البيت بيت أبونا والغرب طردونا
البيت بيت أبونا والغرب طردونا
عش الدبابير
يعني إيه محدش ساكن في شقتي؟ أمال مين اللي جوه؟ إنت بجد عايز تدي مفاتيح ملكي لعمتك من ورايا؟ إنت واعي للي بتقوله يا إبراهيم؟
سألت ليلى جوزها وهي مش مصدقة اللي بتسمعه.
حكايات انجي الخطيب
اسمع يا صاحبي، هي ماشية معايا بالمللي. الستات دول إيه؟ اديلها سنتي حرية تلاقيها ركبت فوق كتافك! قمت قايلها بس.. كلمة زيادة مسمعهاش! شقق إيه وتوضيبات إيه.. أنا الراجل، وأنا اللي أقرر مين يسكن فين. البيت بيتي والكلمة كلمتي!
ضحكة رجالي خشنة كانت طالعة من الموبايل، مغطية على صوت شنيور شغال في الخلفية.
يا عبير، وإيه يعني الأمتار دي بتاعة مين؟ دي جت من خير ابن أخونا، يعني بقت بتاعتنا. هي تلاقيها غرقانة في الكتب والشهادات، ولا فاهمة حاجة في الدنيا ولا حاسة بريحة الحياة. إحنا ناس غلابة وإحنا أحق بالشقة دي. هنسكن هنا، ويمكن بكرة وبعده نثبّت رجلينا وننقل ورقنا عليها كمان! إبراهيم قال إنه هيمشي كلامه عليها، وهي مش هتقدر تفتح بقها.
رد عليها صوت نسائي حاد ومستفز، وسط كركبة مواعين بتتغسل بعنف.
كان نور الصبح بيتسحب من ورا الستاير التقيلة، يرسم ملامح المطبخ اللي كان بيبرق من النظافة. ليلى كانت بتقدس النظام، زي شغلها بالظبط؛ أرقام، إحصائيات، ونسب مئوية.. علم الاجتماع مبيعرفش الفوضى.
حطت الكنكة على الرخام بهدوء، ومدت إيدها لعلّاقة المفاتيح الخشب اللي جنب الباب.. صوابعها اتحركت بعفوية، لكن بدل ملمس المعدن البارد لمفتاح
شقتها اللي في المهندسين، ملقتش غير الفراغ.
ليلى كشّرت مابين حواجبها. هي فاكرة كويس إنها لما رجعت من الشغل مبارح علقت المفاتيح مكانها. الشقة دي مقفولة بقالها ست شهور بعد ما خلصت توضيبها، كانت شايلاها قرش أبيض ليوم أسود.. خطتها كانت بسيطة تبيع الشقة دي وشقة تانية ورثتها، وتشتري بيهم بيت واسع لما هي وإبراهيم يقرروا يخلفوا.
إبراهيم! نادت بصوت عالي. إنت أخدت مفتاح شقة المهندسين؟
دخل إبراهيم المطبخ وهو بيهرش في دقنه النابتة، بفانلة داخلية وبنطلون تريننج. كان تجسيد لشخصية ابن البلد اللي ليلى بتدرسها في أبحاثها.. صنايعي شاطر وإيده تتلف في حرير، بس مقتنع إن الثقافة دي منظرة فارغة.
لا.. تمتم وهو بيفتح التلاجة. وهاخده أعمل بيه إيه؟ أنا مخلص شغل هناك من الربيع.
ليلى ضيقت عينيها. خبرتها في قراءة لغة الجسد خلتها تسمع صفارات إنذار جوه دماغها؛ إبراهيم كان بيبص في تاريخ صلاحية اللبن بتركيز مبالغ فيه.
غريبة، المفاتيح كانت هنا ومشتش. هو البيت فيه عفاريت؟
ضحك إبراهيم وهو بيبص بعيد تلاقيكي رميتيهم في شنطتك كالعادة، إنتي دايماً دماغك مشغولة بالرسومات البيانية بتاعتك. يا ليلى متبدأيش استجواب من الصبح، ورايا شغل صعب والزباين خلقها ضيق.
