القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 مواجهة القدر 



مواجهة القدر 

قبل ما الإعصار يضرب بـ 3 ساعات، كنت واقفة برا في المطر، حافية ومن غير جاكيت، والسبب؟ "إني رديت عليه على العشا".

السراين كانت بتصرخ في المنطقة كلها، والسما لونها بقى رمادي في أخضر.. اللون اللي بيخلي الوحوش تستخبى والرجالة الكبار تترعب. من ورا شباك الصالون، كنت شايفة "روي" بيلزق البلاستر على الإزاز وأمي بتناوله الشريط وهي باصة في الأرض.. محدش فيهم فكر يبصلي بصة واحدة.

كل اللي عملته إني سألت سؤال واحد على السفرة:

"هو فلوس تأمين بابا راحت فين؟"

"روي" بطل أكل.. وأمي شوكتها وقفت في الهوا. التلفزيون وراهم كان جايب خريطة الإعصار وهو بياكل في الساحل.

روي قال ببرود: "الفلوس دي هي اللي مخلياكي عايشة تحت سقف دلوقتي".

رديت عليه: "الفلوس دي بابا سايبها ليا أنا".

قام من على الكرسي لدرجة إنه اتنطر لورا وقال بصوت زي الفحيح: "اطلعي برا".

أمي همست: "عشان خاطري يا روي.."

شاور على الباب وقال: "لما تفتكر إزاي تحترم الكبير، ابقي ارجعي".

بصيت لأمي، كنت مستنية تختارني، بس هي وطت راسها وبصت في طبقها.

وقفت في الحوش والمطر بياكل في جسمي. كان عندي 28 سنة، بس في اللحظة دي حسيت إني لسه عندي 12، السنة اللي "روي" دخل فيها بيتنا بشنطة عدته وصوته الهادي. عمره ما مد إيده عليا، وده اللي خلى الناس تدافع عنه.. كان بيصلح للجيلان مواتيرهم ويشيل الشنط للستات العجايز، بس جوا البيت،


كان بيمسح أثر أبويا حتة حتة.

دهن السور اللي بابا اختار لونه، نقلني من أوضتي اللي بابا بناها، وشال كل صور "ناثان بالمر" لدرجة إني مكنش فاضل معايا غير صورة واحدة مخبياها في درج شراباتي. غير رقم التليفون وقالي إن جدتي "فيفيان" مش عايزة تعرفني تاني. كان بيفتح البوسته قبل ما حد يلمسها.. وصدقته.. صدقته 14 سنة.

لحد ما من 4 شهور، لقيت الصندوق.. جوابات تأمين باسم بابا، والمستفيد "فرانسيس بالمر".. يعني أنا. كان المفروض أستلمهم وأنا عندي 25 سنة، بس روي سحب 83 ألف دولار بتوكيل من أمي.

شيلت السر ده زي الموس تحت لساني 4 شهور، لحد اللحظة دي.. المطر بيخبط في وشي، حافية، ومخي متثبت. وفجأة، لمحت كشافات عربية داخلة الشارع.

عربية ليموزين سودا وقفت قدام البيت بالظبط. الباب اتفتح، ونزلت منها ست ببالطو مطر أسود طويل، شعرها الفضي ملموم وشها زي الحجر.

جدتي بصتلي.. وبعدين بصت للبيت اللي "روي" حابس نفسه جواه.. وقالت كلمة واحدة هزت الشارع كله:

"هدّوه".

أول ما الكلمة طلعت من بوقها، نزل من العربيات اللي وراها تلات رجالة ببدل سودا، ملامحهم متفسرش، وواحد منهم كان ماسك تابلت وبيعمل مكالمة سريعة. "روي" كان شايف المشهد من ورا الإزاز، ملامحه اللي كانت كلها جبروت بدأت تتهز.. فتح الباب وطلع يجري وهو بيحاول يرسم الابتسامة المزيفة بتاعته.

"يا أهلاً يا مدام فيفيان! إيه الزيارة

المفاجأة دي؟ الدنيا بتمطر وإحنا..."

