القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 ابني سر,,قنا 



ابني سر,,قنا حكايات صافي هاني


ابني س..رق خزنة العيلة واختفى تلاتة وعشرين سنة. فضلت أكرهه طول عمري تقريبًا، لحد ما بنته ظهرت ومعاها مفتاح وحقيقة خطفت نفسي.


الجزء الأول


”أنا بنت ابنك الغايب”.


دي كانت أول كلمات قالتها البنت الشابة وهي واقفة قدام بابي، شنطة ظهر قديمة متعلّقة على كتف واحد والخوف مالي عينيها.


كان عندي سبعة وستين سنة، وعايشة لوحدي في شقة صغيرة في حي شبرا. في السن ده، بتتعلم متفتحش الباب لأي حد، بالذات لما الجرس يرن في نص الصبح وانت مش مستني حد.


فتحت الباب حتة صغيرة بس.


وسألتها: “انتي مين؟”


بلعت ريقها بصعوبة.


”اسمي مريم. أنا بنت أحمد”.


لحظة واحدة، حسيت كأن الأرض اتهزت تحت رجلي.


أحمد.


ابني.


نفس الراجل اللي من تلاتة وعشرين سنة فضّى الخزنة اللي في مطعم أبوه واختفى ومنطقش ولا اتصل بعدها أبدًا.


جوزي، الحاج مصطفى، مات بعد تلات أيام. الدكاترة قالوا أزمة قلبية. بس أنا طول عمري عارفة الحقيقة. قلبه اتكسر لما اكتشف إن ابنه سرق مننا كل حاجة.


كنا بنملك مطعم في وسط البلد اسمه “مطعم المصطفى”. مكانش فخم، بس كان بتاعنا. جوزي كان بيطبخ، وأنا بمسك الحسابات، وأحمد بيخدم الزباين. لمدة تمنتاشر سنة، حوشنا كل مليم لحد ما قدرنا أخيرًا نشتري المكان.


كان فيه حوالي أربعة مليون ونص جنيه في الخزنة دي.


في صباح يوم، مصطفى دخل المكتب ولقاها مفتوحة.


فاضية.


وأحمد ملوش أثر. أوضته كانت زي ما هي ملمستش، هدومه لسه متعلقة، وجزمته لسه تحت السرير، بس هو اختفى.


مصطفى وقع على الأرض.


ومقامتلوش قومة تاني.


بعت المطعم عشان أدفع مصاريف المستشفى، والجنازة، والديون اللي سابها وراه. بعد كده، اشتغلت في تنضيف البيوت، وغسيل هدوم الناس، وكنت بشتغل بالليل في حسابات المحلات الصغيرة.


وطول الوقت ده، كنت بكره ابني في سرّي.


ودلوقتي واحدة غريبة واقفة قدامي، وبتقول إنها حفيدتي.


مريم قالت: “بابا مات من شهر. وقبل ما يموت، طلب مني أدور عليكي”.


مردتش عليها.


مدت إيدها في شنطتها وحطت مفتاح فضة على الترابيزة.


”قالي أديكي ده. فيه مخزن في حدائق القبة. كل حاجة هناك”.


”كل حاجة إيه؟”


مريم بصتلي والدموع في عينيها.


”الفلوس. الحقيقة. والسبب اللي خلاه ميرجعش أبدًا”.


المفتاح كان قاعد بيننا وكأنه تهديد.


لأكتر من عشرين سنة، كنت متأكدة إن ابني حرامي ومعندوش قلب.


بس الصبح ده، ولأول مرة، فيه حد بيلمّح إن القصة ممكن تكون أوحش بكتير من كل اللي اتخيلته.


ولما وافقت أخيرًا إني أروح المخزن ده، مكنتش لسه أعرف إني على وشك أفتح الباب الأكثر وجعًا في حياتي كلها.


 


الجزء الثاني


مريم سابتني واقفة في حيرتي ونزلت، بعد ما وصفتلي العنوان بالظبط. طول الليل منمتش. المفتاح الفضة كان محطوط قدامي على الترابيزة، وكل ما أبص له، شريط حياتي كله بيتعاد قدام عيني. تلاتة وعشرين سنة من الشقى والمرارة، تلاتة وعشرين سنة وأنا بدعي عليه في كل صلاة إنه كسر ضهرنا وهرّب شقا عمرنا. هل ممكن كل ده يطلع كدب؟



تاني يوم الصبح، لبست عبايتي السودا وأخدت المفتاح ونزلت. ركبت المترو لحد محطة حدائق القبة، ورجلي مكانتش شيلاني. وصلت للعنوان؛ كان مخزن قديم تحت عمارة في شوارع الحي الهادية، ريحة التراب والرطوبة كانت مالية المكان.


وقفت قدام الباب الحديد، إيدي كانت بترتعش وأنا بحط المفتاح في القفل. لفيت المفتاح.. وسمعت تكة الباب وهو بيفتح. نفس التكة دي خطفت قلبي.


فتحت الباب ودخلت. المكان كان ضلمة، نورت كشاف تليفوني. مكنش فيه عفش كتير، مجرد مكتب قديم، وكرتونه كبيرة مقفولة بلزق عريض، وفي الركن.. كانت خزنة حديد قديمة، شبه خزنة مطعمنا بالظبط.


مشيت خطوتين ناحية المكتب، لقيت جواب مقفول مكتوب عليه بخط إيد أنا عارفاها كويس.. خط أحمد.


فتحت الجواب وإيدي بتترعش، وقعدت على الكرسي المترب، وبدأت أقرأ:


”أمي الغالية..


