلوك. في يوم كانت قاعدة في الصالة، الباب خبط، قامت فتحت وهي فاكرة إنها الدليفري، لقت قدامها مروة طليقة دياب. مروة كانت واقفة مكسورة، عينيها منفخة من العياط، وقالت بصوت واطى ممكن أدخل يا ليلى؟ محتاجة أتكلم معاكي ست لست.

ليلى استغربت بس فتحت الباب، مروة دخلت وقعدت على طرف الكنبة وقالت دياب

 

عندي من يوم ما ساب هنا، وقالب حياتي جحيم. مبيعملش حاجة غير إنه يشتكي منك ومن نكدك، وفي نفس الوقت بياكل أكلي وينام ويقوم يأمر وينهي، والسباكة اللي جه يصلحها؟ باظت تاني يوم والبيت غرق بجد ولما طلبت منه يشوفها زعقلي وقالي أنا مش سباك أبوكي. ليلى ضحكت بوجع، ومروة كملت أنا عرفت اللي حصل مع ابنك يومها، دياب كذاب يا ليلى، هو مكنش بيصلح حاجة، هو كان قاعد بيتفرج على الماتش وبياكل كيكة ولما موبايله رن قدامي وشفت اسمك، قالي دي ليلى بتدلع وعايزة تجرجرني للبيت.

ليلى حست إن الدنيا بتدور بيها، الغدر مكنش بس في التقصير، ده كان في التخطيط. مروة مسكت إيد ليلى وقالت لها أنا جاية أقولك إننا الاتنين كنا مجرد محطات في حياته، هو بيحب نفسه بس، وعايز الست اللي تريحه والست اللي تخدمه، وأنا قررت أطرده من بيتي النهاردة ومن حياتي للأبد.. وجيت أقولك متضعفيش لو رجع يمثل دور الضحية.

يومين ودياب كان واقف تحت البيت، شايل شنطة هدومه وباقة ورد دبلانة، ووشه فيه علامات التعب والبهدلة. ليلى نزلت له الشارع، وقفت قدامه بكل شموخ، من غير ما تخليه يخطو خطوة واحدة جوه المدخل. دياب بدأ يتكلم بلهفة ليلى حبيبتي، أنا غلطت، مروة دي ست فتانة وخربت بيتي وبيتكم، أنا عرفت قيمتك يا أصيلة، مروان واحشني أوي، افتحيلي صفحة جديدة.

ليلى بصت له وابتسمت ابتسامة هادية ورايقة، ابتسامة حد رمى حمل تقيل من على كتافه دياب، الورد ده خليه معاك، وروح لفه على أي بيت تاني محتاج سباك بالقطعة، لأن البيت ده بقى فيه ست ب مية راجل، وابنك اللي كنت بتقول عليه قرد كبر في أسبوع وفهم إن أبوه كان مجرد خيال مآتة. سحبت من جيبها ظرف فيه

ورقة وقالت له دي ورقة دعوة خلع، عشان ميبقاش بينا غير المحاكم، وفر مجهودك عشان تلاقي مكان تنام فيه النهاردة، لأن السرير اللي كنت مأجره عندي.. بعته واشتريت مكانه عجلة لمروان.

ليلى سابته واقف في نص الشارع والناس بتبص عليه وهو مش فاهم إزاي الست القوية اللي كان بيستغل قوتها عشان يظلمها، هي نفسها اللي استخدمت قوتها عشان تنهيه من حياتها بضربة قاضية. لفت وشها وطلعت سلم بيتها وهي بتغني لمروان، والباب اتقفل المرة دي تكة الكلون بتاعته كانت موسيقى بتعلن بداية حياة جديدة، مفيش فيها ريحة خل ولا ريحة خيانة، بس ريحة حرية.

دياب فضل واقف مكانه والشنطة في إيده، مذهول من الهدوء اللي ليلى اتكلمت بيه. كان فاكر إنها هتصرخ أو تعيط، والساعتها كان هيعرف يثبتها بكلمتين، لكن الروقان اللي هي فيه ده كان أخطر بكتير. سابته وطلعت، وهو فضل يبص لباب العمارة اللي اتقفل في وشه، وحس لأول مرة بسقعة الشارع بجد.

