القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 فرح اختي وعمامي كامله 



فرح اختي وعمامي كامله 

بكرا فرح اختى وعمامى اخوات أبويا 7رجاله واولادهم 14شاب وبقالهم سنين زعلانين من ابويا مش بنكلم بعض انا روحت لعمامى واولادهم وقولتهم بكرا فرح بنتكم وعاوزكم تقفو معانا وتشرفو بنتكم


رد ولاد عمى وقالو وابوك كان شرف مين والى عملو زمان فينا كلنا


رد عمى الكبير وقال الكل يخرس خالص


دى بنتنا ولحمنا ودمنا وانهارده الحنه يلا بينا نروح ونشرف لحمنا


بالفعل دخلو جهزو نفسهم وكلهم لابسو زى بعض جلاليب الصعايده الى تشرف


ودخلنا الحنه كلنا الفرح كله وقف على لم شافهم لانى اغلب الحنه كانت اهل العريس


وابويا اول ما شافهم واقف فى وشهم وقال


كانت ليلة الحنّة تغلي غليان في ساحة الدوّار الواسعة، ديك اللي محوّطة بالسور العالي ومفروشة بالفراشة الصعيدي الحمرا والصفرا المبهجة. أنوار الكهارب الملونة كانت تقيد وتطفي على الحيطان وتشيع بهجة، وصوت المزمار البلدي يرج الأرض رجّ، يدفعه دندف الطبول الصاخبة اللي تملا الصدور هيبة وناسوخ. الساحة كانت غرقانة بالناس، عاد أغلب الحضور كانوا أهل العريس؛ واصلين بقوتهم وماليين المكان كيف ما يكونوا أصحاب الملك، وإحنا الجانب بتاعنا كان غلبان وقليل الحيلة.. خلوّ الظهر والعزوة كان باين ويقطع القلب، وكسرة العين في وش بوي ليلة فرح بنته كانت واضحة كيف الشمس في بريق عينيه الحزين، وهو يتلوى بين الضيوف يرحب بيهم بابتسامة مكسورة، يداري بيها مرار السنين اللي عاشها وحيد، مقطوع من شجرة واصل بسبب الخلافات القديمة اللي جفت فوقيها الدماء ومجفتش آثارها في القلوب.


قبل ساعتين من اللوك الصاحي ده، كنت واقف في وسط مضافة أعمامي. سبع رجالة كيف الجبال الموقرة، قاعدين على الكنب البلدي بجلاليبهم السكروتا والبلدي الداكنة وعمايمهم البيضا النضيفة، وحواليهم يتلفوا أربعة عشر شابّ، صغار سن لكن وعرين، تشتعل في عيونهم حماسة الشباب وعناد المظلمة القديمة. أول ما خطيت عتبة المضافة، ساد صمت ثقيل يفلق الصخر. تنحنحت، وبلعت ريقي اللي نشف من الهيبة، وعليت صوتي وقلت بقلب ملهوف: “يا عمامي.. يا ولد عمي.. بكرة فرح بنتكم. فرح لحمكم ودمكم. الساحة في الدوار هناك مليانة بأهل العريس، وإحنا لوحدينا مالناش والي. أنا مش جاي أفتش في دفاتر قديمة ولا جاي أقول مين غلطان. أنا جاي أقول إن بنتكم محتاجة ضهر وسند تترمي عليه، وعاوزكم تقفوا معانا وتشرفوا بنتكم قدام الغريب قبل القريب.”


هبّ واقِف واد عمي الكبير، وعيونه تطق شرار، وقال بصوت حاد زلزل العروق: “وأبوك كان شرف مين؟! والّي عمله زمان فينا كلنا وعمايله الواعرة نسيتوها؟! جايين تفتكروا إننا لحمكم ودمكم لما اتزنقتوا وعوزتونا الوجت؟!”


اللقمة وقفت في زوري والكلمات خنقتني، ورجعت خطوة لورا وأنا حاسس بالذل والانكسار، لكن فجأة، ضربت عصاية عمي الكبير، كبير العيلة والراس العاقلة فيها. وقف بطوله الفارع، وبص لأولاده وأخواته بنظرة صقر حامٍ، وهدر بصوت هز الحيطان: “الكل يخرس واصل! الكلمة كلمتي والشور شوري. دي بنتنا ولحمنا ودمنا، والّي يمس طرف طوبتها يمس عمايمنا كلنا الأرض. والنهاردة الحنة.. يلا بينا نروح ونشرف لحمنا وندوسوا على أي زعل!”



كانت الكلمات دي أمر عسكري ميرجعش فيه واصل. في دقايق معدودة، المضافة انقلبت خية نحل. دخلوا الرجالة والشباب، وتأهبوا كيف عساكر رايحة تاخد بتار الشرف. خرجوا كلهم في زفة تهز الأرض، لابسين جلاليب الصعايدة المعتبرة اللي تشرف، قماشها واجف ويفرح، وحاطين الشيلان الكشميري على أكتافهم، وماسكين عصيهم الأبنوس اللي تضرب الأرض بجرّة واحدة ومشي متناسق. كيف ما يكون جيش من الملوك زاحف يرجّ كبرياء العيلة.


