استنجدت باختها كامله
استنجدت باختها كامله حكايات صافي هاني
الساعة كانت تلاتة الفجر لما تليفوني رن. أختي التوأم، اللي في الشهر الثامن، كانت بتعيط وتصرخ: “الحقيني يا أختي… تعالي خديني”، والخط قطع. أول ما وصلت بيتها، وقف قدام الباب وسد السكة وهو بيبرطم بـ غِل: “دي خناقة عائلية، مفيش حاجة”. بس لما دخلت، لقيتها مرمية على أرض أوضة النوم، جسمها كله كدمات ومبتتحركش غير بالعافية. في اللحظة دي، عرفت إن الموضوع ملوش أي علاقة بـ “الخناقات العائلية”. أنا ظابط شرطة… وقبل الفجر ما يطلع، جوزها هيعرف كويس أوي الكلمة دي معناها إيه.
المكالمة جت الساعة 3:07 الفجر، وصرخة أختي التوأم قطعت قبل ما تلحق تنطق اسمي مرتين. بعد 12 دقيقة بالظبط، كنت بسايق بأقصى سرعة وسط المطر، كارنيه الشرطة على صدري، وفكرة واحدة بس بتِطحن في دماغي: لازم تفضل عايشة.
”مارا” كانت في الشهر الثامن. قضت ست سنين بتدافع عن جوزها “إيفان” بولاء أعمى وِمنهك، زي أي حد اتعود يخلط بين الخوف والحب. كل كدمة كان ليها مبرر، كل عزومة تتلغي كانت بسبب “الضغط”، وكل اعتذار وهي بترتعش كان بينتهي بـ “هو مكنش يقصد”.
أنا كنت بطلت أصدق حججها دي من شهور.
كنت محققة في المديرية، بس “مارا” كانت دايماً تترجاني مدخلش. “إيفان” كان بيستغل ترددي ده كدرع يحمي بيه نفسه؛ كان بيتبرع لجمعيات الشرطة الخيرية، وبيثبت القيادات بكلامه المعسول، وكان دايماً يهددها إنها لو بلغت عنه، ده هيدمر مستقبلي المهني وهيحول جوازهم لمعركة شخصية ليا.
”إيفان” فتح الباب وهو لابس بنطلون ترينج رمادي، وعلى وشه ابتسامة باردة وهادية زيادة عن اللزوم بالنسبة لواحد صاحي الساعة تلاتة الفجر.
قال بنبرة مستفزة: “هي نايمة”.
رديت: “أنا سمعتها بتعيط”.
قال: “دي هرمونات الحمل”.
جيت أتحرك خطوة لقدام، راح حاطط إيده على حلق الباب وسد السكة.
وقال: “دي مسألة عائلية يا سيادة الظابط”.
نطق رتبتي وكأنه بيشتم. “إيفان” كان مستثمر عقاري غني جداً، من نوعية الرجالة اللي فاكرين إن المحامين الغاليين هيدوهم حصانة من كل حاجة. وراه كانت واقفة أمه “سيلست”، لافة نفسها بروب حرير، وماسكة في إيدها تليفون “مارا”.
وقالت: “امشي يا لينا.. أنتِ دايماً بتهولي الأمور وتعملي دراما”.
في اللحظة دي، سمعت صوت خبطة ضعيفة جاية من الدور الفوقاني.
كاميرا الجسم بتاعتي كانت شغالة وبتسجل كل حاجة.
زقيت “إيفان” وعديت منه. مسك معصم إيدي فـ لويت إيدي وفلتّ منها، وبلغته بصوت عالي إني داخلة لوجود حالة خطر قصوى وتلبس، وكلمت العمليات أطلب إسعاف وقوة دعم. أول ما سمع كده، ابتسامته اختفت تماماً.
وزعق: “أنتِ مش في الخدمة دلوقتي!”.
رديت عليه: “العنف ملوش مواعيد عمل رسمية”.
باب أوضة النوم كان مقفول. رزعته برجلي خبطة واحدة قوية، لقيت “مارا” متكومة جنب السرير، ومحضنة بإيدها على بطنها. نفسها كان طالع بالعافية ومتقطع.
فتحت عينيها بصعوبة.
وهمست: “البيبي…”.
نزلت على ركبي جنبها، وقست نبضها، وحاولت أخلي صوتي هادي وثابت في الوقت اللي كنت بغلي فيه من كتر الغضب.
وقلتلها: “الإسعاف جاية في السكة.. خليكِ معايا”.
”إيفان” ظهر عند الباب.
وقال ببرود: “هي اتكعبلت ووقعت”.
”مارا” اترعبت وانكمشت في مكانها قبل حتى ما يتحرك خطوة تانية.
الرد الفعل التلقائي ده كشفلي كل حاجة.