ليلى أول ما دخلت شقتها، قلعت الشوز ورمت مفاتيحها على التربيزة. الشقة كانت هادية، مفيش فيها غير صوت مروحة صغيرة وصوت نَفَس مروان المنتظم وهو نايم. مروان اللي كان من أسبوع بين الحياة والموت، النهاردة وشه رد فيه الدم وعرق السخونية اختفى، وحل محله ريحة بودرة الأطفال والنضافة.

دخلت المطبخ، مابصتش على البوتجاز ولا شافت المواعين بعبء زي كل مرة. فتحت الشباك، الهوا المنعش دخل طير الستارة، وبدأت تعمل لنفسها كوباية شاي بالنعناع بمزاج. وهي واقفة بتصب الشاي، تليفونها نور برمز رسالة.. كانت من مروة.

طردته، والشنطة بتاعته لسه مرمية قدام الباب، الجيران بدأوا يتفرجوا عليه. شكراً يا ليلى، لولا وقفتنا

مع بعض النهاردة، كان فضل بيلعب بينا سنين.

ليلى ابتسمت وقفلت الموبيل. قعدت في البلكونة، بصت للسما الصافية وحست بوزن تقيل انزاح من فوق صدرها. اكتشفت إن السباكة اللي كانت محتاجة تتصلح مكنتش في بيت مروة، ولا في حنفية مطبخها.. السباكة كانت في حياتها هي، في الماسورة اللي كانت بتسرب عمرها ومجهودها ومشاعرها لواحد ميستحقش، والنهاردة هي قفلت المحبس العمومي للأبد.

فجأة سمعت صوت مروان بينادي ماما بصوت ناعم. دخلت له الأوضة، لقت عينه مفتوحة وبيضحك لها. شالته وضمته بقوة، شمت ريحته اللي هي أغلى عندها من كل كنوز الدنيا. مروان مسك خصلة من شعرها وشدها وهو بيضحك، ليلى بصت لصورة والده اللي كانت مكسورة على الأرض، وشافت إن الإطار الخشب بتاعها انقسم نصين، بس صورة مروان اللي كانت جواها فضلت سليمة ومنورة.

خدت الصورة السليمة وحطتها في برواز جديد كان عندها، وعلقته في صدر الصالة. النهاردة البيت ده بقى ملكها وملك ابنها وبس. قاسي اتعلمت منه إن الست القوية مش هي اللي بتشيل فوق طاقتها وتسكت، الست القوية هي اللي بتعرف امتى تسيب الحمل اللي بيهد ضهرها وتمشي وهي راسها مرفوعة.

ومع أول خيوط شمس الصبح، ليلى لبست ونزلت شغلها وهي سحبة مروان في إيدها، والضحكة على وشها حقيقية لأول مرة من سنين. الحكاية مخلصتش بوجع، الحكاية بدأت بنضافة، والشارع اللي كان دياب واقف فيه بيحاول يتمسكن، بقى هو نفسه الشارع اللي ليلى مشيت فيه وهي بتخطط لمستقبل مروان، من غير ما تبص وراها ولو لمرة واحدة.

مرت الشهور، والشقة اللي كانت زمان خانقة وريحتها مرض ونكد بقت جنة صغيرة بتبرق بنضافة الراحة النفسية. ليلى مكنتش بس بتشتغل

عشان تصرف، ليلى كانت بتبني كيان. فتحت مشروع صغير من البيت لعمل الحلويات وتجهيز العزومات، وبقت ريحة الفانيليا والقرفة والقهوة هي اللي مالية المكان، ريحة نجاحها هي، مش ريحة طلبات حد تاني.

في يوم، ليلى كانت واقفة في المطبخ بتزين تورتة كبيرة لزبونة، تليفونها رن برقم غريب. ردت بهدوء، جالها صوت مكسور، شاحب، لدرجة إنها معرفتوش في الأول ليلى.. أنا دياب.

سكتت ليلى لحظة، كملت بتزين التورتة بإيد ثابتة وقالت نعم يا دياب؟ عايز إيه؟

صوته كان فيه رعشة أنا تعبان يا ليلى.. مرمي في أوضة فوق السطوح، مروة رفعت عليا قضية نفقة وحجزت على كل اللي ورايا واللي قدامي، والشغل مشوني منه عشان المشاكل.. أنا ماليش غيرك يا أصيلة، مروان واحشني، عايز أموت في بيتي وسطكم.