مشيت أنا قدامهم والخرير والفخر مالي صدري. وأول ما وصلنا لبوابة الدوار بتاعنا، حصلت الفجيعة اللي محدش كان يظنها واصل.


بمجرد ما عتبت رجلي أعمامي وأولادهم ساحة الدوار، خفت صوت المزمار شوي بشوي لحد ما انقطع خالص. الكلام جف في الحواج، والتفتت روس مئات الحاضرين من أهل العريس والمعازيم ناحية البوابة في ذهول ومصمصة شفايف. المشهد كان يقشعر ليه البدن؛ واحد وعشرين راجل من صلب راجل واحد، داخلين كتلة بشرية واحدة، تفيض بالهيبة والشموخ، يمشوا بخطوات رصينة هزت طين الساحة. الهمس اشتغل بين أهل العريس: “مين الجبال دول؟! مش قالوا مالهمش عزوة؟! دول عيلة يهدوا بلد!


_رومانى_مكرم


في اللحظة دي بالذات، كان بوي واجف في وسط الساحة، شايل في يده صينية النحاس وعليها الحجة والضيافة، مذهول من الصمت اللي حلّ فجأة في الفرح. دار ببطء ناحية البوابة عشان يشوف إيه الخبر وإيه اللي سَكّت المزمار.


وقع بصر بوي عليهم. جمد الدم في عروقه، واتسمر مكانه كيف الصنم، وسقطت صينية النحاس من يده لتتكسر على البلاط وتتحطم كاسات الشربات، وصوت رنتها كان هو الوحيد المسموع في الدوار كله. تلوّن وشه بألف لون، واهتز طوله بشدة وكأنه يشوف غُيّاب رجعوا من القبور بعد ما قطع الأمل فيهم. بص لأخواته السبعة اللي هجرهم وهجروه سنين وطال بيناتهم الجفا، وبص لأولادهم الأربعة عشر اللي كبروا وبقوا رجالة ماليين هدومهم وعصيهم في أيديهم.


تقدموا أعمامي بخطوات تقيلة وواثقة لحد ما بقوا على بعد خطوتين منه واجفين سد منيع، وعيونهم السودة مثبتة في عيونه.


وابويا اول ما شافهم..وقف فى وشهم وقال..


ياتره هيحصل ايه وابوه هيعمل ايه وايه السر الى بقاله سنين


وابويا أول ما شافهم.. وقف في وشهم وقال بصوت متحشرج ماليان شجن وبكاء، صوت طالع من قاع السنين اللي عاشها مكسور الظهر: “يا مرحب بالعزوة.. يا مرحب بلحمي ودمي اللي حماني وسد في غيبتي.. نورتوا داركم يا خوتي، نورتوا فرح بنتكم يا ولد عمي!”


وما هي إلا لحظة واحدة، مرت كأنها دهر، ورمى بوي نفسه في أحضان عمي الكبير. ارتمى في حضنه كيف العيل الصغير اللي لقى أمه بعد توهة وطول غياب. عمي الكبير فتح دراعاته على وسعهم وضم بوي لصدور ماليانة شهامة، وضربه على ظهره بقوة وعيونه هو كمان غيمت بالدموع. وفي ثواني، اتلموا السبع رجالة فوق بعض، حضن جماعي زلزل قلوب كل اللي واقفين، مشهد يخلي الصخر يلين ويَبكي من كتر المحبة اللي صحيت بعد نوم سنين.



فجأة، وسط ذهول المعازيم كلهم وأهل العريس اللي برقت عيونهم من الصدمة، بوي فك نفسه من حضن خوته السبعة، وبحركة سريعة كيف البرق، مد يده تحت الجلباب وسحب مسدسه، ورفع يده لفوق ناحية السما..


**”طاخ.. طاخ.. طاخ.. طاخ!”**


ضرب نار واعر ورا بعضه، علب رصاص كاملة اتفرغت في جوف السما، صدى الصوت كان يرج جبال الصعيد رج، وينفض الغبار عن قلوب طال عليها الجفا. ضرب النار ده مكانش مجرد فرحة، ده كان إعلان رسمي وبلاغ للدنيا كلها: **”أنا مابقتش لوحدي.. أنا ظهري رجع اتسند، وعزوتي أهي واجفة كيف الأسود!”**


الشباب الأربعة عشر، أولاد أعمامي، ما كدبوش خبر؛ أول ما شافوا بوي بيضرب نار، سحبوا هم كمان سلاحهم وشارعوا السما بالرصاص، الساحة انقلبت زلزال من الفرحة، والمزامير اشتغلت بأعلى صوت والطبول دبت في الأرض، واختلطت أصوات الزغاريد اللي شقشقرت من بيوت الحريم بصوت الرصاص اللي يفرح قلب الحزين.


انطلقت حلقة الرقص، ونزلوا أعمامي وأولادهم العصي الأبنوس، يلفوا حولين بوي وحواليا في حلقة عز وهيبة لم تشهدها البلد من سنين واصل. أهل العريس اللي كانوا داخلين بقلب جامد، تراجعوا لورا، وعيونهم زاغت وتبدلت علامات التكبر لعلامات خوف وهيبة من الجيش اللي دخل الساحة فجأة وبدل الموازين كلها.


