القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 عـزومة العيـد الاضحـي كـاملة 



عـزومة العيـد الاضحـي كـاملة 

بيت بابا وماما في أول يوم العيد كان دايمًا له ريحة مميزة.. ريحة شواء اللحمة الضاني، وريحة القوانين الصارمة.

اللحمة كانت بتدوب في البق، لكن القوانين كانت ناشفة ومبتتكسرش لازم الكل يتجمع قبل صلاة العيد، لازم نلبس أشيك ما عندنا، لازم نضحك على حكاوي بابا القديمة عن أيام الزمن الجميل، وطبعاً لازم نسيب ماما ترسم لوحة العيلة السعيدة اللي بطلتها أختي منة وولادها، باعتبارهم الأحفاد اللي يرفعوا الراس.

وصلت أنا وياسين ابني الصبح بدري، وياسين كان شايل في إيده علبة فيها تتبيلة لحمة هو اللي محضرها ببيضة ومستني اللحظة اللي هنبدأ فيها الشوي. كان طول الطريق يسألني يا ماما تفتكري جدو هيخليني أشوي معاه؟ أنا بقيت كبير وعارف إزاي أهوي على الفحم. ياسين عنده عشر سنين، ولسه قلبه أبيض، فاكر إن الوعود اللي بتتقال في العيد دي عقود مبيتمش الإخلال بيها.

دخلنا البيت، كان عمر وملك ولاد منة، مبهدلين الصالة بلبس العيد الجديد، وصوتهم جايب آخر الشارع. ماما كانت واقفة


وسط المطبخ، لابسة الطقم اللي مخصصاه لاستقبال الضيوف، وأول ما شافت منة، فتحت دراعاتها وضحكت ضحكة الرضا التام، كأن منة هي الوحيدة اللي جايبة معاها العيد.

ياسين قرب من جدته وهو شايل التتبيلة تيتة.. بصي، أنا عملت الخلطة دي مخصوص عشان نشوي بيها النهاردة، حطيت فيها كل الحاجات اللي بتحبيها.

ماما بصت للعلبة بطرف عينها، نفس البصة اللي بتبصها للهدوم اللي قدمت ومبقتش تتلبس. قالت ببرود ماشي يا حبيبي، حطها هناك على الرخام، وراحت جابت تتبيلة جاهزة كانت شرياها من بره وحطتها في البولة الكبيرة الغالية.. وعلبة ياسين اتركنت في ركن ضلمة ورا الأطباق، كأنها كركبة ملهاش لزمة.

حسيت بوجع في قلبي، بس كتمت. أنا متعودة أكتم في البيت ده عشان المركب تمشي.

وقت الغداء، بدأت مراسم الفتة واللحمة. بابا كان بيوزع اللحمة كأنه بيوزع أوسمة عسكرية. يدي لعمر وملك الحتت الملبسة اللي بيحبوها، ويضحك معاهم ويقول كلوا يا حبايب جدو، أنتم اللي بتنوروا العيد.

ياسين سأل ببراءة وهو بياكل جدو، هو

إحنا ليه مش هنشوي في البلكونة زي ما قلت لي الأسبوع اللي فات؟

ماما ضحكت ضحكة صفرا وبصت لياسين وقالت أصل في ناس حركتها كتيرة وممكن يبهدلوا لنا الدنيا، والشوي ده عايز ناس هادية وبتفهم في الأصول. وقصدت بكلمة ناس دي ابني، قدام الكل.

ياسين وشه جاب ألوان، ونزل عينه في الطبق وبطل يسأل.

استحملت وكملت أكلي بسكوت. عارفة إن أي كلمة هقولها هتتحول ل نكد وهبقى أنا اللي بوظت فرحة العيد وبابا هيفتح في موال إنتي طول عمرك غيورة وحساسة بزيادة.

بعد الغداء، جه وقت صينية الرقاق الحلو اللي ماما مشهورة بيها في العيد. ريحة السمنة والسكر كانت مالية المكان. ياسين كان مستني اللحظة دي، وكان بيساعد في نقل الأطباق الصغيرة بمنتهى الأدب، كأنه بيحاول يصالحهم على ذنب هو ميعرفش إيه هو.

