أعطاها بطاقة بلا حد ليختبرها… لكنه لم يكن مستعدًا لما اشترته لابنتها
أعطاها بطاقة بلا حد ليختبرها… لكنه لم يكن مستعدًا لما اشترته لابنتها
اهتز هاتف فهد مرة أخرى.
نظر إلى الشاشة بسرعة وهو يدخل المصعد الزجاجي المؤدي إلى قاعة الاجتماعات.
أول عملية شراء
صيدلية في دبي مول.
128 درهمًا.
توقف.
عبس قليلًا.
هذا ليس ما توقعه.
ثم ظهر الإشعار الثاني.
متجر ملابس أطفال.
214 درهمًا.
أما العملية الثالثة
فكانت من مطعم صغير قريب من المحطة.
63 درهمًا فقط.
رفع عينيه ببطء عن الهاتف.
مساعدته كانت ما تزال تتحدث عن الاجتماع، والأسهم، والمستثمرين، لكنه لم يكن يسمع شيئًا.
كان معتادًا أن يرى الناس ينهارون أمام المال.
لكن غادة اشترت دواءً.
ثم معطفًا لطفلتها.
ثم وجبة عادية.
لا فندق فاخر.
لا مجوهرات.
لا سحب نقدي.
شعر بانزعاج غريب.
وكأن جزءًا داخله كان ينتظر أن تثبت له أنه على حق.
دخل قاعة الاجتماعات.
الجميع وقف فورًا.
رجال ببدلات فاخرة.
شاشات تعرض أرقامًا بملايين الدراهم.
روائح عطور باهظة.
جلس في مكانه المعتاد على رأس الطاولة، لكن عقله بقي في محطة المترو.
فتح هاتفه مرة أخرى تحت الطاولة.
عملية شراء جديدة.
مكتبة.
49 درهمًا.
حدق بالشاشة لثوانٍ.
ماذا تشتري امرأة بلا منزل من مكتبة؟
ضغط على تفاصيل العملية دون أن يشعر.
دفاتر تلوين.
قصة أطفال.
وأقلام شمعية.
أغلق الهاتف ببطء.
ثم سمع أحد أعضاء المجلس يقول
أستاذ فهد؟ ما رأيك بالأرقام الجديدة؟
رفع رأسه متأخرًا.
لأول مرة منذ سنوات، لم يكن مركزًا.
انتهى الاجتماع بعد ساعة ونصف.
الجميع غادر يتحدث عن العقود الجديدة.
أما فهد، فبقي جالسًا وحده.
ثم فتح هاتفه مجددًا.
عملية جديدة.
فندق متوسط قريب من شارع الشيخ زايد.
ليلة واحدة فقط.
تنفس بهدوء.
لا جناح فاخر.
ولا حتى فندق خمس نجوم.
مجرد غرفة نظيفة.
أخذ مفاتيح سيارته بنفسه.
وهذا وحده فاجأ مساعدته.
السائق بالخارج، قالت بسرعة.
سأقود وحدي.
خرج قبل أن تسأله أين سيذهب.
كانت غادة تقف داخل الغرفة الصغيرة وهي تنظر حولها وكأنها لا تصدق أن الباب يُغلق هذه المرة من الداخل.
الغرفة بسيطة.
سريران.
ستائر رمادية.
وحمام صغير.
لكن ليان كانت تضحك لأول مرة منذ أيام.
تركت حقيبتها على الأرض وركضت نحو السرير.
ثم توقفت فجأة.
ماما إحنا مسموح لنا ننام هنا فعلًا؟
شعرت غادة بشيء يضغط صدرها.
ابتسمت بصعوبة.
نعم يا حبيبتي.
اقتربت ليان من السرير بحذر، ثم جلست فوقه ببطء وكأنها تخشى أن يطلب منها أحد المغادرة.
وبعد ثوانٍ فقط
استلقت بالكامل.
وأغمضت عينيها.
كأن جسدها الصغير كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن.
وقفت غادة تنظر إليها بصمت.
ثم جلست على الأرض قرب السرير.
ولأول مرة منذ أسابيع، سمحت لنفسها بالبكاء.
بهدوء.
دون صوت.
في المساء، ظهر إشعار جديد على هاتف فهد.
متجر أحذية.
حذاء أطفال.
87 درهمًا.
ثم بعده مباشرة
سوبرماركت.