شربت ليلى قهوتها ببطء، مرارة القهوة اختلطت بإحساس تقيل بالغدر. إبراهيم عمره ما مد إيده على حاجتها من غير استئذان.. بس من كام شهر، ظهرت فيه نبرة غريبة؛ كأنه فيه حد بيوزّه إن القوامة
بالصوت العالي وفرض السيطرة، مش بالعقل والاحتواء.
افتكرت كلامه الأسبوع اللي فات لما كان بيشتكي من ظروف قرايبه في البلد، فسألته بهدوء قاتل إبراهيم.. بجد؟ عايز تدي المفاتيح لعمتك؟
اتنطر إبراهيم وخبط باب التلاجة بقولك إيه؟ قولتلك مخدتهاش! وبعدين يعني هو السكن ده هيخسر إيه لو حد قعد فيه؟ الشقة مركونة للتراب، والناس مش لاقية حتة تنام فيها!
ناس مين يا إبراهيم؟
محدش! سيبيني في حالي! خطف جاكيتته وجري لبرا، ورزع الباب وراه.
وقفت ليلى لوحدها في سكات المطبخ. مكنتش محتاجة تخمن، كانت محتاجة حقائق. فتحت موبايلها وطلبت أوبر.. الوجهة المهندسين.
حكايات انجي الخطيب
أول ما الأسانسير وقف في الدور الثامن، ليلى اتصدمت. ريحة العمارة الراقية اللي كانت دايماً لافندر ومنظفات، اتحولت لريحة تقلية بطاطس، وسجائر، وحاجة شبه ريحة غيار أطفال مش نظيف.
قربت من باب شقتها. الباب مقفول، بس من جوه كان فيه هيصة؛ عيال بتصرخ، وصوت ضحك نسائي عالي ومستفز، والتلفزيون صوته يرج الحيطة.
حطت صباعها على الجرس ومنزلتهوش.
الحركة جوه هديت فجأة.
مين اللي بيخبط كده؟ إبراهيم مش هنا، في الشغل! زعق صوت من جوه.
افتحي! أنا صاحبة الشقة! قالت ليلى بصوت زي التلج.
تكة القفل، والباب اتفتح.. ليلى رجعت خطوة لورا من الصدمة.
على الباب كانت واقفة ست ضخمة، بقميص بيت مزيت، وشعر مصبوغ لونه بنفسجي فاقع. كانت عبير عمة إبراهيم.. اللي كان بيقول عليها غلبانة
وجوزها رماها ومعاها كوم لحم.
ورا عبير، في الطرقة اللي ليلى اختارت ورق حيطانها الإيطالي بالوحدة، كانت الفوضى هي اللي بتحكم. جزم وسخة مرمية، ورسم بالأقلام الماستر على الحيطة.
أهلاً.. الهانم شرفت، قالت عبير وهي بتحط إيدها في وسطها وسادة الباب بجسمها. عايزة إيه؟
إنتي بتعملي إيه هنا؟ ومين إداكي المفاتيح؟
اللي إداهالي سيدي وسيدك! ردت العمة بغل. ابن أخويا مسبناش للشارع. إنتي إيه اللي حارق دمك؟ عندك شقتين وإحنا كنا محشورين في أوضة وصالة! الأغنياء دول معندهمش دم!
طلع عيلين من الأوضة بيجروا، واحد منهم خبط ضلفة الدولاب اللي بمرايا بلعبة بلاستيك في إيده. المرايا رنت بس متكسرتش.
برا.. قالت ليلى بصوت واطي ومنخفض. دلوقتي فوراً.
على جثتي! عبير حدفت قشر لب على المشاية اللي قدام الباب. إبراهيم قالنا اقعدوا زي ما إنتوا عايزين. دي شقة جوزك، يعني شقتك، والقانون بيقول اللي ليكي ليه! يالا يا شاطرة من هنا، متخوفيش العيال.. جاية تتنطط علينا في ملكنا!
بصت ليلى للست دي وفهمت إن الكلام ضايع. المنطق، الأصول، الحق.. كل ده ملوش مكان قدام عربدة الجهل والبلطجة.