بصيت للابجورة المكسورة على الأرض، الانسيال المقطوع، والخبطة الجديدة اللي في الحيطة. وبعدين عيني لقطت حاجة تانية: لمضة حمراء صغيرة بتنور وتطفي جوه جهاز إنذار الحريق.
”مارا” طلعت سمعت كلامي في الآخر.
من شهور فاتوا، كنت اديتها كاميرا مخفية وقلتلها: “شغليها لما تحسي إنك جاهزة”.
”إيفان” كان فاكر إنه حابس مراته الضعيفة المرعوبة.
لكن في الحقيقة، هو سجل بايده لحظة دمار نفسه.
يتبع
الساعة كانت تلاتة الفجر لما تليفوني رن بـ رنة غريبة ومفزعة، الرنة اللي تخليك تقف في سريرك قبل ما تفتح عينك. على الناحية التانية من الخط، كان صوت أختي التوأم “مارا”؛ صوتها كان طالع مخنوق، عبارة عن شهقات عياط هستيري ورعب حقيقي. قالت جملة واحدة وبصعوبة: “الحقيني يا لينا… تعالي خديني من هنا بسرعة”، وقبل ما ألحق أنطق بكلمة، الخط قطع وصوت الصفارة الباردة ملى الودن. قلبي اتنفض في صدري، الإحساس اللي بين التوائم مكدبش، كان فيه مصيبة بتحصل في البيت ده دلوقتي.
”مارا” كانت في الشهر الثامن من الحمل، يعني على وش ولادة، وأي ضغط أو زعل كان خطر على حياتها وحياة اللي في بطنها. في أقل من دقيقة، كنت لبست واخدت سلاحي الميري وكارنيه الشرطة بتاعي، وجريت على عربيتي. المسافة بين بيتي وبيتها بتاخد في العادي تلت ساعة، بس أنا سُقت زي المجنونة وسط المطر الشديد اللي كان بيملا الشوارع وضلمة الفجر. المساحات كانت بتتحرك بسرعة، ونبضات قلبي كانت بتسابقها. فكرة واحدة بس كانت بتِطحن في دماغي وبتخليني أدوس بنزين أكتر: لازم تلحقيها، لازم تفضل عايشة.
طول الطريق، شريط السنين اللي فاتت كان بيمر قدام عيني. “مارا” بقالها ست سنين متجوزة من “إيفان”، وست سنين وهي عايشة في سجن من الخوف والإنكار. كانت بدافع عنه بولاء أعمى ومُنهك، الولاء الغريب اللي بيصيب الضحايا لما يتعودوا يخلطوا بين الخوف والحب. كل مرة كنت بشوف فيها علامة على دراعها أو كدمة تحت عينها، كانت بتلاقي مبرر جاهز؛ تقولي اتكعبلت في السجادة، اتخبطت في ضلفة المطبخ. كل عزومة تتلغي في آخر لحظة كانت بسب إن “إيفان” مضغوط في الشغل، وكل اعتذار وهي بترتعش كانت بتنهيه بنفس الجملة: “هو طيب والله يا لينا، بس مكنش يقصد، هو بيحبني”. أنا كنت بطلت أصدق الحجج دي من شهور، بس كنت مستنية اللحظة اللي هي تقتنع فيها إنها في خطر.
أنا بشتغل محققة في مديرية الأمن، وكنت أقدر أتصرف قانونياً من زمان، بس “مارا” كانت دايماً تترجاني بدموعها إني مدخلش، كانت بتخاف من الفضيحة وبتخاف من رد فعله. “إيفان” بقى كان ذكي وخبيث، بيستغل ترددي وخوفي على مشاعر أختي كدرع يحمي بيه نفسه. الراجل ده كان مستثمر عقاري غني جداً ومعروف، من نوعية الناس اللي فاكرين إن فلوسهم والمحامين الغاليين بيدوهم حصانة فوق القانون. مش بس كده، ده كان بيتبرع لجمعيات الشرطة الخيرية، وبيحضر حفلات المديرية، ويصاحب القيادات بكلامه المعسول وضحكته المزيفة. كان دايماً يهددها بـ الخبث ويقولها: “أختك لو فكرت تعمل فيها ظابط وتدخل في حياتنا، أنا هقعدها في البيت وأدمر مستقبها المهني، هخليها عبرة وأثبت للكل إنها بتحول خناقة عائلية لمعركة شخصية”.
وصلت البيت الساعة 3:19 بالظبط. فرملت العربية بعنف ونزلت جري تحت المطر. خبطت على الباب بكل قوتي، وبعد ثواني الباب اتفتح. “إيفان” كان واقف لابس بنطلون ترينج رمادي، وشعره متسرح، وعلى وشه ابتسامة باردة وهادية زيادة عن اللزوم بالنسبة لواحد صاحي على خبط بوليس الساعة تلاتة الفجر. البرود اللي في عينه كان يستفز بلد بحالها.