جدتي مقطعتش كلامه، هي أصلاً معتبرتوش موجود. شاورت لواحد من رجالتها وقالت بصوت يقطع زي السكينة: "المعدات توصل هنا قبل ما الإعصار يشتد. البيت ده باللي فيه مش عايزه أشوف منه طوبة واقفة".

روي وشه بقى أصفر زي الكركم: "تهدي إيه؟ ده بيتي! إنتي فاكرة عشان معاكي قرشين تقدري..."

في اللحظة دي، جدتي قربت منه خطوة واحدة، الخطوة دي خلته يرجع لورا تلات خطوات. قالتله: "البيت ده اتبنى بفلوس ابني، والفلوس اللي إنت سرقتها من حفيدتي كفيلة توديك ورا الشمس قبل ما الإعصار يوصل. أنا مش جاية أتفاوض يا روي.. أنا جاية أنضف المكان من القذارة اللي زيك".

أمي طلعت تجري من البيت، كانت بتعيط ومنهارة: "ماما فيفيان، أرجوكي اسمعيني.."

جدتي بصت لها بكسرة نفس وقالت: "إنتي اخترتي الراجل ده ومسحتي دم ابني من البيت.. دلوقتي استني شوفي اختيارك هيوصلك لفين. فرانسيس، اطلعي اركبي العربية".

قعدت في الكنبة اللي ورا، مذهولة، وجسمي لسه بيترعش من البرد. بصيت من شباك الليموزين، وفي أقل من نص ساعة، وبالرغم من العاصفة، كانت فيه لودرات عملاقة جاية من بعيد وكأنها جيش. روي كان بيصرخ في الشارع والمطر بيغرق هدومه، وأمي كانت قاعدة على الرصيف بتعيط وهي شايفة العمال بيبدأوا يفكوا السور اللي "روي" دهنه عشان يمسح ذكرى بابا.

جدتي ركبت جنبي، مسكت إيدي وقالت ببرود مرعب:

"متقلقيش يا بنتي.. البيت اللي اتقفل في وشك، ملوش لازمة يفضل واقف".

ومع أول خبطة من لودر في حيطة الصالون، سمعت صوت تهديم الحيطان بيختلط مع صوت الرعد.. وفي اللحظة دي بس، حسيت إني بدأت أتنفس بجد.

اللودر خبط أول خبطة في ركن البيت، والسقف بدأ يشرخ. "روي" كان زي المجنون، بيحاول يقف قدام المعدات وهو بيصرخ: "هحبسكم! ده بيتي! دي ممتلكات خاصة!"

واحد من رجالة جدتي قرب منه ورمى في وشه دوسيه جلد أسود: "دي صور الشيكات اللي زورتها، وده إقرار من البنك بكل مليم سحبته من ورا (فرانسيس).. تحب البوليس ييجي يستلمك من هنا ولا تستنى الإعصار يخلص عليك؟"

روي سكت فجأة، إيده كانت بتترعش وهو بيبص للورق.. عرف إن اللعبة خلصت. في اللحظة دي، حيطة الصالون وقعت بالكامل، والكنبة اللي كان قاعد عليها من ساعة واحدة بس بقت كوم تراب تحت جنزير اللودر.

أمي جت خبطت على شباك العربية وهي بتنهج: "فرانسيس! افتحي يا بنتي! مش هتسيبيني هنا؟ روي ملوش حد، والبيت بيتهد!"

بصيت لجدتي، لقيت عينيها ثابتة زي الصخر، قالتلي بهدوء: "القرار ليكي.. بس افتكري إنها سابتك حافية في المطر عشان ترضي اللي سرق ورثك".

نزلت نص الشباك، وبصيت لأمي ببرود أول مرة أحسه في حياتي: "إنتي اخترتي يا ماما.. يوم ما سألته على فلوس بابا وبصيتي في طبقك وسكتي، كنتِ بتمضي على قرار هدم البيت ده بإيدك.. روي مش بس سرق فلوسي، ده


سرق سنين عمري وإنتي كنتِ الشاهدة".


