ابني بلال اختفى من 15 سنة
ابني بلال اختفى من 15 سنة.. كنت بحاول اتعود على بعده، بحاول أتأقلم مع الفراغ اللي سابوه في قلبي وفي البيت، لحد ما شوفت واحد شبهه على تيك توك، والغريب مش كده بس، لأ.. الغريب واللي خلاني قلبي يقف هو إنه رسم صورة ليا بالظبط زي ما كنت شايفاني في الحلم! بس الصدمة الحقيقية، الصدمة اللي محدش مستنيها وكانت أقوى من أي تخيل، كانت في اللي شوفته ورا ضهره جوه بيته !!!!
كان عنده وقتها 10 سنين.. طفل مليان حياة وشقاوة، ضحكته كانت بتملا البيت، وشه كان مليان نمش خفيف جميل جداً عند مناخيره، كنت بمۏت فيه وببوسه فيه كل يوم. وكان دايماً يفضل يدندن بأغاني صغيرة غريبة، بيألفها بنفسه وهو قاعد في أي حتة، على السلم، أو في الحديقة، أو وهو بياكل.. كلام مبهم وحروف غير مفهومة بس لحنها كان حلو ومألوف.
في يوم عادي جداً، مش مختلف عن باقي الأيام، شمس طالعة والدنيا طبيعية، كان واقف معايا قدام البيت بيلعب كورة صغيرة.. وفي ثانية واحدة بس، فص ملح وداب ومبقاش موجود! اختفى فجأة زي السحر، ولا صوت ولا حركة، ولا حد شاف حاجة، ولا هو نفسه عرف ېصرخ.
الدنيا كلها اتقلبت علينا ساعتها.. الشرطة قلبت الدنيا عليه، كاميرات الشوارع اتشالت، التحريات كانت في كل حتة، وجيراننا
في الحتة كتر ألف خيرهم، نزلوا الشوارع، راحوا المحطات، البحيرات، المصايف، منزلوش من الشارع ليل نهار بيدوروا عليه. والمباحث فتشوا في كل الأراضي والخرابات والمناطق المهجورة والصحاري.. بس ملهمش طريق، ومحدش وصل لحاجة. ولا أثر ولا خبر ولا حتى إشارة.
ومع مرور السنين، بقيت أنا الأم دي.. اللي الكل بيعرفها في الحي.
الأم اللي متبطلوش تشوفوها بتدور في كل مكان، اللي شلت حوافظ قديمة مليانة بملصقات صوره وصور غيبته في درج الكومودينو جنب السرير، بحطها قدامي كل ليلة قبل ما أنام وبعد ما أصحى.
الست اللي لسه عينيها بتلقط أي حد غريب في السوبر ماركت أو محطة القطر أو المطار، عيني بتجر ورا أي شاب طالع من سن معين، وتفضل تسأل نفسها يا ترى ممكن يكون ده ابني؟.. يا ترى هو شايفني؟.. يا ترى لسه فاكرني؟
جوزي، مصطفى، حزنه كان بطريقة تانية خالص. هو كان بيكتم جواه، بيحاول يبان قوي عشان يسليني. كان دايماً يطبطب عليا ويقولي بصوت مليان حسرة عشان خاطري يا منى.. ادعيله بالرحمة، سيبيه يرتاح وسيبك من الأوهام دي، كفاية عڈاب لنفسك.
بس الحزن والۏجع مكنش زرار هقفل عليه وخلاص.. ده كان سيل جارف مش عايز يقف.
بلال كان عايش.. كنت حاسة بيه في عضمي، في روحي، في كل نفس
باخده. كنت بحس إنه بيناديني، بحس إنه محتاجلي، ومهما العمر جرى بينا، مكنش عندي أي نية إني أستسلم أو أنساه أو أدفنه في قلبي وأقفل عليه.
لحد الأسبوع اللي فات.. لما كل حاجة اتغيرت، والقدر قرر يفك الكلام اللي مقفول من 15 سنة.