حليب.
خبز.
فواكه.
معجون أسنان للأطفال.
أغلق فهد الهاتف بقوة هذه المرة.
شعر بضيق لا يفهمه.
كل شيء كانت تشتريه غادة يبدو طبيعيًا أكثر من اللازم.
حذرًا أكثر من اللازم.
حتى وهي تملك بطاقة بلا حد كانت تتصرف وكأنها تخاف أن تأخذ أكثر مما تستحق.
تذكر فجأة نساءً عرفهن في عالمه.
نساء أنفقن عشرات الآلاف على حقائب خلال ساعة واحدة.
أناسًا ولدوا داخل القصور ولم يقولوا يومًا شكرًا لأحد.
أما هذه المرأة
فكانت تحسب ثمن الحليب.
وصل إشعار جديد.
مطعم صغير.
وجبتان أطفال.
توقف قليلًا عندما قرأ الملاحظة المرفقة مع الطلب
بدون مخلل الطفلة لا تحبه.
حدق في الشاشة طويلًا.
تفصيلة صغيرة.
غريبة.
إنسانية أكثر مما ينبغي.
شعر بشيء ثقيل يتحرك داخله.
في تلك الليلة، لم يستطع النوم.
وقف أمام الواجهة الزجاجية لشقته المطلة على أضواء دبي.
مدينة كاملة تلمع تحت قدميه.
لكن كل ما كان يراه
طفلة تسأل أمها إن كان مسموحًا لها بالنوم على سرير.
رن هاتفه.
نظر إلى الاسم.
والده.
أجاب بعد ثوانٍ.
سمعت أنك تغيبت ذهنيًا عن الاجتماع اليوم، قال عبدالرحمن السالم ببرود.
لم يرد فهد فورًا.
ثم قال
كنت مشغولًا قليلًا.
ضحك والده ضحكة قصيرة بلا دفء.
لا تقل لي إنك بدأت تهتم بقصص الناس التعساء التي تملأ الشوارع.
تصلب فك فهد قليلًا.
مجرد موقف وانتهى.
اسمعني جيدًا الناس المحتاجون لا يريدون المساعدة. يريدون الوصول لما تملكه. هذه قاعدة لن تتغير.
سكت فهد.
لكن لأول مرة في حياته
لم يشعر أن والده محق تمامًا.
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان مبكرًا.
كانت جالسة على الأرض ترسم بالألوان التي اشترتها أمها.
رفعت الورقة بحماس عندما رأت غادة تستيقظ.
شوفي يا ماما.
اقتربت غادة ببطء.
الرسم كان عبارة عن سرير صغير.
وبجانبه نافذة وشمس.
وفوقهما كتبت ليان بخط طفولي متعرج
بيتنا.
شعرت غادة أن قلبها انكمش.
لأن طفلتها أصبحت تعتبر غرفة فندق مؤقتة بيتًا.
وفي نفس اللحظة تقريبًا، كان فهد ينظر إلى صورة العملية الأخيرة في تقرير البنك.
دفاتر التلوين.
أقلام الشمع.
حذاء صغير.
وحليب.
ثم همس لنفسه دون أن يشعر
ماذا حدث لكِ حتى أصبحتِ تخافين من أخذ أبسط الأشياء؟
في الساعة التاسعة صباحًا، وصل إشعار جديد إلى هاتف فهد.
مخبز صغير.
18 درهمًا فقط.
ثم بعده بدقيقتين
مغسلة ملابس.
41 درهمًا.
ظل ينظر إلى الشاشة بصمت.
امرأة نامت في محطة مترو لثلاث ليالٍ
وأول ما فعلته عندما حصلت على المال، أنها غسلت ملابس ابنتها.
أغلق الهاتف ببطء.
ثم رفع عينيه نحو المدينة الممتدة خلف زجاج مكتبه.
لأول مرة منذ سنوات، شعر أن هناك شيئًا لا يفهمه عن البشر.
كانت غادة تجلس قرب نافذة الفندق الصغيرة بينما تأكل ليان قطعة كرواسون بحماس طفولي بسيط.
كل بضع دقائق، كانت الطفلة ترفع عينيها نحو أمها وكأنها تخشى أن يختفي كل شيء فجأة.
ماما إحنا راح نرجع للمحطة؟
سكتت غادة لثوانٍ.