ماما بدأت توزع.. قطعة كبيرة لعمر، وقطعة أكبر لملك، ومنة قاعدة بتصورهم ستوري ومبسوطة.

ياسين وقف قدام ماما، مستني طبقه، وعينه بتلمع بالأمل.

ماما سابت المعلقة، وبصت له ببرود وقالت لا.. ياسين ملوش رقاق النهاردة،

هو مأثبتش إنه يستحق بعد التجاوزات اللي عملها الصبح. تقصد سؤاله عن الشوي.

الهدوء اللي ساد الأوضة كان يذبح. هدوء الظلم اللي الكل شايفه ومحدش عايز يتكلم فيه عشان ميخربش اللمة.

ياسين همس وهو مش فاهم حاجة أنا أسف يا تيتة لو زعلتك.

في اللحظة دي، عمر ابن أختي خبط على الطبق وقال تيتة، الحتة دي طعمها تحفة، عايز واحدة كمان!

ماما وشها نور فجأة، وضحكت وقالت عيوني يا حبيب تيتة، الصينية كلها فداك. وقطعت له حتة تانية وحطتها في طبقه، وياسين واقف بيتفرج بكسرة نفس متمناش لعدو يشوفها في ابنه.

هنا، الغليان اللي جوايا وصل لمرحلة السكون التام.

ياسين مال على كتفي وهمس بصوت مكتوم ماما.. عادي، أنا مش جعان أصلاً.. يلا نمشي؟

الجملة دي كانت القشة اللي قطمت ضهر الصبر اللي عندي. ابني بيعتذر لي وهو المظلوم، وبيدور لي على مخرج عشان ميحرجنيش.

قمت من غير ولا كلمة، روحت ناحية شماعة الهدوم، وجبت جاكيت ياسين وكوتشيه.

لبسته الجاكيت، وربطت له الكوتشي وأنا إيدي حديد، متهزتش ثانية واحدة. الغضب لما بيبقى حق

 

بيدي قوة غريبة.

ماما انتبهت أخيراً وقالت باستنكار إيه ده؟ إنتي رايحة فين؟ لسه هنشرب الشاي!

بصيت لها بنظرة هادية جداً، النظرة اللي بتيجي بعد ما الواحد بياخد قراره الأخير ومش مستني نقاش.

قلت لها بصوت واطي بس مسموع للكل الشاي شربناه يا ماما.. والواجب عملناه، والرسالة وصلت.

بابا نزل الجرنان من قدام وشه وبص لي بحدة في إيه يا بنتي؟ إيه اللي حصل لكل ده؟ إنتي كبرتي الموضوع ليه؟ دي حتة رقاق، والعيال بتهزر.

في اللحظة دي ياسين كان ماسك في طرف عبايتي، كأنه بيستمد مني الأمان. رديت على بابا وأنا بفتح باب الشقة الموضوع عمره ما كان حتة رقاق يا بابا، الموضوع إن ابني ملوش مكان هنا لو مكنش على الكيف. هو مأذنبش عشان يتحرم، هو بس سأل سؤال، بس إنتوا قررتوا تكسروا فرحته في يوم العيد عشان تثبتوا إنكم أصحاب القرار.

فتحت الباب وخرجت أنا وياسين، ومن ورايا سمعت صوت ماما وهي بتقول لمنة بصوت عالي سبيها.. هي طول عمرها كدة، بتحب تعمل دراما من مفيش، بكرة تهدى وترجع تعتذر زي كل مرة.

مردتش.. نزلت السلم

وأنا حاسة إن جبل كان فوق صدري وانزاح. ركبنا العربية، وياسين فضل ساكت شوية، وبعدين بص لي وقال إحنا هنروح فين يا ماما؟

قلت له بابتسامة حقيقية هنروح نشتري أكبر صينية رقاق وأحلى لحمة، وهنشوي في البلكونة عندنا، وهنفتح التتبيلة اللي إنت عملتها.. والنهاردة عيدنا بجد.