تمام، هزت ليلى راسها ورجعت خطوة لورا. فهمت.
مصوتتش، ولا اتخانقت. لفت وطلعت للأسانسير وهي حاسة بنظرات عبير الشمتانة في ضهرها، وصوت الباب وهو بيترزع وراها.. الباب اللي دفعته دم قلبها.
إبراهيم مكنتش مجرد كذبة، كانت غزو لبيتها وحياتها.
فنجان قهوة مر
الحاجة فاطمة، والدة
إبراهيم، كانت دايماً بتقدم نفسها على إنها
ست شيك ومتعلمة. كانت بتلبس برانيط وبتحب تقول يا بخت من قدر وعفي.
ليلى عزمتها في كافيه هادي قريب من بيتها. الحاجة فاطمة كانت بتقلب اللاتيه بتاع
ليلى بصت للحاجة فاطمة وقالتلها بوضوح
يا حاجة فاطمة، حضرتك عارفة إن إبراهيم سكن عمتي عبير في شقتي من ورايا؟
فاطمة نفخت بضيق، وهي أصلاً مش طايقة عبير بس مش عايزة تبين لليلى
يا بنتي، عبير دي أخت جوزي الله يرحمه، وإبراهيم بيعتبرها في مقام والدته. وبعدين الست ظروفها تصعب على الكافر، وجوزها رماها.. هتروح فين بالعيال؟
ليلى ردت ببرود بس حضرتك دايماً بتقولي إن عبير دي لسانها طويل وبتاعة مشاكل، ليه دلوقتي بقيتي حنينة عليها وعلى حسابي؟
فاطمة لوت بوزها وقالت أهي غمة وانزاحت من على قلبي.. أقصد غمة وانزاحت من الشارع! وبعدين يا ليلى، إبراهيم حب يستر على عمته، فيها إيه؟ الشقة واسعة ومقفولة، وإنتي قلبك حجر. دي عيلة، ولازم يستحملوا بعض.
ليلى ابتسمت بخبث يعني إنتي موافقة إنها تقعد عندي عشان متجيش تقعد عندك إنتي؟
هنا الحما اتهزت وقالت أنا بيتي ضيق يا حبيبتي، وهي عندها عيال يهدوا جبل.. وبعدين إبراهيم هو الراجل وهو اللي يقرر، وأنا مش هتدخل بينه وبين عمته. سيبيهم يستروا على بعض، وإنتي خليكي كريمة.
ليلى قامت ولمت حاجتها
يعني حضرتك محايدة تماماً؟ تمام.. افتكري الكلمة دي كويس لما العاصفة تبدأ، عشان ساعتها مش هقبل منك وساطة.
الضربة الأخيرة النهاية المعدلة
لما ليلى بلغت إبراهيم إنها باعت الشقة، وفاطمة عرفت إن عبير وعيالها ممكن يترسوا في الشارع ويضطروا يروحوا يسكنوا معاها في بيتها، قلبت الدنيا.
فاطمة كلمت ليلى وهي بتصوت يا مصيبتي! تبيعي الشقة يا ليلى؟ والولية دي هتروح فين؟ إنتي عايزة تخربي بيتي وتجيبيهم يقعدوا فوق دماغي؟
ردت ليلى بمنتهى الهدوء والله يا حاجة فاطمة، أنا مشيت بنصيحتك.. قولت إبراهيم هو الراجل وهو يتصرف في أهله، وأنا اتصرفت في مالي. مش إنتي كنتي محايدة؟ خليكي بقى محايدة وأفتحي لعمته الباب، ماهي لحمكم ودمكم ولازم تسندوا بعض!
وقفلت السكة وهي عارفة إن الخناقة الحقيقية دلوقتي هتبدأ بين الحما فاطمة والعمة عبير على مين يشيل التانية، وإبراهيم بقى في نص الهدوم قدام الاتنين.
إبراهيم وقف وسط الصالة وشه بيجيب ألوان، الضربة كانت قوية ومحسوبة بالمللي. ليلى مكنتش بس بتسترد شقتها، دي كانت بتهد المعبد على دماغ اللي فيه.