لكن وسط الفرحة العارمة دي، والضرب اللي لسه شغال، لمح عمي الكبير راجل من كبارات أهل العريس واجف في زاوية ضلمة برا الساحة، وبيتكلم في التليفون وصوته واطي وعلامات الغدر والشر باينة في عيونه وهو عيبص على أعمامي.. عمي الكبير لمح النظرة دي، وشه قلب خشب، ونزل يده اللي كانت ساندة على بوي، وشاور لولد عمي الكبير وهمس في ودنه بكلمتين خلوا الواد يبرق ويمسك عصايته الأبنوس بـيديه الاتنين ويتجه بهدوء وحذر ناحية بوابة الدوار الخارجية..


اتجه ولد عمي الكبير بخطوات سريعة كيف الفهد ناحية البوابة، وعينه منزلتش واصل عن الراجل اللي واقف في الضلمة عيتكلم في التليفون. الراجل أول ما لمح ولد عمي جاي عليه وعصايته الأبنوس واجفة في يده، ارتبك وقفل السكة بسرعة وحاول يداري وشه ويدخل وسط زحمة أهل العريس، لكن ولد عمي كان أسرع، حط يده على كتفه وضغط عليها بقوة خلت الراجل يتلوى من الألم ويهمس وخوفه باين في عينه: “فيه إيه يا ولد الناس؟ إحنا في فرح!”


ولد عمي قرب منه وقال بصوت واطي يخرط المرار: “الّي عتكلمه في التليفون ده وتقوله يلم رجالة ويجوا ورا الدوار.. قوله يلغي المشوار واصل، عشان لو حد عتب عتبة الدوار ده الليلة، مش هيرجع لبيته على رجليه. إحنا هنا عيلة واحدة، وزعلنا مع عمنا خلص، والّي يفكر يستفرد بيه يواجه واحد وعشرين راجل.. سامع ولا أسمّعك بطريقة تانية؟”


الراجل ريقه نشف تماماً، وركبه سابت من الخوف وعلامات الرعب اتملت في وشه، وهو كان ناوي يعمل فتنة كبيرة ويستغل غياب أعمامي عشان يكسر بوي وعيلتنا قدام أهل البلد، ويهدم الفرح كله. هز راسه بالموافقة والارتجاف واكل طوله، وانسحب وسط أهله وهو عيضرب كف على كف، وعينه عتلف في الأرض من الخزي بعد ما خطته للفتنة اتهدت فوق رأسه.



جوه الساحة، كان بوي لسه عيرقص بالعصاية مع عمي الكبير، يروحوا ويجوا مع نغمات المزمار الصعيدي، والشباب الأربعة عشر محوطينهم وعاملين حلقة سد منيع، يضربوا الأرض برجاليهم ضربة واحدة تخلي القلوب ترج. بوي كان وشه منور وكأنه صِغر عشرين سنة، الفرحة حيت عروقه من تاني، وكل ما عينه تيجي في عين أخ من إخواته، يبتسموا لبعض وكأنهم عيمسحوا زعل السنين بكلمة رضا من غير ما ينطقوا.


أهل العريس، اللي كانوا جايين ومفكرين إن العروسة مالهاش ظهر وهيتحكموا في شروط الفرح كيف ما يترائى ليهم، انكمشوا في كراسيهم بعد ما شافوا هيبة العزوة والرجالة. كبيرهم وقف وقرب من بوي وعمي الكبير، وطأطأ راسه بشوية احترام وقال: “منورين يا جماعة.. الشرف لينا إننا نناسب العيلة الكبيرة دي، وإحنا تحت أمركم في أي طلب للعروسة.”


عمي الكبير بصلوا بنظرة صقر وقال وهو عيسند على عصايته: “بنتنا مهرها غالي، وغلاوتها من غلاوة عمايمنا.. والفرح بكرة مش هيكون ليه مثيل في البلد واصل، عشان الكل يعرف مقام بنت الأصول.”


انتهت ليلة الحنة على خير، والكل بارك وهلل، ورجعنا كلنا مع أعمامي وأولادهم للمضافة الكبيرة عشان نرتبوا لفرح بكرة. قعدنا كلنا، وبوي وسط إخواته السبعة، والصلح اتعمق بالدموع والعتاب الأgroupي اللي صَفّى النفوس تماماً.


وتاني يوم العصر، كان الميعاد.. الفرح الكبير.


البلد كلها كانت واقفة على رجل. الزفة بدأت، وخرجت العروسة متبخترة بفستانها الأبيض، وحواليها واحد وعشرين راجل بجلاليبهم الصعايدة والشيلان الكشميري، وعربيات أعمامي وأولادهم قفلت الطرقات من كترها. لكن وأول ما وصلنا لساحة الفرح الكبيرة اللي في وسط البلد، وبدأنا ننزلوا من العربيات عشان ندخلوا القاعة، ظهرت تلات عربيات دفع رباعي سودا، فاميه غامق، وقفت فجأة وقطعت طريق الزفة بالكامل، ونزل منها رجالة غريبة مش من أهل البلد، ماليين كفوفهم بسلاح تقيل، وعيونهم عتـدَوّر في وسط الزفة على شخص واحد بالذات..