 

رفعت الشباك تاني، وجدتي شاورت للسواق. العربية بدأت تتحرك ببطء، وفي المراية اللي ورا، كنت شايفة البيت بياكله التراب، و"روي" وأمي واقفين في وسط المطر، صغار قوي، واللودرات بتحاصرهم من كل ناحية.

جدتي طلعت تليفونها وقالت بلهجة آمرة: "ألو.. يا (مارك)، ارفع قضية الحجر والسرقة فوراً.. مش عايزة الكلب ده يلحق يهرب من البلد".

بصتلي وطبطبت على إيدي: "إحنا مش رايحين القصر يا فرانسيس.. إحنا رايحين البنك، عشان نرجع كل مليم اتسرق منك.. وبعدها، هنبني قصر جديد، ملوش علاقة بالماضي ده خالص".

غمضت عيني وصوت تكسير الحيطان لسه بيرن في ودني.. كانت أجمل مزيكا سمعتها في حياتي.

العربية كانت بتجري بينا بعيد عن "مابل ريدج"، ومن الشباك اللي ورا شفت سقف البيت وهو بينهار تماماً تحت ضربات اللودر، وكأنه كارتون بيطبق.. في اللحظة دي الإعصار بدأ يزمجر بجد، والشجر بدأ يميل، بس أنا كنت حاسة بدفا غريب لأول مرة من سنين.

جدتي فيفيان بصت في ساعتها وقالت للسواق: "اطلع على الفندق اللي في وسط البلد، الجناح الملكي جاهز؟"

السواق رد بثبات: "جاهز يا فندم، وكل شنط الآنسة فرانسيس الجديدة وصلت هناك."

بصيت لها باستغراب: "شنط إيه؟ أنا مش معايا غير الهدوم اللي عليا دي، وهي مبلولة ومتبهدلة."

ضحكت ضحكة خفيفة فيها ثقة تكسر الصخر: "إنتي فاكرة إني كنت نايمة طول السنين دي؟ أنا كنت مراقبة روي وعارفة هو بيعمل إيه مليم


بمليم.. واليوم اللي كنت مستنياه هو اليوم اللي إنتي تقرري فيه تواجهيه. كان لازم أشوف قوتك الأول يا فرانسيس.. والنهاردة، إنتي أثبتي إنك (بالمر) حقيقية."

وصلنا الفندق، ودخلت الجناح لقيت فساتين، وشوزات، وأحدث براندات كانت بالنسبالي حلم.. بس الأهم من ده كله، كان فيه ظرف محطوط على السرير.

فتحت الظرف، لقيت فيه شيك بمبلغ 250 ألف دولار، وجنبه مفتاح جناح في أغلى كومباوند في المدينة.

"ده إيه؟" سألتها وأنا مذهولة.

قالت وهي بتقلع البالطو بتاعها: "ده حقك اللي روي خده والفوائد بتاعته كمان.. أنا سويت حساباته مع البنك بطريقتي، وهو دلوقتي مطلوب منه يسدد المبلغ ده فوراً وإلا هيبات في التخشيبة النهاردة قبل ما الإعصار يخلص."

فجأة تليفوني رن.. كان رقم أمي.

جدتي شاورتلي بعينيها إني أرد وأفتح "الاسبيكر".

صوت أمي كان طالع بالعافية وسط صوت الريح والمطر: "فرانسيس! روي اتقبض عليه يا بنتي! الشرطة جت خدته من وسط الأنقاض.. والبيت مابقاش فيه حتة تنفع ننام فيها.. أنا في الشارع يا فرانسيس، الدنيا بتشتي عليا ومفيش معايا مليم!"

بصيت لجدتي، لقيتها بتبص لي بمنتهى الهدوء، وكأنها بتقولي: "دلوقتي جه وقتك إنتي."

خدت نفس عميق وقلت ببرود: "يااه يا ماما.. الدنيا بتشتي عليكي وإنتي حافية ومكسورة؟ سبحان الله، نفس الإحساس اللي كان عندي من ساعتين بالظبط.. فاكرة روي قالي إيه؟ قالي لما تفتكر إزاي تحترم الكبير

ابقي ارجع.. وأنا بقولك، لما تفتكري يعني إيه تكوني أم.. ابقي دوري عليا."

