الدايـرة الملعـونة كـاملة
الدايـرة الملعـونة كـاملة
الأم شـافت بنتـها بتتضرب من جـوزها ليلة فرحـها قـدام الناس....!!!
_ مـراتي! وأنا حر أربيـها زي ما أنا عايـز! ومـحدش ليه كلمـة علـيا!".. صوت «فتحـي» اللي كان سايق فيها وشايف إن ملوش كبيّر، ضرب في ودنها زي لسعة الكرباج... حكايات منـي الـسـيد
الأم وقفت متسمرة قدام المراية في الطرقة الضيقة بتاعة قاعة الأفراح. كانت لسه بتعدل ياقة فستانها الدانتيل، وفجأة حست بإيدها بتترعش رعشة خيانة.. صوابعها خشبت ومش عارفة تقفل الزراير، وقلبها بيدق لدرجة إن رنته مسموعة في نغاشيش دماغها. الصوت ده.. الكلام ده.. هي سمعته قبل كدة، عشرات المرات في ماضيها الملعون....
— "لأ.. مش هسيبك تعيدي اللي حصلي..".. همست لنفسها قدام المراية بشفايف بيضا من كتر الرعب، وعيون كانت بتلمع بالخوف لكن في لحظة اتحولت لنظرة صلبة زي الحديد....
*** بـداية حكـايـة ***
أم وفـاء، السـت «خضـرة» الغلبانـة، قضت عمرها كله تحت رحمة جوز كان الكف هو لغته الوحيدة للتفاهم. خضرة كانت بتصبر.. كانت فنانة في مداراة الزرقان اللي تحت عينيها بـ "طرحة" ملفوفة بإتقان، وتداري البقع الصفراء على وشها ببودرة رخيصة، وهي باصة في الأرض وبتردد لجاراتها جملتها الشهيرة:
— "يا اختي ده بيحبني.. الضرب ده غيرة، وكل البيوت فيها كدة.."
ماتت خضرة بدري، ماتت في هدوء كأنها بتعتذر للعالم إنها كانت واخدة مكان على الأرض. وفاء وقتها كانت لسه صبية، بس شربت سّم العجز ده لحد النخاع. وعشان كدة أول ما تمت تمنتاشر سنة، هربت من جحيم أبوها لأول عريس خبط على الباب. كان أكبر منها بعشر سنين، حاولت تعيش معاه "عشان خاطر البنت"، بس استحملت تلات سنين بس.. أول ما إيده اتمدت عليها وهو غايب عن الوعي، لمت هدومها وخدت بنتها وخرجت للمجهول.. كسرت الدايرة وقفلت الباب وراها....
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
بنتها «نسمة»، كانت هي السلوى والضحكة اللي في حياتها. كبرت وبقت زي النسمة، رقيقة وعيونها مليانة طيبة بزيادة.. كانت شغالة في مكتب البريد بتاع البلد، لا ليها في القيل ولا القال...
«فتحي» دخل حياتهم الخريف اللي فات. محاماش كتير.. قعد يلف حوالين البوسطة كام أسبوع، كام علبة شيكولاتة، وبعدين دخل البيت من بابه بوش جد ورزين..
وفاء وقتها فضلت باصة في وشه كتير، مش فاهمة إيه اللي منغص عليها فرحتها. للوهلة الأولى، هو عريس لقطة.. إيده تتلف في حرير، ملوش في
السهر ولا القرف، وهادي.. بس الهدوء ده كان هدوء ميت، هدوء مرعب كأنه نمر بيستعد للهجوم.....
بس نسمة "وقعت لشوشتها".. حبت بقلب أبيض ميعرفش الخبث. لما كانت تنطق اسمه بس، صوتها يترعش زي وتر العود ووشها يقلب طماطم. ومهما وفاء حاولت تحذرها أو تطلب منها تصبر، البنت كانت صامة ودانها....
وجيه يوم الفرح.. البلد كلها كانت هناك. المأذون والمدعوين، والأغاني الشعبية مالية المكان، والناس بتخبط بالمعالق على الكبايات بفرحة، ونسمة قاعدة وشها في الأرض بكسوف وبتبتسم بوجل.
وفاء كانت قاعدة في "صدر القاعة" جنب صاحبة عمرها «سهام». مكلتش لقمة، ولا شربت شربات. سهام كانت بتنغزها كل شوية:
— "يا وفاء فكيها بقى.. إيه يا شيخة، إنتي مالك واخدة الصوان من أوله كدة ليه؟ ده الواد عِفيت وشقيان وبنتك اتسترت." وفاء كانت بتهز راسها بابتسامة صفرا، وعينها مش بتفارق "حماتها" الست «فـوزية». كانت قاعدة فوزية برأس مرفوعة كأنها ملكة متوجة، ونظرة عينها كانت بتخلي وفاء يجيلها "قفشة" في قلبها.