مرّت الساعات والبهجة تزيد ما تنقص، لحد ما جه وقت الخروبة والزفّة الكبيرة اللي هتوصل العروسة لبيتها الجديد. خرجنا من القاعة في موكب مهيب، العربيات متستفة ورا بعضيها كيف القطار، تطلق كلاكسات الفرح اللي تسمع لآخر بلاد واصل. وبوي وعمامي السبعة والشباب الأربعة عشر كانوا راكبين في أول الموكب، واجفين في عربياتهم النص نقل والدفع الرباعي، عمايمهم البيضا تلوّح في الهوا، والهمة والشموخ ماليين قلوبهم بعد ما اتلم الشمل وانجبر الخاطر.


أول ما عتبت أول عربية في الموكب أول الشارع اللي فيه بيت العريس، انقطعت الأصوات كلها فجأة، وبدأت ملحمة الفرح الصعيدي الحامية اللي هزت أركان الناحية كلها.


عمي الكبير وقف بطوله الفارع في وسط العربية، وسحب بندقيته الآلية ورفعها لقلب السما، وخرجت الطلقة الأولى تزأر كيف الأسد وتعلن البداية. ما هي إلا ثانية واحدة، وكان السبع رجالة والـ أربعة عشر شاب مطلعين السلاح كله؛ مسدسات وبنادق آلية وخراطيش، وانطلق ضرب النار الفرايحي اللي ملوش مثيل.



**”طاخ.. طاخ.. طاخ.. بوووم.. طاخ!”**


الرصاص كان عيطير في السما كيف المطر، وصوته يعمل رعد يزلزل الأرض تحت رجلين المعازيم. الدخان الأبيض غطى سما الشارع، والشرار اللي نازل من جوف البنادق كان ينوّر العتمة ويزيد القلوب حماسة وفخر. بوي كان واجف وسط إخواته، يضرب طلقة ورا طلقة وعيونه تلمع بدموع النصر والفرحة، وكل ما يخلص خزنة، يرميها للشباب يملوها له في ثواني ويرجع يضرب من تاني وهو عيزعق بعلو صوته: “علّي يا ولد أخويا.. علّي وسمّع الدنيا كلها فرحة بتنا!”


أهل العريس والمنطقة كلها خرجوا في البلكونات وفوق السطوح، مذهولين من كتر الضرب والهيبة. الشارع اتقلب حلقة نار ونور، والكل واجف يتفرج على العزوة اللي مفيش قوة تقدر تقف في وشها. العريس بيدور وعيونه عتلف من الفخر، حاسس إنه ناسب ملوك مش رجالة وبس.


فضل ضرب النار الفرايحي شغال ومتواصل بلا انقطاع، الأرض اتهزت من كتر فوارغ الرصاص اللي اترمت على الأسفلت وبقت كيف السجادة النحاس. استمر الحال ده لأكتر من ساعة، والرجالة والشباب واقفين سد منيع قدام باب بيت العريس، مأمنين ومفرحين ورافعين راس بنتهم لفوق الفوق، لحد ما نزلت العروسة من عربيتها متبخترة كيف الأميرة، محمية بظلال العمايم والشيلان الكشميري.


مشت أختي على فوارغ الرصاص بخطوات ثابتة وراس مرفوعة، وبوي وعمي الكبير ماسكين إيدها لحد ما عتبت باب البيت ودخلت شقتها متصانة ومحشومة، والكل عيزغرد ويقول: “يا جبل ما يهزك ريح.. دي عيلة يهدوا بلد!”


وأول ما اتقفل باب بيت العريس والعروسة استقرت جوه، هدي ضرب النار شوي بشوي، والتفت عمي الكبير لبوي وحط يده على كتفه وقال: “أمانتك ووصلت يا خوي.. ودلوقتي عاد، جه وقت الحساب الواعر اللي مستنينا في الدوار الكبير..”


قعدنا كلنا في وسط الدوار الكبير بعد ما رجعنا من بيت العريس، والهدوء حلّ على المكان واصل بعد صخب الفرح وضرب النار. السبع رجالة قعدوا في صدر المضافة، والشباب الأربعة عشر وقفوا وراهم في صمت مهيب، وبوي كان قاعد ومنكس راسه في الأرض، وعلامات الندم والخجل واضحة على وشه.


عمي الكبير اتنهد تنهيدة شقت السكوت، وبص لبوي وقال بصوت ماليان حزن ووقار: “خلاص يا خوي.. بتك ودخلت بيت جوزها مرفوعة الراس وسط عيلتها وعزوتها.. ودلوقتي جه وقت الكلام الواعر اللي كتمناه في صدورنا تمنتاشر سنة واصل. جه الوقت اللي ولدك يعرف فيه إيه السر اللي فرّق الأخوات وخلى الدم يبقي مية طول السنين دي.”


بوي رفع راسه وعيونه مغرقة بالدموع، وهز راسه بالموافقة وكأنه عيقوله: “قول يا خوي.. وريح قلبي من شيل الهم.”