ليلى سحبت نفس طويل، بس المرة دي مكنش نفس مخنوق، كان نفس فيه شموخ بيتك؟ أنت بيتك كان في كل مكان يا دياب إلا هنا. بيتك كان في المواجع اللي سبتهالي، وفي حرارة ابنك اللي هونت عليك. ومروان دلوقت في التمرين، مبيفتكرش حد بالاسم ده، هو يعرف إن ليه أم ب مية راجل هي اللي سنداه.

دياب بدأ يعيط يا ليلى ارحمي، أنا جوزك، مهما حصل بينا..

قطعت كلامه بكلمة زي السيف كنت جوزي.. دلوقت أنت غريب والطلبات للغرباء ممنوعة. لو فعلاً تعبان، اطلب الإسعاف، زي ما أنا طلبتها لابني وأنا بترعش وأنت بتكنسل عليا. الدنيا سلف ودين يا دياب، والديّن اللي عليك طلع تقيل أوي.

قفلت السكة قبل ما تسمع رده، وعملت للرقم بلوك نهائي. مسحت إيدها في الفوطة وبصت لنفسها في مراية المطبخ. شافت ست تانية خالص، عينيها بتلمع، وشها مرتاح، وصغر عشر سنين.

الباب انفتح ودخل مروان وهو لابس لبس الكاراتيه

 

وبيجري عليها ماما! شوفي خدت الحزام الجديد!

ليلى شالته ولفّت بيه وهي بتضحك من قلبها مبروك يا بطل، ده أنت اللي هتسندني بجد.

قعدوا ياكلوا مع بعض في هدوء وسكينة، وفي اللحظة دي، النور قطع في المنطقة كلها إلا شقة ليلى، لأنها كانت مجهزة كشافات طوارئ وشاحنة كل حاجة بذكاء. قعدت في الضوء المنور وسط العتمة اللي حواليها، تفتكر اليوم اللي كانت قاعدة فيه في المطبخ الضلمة بتعيط.

بصت لمروان وقالت له عارف يا حبيبي؟ مفيش حد بيصلح حنفية قلبك لما تتكسر غيرك أنت.

مروان بصلها ببراءة وقال يعني إحنا مش محتاجين حد يصلح لنا حاجة يا ماما؟

ليلى باست راسه وقالت بيقين لا يا حبيب ماما، إحنا اتعلمنا نصلح كل حاجة بنفسنا، واللي بيتصلح بالإيد، مبيتحنيش لأي حد تاني.

نام مروان، ودخلت ليلى بلكونتها، شافت دياب واقف بعيد تحت عمود النور، باصص لشباكها المنور بحسرة، وشنطته لسه في إيده كأنها لعنة مرافقة له. ليلى مشفقتش عليه، ولا كرهته، هي ببساطة.. مابقتش شايفاه. سحبت الستارة، طفت النور، ونامت في أمان، وهي عارفة إن بكرة شمس جديدة هتطلع، شمس هي اللي بتتحكم في نورها.

بعد سنة كاملة من اليوم ده، كان فيه احتفال صغير في أتيليه ليلى للحلويات. المكان كان شيك، ريحة الفانيليا والورد مالية الأجواء، وصور نجاح ليلى وتكريمها كأفضل مشروع متناهي الصغر في المنطقة مالية الحيطان.

ليلى كانت واقفة لابسة فستان هادي ومنسق، ملامحها بقت أرقى وأهدى، وفوق كدا، الثقة في عينيها كانت تخليك تحس إنها ملكة في مملكتها. دخلت عليها مروة، طليقة دياب، بس المرة دي كانت داخلة بابتسامة حقيقية، مش مكسورة زي زمان.

مبروك يا ليلى، تستاهلي كل خير والله، قالت مروة وهي بتقدم لها بوكيه ورد. أنا لسه شايفة دياب الصبح.. شغال مندوب مبيعات، بيلف في الشوارع بشنطة تقيلة وشكله عجز عشرين سنة. لما شافني حاول يكلمني، بس أنا حتى موقفش أسمعه. حبيت بس أطمنك إن الدواير بتلف، والوجع اللي سكن قلوبنا زمان، هو دلوقت اللي عايش فيه.

ليلى ردت بهدوء وهي بتعدل مفرش التربيزة تعرفي يا مروة؟ أنا مبقتش مهتمة أعرف هو فين ولا بيعمل إيه. دياب بالنسبة

لي بقى زي جوان الحنفية القديم اللي كان بيصلحه.. حاجة اتهرت واترمت في الزبالة وملهاش لازمة. أنا دلوقت مشغولة بمستقبل مروان وبشغلي.