وفاء عارفة تاريخ العيلة دي كويس. جوز فوزية الله يرحمه، كان بيمرمرها لدرجة إن الجيران كانوا بيخافوا يفتحوا الشبابيك من صوت صريخها. بس فوزية مكنتش بس بتصبر، دي كانت بتفتخر بـ "علقة" جوزها وبتقول للكل:
— "ده سيد الرجالة.. ده اللي مالي عيني ومالي البيت.. مش زي رجالة الأيام دي اللي زي خيال المآتة."
وفاء سألت نفسها برعب: "البذرة اللي طلعت في أرض زي دي.. هيطلع منها إيه؟"
المصيبة حصلت في ثانية.. نسمة وهي بتميل تجيب حاجة من على التربيزة، إيدها خبطت في كباية فتحي، وعصير الفراولة غرق بنطلونه الأبيض الجديد.
— "يا خبر! حقك عليا يا فتحي.." نسمة شهقت برعب وبدأت تمسح البقعة بمنديل وإيدها بتترعش.....
فتحي فجأة مسك إيدها.. صوابعه كانت زي الكماشة الحديد عصرت معصمها. بصلها بصه باردة زي التلج، ورفع إيده.. وبكل قوته، نزل بكف على وشها.
صوت اللطشة كان زي طلقة الرصاص. نسمة رجعت لورا، حاطة إيدها على خدها اللي نار فيه الولعة، وعيونها مش مصدقة اللي حصل....
القاعة اللي كانت دوشة، فجأة سكنت سكون المقابر. المزيكا كانت لسه شغالة، بس السكون اللي في الناس كان مخيف وسريالي...متوفرة على روايات و اقتباسات
فتحي، ولا كأنه عمل حاجة، بص للمعازيم وقال ببرود:
— "في إيه يا جماعة؟ مراتي وأنا حر أربيها! أنا أبويا رباني كدة وجدي عاش كدة.. الست لازم تعرف مقامها من أول يوم
عشان البيت يتقفل عليه."
فوزية، أمه، هزت راسها بفخر وقالت:
— "عاش يا ابني.. لازم تشكمها من الأول بدل ما تدلع وتدلدل رجليها فوق رقبتك."
ناس من المعازيم ضحكوا بهزار سمج، وناس تانية وطت راسها في الأطباق، ومحدش نطق.. ونسمة كانت واقفة، كتافها منحنية، والدموع نازلة تغرق صوابعها.
— "أنا.. أنا اللي غلطانة.." همست بكسرة، "كان لازم آخد بالي.. أنا أسفة." ..... في اللحظة دي، وفاء حست إن روحها بتتسحب. هي مش شايفة بنتها.. هي شايفة "خضرة"، أمها. نسمة واقفة قدام الوحش ده بنفس الوقفة المذلولة، بنفس الهمس اللي فيه ريحة العبيد.
— "لأ!".. صرخة طلعت من جوة أعماق وفاء.
زقت الكرسي بقوة لدرجة إنه اتنطر لورا، وراحت ناحية "الكوشة" زي الإعصار. فتحي فتح بقه عشان يتكلم.. مالحقش.
وفاء ضربته كف "طرقع" في القاعة كلها.. كف فيه وجع السنين، وكره الماضي، ووجع قلب الأم. دماغ فتحي اتلوحت من قوة الضربة.
— "إنت مش راجل.." قالتها وهي بتبص في عينه باحتقار والكل ساكت، "الراجل بجد ميمدش إيده على ست.. إنت نسخة مشوهة من أبوك، بس هو كان لسه فيه ريحة دم وبيستحي يضرب قدام الناس، إنما إنت جبان بتستقوي على اللي أضعف منك."
فوزية قامت تنطط زي المذعورة:
— "إنتي اتجننتي يا ولية؟ إنتي بتمدي إيدك على ابني؟"
وفاء مهتمتش بيها ولا كأنها موجودة.. مسكت إيد بنتها بقوة، وبالإيد التانية شدت "الطرحة" والتاج من فوق راس نسمة، ولمت الشيفون في إيدها ورمته في طبق فتحي.
— "يلا يا بنتي على بيتنا.. الفرح ده ملوش مكان ليكي فيه."
نسمة كانت بتبص لأمها برعب:
— "ماما.. إيه اللي بتعمليه؟ الناس هتقول إيه؟ دي فضيحة.."
— "خليهم يقولوا!".. ردت وفاء بصوت عالي سمّع الكل، "وخليهم يشوفوا ويفتكروا.. عشان اللي يفكر يمد إيده يعرف إن فيه وراه رجالة بجد حتى لو كانوا ستات.. يلا!"