قفلت السكة في وشها، ورميت التليفون على السرير.

جدتي ابتسمت، ورفعت كاس عصير كانت ماسكاه وقالت: "نورتي عيلتك من جديد يا فرانسيس.. بكرة الصبح، هنروح نشتري الأرض اللي كان عليها البيت.. وهنحولها لجراج لعربيات الليموزين بتاعتي."

قعدت على الكرسي وبصيت من الشباك على الإعصار وهو بياكل في المدينة، وأنا حاسة بانتصار ملوش أول من آخر.. الخوف اللي عاش جوايا 14 سنة، اتهد مع أول طوبة وقعت من البيت ده.

ثاني يوم الصبح، الإعصار كان هدي، بس الدنيا كانت لسه غرقانة. نزلت مع جدتي من الفندق، راكبين العربية الـ "رولز رويس" وورانا موكب حراسة مبيخلصش. وصلنا لمكان البيت.. قصدي لمكان "الأنقاض".

المنظر كان يشفي الغليل. البيت اللي كان حابسني 14 سنة بقى عبارة عن كومة خشب مكسر وتراب مبلول. "روي" كان قاعد على الرصيف، الكلبشات في إيده، وهدومه اللي كان بيتباهى بيها بقت عبارة عن خرق. وأمي كانت واقفة بعيد، وشها باهت، ماسكة شنطة بلاستيك فيها شوية حاجات لمّتها من تحت الردم.

أول ما شافوا العربية وقفت، "روي" حاول يقوم ويصرخ: "يا فيفيان! إنتي دمرتيني! القانون مش هيسيبك!"

جدتي منزلتش من العربية حتى. شاورت للمحامي بتاعها، اللي نزل وفتح شنطته وطلع ورقة رسمية: "يا أستاذ روي، دي صيغة دعوى بتهمة التزوير، الاستيلاء على أموال قاصر، والفساد


المالي. وبالمناسبة.. الأرض اللي إنت واقف عليها دي، مدام فيفيان اشتريتها النهاردة الفجر بموجب مديونياتك للبنك. يعني إنت دلوقتي بتقتحم ملكية خاصة."

بصيت لروي من ورا الإزاز الأسود، عينيه جت في عيني.. شفت فيها الرعب اللي كان بيزرعه فيا وأنا طفلة. بس المرة دي، هو اللي كان بيترعش.

أمي قربت من شباك العربية وهي بتعيط: "فرانسيس.. أنا أمك.. مليش مكان أروح فيه، وروي هيتسجن.. هترمي أمك في الشارع؟"

جدتي بصتلي وقالت بصوت واطي: "الكلمة كلمتك.. والقرار قرارك."

نزلت الشباك سنتيمترات بسيطة، وقلت لها بصوت هادي ومسموع: "يا ماما، إنتي مش في الشارع.. إنتي في الدنيا اللي إنتي اخترتيها. أنا بعتلك مبلغ بسيط على حسابك، يكفيكي تعيشي في شقة صغيرة وتشتري أكل.. بس متدوريش عليا تاني. البيت اللي كان بيجمعنا اتهد.. والباب اللي قفلتيه في وشي، أنا شيلته خالص من حساباتي."

شاورت للسواق يتحرك. وفي اللحظة دي، دخلت جرافة تانية وبدأت تشيل "الزبالة" اللي باقية من البيت عشان تمهد الأرض للجراج الجديد.

جدتي فيفيان سندت ضهرها لورا وقالت بابتسامة نصر: "دلوقتي بس يا فرانسيس، نقدر نبدأ حياتنا بجد. السواق، اطلع بينا على المطار.. باريس مستنيانا."

بصيت لآخر مرة من الشباك وضحكت.. روي كان بيتحمل في عربية البوليس، وأمي كانت واقفة لوحدها تماماً في وسط الفراغ. الإعصار مكنش "مارين" اللي دمر حياتهم.. الإعصار الحقيقي كان رجوع "آل بالمر" لمكانهم الطبيعي.

 

تعليقات

close