كنت سهرانة بقلب في التيك توك متأخر بالليل، النوم جافاني زي كل ليلة، وفجأة عيني جت على لايف خلاني اتسمرت في مكاني وجسمي كله قشعر من غير سبب.
المذيع أو صاحب اللايف كان شاب عنده حوالي 25 سنة، وسيم، هادي الطبع، صوته دافي.
شعره أسود ناعم.. وابتسامته وجعتلي قلبي من كتر ما هي مألوفة وعارفاها كويس! نفس الطريقة اللي كان بيضحك بيها بلال، نفس ميل الشفة اليمين شوية!
في حاجة فيه شدتني وخطفتني من أول نظرة، حست كأني عرفاه من
سنين طويلة، حست بالأمان الغريب وأنا بشوفه.
وأنا بتابعه وقلبي بيطرق، لقيت ماسك كشكول رسم وبيتكلم مع المتابعين بهدوء.
كان بيقول للمتابعين بتوعه بصوت هادي وفيه حيرة الست دي بتطلعلي دايماً في أحلامي.. بقالي سنين بشوفها كل ما بنام. بتمد إيدها ليا وبتنده على اسمي، بتقولي يا بلال.. تعالى. أنا معرفش هي مين الصراحة، بس بحس إن الموضوع حقيقي جداً مش مجرد حلم، بحس إن روحي متعلقة بيها.
وبعدين لف كشكول الرسم
وورّى اللوحة للكاميرا عشان الكل يشوف..
ساعتها قلبي وقف.. الهواء اتقطع من خشمي..
الست اللي مرسومة في اللوحة دي كانت أنا!
مش شكلي بتاع دلوقتي وأنا عجزت وشكلي اتغير.. لأ! شكلي وأنا عندي 28 سنة.. بالضبط زي ما كنت يوم ما بلال اختفى! نفس الحجاب، نفس الملامح، نفس النظرة الحزينة اللي في عينيا!
إيديا بدأت تترعش بطريقة مش طبيعية، ومبقتش قادرة أخد نفسي، الدنيا لفت بيا، من غير ما أفكر ولا أحسبها، خدت اسكرين شوت بسرعة البرق وكتبت أول كومنت في حياتي على لايف، كتبت ودموعي بټغرق الشاشة
دي أنا.. الست اللي أنت راسمها دي تبقى أنا! أنا أمك يا بلال!
الكومنتات في ثانية اڼفجرت.. الشاشة بقت بتجري من كتر الرسايل والتفاعلات، الكل بيسأل، وكله في حالة صدمة وذهول، الناس بتقول معجزة، بتقول قدر، والبعض مصډوم والبعض بيصيح.
والشاب.. ملامحه اتخطفت والدم هرب من وشه، فضل مبحلق في الكومنت بتاعي كام ثانية وهو مش مستوعب، عينيه اتوسعت وشفايفه اتحركت وهي مش مطلعة صوت.. وفجأة، قفل اللايف!
كده في ثانية.. شاشة سودااااء.
قمت اتنفضت من السرير ورحت أهز في مصطفى وأصرخ بصوت عالي كأني هتكسر الدنيا اصحى! اصحى حالا يا مصطفى! لقيتوه.. لقيت بلال!
قام وهو مش داري بالدنيا
ومخضوض، افتكرني اټجننت وجالي
هوس تاني زي كل مرة، وبدأ يهديني ويقول اهدي يا منى.. اهدي كويسي.. لحد ما وريته الرسمة، ووش الشاب، والاسكرين شوت والكومنت.
ساعتها هو كمان الوجوم ظهر على وشه والدم هرب من عروقه، قعد على السرير وهو مبحلق في الشاشة ومش بيتكلم.
مصطفى همس وهو مش مصدق، وصوته بيترعش لو كان ده بلال.. لو ده فعلاً ابننا.. يبقى إزاي؟ وعايش فين كل السنين دي؟
قاطعته ولقيت نفسي بقول بكل قوة وعزيمة لازم نقابله.. النهاردة قبل بكرة.. لازم نشوفه ونعرف الحقيقة.