مروان دخل الأتيليه وهو ماسك شهادة تقدير من المدرسة، وجري على ليلى ماما! المس قالت إني أشطر واحد، وإني طالع لأمي في الذكاء!

ليلى ضحكت ورفعته لفوق، وفي اللحظة دي، عينها جت على شاشة التليفزيون اللي في الركن، كان فيه تقرير عن نجاح المرأة المصرية وقدرتها على التحدي. ليلى حست إن الكلام ده مكتوب عشانها هي.

وهي بتطفي أنوار الأتيليه بالليل بعد ما خلصت الحفلة، لقت رسالة جاتلها على الموبيل من رقم دياب.. بس المرة دي كانت الرسالة عبارة عن صورة لإيده وهي ماسكة مفتاح ربط قديم، وتحتها جملة كنت فاكر إني بصلح بيوت الناس، وطلعت أنا اللي محتاج تصليح من جوايا.. سامحيني.

ليلى ماردتش، ولا حتى مسحت الرسالة. هي سابتها للذكرى، عشان تفضل فاكرة إن اللي بيظلم بيجي عليه يوم يتمنى فيه نظرة رضا من اللي ظلمهم. خرجت من المحل، قفلت الباب، وبصت للسما اللي كانت منورة بنجوم صافية.

ركبت عربيتها الجديدة، ومروان جنبها بيحكي لها عن أحلامه إنه يبقى مهندس كبير يبني بيوت حقيقية مابتتهدش. ضحكت ليلى ودورت العربية وهي بتقول له هتبنيها يا حبيبي، بس أهم حاجة تبنيها على الصدق، عشان البيت اللي أساسه كذب.. أول ما الحنفية فيه بتنقط، السقف كله بيقع على دماغ صاحبه.

ومشيت العربية في شوارع القاهرة المنورة، تاركة وراها حكاية ست عرفت إن القوة مش في الصبر على الإهانة، القوة في قص الحبل اللي بيربطنا بالماضي، والبدء من جديد بقلب ملوش صاحب غير نفسه.

السنين دارت، ومروان كبر وبقى راجل بجد، مش مجرد سنين بتعدي. ليلى كانت قاعدة في فرحه، لابسة فستان فخم وهادي، ملامحها لسه شايلة الوقار والجمال اللي مبيكبرش، عينيها كانت بتلمع وهي شايفاه واقف بالبدلة جنب عروسته، ست رقيقة اختارها بقلبه وعقله.

وفجأة، وسط الزحمة والمعازيم، ليلى لمحت راجل عجوز واقف بعيد عند باب القاعة. شعره أبيض تماماً، ضهره محني، وهدومه، رغم إنها نضيفة، بس باين عليها الفقر والكسرة. كان واقف بيبص لمروان بدموع،

مش قادر يقرب ولا قادر يمشي.

دياب.. اللي كان في يوم من الأيام فاكر إن الدنيا ملكه، وإنه يقدر يرمي دي ويقضي سهرته عند دي، واقف دلوقت غريب في فرح ابنه الوحيد. ليلى قامت من مكانها ببطء، مشيت ناحيته بخطوات واثقة. لما قربت منه، دياب نزل عينه في الأرض من الكسوف، صوته طلع مرعش مبروك يا ليلى.. مروان بقى عريس زي القمر، طالع لك يا أصيلة.

ليلى بصت له نظرة أخيرة، مكنش فيها غل، كان فيها شفقة. قالت له بهدوء الله يبارك فيك يا دياب. كان نفسي أقولك ادخل سلم عليه، بس ابني النهاردة فرحان، ومحبش أفكرُه بوجع قديم هو نسيه من زمان. مروان فاكر إن والده مسافر لمكان ملوش رجوع، خليك أنت المسافر ده، وسيبه يعيش يومه.

دياب هز راسه بوجع، وطلع من جيبه علبة قطيفة قديمة ومهلوكة، قدمها لها بإيد بتترعش دي حاجة بسيطة.. كنت شايلها له من سنين، قولي له إنها هدية من فاعل خير.

ليلى خدت العلبة، فتحتها لقت جواها ساعة قديمة ماركة غالية، كانت ملك لوالد دياب. قفلت العلبة وقالت له هتوصل له يا دياب.. بس باسمك، مش باسم فاعل خير. مروان دلوقت بقى راجل يقدر يسامح، بس مقدرش ينسى.