ثم قالت بهدوء
لا أعرف يا حبيبتي.
لم تكذب عليها.
لم تعد تملك طاقة للكذب المطمئن الذي تقوله الأمهات عادة لأطفالهن.
خفضت ليان عينيها نحو الطعام.
ثم سألت بصوت صغير
الرجال الغني كان طيب؟
ارتبكت غادة قليلًا.
فهد لم يكن لطيفًا بالمعنى الطبيعي.
حتى مساعدته
كانت تتحدث معه وكأنها تخشى إزعاجه.
لكنه أيضًا لم ينظر إليهما باحتقار مثل بقية الناس.
قالت أخيرًا
أعتقد أنه يحاول يفهم شيئًا.
ليان لم تفهم الجملة.
لكنها هزت رأسها وعادت للأكل.
في الظهر، خرجت غادة من الفندق ممسكة بيد ابنتها.
كانت تتحرك بحذر واضح.
كأنها ما تزال تخشى أن يوقفها أحد ويقول إن كل هذا خطأ.
دخلت متجرًا بسيطًا للملابس.
ليس فاخرًا.
ولا رخيصًا جدًا.
وقفت ليان أمام فستان أزرق طويل قليلًا عليها.
ثم ابتعدت فورًا عندما رأت السعر.
لاحظت غادة ذلك.
يعجبك؟
هزت ليان رأسها بسرعة.
لا عادي.
لكن الأطفال لا يعرفون الكذب جيدًا.
ابتسمت غادة بخفة.
ثم أخذته بهدوء ووضعته مع الملابس الأخرى.
تجمدت ليان.
لا ماما غالي.
لا بأس.
بس الرجال يمكن يزعل.
توقفت غادة للحظة.
هذه الطفلة أصبحت تخاف حتى من شراء ما تحبه.
قالت بهدوء وهي ترتب شعرها
ما أحد يزعل من فستان يا ليان.
لكن شيئًا داخلها كان يهمس بالعكس.
هي نفسها كانت خائفة من البطاقة.
خائفة من أن يأتي وقت ويطلب فيه فهد كل شيء بالمقابل.
الحياة علمتها أن لا شيء مجاني فعلًا.
في نفس الوقت تقريبًا، كان فهد يجلس مع أحد المستثمرين داخل مطعم فاخر في برج خليفة.
الرجل يتحدث عن مشروع جديد.
مئات الملايين.
توسعات.
أرباح.
لكن فهد لم يكن يسمع جيدًا.
لأن إشعارًا جديدًا ظهر على هاتفه.
متجر ألعاب.
76 درهمًا.
ضغط عليه دون وعي.
لعبة تعليمية صغيرة.
ودمية أرنب رخيصة.
حدق طويلًا.
ثم سأل المستثمر فجأة
عندما كنت صغيرًا هل كنت تخاف من طلب الأشياء؟
توقف الرجل عن الكلام مرتبكًا.
ماذا؟
أعاد فهد نظره للهاتف.
لا شيء.
لكن السؤال بقي عالقًا داخله.
لأنه لا يتذكر أنه خاف يومًا من طلب أي شيء.
أما ليان
فكانت تخاف من فستان.
في المساء، عادت غادة وابنتها إلى الفندق.
ليان كانت الأرنب الصغير وكأنه كنز.
وعندما دخلتا الغرفة، ركضت مباشرة نحو السرير وقفزت فوقه وهي تضحك.
ضحكة قصيرة.
خفيفة.
لكنها ملأت المكان بالكامل.
وقفت غادة عند الباب تراقبها.
ثم فجأة غطت عينيها بيدها.
ليس لأنها تبكي.
بل لأنها لم تعد تعرف كيف تتحمل هذا الشعور.
السعادة البسيطة أصبحت تؤلمها.
رن هاتفها فجأة.
رقم غير معروف.
ترددت قبل أن ترد.
ألو؟
جاءها صوت رجل هادئ
معكِ فهد السالم.
تصلب جسدها
فورًا.
نظرت تلقائيًا نحو البطاقة الموضوعة فوق الطاولة.
آسفة إذا صرفت كثيرًا
لم تصرفي كثيرًا.
سكتت.
ثم قال بعد لحظة
هل تناولتِ أنتِ الطعام اليوم؟
تفاجأت من السؤال نفسه.
كأن أحدًا لم يسألها هذا منذ زمن طويل.