وخرجوا.. ونسمة ماشية وراها زي المغيبة. الناس كانت بتوسع لهم كأنهم "مجذوبين" أو "مطاريد".. وراهم باب القاعة اتقفل بصوت حزين، وفجأة المزيكا سكتت.
بالليل متأخر، فتحي جه تحت البيت، غرقان في سكره.
— "نسمة! يا نسمة! انزلي يا بت! وحياة أبويا لأعلمك الأدب!"
نسمة انتفضت وكانت قايمة تفتح الشباك، بس وفاء مسكت كتفها ورجعتها مكانها.
— "اقعدي مكانك ومتحركيش!"
وفاء فتحت الشباك وقالت ببرود:
— "عايز إيه يا فتحي في أنصاف الليالي؟"
— "يا حماتي.. انزلي بس.. هاتيلي مراتي.. أنا دافع فيها دم قلبي!"
— "ملكمش حريم عندنا.. روح يا فتحي نام ولما تفوق
يبقى لينا كلام تاني."
— "يعني إيه مليش حريم؟ دي مراتي على سنة الله ورسوله! يا نسمة! انزلي يا بت أنا سامحتك خلاص!"
— "امشي يا فتحي.." وفاء قالتها وصوتها فيه نبرة حديد، "لو ممشتش دلوقتي هعملك محضر عدم تعرض وأخلي قسم الشرطة يربيك.. امشي!"
فتحي قعد يبرطم ويخبط في السور، لحد ما الجيران طلعوا وخدوه من قدام البيت عشان الفضيحة.
تاني يوم الصبح، نسمة ووفاء كانوا في المحكمة بيقدموا طلب الطلاق. فتحي من كبره محضرش ولا جلسة، بس القانون خد مجراه وبعد فترة الطلاق تم.
البلد فضلت "تلوك" في السيرة كتير.
ناس قالت: "وفاء ست بمليون راجل.. أدبت الواد وخدت حق بنتها."
وناس تانية من "بتوع زمان" قالوا: "خربت بيت بنتها.. يا كبد أمها، يضربها كف ولا تترمي الرمية دي.. الست مالهاش إلا جوزها."
بس وفاء مكنتش بتسمع.. هي كانت شايفة بنتها اللي بدأت ترجع تضحك تاني، ونور عينيها اللي رجع يلمع.
في يوم من أيام الخريف، فتحي قابل نسمة وهي خارجة من البوسطة. كان حالق دقنه ولابس قميص مكوي، وفي إيده بوكيه ورد بلدي دبلان.
— "نسمة.. أنا جاي أعتذر.. حقك عليا، كنت ساعة شيطان."
نسمة بصت له كتير.. كأنها بتشوف حد غريب مش عارفاه. خدت الورد منه بهدوء وقالت:
— "أنا قبلت اعتذارك."
فتحي وشه نور: "يعني نرجع؟ نكتب كتابنا تاني؟"
نسمة هزت راسها بيأس: "إحنا أغراب يا فتحي.. الطلاق مكنش ورقة، الطلاق كان كف قطع كل حبال المودة."
فتحي وشه اتقلب وفجأة قناع الطيبة وقع: "ما بلاش نآو بقى! هو أنا قتلتلك حد؟ ده كان قلمين يا ست الهانم! ما كل الستات بتضرب وبتعيش! إنتي فاكرة نفسك مين؟"
نسمة ابتسمت بوجع وقالت: "مش كل الستات بتعيش كدة يا فتحي.. إنت اللي غرقان في وحل وشايفه طبيعي.. روح دور على اللي تقبل تضرب وتعيش، أما أنا.. فمقامي أعلى من كدة بكتير."
سابت الورد في إيده ومشت بضهر مفرود وقلب مبيترعشش.
لما حكت لأمها بالليل، وفاء خدتها في حضنها:
— "عاش يا بنتي.. كرامتك هي غطاكِ.. والدرس اللي خدتيه غالي، بس نجاكي من عمر كان هيضيع في الذل."
قعدوا يشربوا الشاي في المطبخ الدافئ، ووفاء سرحت ببالها لأمها «خضرة».. وقالت في سرها: "عملتها يا أمي.. وفيت بوعدي.. مخلتش الدايرة تلم على رقبة نسمة.. كسرت السلسلة الملعونة."
ومرت الأيام.. نسمة نقلت شغلها في القاهرة، كملت دراستها، وهناك اتعرفت على شاب محترم.. بيقدرها وبيشيلها من على الأرض شيل.. وبقت عارفة إن الحب الحقيقي مبيسيبش علامات زرقاء على الوش، وإن الراجل الحقيقي هو اللي يكون "سند" مش "جلاد".. وبقت عارفة تمن نفسها كويس أوي…
النهاية


تعليقات
إرسال تعليق