دياب لفت ضهره ومشي وهو بيجر رجليه، وفي اللحظة دي مروان جه من ورا ليلى وحط إيده على كتفها ماما؟ مين الراجل اللي كنتي واقفة معاه ده؟

ليلى بصت في عين ابنها، وابتسمت ابتسامة صافية ده واحد يا حبيبي كان بيصلح مواجع قديمة، والنهاردة قدر يقفل الحساب.

مروان مألحش في السؤال، خد إيدها وطلع بيها على الكوشة عشان يتصوروا. ليلى وهي واقفة جنب ابنها وعروسته، والاضواء كلها عليهم، حست إن دي أعظم تورتة صنعتها في حياتها، تورتة الصبر والكرامة.

النهاية مكنتش بس في قفل باب قديم، النهاية كانت في إن ليلى عرفت تربي راجل، عمره ما هيسيب حنفية بيته تنقط وجع، ولا هيسيب مراته تصرخ من البرد وهو بيدور على دفى كذاب في بيت تانية.

وانتهى الفرح، والشوارع فضيت، وليلى رجعت بيتها، قلعت عقد اللولي وحطته قدامها. بصت لنفسها في المراية وقالت خلاص يا ليلى.. الرسالة وصلت، والبيت اللي بنيتيه على نضيف، هيفضل منور بالأصل. وطفت النور، ونامت وهي مطمنة إن

قصة السباك انتهت للأبد، وبدأت حكاية العيلة اللي بجد.

عدى كام شهر على فرح مروان، والحياة رجعت لهدوئها الجميل. ليلى كانت قاعدة في بلكونتها، بتشرب قهوتها الصبح وهي بتبص على الزرع اللي مالي المكان. فجأة، جرس الباب رن. فتحت، لقت مروان ومراته هنا داخلين وهما شايلين شنط سفر.

في إيه يا ولاد؟ مسافرين

ولا إيه؟ سألت ليلى باستغراب.

ليلى ضحكت وحست إن ده أجمل تعويض عن سنين التعب. وهما في الطريق، مروان كان سايق بحرص، وكل شوية يبص ل هنا ويطمن إنها مرتاحة، ويعدل لها التكييف. ليلى كانت مراقبة المشهد من ورا، وقلبها بيرقص من الفرحة. مروان مطلعش زي أبوه؛ مروان طلع النسخة النضيفة اللي هي زرعتها فيه.

وصلوا البحر، وليلى وقفت قدام المية الزرقاء الصافية، وسرحت في كل اللي فات. افتكرت ليلة السخونية، وافتكرت ريحة الفانيليا الكدابة، وافتكرت وقفتها قدام دياب وهي بتطرده. حست إن البحر غسل آخر ذرة وجع كانت باقية جوه روحها.

تليفونها رن، لقت رسالة من مروة طليقة دياب ليلى، حبيت أقولك إن دياب اتوفى النهاردة الصبح في الأوضة اللي كان مأجرها. مات لوحده يا ليلى، والجيران هما اللي اتصرفوا. أنا مش حزينة عليه، أنا بس اتأكدت إن اللي بيضيع أهله، الدنيا ب تضيعه في الآخر.

ليلى نزلت التليفون من إيدها، وبصت للسما. مابكتش، ولا شمتت. هي بس حست إن العدل كمل دايرته لآخر نقطة. نادت على مروان يا مروان! تعالى يا حبيبي.

مروان جه جري نعم يا ماما؟

قالت له بهدوء عايزاك النهاردة تطلع صدقة جارية، بنية إن ربنا يسامح أي حد ظلمنا في يوم من الأيام.. إحنا خلاص نفوسنا رضيت، والحساب بقا عند اللي مبيظلمش.

مروان بصلها بفخر، وهز راسه بالموافقة. ليلى غمضت عينيها واستنشقت ريحة اليود وهوا البحر، وحست إنها أخيراً بقت خفيفة زي الريشة.

النهاية مكنتش في موت دياب، ولا في نجاح ليلى بس.. النهاية الحقيقية كانت في الصورة اللي اتصورتها ليلى مع مروان ومراته قدام الغروب؛ صورة لبيت متبني على الأصل و الرحمة، بيت حنفياته مبقتش بتنقط وجع، وسقفه بقى بيحمي من أي مطر.. بيت أخيراً، بقى فيه رجل بجد، وأم عرفت تزرع الحب وتحصد الكرامة.

تمت


تعليقات

close