قالت بهدوء مرتبك
نعم.
لكنه شعر فورًا أنها تكذب.
نظر إلى تفاصيل العمليات مرة أخرى.
كل الطلبات تقريبًا كانت تخص الطفلة.
ملابس أطفال.
وجبات أطفال.
أدوية أطفال.
حتى المطاعم كانت أرخص شيء بالقائمة.
قال دون أن يفكر كثيرًا
طلبتِ وجبة واحدة فقط أمس من المطعم.
ساد الصمت.
ثم قالت غادة بصوت منخفض جدًا
ليان كانت جائعة أكثر مني.
أغلق فهد عينيه للحظة.
وشعر بشيء ثقيل يتحرك داخل صدره.
شيء لم تستطع كل أموال العالم أن تمنعه هذه المرة.
لأن المرأة التي ظن أنها قد تستغل بطاقته
كانت ما تزال تتصرف وكأنها لا تستحق حتى أن تأكل جيدًا.
في صباح اليوم التالي، استيقظ فهد قبل المنبه لأول مرة منذ أشهر.
بقي مستلقيًا للحظات وهو ينظر إلى سقف غرفته الواسعة.
ثم مد يده مباشرة نحو الهاتف.
فتح سجل العمليات البنكية قبل أي شيء آخر.
لم يكن هناك أي شراء فاخر.
ولا سحب نقدي.
ولا حتى محاولة لاستغلال البطاقة.
فقط متجر صغير للإفطار.
ثم صيدلية مرة أخرى.
تنفس ببطء.
شيء داخله كان يرتاح
وشيء آخر كان ينزعج لأنه يرتاح.
كانت غادة تجلس في عيادة أطفال خاصة قرب الفندق.
ليان نائمة على كتفها بتعب.
والطبيبة تقلب نتائج الفحص أمامها.
عندها التهاب قوي بالصدر بسبب البرد والإرهاق لكنها ستكون بخير إن شاء الله.
أغمضت غادة عينيها للحظة.
وكأن جسدها كله انهار بعد سماع جملة ستكون بخير.
هل تحتاج دخول مستشفى؟
لا، فقط راحة وأكل جيد وانتظام على الدواء.
هزت غادة رأسها بسرعة.
ثم سألت السؤال الذي يفضح أي شخص عاش ضيق المال طويلًا
كم الحساب؟
ابتسمت الطبيبة بخفة وهي تذكر الرقم.
ورغم أن البطاقة السوداء
داخل حقيبتها تستطيع دفع أضعافه بلا معنى
شعرت غادة بانقباض داخل صدرها.
الاحتياج لا يختفي بهذه السرعة.
بعد ساعة، وصل إشعار العيادة إلى هاتف فهد.
ظل ينظر إليه طويلًا.
التهاب صدر.
طفلة عمرها ست سنوات.
ثلاث ليالٍ في محطة باردة.
أغلق الهاتف بقوة هذه المرة.
ثم وقف فجأة.
لدرجة أن مساعدته التفتت نحوه بسرعة.
أستاذ فهد؟
ألغِ كل اجتماعات اليوم.
تفاجأت.
لكن اجتماع المستثمرين الأمريكيين
قلت ألغيه.
لم تجادله.
لأنها رأت شيئًا غريبًا على وجهه.
توترًا لم تره من قبل.
خرج فهد من البرج الزجاجي لأول مرة دون موكب أو سائق.
قاد سيارته بنفسه وسط شوارع دبي المزدحمة.
ولم يكن يفهم تمامًا لماذا يفعل ذلك.
كان يستطيع تحويل مليون درهم لغادة وينتهي الأمر.
هذا ما يفعله عادة.
حل سريع.
بعيد.
بارد.
لكن هذه المرة
الأمر لم يعد يتعلق بالمال فقط.
وصل إلى الفندق الذي ظهرت بياناته في العمليات البنكية.
وقف في الاستقبال.
أبحث عن السيدة غادة العتيبي.
نظر موظف الاستقبال إليه بتوتر فور أن تعرف على وجهه.
لحظة أستاذ.
بعد دقائق، نزلت غادة وهي تمسك يد ليان.
وفور أن رأته، توقف جسدها بالكامل.
كأنها لم تتوقع أبدًا أن يأتي بنفسه.
أما ليان
فتشبثت بمعطف أمها فورًا.
اقترب فهد ببطء.