عمي الكبير التفت ناحيتي وقال: “اسمع يا ولدي عشان تعرف إن الأصول مبتتجزأش.. زمان، من تمنتاشر سنة، جدي الله يرحمه ساب لينا أرض المطارح الكبيرة اللي على أول البلد، أرض تسوى ملايين. الأرض دي كانت ورثنا كلنا، السبع إخوات وأبوك تامنهم. وجدك قبل ما يموت وصى وصية شديدة: (الأرض دي متتباعش للغريب واصل، تتدور بيناتكم وتفضل سند للعيلة).”



أخد عمي الكبير نفس طويل وكمل وعينه عتطق شرار قديم: “لكن أبوك زمان، اتزنق في قرشين عشان كان عاوز يدخل تجارة كبيرة مع ناس غُرب من برا البلد. الناس دول زغللوا عينه بالفلوس والمكسب السريع، ولعبوا بدماغه لحد ما وافق يبيع ليهم نايبُه في الأرض من ورا ظهرنا، لا لِوعنا ولا قالنا اشتروا أنتوا أولى بمال جدكم! ومش بس كده.. المشتري الغريب ده استغل عقد البيع اللي مع أبوك، وجاب رجالة بسلاح وبدأوا يضايقونا في باقي الأرض وعاوزين يطردونا منها ويدوسوا على كرامة العيلة.”


هنا بوي اتكلم وصوته عيرعش من البُكا: “والله ما كنت أعرف إنهم هيدوروا علينا بالغدر يا خوي! أنا كنت فاكرهم ناس أصول، والجمعة عمت عيني عشان كنت عاوز أعمل قرشين أأمن بيهم مستقبلي ومستقبل عيالي.”


عمي الكبير خبط بعصايته الأبنوس على الأرض وقال: “الجهل بالشيء مش عذر يا خوي! اللي عملته زمان مكانش مجرد بيعة أرض.. ده كان كسر لظهرنا قدام الغريب، وخروج عن شور العيلة ووصية أبوك. يومها قعدنا مجلس عرب، والكل لَام عليك، وبدل ما تتراجع وتعتذر، أخدتك العزة بالإثم، ولميت عزيلك وخدت مرتك وطلعت برا الدوار الكبير، وقطعت الوصل بيناتنا.”


ساد الصمت في المضافة، وبوي قايم من مكانه بجلابيته، ومشى خطوات لحد ما وصل عند رجلين عمي الكبير وطأطأ راسه وقال: “حقكم عليا.. أنا غلطت في حقكم وفي حق نفسي، وشربت المرار تمنتاشر سنة وأنا مقطوع من شجرة، وعرفت إن المال تروح وتيجي، لكن الأخ ملوش عوض واصل.”


عمي الكبير بص لبوي، وملامحه الشديدة بدأت تلين، ومد يده ورفع راس بوي لفوق وضمه لصدّره تاني وقال: “السر ده اندفن الليلة تحت فوارغ الرصاص اللي ضربناه في الفرح.. وإحنا مرجعناش عشان الأرض ولا عشان العتاب، إحنا رجعنا عشان لحمنا ميتداسش.. لكن عاد، فيه حاجة تانية لازم تعرفوها.. الأرض اللي اتباعت زمان، المشتري الغريب مات، وولاده النهاردة الصبح نزلوا البلد ومعاهم العقد القديم، وناوين يهدوا الدوار ده فوق روسنا..”


 

عمي الكبير بص لبوي، وملامحه الشديدة دابت تماماً، وفجأة نزلت دمعة من عينيه مسحت قساوة تمنتاشر سنة. مد يديه الاتنين، ورفع راس بوي من على الأرض وضمه لصدّره ضمة قوية كأنه عيرجع الحتة اللي اتخلعت من قلبه زمان، وقال بصوت حنين يداوي الجروح: “قوم يا خوي.. قوم وارفع راسك، عيب وعار على واصل إن أخوي يطأطئ راسه وأنا عايش فوق الدنيا. الأرض والفلوس يغوروا في ستين داهية، المهم إنك رجعت لحضننا، ورجعت الدار تنور بوجودك وسطوتك.”


بوي بكى بحرقة في حضن أخوه، والسبع رجالة، عمامي الباقيين، مقدروش يمسكوا نفسيهم؛ قاموا كلهم من على الكنب والتموا حوالين بوي. اللي يطبطب على كتفه، واللي يبوس راسه، واللي يمسح دموعه بكم جلبابه وهو عيقول: “خلاص يا خوي.. انعل الشيطان، الماضي مات واندفن، وإحنا ولاد راجل واحد، والدم عمره ما يبقى مية واصل.”



في اللحظة دي، عمي الكبير التفت للشباب الأربعة عشر اللي كانوا واقفين وعيونهم ماليانة بدموع الفرحة من مشهد الصلح، وشاور لولده الكبير وقال بصوت ماليان فخر واحتواء: “يا ولد.. النهاردة عيد في العيلة دي. خشوا يا رجالة، سلموا على عمكم وبوسوا يده وراسه، واعرفوا إن ده سندكم وظهركم من هنا ورايح.”


الشباب تقدموا واحد ورا واحد بأدب وهيبة تشرح القلب. دخلوا على بوي، وكل واحد فيهم يبوس يده وراسه ويحضنه، وبوي يضمهم لقلبه مذهول من كم المحبة، ويبص في وشوشهم ويقول: “ما شاء الله.. كبرتوا وبقيتوا رجالة تسد عين الشمس.. الله يحميكم ويرعاكم يا ولاد الغوالي.”