محدش فينا فكر مرتين، ولا شككنا في الموضوع ولو لثانية واحدة. قلب الأم مبيغلطش.
بعتله رسالة على الخاص وإيديا بتترعش على الكيبورد لدرجة إني كنت بغلط في الحروف وممسح وأعيد أكتب
أهلاً بيك.. أنا الست اللي شوفتني في الحلم ورسمتها.. أنا حاسة إننا نعرف بعض كويس أوي.. أرجوك.. ينفع نتقابل؟ أنا وأبوك جايين لك في الحال.
وقعدت مستنية.. مستنية على ڼار.
منمتش دقيقة واحدة الليلة دي، كل ما الموبايل ينور أو يطلع صوت، بحس إن قلبي هيتخلع من صدري، كنت بقوم أصلي وأدعي ربنا يهديه ويرد عليا.
وأخيراً، قبل الفجر بحاجة بسيطة، خبط الموبايل.. جه الرد..
تلات كلمات بس كتبهم بسرعة
ده العنوان.. تعالوا.
العنوان كان في محافظة تانية بعيدة جداً، في مكان نائي، محتاجة سفر بالساعات، طريق
طويل ومش معروف.
على أول النهار، كنا حجزنا وركبنا القطر والسفرية كلها كانت مش حقيقية، كأننا في حلم طويل مش عايزين يخلص، الطريق كان طويل وممل، بس كنت شايلة الأمل اللي رادد فيا الروح.
كنت باصة من الشباك وشريط ذكرياتي مع بلال كله بيتعاد قدام عيني.. ضحكته، نمش وشه، شقاوته وجريه في الصالة، صوته وهو بيدندن، وكلماته وهو بيقولي بحبك يا ماما.
وكنت بسأل نفسي السؤال
المستحيل يا ترى.. طب لو طلع هو فعلاً؟ هيعرفني؟ هيسألني ليه سيبتوه؟.. واللي حصلله كل السنين دي إيه؟
بعد ساعات طويلة وشوارع متعرجة، وصلنا أخيراً قدام البيت.
كان بيت قديم شوية، في منطقة هادية جداً ومش كتير فيها بيوت.
مقدرتش أستنى ثانية واحدة، ومن قبل ما مصطفى يركن العربية كويس، فتحت الباب وطلعت أجري، قلبي كان بيطرق لدرجة إنه كان بيوجعني في صدري وبسمع دقاته في ودني.
طلعت على السلم ووقفت قدام باب الشقة، أخذت نفس عميق حاولت أجمع قواي.. دوست على الجرس.
الجرس دق.. صوته كان عالي ومخيف في الهدوء اللي حولينا.
ثواني.. وسمعت خطوات بتقرب من الباب من جوه.. خطوات ثقيلة وهادية.
الباب اتفتح..
وكان واقف قدامي.. نفس الشاب اللي شفته في اللايف.
نفس العيون، نفس الابتسامة، نفس الملامح اللي كبرت بس ما اتغيرتش.
كان بيبص في وشي وبيتأملني.. بنفس
العيون البني اللي بوستها ألف مرة قبل ما ينام وهو صغير.
في اللحظة دي، الدنيا كلها وقفت ومبقتش سامعة حاجة حواليا، صوت الشوارع اختفى، صوت جوزي ورايا اختفى.. خلاص.. لقيت ابني.. لقيت بلال.
مديت إيدي عشان ألمسه، عشان أخده في حضڼي وأضمه لصدري وأعوضه 15 سنة غياب..
بس مقدرتش حتى آخده في حضڼي.. عشان عيني لقطت تفصيلة ورا ضهره في الصالة، خلتني أقف متجمدة في مكاني ومتحركش.. وتسمر الډم في عروقي..
ورا ضهره، على الحيطة، وفي كل ركن في البيت..