ثم نظر إلى الطفلة.
وجهها بدا أفضل قليلًا.
لكن الإرهاق ما يزال واضحًا.
قال بهدوء
كيف هي الآن؟
ترددت غادة قبل الرد.
أفضل الحمد لله.
ثم أضافت بسرعة وكأنها تدافع عن نفسها
أخذتها للطبيبة فقط لأن حرارتها ارتفعت أمس.
هز رأسه بهدوء.
ثم نظر نحو ليان.
هل أنتِ بخير الآن؟
حدقت به الطفلة بصمت طويل.
ثم سألت فجأة
أنت الغني؟
تجمدت غادة فورًا.
ليان!
لكن فهد رفع يده قليلًا.
وكاد يبتسم لأول مرة منذ يومين.
تقريبًا.
ظلت الطفلة تنظر إليه بتركيز طفولي صادق.
ثم قالت
ماما قالت إنك مو شرير.
شعر فهد بشيء غريب يضرب صدره مباشرة.
ليس
لأنه تأثر بالجملة فقط
بل لأنه أدرك أن هذه الطفلة كانت تضع احتمال أن يكون شريرًا أصلًا.
وكأن الحياة علمتها ذلك مبكرًا.
جلسوا في مقهى هادئ داخل الفندق.
غادة طلبت قهوة عادية فقط.
أما ليان، فكانت منشغلة بالأرنب الصغير الذي اشترته بالأمس.
راقب فهد طريقة غادة وهي تنظر إلى الأسعار قبل أي طلب.
حتى الماء.
حتى القهوة.
قال فجأة
ماذا كنتِ تعملين قبل كل هذا؟
رفعت عينيها نحوه بتردد واضح.
ثم قالت
كنت موظفة استقبال في عيادة تجميل.
لم يتوقع الإجابة.
كانت تبدو له كأنها خرجت من سنوات طويلة من الفقر.
لكنها أكملت بهدوء
كان عندي شقة صغيرة وحياة عادية.
وماذا حدث؟
صمتت للحظات.
ونظرها اتجه تلقائيًا نحو ليان.
ثم قالت
والد ليان تركنا بعد ديون كبيرة باسمه وباسمي.
بقي صامتًا.
فأكملت
حاولت أشتغل أكثر من وظيفة لكن لما مرضت ليان تغيبت كثيرًا وخسرت عملي.
قالت الجملة الأخيرة ببساطة مرهقة.
بدون محاولة لكسب تعاطفه.
وهذا بالضبط ما أربكه.
لأن معظم الناس في عالمه يبالغون في شرح معاناتهم عندما يريدون شيئًا.
أما غادة
فكانت تحكي وكأنها تعبت حتى من الشرح.
نظر فهد نحو الطفلة.
كانت تضحك بهدوء مع الأرنب.
ثم سأل دون أن يشعر
لماذا لم تطلبي مساعدة من أحد؟
ضحكت غادة ضحكة صغيرة بلا فرح.
طلبت.
ثم سكتت.
لكنه فهم أن وراء الكلمة أشياء كثيرة لم تقلها.
بعد لحظات، أخرجت شيئًا من حقيبتها ووضعته على الطاولة.
بطاقته السوداء.
نظر إليها باستغراب.
انتهت الأربع والعشرون ساعة، قالت بهدوء.
يمكنكِ الاحتفاظ بها.
هزت رأسها فورًا.
لا أستطيع.
لماذا؟
نظرت نحوه مباشرة لأول مرة منذ جلسوا.
وكان التعب داخل عينيها أعمق من أي شيء آخر.
لأنني لا أريد أن أعتاد أن ينقذني أحد.
ساد الصمت بينهما.
أما ليان
فكانت في الخلفية تحاول إلباس الأرنب الصغير كمامتها الطبية الصغيرة وهي تضحك وحدها.
أخذ فهد البطاقة من
فوق الطاولة ببطء.
لكن أصابعه بقيت ثابتة عليها لثوانٍ.
لم يكن معتادًا أن يرفض أحد شيئًا يقدمه.
خصوصًا عندما يكون ذلك الشيء قادرًا على تغيير حياة كاملة.
أما غادة
فكانت تنظر إليه بهدوء متعب، وكأنها تحاول حماية آخر جزء بقي لها من نفسها.
قال أخيرًا
ليان ما تزال تحتاج مكانًا ترتاح فيه.