عمي الكبير قعد بوي جنبه في صدر المضافة، وجاب كاسات الشربات بنفسه وقدمها له وقال: “اشرب يا خوي وافرح.. بتك الليلة دخلت بيت جوزها وهي رافعة راسها بأعمامها، وإحنا الليلة دخلنا دارنا الكبيرة وإحنا رافعين راسنا بيك. أما بخصوص ولاد المشتري الغريب وعقدهم القديم.. فدول متفكرش فيهم واصل ولا تشغل بالك بيهم.”


بوي بص لعمي بقلق، فابتسم عمي الكبير ابتسامة عريضة كلها ثقة وطمأنينة، وحط يده فوق يد بوي وقال: “الناس دول لما لقونا متفرقين، طمعوا فينا.. لكن لما شافوا الليلة واحد وعشرين راجل واقفين يد واحدة في الفرح، وصوت رصاصنا رج البلد كلها، هيفكروا ألف مرة قبل ما يعتبوا الشارع بتاعنا. إحنا مش هنحاربهم بالسلاح يا خوي، إحنا هنقعد معاهم قعدة أصول، وهنشتري الأرض منهم بفلوسنا ونرجع ورث جدك كامل مكمل، ومحدش هيقدر يرفع عينه فينا طول ما إحنا لحمة واحدة وسد منيع.”


أنا كنت واقف في زاوية المضافة، قلبي عيرقص من الفرحة وأنا شايف أبويا وسط إخوته، والكسرة اللي كانت في عينيه اتبدلت بنور وعز وهيبة ملوش مثيل. حسيت لأول مرة في حياتي إن ليا ظهر وسند أترمي عليه وأنا مطمن.


وفي وسط القعدة والضحكة اللي رجعت تملى المكان والمحبة اللي غطت على كل زعل، دخل واحد من غفر الدوار وهو عينه بتلف من الخوف، ووقف قدام عمي الكبير وقال بصوت مرعوب: “يا كبارات.. ولاد الراجل المشتري واقفين برا على بوابة الدوار، ومعاهم ناس غريبة وجايين يطلبوا يقابلوكم الوجت ده بالذات..”


عمي الكبير بصل الغفير بنظرة هادية وواثقة، تفيض بالسكينة اللي ملت قلبه بعد الصلح، وقال بابتسامة عريضة: “خليهم يدخلوا يا فراج.. الدوار مفتوح للكل، وإحنا الليلة مفيش في قلوبنا مكان للزعل واصل.”


دخلوا ولاد الراجل المشتري، تلات رجالة باين عليهم علامات الهيبة، لكن أول ما خطوا عتبة المضافة وشافوا السبع رجالة وبوي في وسطيهم، والشباب الأربعة عشر محوطينهم كيف السور، علامات التردد والخوف ظهرت في عيونهم. تقدم كبيرهم، وسلم بوقار وقعد، وطلع المحفظة وسحب منها العقد القديم وحطه على الترابيزة وقال بصوت هادي ومحترم: “يا كبارات.. إحنا جينا الليلة مش عشان نفتحوا دفاتر قديمة ولا نهدوا دار حد، إحنا لما سمعنا إن الشمل اتلم ورجع الأسود لعرينها، عرفنا إن الأرض دي لازم ترجع لأصحابها الحقيقيين. العقد أهو.. وإحنا راضيين بالّي تشوفوه ويرضي ربنا.”



عمي الكبير بص لبوي وتبسم، وقال لكبيرهم: “والأصول بتقول إن مال جدنا يرجع لينا، وفلوسكم اللي دفعها أبوكم زمان هتاخدوها وافية ويزيد عليها حبة كرامة من عندنا كمان.”


تمت البيعة ورجعت الأرض في دقايق معدودة وسط ترحيب وتهليل، وتقطع العقد القديم اللي كان سبب الفراق تمنتاشر سنة واصل.


بعد ما ولاد المشتري مشوا والارتياح ملا المضافة، التفت عمي الكبير لبوي، وبصله بنظرة ماليانة مكر ومحبة وصاح بعلو صوته: “جرى إيه يا أبو العروسة؟ بعنا الأرض واشترينا أرض، وفرحنا ببتنا وراحت بيت جوزها.. لكن الشمل اللي اتلم ده مش عاوزه يِفِتّ واصل، وعاوزين نربطوا الحبال ببعضها عشان السلسلة متنقطعش تاني لآخر العمر.”


بوي بصله بدهشة وفرحة وقال: “شورك إيه يا خوي الكبير؟ قولي وعيني ليك.”


عمي الكبير حط يده على كتفي أنا، وبص لبوي وقال بصوت هز المضافة من البهجة: “شورى إن ولدك السند ده، الّي جالي المضافة ورجّع الأخوات لحضن بعض، ملوش مكافأة عندي واصل غير إنه يناسبني! وادك يا خوي ملوش غير بنتي (هنية)، وأنا عارض عليك النسب الغالي ده، نربطوا الدم بالدم، واللحم باللحم، ويبقى الفرح فرحين والصلح صلحين!”