كانت مليااااانة صور.. صور لييييا أنا!
صور من كل حتة، صور وأنا ماشية في الشارع، صور وأنا في السوق، صور وأنا قاعدة في البلكونة، صور ليا وأنا بصلي، صور ليا وأنا بزعل..
ولسه بص ورا كده.. لقيت كاميرات مراقبة مربوطة بشاشات كبيرة وعالية، والشاشات كلها كانت شغالة وعرضة بيتنا من جوه! غرفتي، صالوني، مطبخي!!
ولما بصيت تحت رجله على الأرض.. لقيت دفاتر قديمة.. دفاتر مذكراتي الخاصة اللي ضاعت مني من سنين!!
ورفعت عيني ليه تاني.. وشوفت في عينيه نظرة غريبة مش حنان.. نظرة تملك ومراقبة وبرود..
وهو بيتكلم بصوت مختلف تماماً عن اللي سمعته في اللايف، بصوت بارد وثقيل
كنت عارف إنك هتيجي.. يا ماما.. أنا ما غبتش أبداً.. أنا كنت دايماً معاكي.. وبشوفك.. من غير ما تحسي.
صدمة.
. ړعب.. ذهول..
مصطفى ورايا صړخ وقال أنت مين؟! بلال فين؟!
الشاب ضحك ضحكة طويلة ومخيفة وقال بلال ماټ من زمان.. بس أنا اللي خدت مكانه في قلبك.. ومن النهاردة.. هاخد مكانه في حياتك كلها.
اتضح إن الشخص ده كان مختل عقلياً، شاف صورة ليا منشورة في الجرايد زمان لما بلال اتختطف، ومن ساعتها وهو مهووس بيا، بيلاحقني سنين، بيراقبني، بيرسملي، لحد ما قدر يصطاد فرصة ويقنعني إنه هو ابني عشان يقرب مني ويعيش معايا..
واللي صدم أكتر.. إنه هو اللي كان بيخطف الأطفال ويستخدمهم وبعد كده يتخلص منهم، وكان عايز ياخدني عشان أكمل حلمه إني أكون أمه اللي بيحبها.
لحظات ړعب مرت علينا كأنها سنين، حاولنا نهرب بس البيت كان مقفول علينا، والدنيا سوداااانية في عينيا.. كنت بدعيت ربنا ينجينا من الکابوس ده..
واللي خلى الصدمة أقوى.. لما لقيت ورا باب صغير في الصالة.. غرفة مقفولة.. وفيها سرير صغير.. وعليه ملابس طفل.. وعليها آثار ډم قديمة.. ودفتر مكتوب فيه اسم بلال..
وعرفت الحقيقة المرعبة إنه هو اللي خطڤ بلال من الأول.. وقټله.. ومن ساعتها وهو عايش عشان يلاحقني!!
يا رب.. قلبي ما اتحملش..
القصة طويلة وۏجعها كبير أوي..
بس الحمد لله ربنا نجانا في الآخر، الشرطة لحقتنا وكتبت فيه القصاص، وعرفت مصير ابني..
بس الۏجع فضل.. والصورة اللي شفتها في بيته فضلت
محفورة في دماغي
للأبد..
بلال راح.. بس روحه كانت اللي بتدلني على الطريق عشان اخد حقي..
بعد القبض على المچرم وانتهاء التحقيقات الأولى، افتكرت إن الکابوس خلص أخيرًا، وإن أسوأ حاجة ممكن تحصل حصلت بالفعل. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. الحقيقة إن اللي عرفناه وقتها كان مجرد أول صفحة في كتاب أسود مخيف، ولسه باقي الصفحات مستخبية.
بعد أسبوعين من القبض عليه، استدعونا للنيابة عشان نراجع بعض المضبوطات اللي اتلاقت في البيت. كنت مړعوپة أرجع أفتكر أي حاجة من اللي شوفناها هناك، لكن المحقق قال إن فيه حاجات لازم أشوفها بنفسي.