لو بتقري الجواب ده، يبقى أنا بقيت في دار الحق، ومريم بنتي نفذت وصيتي. أنا عارف إنك عيشتي تلاتة وعشرين سنة بتكرهيني، وعارف إن أبويا مات بسببي.. بس أنا مكنتش حرامي يا أمي.


قبل الليلة المشؤومة دي بأسبوع، جالي ناس المطعم، ناس تقال وبتاع س..لاح وأثر، كانوا عاوزين يغسلوا فلوسهم في مطعمنا بالعافية. لما أبويا رفض وهددهم بابلغس، هددوني بيكي وبيه.. قالولي هنحرق قلبك عليهم. وفي الليلة دي، اقتحموا المكتب وأجبروني تحت التهديد أفتح الخزنة وآخد الفلوس، وأختفي تمامًا عشان أبويا ميتكلمش، وإلا هيق..تلوكم.


أنا مأخدتش الفلوس لنفسي يا أمي.. أنا هربت بيها من وراهم بعد ما غفلتهم، وجيت استخبيت هنا. مكنتش قادر أرجع عشان خايف يلمحو الرقابة عليكم، ومكنتش قادر أعيش بالفلوس دي. سبتها زي ما هي، ملمستش منها مليم، واشتغلت فاعل وأرزقي في المحافظات لحد ما اتجوزت وخلفت مريم.


الفلوس كلها جوه الخزنة دي، ومعاها ورق يثبت كلامي وبلاغات قديمة كنت بحاول أعملها من غير ما يوصلوا لكم. أنا محرمتش نفسي منكم غير عشان أحميكم.. سامحيني يا أمي، وسامحي ابنك الغلبان.”


الدموع نزلت من عيني زي المطر، ونفسي اتكتم. تلاتة وعشرين سنة وأنا بظلمه! تلاتة وعشرين سنة وهو عايش مشرد وخايف علينا!


قومت وجريت على الخزنة الكبيرة، فتحتها بالمفتاح التاني اللي كان جوه الجواب.. لقيت الشنط زي ما هي، فلوسنا القديمة، ومعاها صور لينا وإحنا صغيرين في المطعم كان واخدها معاه.


خرِجت من المخزن وأنا مش شايفة قدامي من الدموع، وطلعت تليفوني وكلمت مريم.. أول ما ردت، قولت لها بصوت مخنوق: “انتي فين يا بنتي؟ تعالي في حضن جدتك.. تعالي لبيت أبوكي”.


 


الجزء الثالث والأخير


مريم مجاتش لوحدها، لقيتها مستنياني بره المخزن، كانت واقفة على ناصية الشارع بتعيط وخايفة من ردفعلّي. أول ما عيني جت في عينها، ملقتش نفسي غير وأنا بجري عليها وبخدها في حضني. فضلت أعيط وأنا شامّة فيها ريحة أحمد، ريحة ابني اللي ظلمته وعشت عمري كله بدعي عليه وهو كان بيحميني.



”سامحيني يا بنتي.. سامحيني إني ظلمت أبوكي”، قولت الكلمتين دول وأنا بنهج من كتر البُكا.


مريم طبطبت عليا وقالتلي وصوتها بيرتعش: “هو كان عارف إنك هتسامحيه يا تيتة.. بابا مكانش بيعدي يوم من غير ما يجيب سيرتكم، كان دايماً يقولي أنا ليا أم بطلة وزمانها شايلة حمل جبال لوحدها”.


أخدت مريم ورجعنا على شقتي في شبرا. الشقة اللي عشت فيها سنين طويلة في ضلمة ووحدة، فجأة دخلها النور. قعدنا مع بعض وبدأت مريم تحكيلي عن حياة أحمد؛ إزاي عاش متنقل من محافظة لمحافظة، يشتغل يوم فاعل ويوم في المعمار، باسم مش اسمه، عشان خايف العصابة دي توصله أو تؤذينا. حكتلي إنه لما اتجوز والدتها -اللي ماتت من سنين- مكانش معاه حتى ثمن دبلة، ورفض تماماً يمد إيده على مليم واحد من فلوس الخزنة.


قالتلي: “بابا كان بيقول الفلوس دي مش بتاعتي، دي شقى أبويا وأمي، ولو صرفت منها مليم واحد هبقى فعلاً الحرامي اللي هما فاكرينه.. أنا شلتها أمانة لحد ما يجي اليوم اللي تترد لأصحابها”.


بصيت لمريم، البنت اللي عندها تمنتاشر سنة، ملامحها كلها من أحمد.. نفس العيون الواسعة ونفس الضحكة المكسورة. حسيت إن ربنا مبعتليش مريم بس عشان تبرأ أبوها، ربنا بعتها الكنز الحقيقي اللي يعوضني عن كل سنين الحرمان.


تاني يوم، رحت أنا ومريم البنك وشيلنا الفلوس كلها باسمها، وجهزنا ورق المحامي عشان نثبت كل حاجة ونهدّي روح أحمد في تربته. بعت شقتي القديمة، واشتريت شقة تانية واسعة ومريحة لينا إحنا الاتنين، وفتحت لمريم مشروع صغير تبدأ بيه حياتها وتكمل تعليمها في الجامعة.


لأول مرة من تلاتة وعشرين سنة، نمت وأنا مرتاحة. مشيت من الدنيا ومعاييش غير سجادة الصلاة وصورة أحمد ومصطفى، بس قلبي مكانش فيه ذرة كره لأي حد.


كل ليلة قبل ما أنام، ببص لصورة أحمد وأقوله: “نام ارتاح يا ابني.. سرك اتعرف، وبنتك في عنيا، وحقك رجعلك في الدنيا وقبل الآخرة”.


تعليقات

close