ليلة السقوط
الساعة بقت 12 بالليل، والتليفونات مبردتش. عبير العمة كانت بتولول في التليفون لإبراهيم
الحقني يا إبراهيم! المحامي بتاع الشركة جه هنا
ومعاه اتنين بودي جارد، وبيقولوا قدامنا 48 ساعة وإلا العفش هيترمي في الشارع! يرضيك عمتك تترمي الرمية دي يا واد أخويا؟
إبراهيم بص لليلى اللي كانت قاعدة بتمشط شعرها قدام المرايا ببرود تام، وقالها بصوت مخنوق
ليلى، ابوس إيدك وقفي البيعة دي. عمتي ملهاش حتة تروحها، وأمي حالفة ما تدخلها بيتها.. إنتي كده بتولعي في الكل!
ليلى لفت وبصتله بنظرة أول مرة يشوفها، نظرة غريب مش شريك حياة
إنت اللي ولعت فيها يا إبراهيم لما افتكرت إن صمتي ضعف، وإنك تقدر تتصرف في تعبي عشان ترضي رجولتك المزيفة قدام أهلك. عمتك عندها حل من اتنين يا تروح لبيت أخوها بيت مامتك اللي هي أحق بيها، يا إنت تتصرف وتأجرلها شقة من جيبك.. لو معاك.
المواجهة الكبرى بيت العيلة
تاني يوم، ليلى راحت بيت حماتها عشان تلم اللي فاضل من كرامة العلاقة دي. لقت إبراهيم هناك، والحاجة فاطمة وشها شايل طاجن ستة، وعمتها عبير قاعدة بشنطتها وبتعيط بتمثيل محترف.
أول ما ليلى دخلت، الحاجة فاطمة هجمت عليها
يا شيخة اتقي الله! عايزة ترمي الولية وعيالها؟ ده إنتي كنتي بتاكلي معانا عيش وملح! فين الأصول؟
ليلى ردت بهدوء يغيط
الأصول بتقول إن اللي يدخل بيت يدخله من بابه يا حاجة، مش يسرق مفتاحه. وبعدين يا عبير يا عمة، مش كنتي
بتقولي الرزق يحب الخفية؟ أهو أنا كنت خفيفة وبعت. وإنتي يا حاجة فاطمة، مش كنتي بتقولي إبراهيم هو الراجل؟ أهو الراجل قدامك، شوفي هيحلها إزاي.
إبراهيم زعق خلاص يا ليلى! الشقة راحت، والطلاق واقع واقع.. إنتي طالق!
ليلى محستش برعشة، بالعكس، حست بوزن تقيل اتشال من فوق صدرها. ضحكت ضحكة خفيفة وقالت
كنت مستنية الكلمة دي يا إبراهيم يا سيد الرجالة. وبما إننا اطلقنا، ف الشقة اللي إحنا قاعدين فيها دي إيجار باسمي أنا، والمالك جاري تغيير عقده. قدامك إنت ومامتك وعمتك ساعة بالظبط، تلموا كل اللي يخصكم، وتوروني شطارتكم في سند العيلة لبعض.
النهاية رائحة الحرية
خرجت ليلى من البيت وهي شايلة شنطة أوراقها وبس. سابتهم في وسط الصالة بياكلوا في بعض؛ عبير بتدعي على فاطمة عشان مش عايزة تفتح لها بيتها، وفاطمة بتلطم على خيبة ابنها اللي ضيع الفرخة اللي بتبيض ذهب، وإبراهيم واقف مذهول من ليلى الجديدة اللي ميعرفهاش.
ركبت عربيتها، وبصت في المرايا.. مسحت خصلة شعر نزلت على عينيها وابتسمت.
البيئة علمتها إن اللي يفرط في حقه مرة، بيتاكل العمر كله. وهي قررت إن دي آخر مرة حد يتسلق على كتافها.
دورت العربية، وشغلت أغنية هادية، ومشيت في شوارع القاهرة وهي حاسة إن الهوا النهاردة.. له طعم
تاني خالص.
تمت بقلم الكاتبة انجي الخطيب


تعليقات
إرسال تعليق