دخلنا أوضة الأدلة، وكانت مليانة كراتين وصناديق متقفلة. فتحوا قدامنا صندوق كبير مليان دفاتر ومذكرات وصور قديمة. أغلبها كان متعلق بيا، لكن وسط الورق لقيت حاجة خلت قلبي يقف من جديد.
صورة.
صورة لبلال.
مش وهو صغير.
بل وهو شاب.
في الصورة كان عنده تقريبًا سبعتاشر أو تمنتاشر سنة.
صړخت وأنا بمسك الصورة مستحيل! مستحيل! ده بلال!
المحقق أخد الصورة وبصلي باستغراب وقال إحنا كمان اتفاجئنا بيها. عشان كده استدعيناكم.
مصطفى خطڤ الصورة من إيدي وفضل يبص فيها لدقايق طويلة.
الصورة كانت واضحة جدًا.
نفس النمش.
نفس العيون.
نفس الابتسامة.
مفيش أي شك.
بلال كان عايش وقت التقاط الصورة.
وده معناه إن القاټل كدب.
وده معناه إن بلال ما ماتش يوم اختطافه.
وده معناه إن فيه جزء كامل من الحقيقة لسه مستخبي.
من اللحظة دي بدأت التحقيقات من أول وجديد.
استجوبوا المچرم مرة تانية.
في الأول أنكر.
بعدين انهار.
واعترف باعتراف غريب جدًا.
قال إنه فعلًا خطڤ بلال زمان، لكنه ما قتلوش.
قال إن الطفل كان ذكي بشكل غير طبيعي.
وكان كل يوم يحاول يهرب.
وكل يوم يفضل ينادي على أمه.
لحد ما المچرم نفسه بدأ يحس پخوف غريب منه.
وفي يوم حصلت خناقة كبيرة بينهم.
وبعدها هرب بلال.
لكن المچرم ما عرفش راح فين.
قال إنه فضل يدور عليه سنين.
وإن هوسه بيا بدأ بعد ما الطفل كان طول الوقت يتكلم عني.
كان بيحكي عن أمه كل يوم.
عن ضحكتها.
عن حضنها.
عن صوتها.
لدرجة إن المچرم المړيض بدأ يبني صورة خيالية ليا في دماغه.
ولما بلال هرب، فضل هو متعلق بالصورة دي سنين طويلة.
الاعتراف ده قلب القضية كلها.
بقينا قدام احتمال واحد.
بلال ممكن يكون عايش.
لأول مرة من 15 سنة رجع الأمل يدخل قلبي من جديد.
لكن الأمل المرة دي كان مخلوط پخوف رهيب.
لو عايش...
فين؟
ولو كبر...
هيفتكرنا؟
ولو شافنا...
هيصدقنا؟
بدأت حملة بحث جديدة.
الشرطة راجعت كل الملفات القديمة.
وكل الأماكن اللي المچرم كان بيروحها.
وكل المحافظات اللي عاش فيها.
وكل الأسماء الوهمية اللي استخدمها.
وبعد شهور من البحث المتواصل، ظهر خيط صغير جدًا.
في ملجأ قديم للأيتام في محافظة
بعيدة.
واحد من العاملين القدامى هناك شاف صورة بلال وقال أنا شفت الشاب ده قبل كده.
قلبي كان هيقف.
الرجل قال إن شاب بنفس المواصفات ظهر عندهم من حوالي عشر سنين.
مكانش فاكر اسمه.
وكان فاقد جزء كبير من ذاكرته.
قعد فترة قصيرة ومشى.
لكن قبل ما يمشي كتب حاجة في سجل الزوار.
فتحوا السجل القديم.
والكل اتسمر.
كان فيه جملة واحدة مكتوبة بخط طفل كبر بسرعة
اسمي مش فاكره... بس فاكر إن أمي اسمها منى.
وقتها انهرت من البكاء.
لأول مرة من سنين حسيت إن ابني بيناديني فعلاً.