أعرف.
وأنتِ تحتاجين وقتًا حتى تقفي على قدميكِ.
خفضت عينيها قليلًا.
ثم قالت بصراحة بسيطة
الوقت صار أغلى شيء أخاف أخسره.
لم يفهم الجملة بالكامل.
لكنه شعر بثقلها.
بعد نصف ساعة، أوصلتهما سيارة الفندق إلى مبنى صغير في منطقة هادئة بدبي.
لم يكن فاخرًا.
لكنه نظيف وآمن.
وقفت غادة تنظر إلى العمارة بتردد.
ما هذا؟
قال فهد بهدوء
شقة مفروشة. شهر واحد فقط.
استدارت نحوه بسرعة.
لا.
ليس هدية.
إذًا ماذا؟
اعتبريه قرضًا إن كان ذلك يريحك.
ظلت صامتة.
ثم قالت ببطء
ولماذا تفعل كل هذا؟
نظر إلى الشارع للحظة قبل أن يجيب.
لا أعرف بعد.
وكان صادقًا.
لأن الأمر لم يعد مجرد شفقة.
ولا مجرد فضول.
شيء داخله كان يتفكك بهدوء منذ قابلها.
دخلت ليان الشقة أولًا.
ثم توقفت في منتصف الصالة الصغيرة.
كانت هناك أريكة رمادية.
طاولة طعام صغيرة.
ومطبخ مفتوح.
أشياء عادية جدًا.
لكن الطفلة دارت حول نفسها ببطء وكأنها دخلت عالمًا آخر.
ماما عندنا بيت؟
شعرت غادة بغصة مفاجئة.
لأن كلمة بيت خرجت من ليان وكأنها شيء مستحيل.
اقترب فهد من النافذة بصمت وأعطاهما المساحة.
ثم سمع صوت ليان خلفه
أستاذ فهد؟
التفت إليها.
كانت تنظر نحوه بجدية طفولية غريبة.
شكرًا لأنك خليت ماما تبطل تخاف شوي.
تجمد للحظة.
ثم نظر نحو غادة.
لكنها خفضت عينيها فورًا كأنها لم ترد أن يسمع أحد تلك الحقيقة.
في تلك الليلة، عاد فهد إلى شقته الواسعة.
دخل المكان الهادئ الذي كان يعتبره دائمًا رمز نجاحه.
لكن لأول مرة
بدا فارغًا بشكل مؤلم.
مرّ بجانب
المطبخ الإيطالي الضخم دون أن ينظر إليه.
وعشرات اللوحات المعلقة على الجدران.
والإضاءة المثالية.
كل شيء كان مرتبًا بدقة.
وكل شيء بلا روح.
فتح الثلاجة.
ممتلئة بالطعام الذي لا يأكله.
ثم تذكر ليان وهي تسأل إن كان مسموحًا لها فعلًا بالنوم
على سرير.
أغلق الثلاجة ببطء.
وجلس وحده في الظلام.
في اليوم التالي، استيقظت غادة مبكرًا جدًا.
كانت ترتب الشقة الصغيرة وكأنها تخشى أن تفقدها إذا تركت شيئًا في غير مكانه.
ثم جلست أمام هاتفها القديم تبحث عن وظائف.
استقبال.
خدمة عملاء.
سكرتارية.
أي شيء.
خرجت ليان من الغرفة وهي تفرك عينيها.
ماما ليش قاعدة بدري؟
ابتسمت غادة بخفة.
لازم أشتغل يا حبيبتي.
اقتربت ليان وجلست قربها.
ثم سألت بهدوء
إذا اشتغلتي ما راح نرجع للمحطة؟
توقفت أصابع غادة فوق الشاشة.
ثم ضمت ابنتها نحوها بسرعة.
لا إن شاء الله لا.
لكن الخوف داخل صوتها كان أوضح من الكلمات.
بعد ساعات، كان فهد داخل اجتماع جديد عندما دخل عليه اتصال من رقم غير محفوظ.
كاد يرفضه.
لكنه لمح اسم غادة في ذاكرته فجأة.
فرد فورًا.
جاءه صوتها متوترًا هذه المرة.
آسفة على الإزعاج
اعتدل في جلسته فورًا.