الدوار كله اتقلب خية نحل من الفرحة، وبوي قام من مكانه وحضن عمي الكبير وهو عيبكي من كتر الفرحة والاحتواء وعيزعق: “ده يوم المنى يا خوي.. ده أنا أشتري نسبك بمال الدنيا كله.. يا مرحب ببت الغالي في داري!”


الشباب أولاد عمامي هجموا عليا، شالوني على أكتافهم في وسط المضافة، وصوت الزغاريد شقشقت تاني من بيوت الحريم اللي سمعوا الخبر، وبوي سحب مسدسه من تاني وخرج للبلكونة وشارع السما رصاص فرايحي جديد، يعلن للبلد كلها إن عيلة المكايرم مش بس اتصالحوا.. دول بقوا كتلة خرسانة واحدة مفيش حد يقدر يهدها واصل.


قعدت وسط ولاد عمي وأنا مش سايعاني الدنيا من الفرحة، عيني جت في عين عمي الكبير وهو عيغمزلي ويضحك، وبوي واقف وسط إخواته يخططوا لفرحي اللي هيكون بعد شهر من اليوم.. لكن وسط الفرحة دي والترتيبات، دخل ولد عمي الصغير وهو عينه في التليفون ووشه اتقلب خطف، وقرب من عمي الكبير وهمس في ودنه بخبر خلا عمي يقف بطوله وعلامات الذهول والجدية ترجع لوشه من تاني..


 


 


عمي الكبير وقف بطوله، والكل سكت في المضافة كأن على رؤوسهم الطير. بص لولد عمي الصغير وقال بصوت حازم وهادي: “قول يا ولدي.. إيه الخبر اللي يخلو وِشّك يقلب إكده وسط فرحتنا؟”


ولد عمي بلع ريقه وبص لبوي وبصلي وقال: “يا بوي.. المحافظ ومدير الأمن بنفسهم على أول طريق البلد، ومعاهم موكب كبير وجايين يدخلوا الدوار الوجت ده واصل!”


بوي وقف مذهول وقال: “المحافظ ومدير الأمن؟! وإيه اللي يجيبهم عندنا في وقت زي ده يا خوي؟ هو فيه حاجة واصل؟”


عمي الكبير ضحك ضحكة عالية رنت في أركان المضافة، وحط يده على كتف بوي وطمنه وقال: “متخافش يا خوي.. المحافظ ومدير الأمن مش جايين بشر واصل. الناس دول لما شافوا بلد بحالها كانت قايدة نار من تمنتاشر سنة بسبب الخلافات، والنهاردة الشمل اتلم وضُرِب رصاص الفرحة والصلح اللي سمع لآخر المركز، ولما شافوا ولاد المشتري خرجوا من عندنا مرضيين والأرض رجعت لأصحابها بالحق والأصول من غير نقطة دم واحدة.. عرفوا إن كبارات البلد قعدوا وصَفّوا النفوس. دول جايين يباركوا الصلح الكبير، عشان عيلتنا لما بتتلم، البلد كلها بتتلم وتهدا.”



ما هي إلا دقايق، ووقفت العربيات الرسمية قدام بوابة الدوار، ودخل المحافظ ومدير الأمن ومعاهم كبارات المركز والمشايخ. المضافة اتملت هيبة على هيبتها، وبوي وعمامي السبعة وقفوا سد واحد يستقبلوهم بالترحاب والشهامة الصعيدية المعتبرة.


المحافظ سلم على عمي الكبير وعلى بوي وقال بعلو صوته قدام الكل: “أنا جيت بنفسي لغاية دِواركم العامر عشان أبارك الخطوة دي.. إحنا بقالنا سنين عانحاولوا نوفقوا بيناتكم والصلح كان عيتأجل، والنهاردة لما عرفنا إنكم قعدتوا وبقيتوا يد واحدة، جيت أقولكم إنكم ضربتوا مَثل في الأصول والوعي، والبلد دي طول ما كباراتها بخير.. هتفضل بخير.”


مدير الأمن التفت لبوي وتبسم وقال: “مبروك فرح بتكم ومبروك صلحكم يا حاج.. وصوت الرصاص الفرايحي اللي ضربتوه النهاردة، إحنا سمعناه وغمضنا عينا عنه عشان عارفين إنه رصاص فرحة ورجوع حق، مش رصاص غدر وشر.. بس عاد، كفاية ضرب نار لحد إكده عشان القانون!”


الكل ضحك في المضافة، وبوي كان حاسس إن روحه ردت له، وراسه بقت في السما وهو شايف الحكومة وكبارات البلد جايين لحد عنده يباركوا له ويهنوه بعد ما عاش سنين طويله منبوذ ومقطوع. قعدنا كلنا، ودارت كاسات الشربات والقهوة السادة، والكل شهد إن الليلة دي مش مجرد صلح عيلة.. دي ليلة تاريخية هتتحاكى بيها البلد جيل ورا جيل.


المحافظ التفت ليا وأنا واقف وسط الشباب وقال لعمي الكبير: “والعريس الزين ده.. فرحه مِتاي؟”


عمي الكبير رد بفخر: “الشهر الجاي يا سيادة المحافظ.. وهتكون ليلة ينورنا فيها الكل.”