حسيت إنه كان بيحاول يرجع.
بيحاول يوصل.
لكن الطريق كان طويل جدًا.
المشكلة إن السجل كان قديم.
والأثر بعده اختفى.
رجعنا لنقطة الصفر تاني.
لكن المرة دي كان عندنا يقين.
بلال عاش بعد اختطافه.
بلال كبر.
بلال كان بيدور علينا هو كمان.
ومع كل يوم يعدي كنت بحط صورة جديدة ليه قدام السرير وأقول لو كنت عايش يا حبيبي... أنا لسه مستنياك.
لكن اللي ماكنتش أعرفه أبدًا...
إن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
وإن الشخص اللي هيخبط باب بيتنا بعد
شهور قليلة...
هيكون شايل معاه السر الأخير.
السر اللي هيكشف في النهاية فين راح بلال طول السنين دي كلها...
وليه ما قدرش يرجع لنا رغم إنه كان قريب مننا أكتر مما نتخيل.
عدت شهور طويلة بعد اكتشاف السجل القديم، وكل يوم كان بيعدي عليا كأنه سنة كاملة. كنت
بصحى الصبح على أمل، وأنام بالليل على ألف سؤال. في بعض الأيام كنت بحس إن بلال قريب جدًا، وإن مجرد صدفة صغيرة هتفصل بينا وبين اللقاء. وفي أيام تانية كنت بخاف يكون الأمل ده مجرد سراب جديد هيكسر قلبي للمرة الألف.
وفي ليلة شتوية باردة، وأنا قاعدة في الصالة لوحدي، سمعت خبط خفيف على باب البيت.
كانت الساعة قربت على الحداشر بالليل.
استغربت جدًا.
مين هييجي في الوقت ده؟
قمت وفتحت الباب بحذر.
ولما الباب اتفتح، لقيت قدامي راجل كبير في السن، شعره كله أبيض، وملامحه مرهقة كأنه شايل جبل فوق كتافه.
بصلي وقال بصوت ضعيف
إنتي منى؟
هززت راسي.
مد إيده بورقة قديمة متنية وقال
أنا بدور عليكي بقالي سنين.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أخدت الورقة.
كانت صورة قديمة جدًا.
ولما بصيت فيها، حسيت إن الأرض بتتمرجح تحت رجلي.
الصورة كانت لبلال.
لكن مش لوحده.
كان واقف جنب الراجل ده.
وقتها دخل مصطفى على الصوت، ولما شاف الصورة اتجمد مكانه.
قعد الراجل معانا، وشرب شوية مية، وبعدها بدأ يحكي.
قال إنه من حوالي 15 سنة كان راجع بعربيته من سفر بعيد، ولقي طفل صغير مړعوپ وماشي لوحده على طريق صحراوي.
الطفل كان تعبان جدًا ومصاپ ومش فاكر غير اسمه الأول.
قال إنه أخده عنده، وحاول يبلغ عنه وقتها، لكن الطفل مكانش فاكر عنوان ولا اسم مدينة ولا أي تفاصيل تساعد.
ومع الوقت بدأ يفقد ذكرياته أكتر بسبب الصدمة.
الرجل ده كان أرمل ومعندوش أولاد.
وربنا رزقه ببلال في الوقت ده.
فرباه وكبره كأنه ابنه.
أنا ومصطفى كنا
ساكتين، والدموع نازلة من غير ما نحس.
لكن سألته السؤال اللي كان محرق قلبي
هو فين دلوقتي؟
الرجل سكت شوية.
وبعدين ابتسم.
وقال
برا.
مقدرتش أستوعب.
قمت من مكاني بسرعة.
جريت ناحية الباب.
فتحته.
وفي آخر الممر، تحت نور العمارة الأصفر الخاڤت...
كان واقف شاب طويل.
واقف ومتوتر.
وعينيه مليانة دموع.
أول ما بصيت في وشه، عرفت.