ماذا حدث؟
لا شيء كبير فقط صاحبة العمل في إحدى العيادات طلبت مقابلتي اليوم، لكنهم يريدون موظفة معها سيارة وأنا
توقفت وكأنها ندمت على الاتصال.
قال مباشرة
سأرسل سيارة.
ساد الصمت لثانيتين.
ثم قالت بسرعة
لا، لا أريد أن أزعجك أكثر.
غادة.
سكتت.
هذه ليست إزعاجًا.
خفضت صوتها قليلًا.
أنا فقط لا أريد أن أشعر أنني أصبحت عبئًا على أحد.
أغمض فهد عينيه للحظة.
ثم قال بهدوء لم يعتده حتى على نفسه
أنتِ أول شخص منذ سنوات لا يطلب مني شيئًا فعلًا.
ولأول مرة منذ بدأ كل هذا
لم تجد غادة ردًا جاهزًا تقوله.
في المساء، أرسل فهد السيارة إلى غادة دون أن يخبرها أنه بقي يتابع مسارها طوال الطريق من هاتفه.
وصلت إلى
عيادة خاصة في جميرا.
مبنى أنيق.
زجاج لامع.
واستقبال يشبه الفنادق.
نزلت غادة من السيارة وهي تمسك حقيبتها القديمة بقوة.
أما ليان، فكانت ترتدي الفستان الأزرق الذي اشترته أمها قبل يومين، وكأنها تخشى أن يتسخ.
راقب فهد صورة الكاميرا الخارجية للحظة قبل أن يغلق الهاتف.
ثم حاول العودة للعمل.
لكنه لم يستطع.
بعد ساعة تقريبًا، رن هاتفه.
غادة.
رد فورًا.
لكنها لم تتكلم مباشرة.
سمع فقط ضوضاء شارع وأنفاسًا متوترة.
غادة؟
قالت أخيرًا بصوت منخفض
انتهت المقابلة.
وكيف كانت؟
سكتت قليلًا.
ثم قالت
قالوا إنهم سيخبرونني لاحقًا.
عرف فورًا أن الجملة تعني الرفض.
قال بهدوء
ماذا حدث؟
ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح.
المديرة سألتني أين كنت أعيش آخر شهرين ولم أعرف ماذا أقول.
أغمض فهد عينيه.
ثم سأل
أين أنتِ الآن؟
خارج العيادة.
ابقي مكانك.
وصل بعد عشرين دقيقة.
ولأول مرة منذ سنوات، لم يهتم أن يراه الناس واقفًا على الرصيف ببدلته الرسمية بجانب امرأة تحمل حقيبة مهترئة وطفلة متعبة.
كانت غادة تحاول أن تبدو طبيعية.
لكن فهد لاحظ فورًا أنها كانت تقبض على يد ليان بقوة زائدة.
قال بهدوء
هل أكلتما؟
نعم.
نظر إليها للحظة.
ثم قال
هذه كذبتكِ الثانية معي.
خفضت عينيها مباشرة.
أما ليان فقالت ببراءة
ماما قالت لازم نوفر.
شعر فهد بشيء يضغط صدره مجددًا.
اصطحبهما إلى مطعم هادئ قريب من البحر.
ليس فاخرًا بشكل مبالغ.
لكنه دافئ.
جلست ليان قرب النافذة تراقب الماء بإعجاب واضح.
أما غادة، فبقيت متوترة طوال الوقت.
تنظر للأسعار.
وترتب الملعقة أكثر من مرة.
وكأنها تخاف أن ترتكب خطأ
لا يناسب المكان.
قال فجأة
لا أحد هنا ينظر إليكِ.
رفعت عينيها نحوه بتفاجؤ.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.
أنا تعودت أن أفعل ذلك بنفسي.
لم يفهم.
فأكملت بهدوء
عندما تخسر كل شيء تبدأ بمراقبة نفسك طوال الوقت قبل أن يراقبك الناس.
بقي صامتًا.
لأن الجملة دخلت داخله بشكل مؤلم.
بعد العشاء، خرجوا يتمشون قرب المارينا.
ليان كانت تمشي أمامهما وهي الأرنب الصغير.
وفجأة توقفت عند واجهة محل حلويات.
ظلت تنظر فقط.
لم تطلب شيئًا.
حتى أنها لم تلتفت نحوهما.
فقط تنظر.
اقترب فهد منها.
ماذا تريدين؟
هزت رأسها بسرعة.
ولا شيء.