الموجة عَدّت على ألف خير، والكل مشي والبهجة مأمنة المكان. قعدنا أنا وبوي وعمامي نقفلوا سهرتنا الكبيرة، وبوي بص لعمي الكبير وقال والدموع عتنزل من الفرحة: “أنا الليلة هنام وأنا مطمن يا خوي.. بتي صينت، ووادى خطب ست البنات، وظهري اتسند بيكم.”


عمي الكبير ابتسم وبص للشباب وقال: “خلاص عاد.. اجهزوا يا رجالة عشان فرح ولد عمكم الشهر الجاي.. والّي هيحصل فيه، مفيش حد في الصعيد كله هيتخيله واصل..”


ومرت الأيام سريع كيف لمح البصر، وجاء اليوم الموعود.. ليلة فرحي على “هنية” ابنة عمي الكبير.


الدوار الكبير كان متشيك وزاهي بكهارب ملونة واصلة لحد السحاب، والمزامير البلدي والطبول مدورة من الفجر، والبلد بحالها جفت على رجلها؛ الصغير قبل الكبير، والغريب قبل القريب، الكل جاي يتفرج على الفرح اللي هيجمع لحم العيلة ويدق مسمار الصلح لآخر العمر.


وقفت أنا وبوي في وسط الساحة، لابسين الجلاليب السكروتا المعتبرة، والشيلان الكشميري على أكتافنا. بوي كان عيلف بين المعازيم وعيونه عتـشِع نور وفخر، مشيت منه كسرة العين والوحدة لآخر العمر، وبقى يدور وسط الناس وسنده وعزوته محوطينه. السبع رجالة، أعمامي الجبال، كانوا واقفين في استقبال الضيوف، والـ أربعة عشر شاب، أولاد عمامي وإخواتي، ماليين المكان حركة وهمة، يخدموا الصغير قبل الكبير بضحكة وصدر رحب.



نزلت “هنية” بفستانها الأبيض الطاهر كيف الملاك، وأبوها عمي الكبير ماسك يدها، ويمشي بخطوات وزينة لحد ما وصل عندي، وسلمني يدها وحطها في يدي، وقال بصوت هز القلوب من الفرحة والشجن: “أمانتك يا ولد أخوي.. لحمي ودمي وصية في رقبتك ليوم الدين.”


حطيت يدها فوق راسي وقلت: “في عيوني يا عمي، دي جوهرة المكايرم وصيانة عمايمنا كلها.”


في اللحظة دي، بوي وعمي الكبير اتقدموا في وسط الساحة، ورفعوا العصي الأبنوس، ونزلوا يرقصوا مع بعض على نغمات المزمار الحامية. الشباب كلهم عملوا حلقة واسعة حواليهم، وبدأ ضرب النار الفرايحي يشتغل من تاني، لكن المرة دي مكانش ضرب خوف ولا إعلان قوة وبس.. ده كان عزف فرحة صفت النفوس تماماً. تلاحمت الأصوات، واختلطت زغاريد الحريم بصوت الرصاص والطبول، والكل كان عيهتف ويبارك للعيلة اللي رجعت أقوى من الأول مية مرة.


وبعد ما تمت الليلة على ألف خير، والكل بارك وهنّا ودخلت بيتي متصان ومجبور الخاطر، قعد بوي وعمي الكبير على عتبة الدوار لجل ما يشوفوا الفجر وهو عيشقشق وينور سماء البلد بعد ليلة العمر.


بوي بص لعمي الكبير، واخد نفس طويل ماليان رضا، وقال: “سبحان العاطي يا خوي.. دارت الأيام ولفت، وعرفنا قيمتنا الحقيقية.”


وهنا عاد، نطق عمي الكبير بـ **الحكمه** الغالية اللي اتكتبت بماء الذهب وخلاصات السنين، وبص لبوي وقال:


> “اسمع ووعى يا خوي، وسمّع ولدك والجيل اللي طالع.. **المال تروح وتيجي، والأرض تتسرق وتتباع وتتعوض بمال الدنيا.. لكن الأخ ملوش عوض واصل، والدم عمره ما يبقي مية.**


> الغريب مهما طال وِدّه وعِلي مقامه، وقت الضيقة عيقيسها بالربح والخسارة، لكن أخوك ابن أبوك عيقيسها بالعرض والكرامة. زمان لما اتفرقنا، طمع فينا الغريب وافتكرنا قليلين حيلة، ولما اتلمينا وبقينا يد واحدة، انكمش الشر وخاف الكل من هيبتنا ورجع الحق لأصحابه من غير ما نرفع سلاح في وش حد.


> حكمتك في الدنيا يا ولدي: **العزوة مش بكتر الفلوس، العزوة بالظهر اللي تسند عليه وأنت مغمض عينك.. طول ما الأخوات لقمة واحدة وفي ظهر بعض، يهدوا بلاد، ومفيش قوة فوق الأرض تقدر تكسر ليهم عِمّة واصل.**”


>


وانتهت حكايتنا والكل مرضى، والشمل ملموم، والصلح داق وتد في طين الدوار الكبير لآخر العمر.


 


تعليقات

close