مفيش أم ممكن تغلط.
حتى لو عدت ألف سنة.
حتى لو الزمن غير الملامح.
حتى لو الشيب غطى الرؤوس.
عرفته.
عرفت ابني.
بلال.
وقفنا نبص لبعض ثواني طويلة.
ثواني كانت أطول من الخمستاشر سنة كلهم.
وبعدين سمعته يقول بصوت مبحوح
ماما؟
الكلمة دي كسرت كل الحواجز.
جريت عليه.
وهو جري عليا.
وأول حضڼ بينا بعد كل السنين دي كان كفيل يطلع كل الۏجع اللي اتخزن في قلبنا.
فضلت أبكي وهو بيبكي.
ومصطفى واقف جنبنا مڼهار.
أول مرة أشوفه بيعيط بالشكل ده.
كان بيحضن ابنه ويكرر
سامحني... سامحني يا ابني.
وبلال كان بيقول
إنتوا معملتوش حاجة.
قعدنا طول الليل نحكي.
وحكى لنا كل حاجة.
إزاي هرب من الخاطف.
إزاي تاه.
إزاي عاش سنين وهو حاسس إن فيه حد مستنيه.
وإزاي كان يشوفني أحيانًا في أحلام متفرقة من غير ما يعرف أنا مين.
وإزاي كان طول عمره حاسس إن فيه بيت ناقصه.
وأسرة ناقصاه.
وحضن ناقصه.
ومع الأيام بدأت حياتنا ترجع من جديد.
ببطء.
لكن بثبات.
رجع بلال يعيش قريب مننا.
واتجوز بعد فترة.
ولما
ربنا رزقه بأول طفل، طلب مني أنا اللي أسميه.
ساعتها شلته بين إيديا.
وبصيت لبلال.
وبصيت للحفيد الصغير.
وحسيت إن الدائرة أخيرًا اتقفلت.
إن ربنا ردلي اللي ضاع.
يمكن بعد سنين طويلة جدًا.
لكن ردهولي.
وفي يوم من الأيام، وأنا قاعدة في البلكونة وقت الغروب، سألت بلال
إيه أكتر حاجة فاكرها من طفولتك؟
ابتسم.
وبص للسما.
وقال
صوتك.
استغربت.
قال
كنت بنسى وشوش كتير وأماكن كتير... لكن عمري ما نسيت صوتك وإنتي بتقولي بحبك يا بلال.
ساعتها عرفت إن الحب الحقيقي عمره ما بيضيع.
ممكن الناس تضيع.
ممكن الطرق تتوه.
ممكن السنين تسرق العمر.
لكن الحب الصادق بيفضل موجود.
مستخبي
جوه القلب.
مستني لحظة الرجوع.
وبعد خمسة عشر سنة من الدموع والانتظار والدعاء، انتهت الحكاية أخيرًا.
مش نهاية حزينة زي ما الكل كان متوقع.
ولا نهاية مليانة اڼتقام.
لكن نهاية أقوى من أي شيء.
نهاية أثبتت إن الأمل أحيانًا بيتأخر...
لكنه لا ېموت.
وإن قلب الأم أحيانًا يعرف الحقيقة قبل العالم كله.
وإن الدعوة اللي بتطلع من قلب مكسور ممكن تفضل تسافر في السما سنين طويلة...
لحد ما ربنا يأذن لها بالاستجابة.
وفي آخر ليلة من عمر الحكاية، دخلت أوضة بلال القديمة اللي فضلت محتفظة بيها 15 سنة كاملة.
فتحت الشباك.
دخل الهوا الهادي.
وبصيت للصورة القديمة المعلقة على الحيطة.
الصورة اللي كنت ببكي قدامها كل ليلة.
ابتسمت.
ولأول مرة من خمسة عشر سنة...
طفيت النور.
وقفلت الباب.
مش عشان أنساه...
لكن عشان أخيرًا...
رجع البيت.


تعليقات
إرسال تعليق