ياسين ضحك، وضحتكه دي كانت عندي بالدنيا كلها.

مرت الساعات، والموضوع بدأ يهدى جوايا، لغاية ما الساعة جت ١٠١٣ بالليل. تليفوني نور برسالة من بابا. كنت فاكرة إنه هيلومني، أو هيقول لي تعالي صالحي أمك، لكن الرسالة كانت صادمة

حولي القسط بتاع الشقة الصبح.. وإعملي حسابك المصاريف زادت.

بابا كان دايماً بيستغل إني مشاركة معاهم في أقساط شقة العيلة كنوع من لوي الدراع. الرسالة مكنتش عن اللي حصل، كانت رسالة بتقول لو عايزة تستقلي بكرامتك، ادفعي الثمن.

مسكت التليفون، وفتحت تطبيق البنك. مكنتش محتاجة أفكر ولا ثانية.

حولت المبلغ، بس مش قسط الشهر ده.. حولت مبلغ التخالص النهائي من نصيبي في الشقة، وبعت له وصل التحويل، وكتبت تحتيه جملة

واحدة

تم التحويل.. ومبروك عليكم الشقة، ومبروك عليا ابني وكرامته.

عملت بلوك للكل، وطفيت النور، وقعدت جنب ياسين وهو نايم وبيبتسم في حلمه.. لأول مرة من سنين، أحس إن العيد فعلاً جه.

بعد ما بعت الرسالة وقفلت التليفون، حسيت بهدوء غريب لف البيت، كأن الهوا بقى أخف. ياسين كان نايم في الأوضة التانية، ملامحه هادية ومرتاحة، وده كان عندي أهم من أي شقة أو ورث أو لمة عيلة كدابة.

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت زقزقة العصافير وشمس العيد داخلة من الشباك. مكنش فيه تليفونات بترن، ولا ضغط أعصاب، ولا انتظار لتقييم حد. قمت عملت فطار لياسين وليا، فطار ملوكي زي ما بيقولوا، وقعدنا في البلكونة اللي ياسين كان نفسه يشوي فيها.

ياسين بص لي وهو بياكل وقال ماما، هو إحنا زعلانين من تيتة وجدو؟

نزلت لمستواه، مسكت إيده وقلت له يا حبيبي، إحنا مش زعلانين، إحنا بس قررنا إننا نحب نفسنا ونحترمها. البيت اللي ميفرحش بيك يا ياسين، ميبقاش بيتنا. إحنا بيتنا هنا، مطرح ما بنضحك وبنقدر بعض.

ياسين هز راسه كأنه فهم كلام

أكبر من سنه، وقال بابتسامة يعني النهاردة هنشوي بالتتبيلة بتاعتي؟

قلت له طبعاً، وهتكون أحلى لحمة دقتها في حياتك.

طول اليوم، كنت حاسة براحة نفسية مش طبيعية. البلوك اللي عملته مكنش بس على التليفون، كان بلوك لكل محاولاتهم إنهم يحسسوني إني قليلة أو تابعة.

بعد يومين، جالي إيميل من بابا بما إنه مش عارف يوصلي تليفونياً. كنت فاكرة إنه هيكرر كلامه عن الفلوس، بس الإيميل كان مختلف. كتب جملة واحدة

البيت بقى فاضي يا منى، والرقاق محدش لمسه.

قريت الجملة ومتهزتش شعرة واحدة فيا. هما مش زعلانين على فراقي، هما زعلانين على الضحية اللي كانت بتستحمل ومبتردش، زعلانين إن السفرة مفيهاش حد يمارسوا عليه أدوار البطولة والقسوة.

مسحت الإيميل، وقفلت اللاب توب.

بصيت لياسين وهو بيلعب، وحمدت ربنا إن القسط اللي دفعته النهاردة مكنش فلوس بس، كان تمن حرية ابني من إنه يطلع مكسور أو بيسترضي الناس على حساب

كرامته.

العيد خلص، بس حياتي الجديدة هي اللي بدأت. حياة مفيهاش قوانين سمنة بلدي، فيها بس حب حقيقي.. وبس.

النهاية 

تعليقات

close