لكن عينيها بقيتا معلقتين بقطعة كيك صغيرة مزينة بالفراولة.
نظر فهد نحو غادة.
فقالت بخجل خافت
آخر مرة أكلت حلوى كانت بعيد ميلادها قبل سنة تقريبًا.
التفت فورًا نحوها.
سنة؟
شعرت غادة أنها قالت شيئًا أكثر مما يجب.
لكن ليان سبقتها بالكلام
كان عندنا بيت وقتها.
ثم ابتسمت فجأة وكأنها تذكرت شيئًا جميلًا.
وماما عملت لي كيك بنفسها.
تجمدت ملامح غادة لثانية.
وكأن الذكرى آلمتها أكثر مما أسعدتها.
دخل فهد المحل واشترى الكيك دون تعليق.
جلسوا على مقعد قريب من الماء.
وكانت ليان تأكل ببطء شديد.
ببطء شخص يخاف أن تنتهي اللحظة بسرعة.
راقبها فهد طويلًا.
ثم سأل فجأة
ماذا تريدين أن تصبحي عندما تكبرين؟
رفعت رأسها نحوه وفكرت بجدية طفولية.
ثم قالت
أبغى بيت فيه باب ما يخوف.
شعر فهد أن الهواء توقف داخل صدره.
أما غادة
فأدارت وجهها بسرعة نحو البحر.
لأنها لم تستطع إخفاء دموعها هذه المرة.
في تلك الليلة، عاد فهد إلى منزل والده لأول مرة منذ أسابيع.
كان عبدالرحمن السالم جالسًا في مكتبه الضخم.
الرجل نفسه.
النظرة الباردة نفسها.
والصوت الذي تعود أن يحكم كل شيء.
سمعت أنك ما زلت منشغلًا بتلك المرأة.
جلس فهد بصمت.
ثم قال والده ببرود
ستتعلق بك. ثم ستطلب المزيد. ثم تصبح مسؤوليتها مسؤوليتك. هذه هي النهاية دائمًا.
نظر فهد إلى والده طويلًا.
ولأول مرة في حياته، شعر أنه ينظر إلى رجل لا يعرفه.
قال بهدوء
الغريب أنها لم تطلب شيئًا أصلًا.
ضحك عبدالرحمن بسخرية.
لأنك ما زلت في البداية فقط.
لكن فهد تذكر شيئًا صغيرًا جدًا في تلك اللحظة.
غادة وهي تعيد البطاقة السوداء.
غادة وهي تخاف من شراء فستان لابنتها.
غادة وهي تكذب بأنها أكلت حتى لا يشعر بالذنب.
ثم تذكر ليان وهي تقول
أبغى بيت فيه باب ما يخوف.
وقف ببطء.
وقال لأول مرة دون خوف من اعتراض والده
يمكن المشكلة لم تكن في الناس المحتاجين أبدًا.
تغيرت ملامح عبدالرحمن قليلًا.
أما فهد
فخرج قبل أن يسمع الرد.
بعد شهرين، كانت غادة تعمل فعلًا في عيادة صغيرة للاستشارات الطبية.
راتب بسيط.
وساعات طويلة.
لكن الشقة بقيت مرتبة.
ودافئة.
وليان عادت إلى المدرسة.
وفي إحدى الأمسيات، وقف فهد أمام باب شقتهما يحمل حقيبة مدرسية جديدة نسيَت ليان إحضارها من السيارة.
فتحت ليان الباب بسرعة.
ثم ابتسمت فورًا عندما رأته.
أستاذ فهد!
ركضت نحوه دون تفكير ساقه الصغيرة بذراعيها.
تجمد مكانه للحظة.
لأنه لم يكن معتادًا على هذا النوع من العفوية.
ظهرت غادة خلفها.
وكان التعب ما يزال في وجهها
لكن شيئًا آخر عاد أيضًا.
الطمأنينة.
قالت بهدوء
تفضل.
نظر فهد إلى الشقة الصغيرة.
ثم إلى صوت ضحكة ليان من الداخل.
ثم إلى غادة.
وأدرك أخيرًا شيئًا لم تفهمه كل اجتماعاته وصفقاته وأموال عائلته طوال عمره
بعض الناس لا يحتاجون منقذًا
فقط يحتاجون فرصة يشعرون فيها بالأمان دون خوف.


تعليقات
إرسال تعليق