بصلي وقال بنبرة مستهترة: “أهلاً يا لينا.. خير في إيه على الصبح؟ سيبك من الخبط ده، مارا نايمة ومفيش حاجة”.
رديت عليه وأنا عيني بتدور وراه في الصالة: “أنا سمعتها بتصرخ في التليفون وبتعيط، وسع من طريقي”.
ضحك ضحكة صفرا وقال: “يا ستي دي هرمونات الحمل، أنتِ عارفة الستات في الشهر الثامن بيبقوا مأفورين إزاي.. روحي روحي نامي”.
جيت أتحرك خطوة وأدخل البيت، راح حاطط إيده على حلق الباب وسد السكة بجسمه كله، ملامحه اتقلبت للشر وقال بنبرة واضحة ومحددة: “دي مسألة عائلية يا سيادة الظابط.. ومظنش إن ليكِ شغل هنا”. نطق رتبتي وكأنه بيشتمني أو بيفكرني بحدودي. وفي اللحظة دي، ظهرت من وراه أمه “سيلست”، كانت لافة نفسها بروب حرير غالي، وماسكة في إيدها تليفون “مارا”. بصتلي بقرف وقالت: “امشي يا لينا ورجعي سلاحك مكان الكام سنة اللي خدمتي فيهم، أنتِ دايماً بتهولي الأمور وتعملي دراما من مفيش، سيبيهم يحلوا مشاكلهم لوحدهم”.
بينما هي بتتكلم، جالي من الدور الفوقاني صوت خبطة ضعيفة ومكتومة، وكأن حد بيحاول يستغيث بس مش قادر. في ثانية، كنت مشغلة كاميرا الجسم (البادي كام) اللي متثبتة على لبسي عشان تسجل كل حاجة صوت وصورة، وزقيت “إيفان” بكل قوتي عشان أعدي. هو اتمطع واتعصب ومسك معصم إيدي بعنف عشان يمنعني، رحت لاوية إيدي بحركة سريعة وفلتّ من مسكته، وصرخت في وشه بأعلى صوت عشان يسمع ويفهم: “أنا داخلة البيت ده بناءً على حالة خطر قصوى وتلبس، وسقوط الحق في حرمة المسكن لوجود جريمة مستمرة”. في نفس اللحظة، طلعت تليفوني وطلبت العمليات، وطلبت فوراً عربية إسعاف وقوة دعم من أقرب دورية. أول ما “إيفان” سمع المكالمة وشاف الجدية في عيني، الابتسامة الباردة اختفت تماماً من على وشه، والغل ظهر بوضوح. زعق وهو بيشاور بصباعه: “أنتِ مش في الخدمة دلوقتي! أنتِ برة مواعيد العمل وجاية تتبلي عليا!”. رديت عليه وأنا بجري على السلم: “العنف والضرب ملهوش مواعيد عمل رسمية يا إيفان”.
وصلت للدور الفوقاني، ومشيت ورا الصوت لحد ما وقفت قدام باب أوضة النوم الرئيسية. الباب كان مقفول من جوه بـ الترباس. من غير ما أفكر مرتين، رجعت خطوة لورا ورزعت الباب برجلي بكل قوتي خبطة واحدة قوية. الخشب اطق ومفصلات الباب اتقطعت ودخلت الأوضة.
المنظر اللي شفته جوه خلّى الدم يتجمد في عروقي. الأوضة كانت مقلوبة، الأباجورة مكسورة على الأرض، والسجادة متزحزحة من مكانها، وكان فيه انسيال دهب مقطوع ومرمي في الزاوية، وفي الحيطة كان فيه خبطة جديدة لسة بياضها واقع على الأرض. لكن كل ده كوم، و”مارا” كوم تاني. أختي كانت متكومة في الأرض جنب السرير، واخدة وضع الجنين، ومحضنة بإيدها الاتنين على بطنها الكبيرة عشان تحمي ابنها. وشها كان منفوخ، وتحت عينها كدمة زرقا بتبان وتكبر، وشفايفها بتنزف دم خفيف. نفسها كان طالع بصعوبة جداً، عبارة عن أنفاس رفيعة ومتقطعة وكأن ضلوعها مكسورة.
أول ما سمعت صوت الباب، فتحت عينيها بالعافية، ولما شافتني، الرعب اللي في عينها اتقلب لدموع ارتياح. همست بصوت واطي جداً ومبحوح: “البيبي… يا لينا… بطني بتوجعني أوي”. أنا رميت نفسي على الأرض جنبها، ونزلت على ركبي، مسكت إيدها اللي كانت بتترعش وقست نبضها. كنت حاسة بنار بتاكل في صدري، غضب لو طلع هيحرق البيت باللي فيه، بس كان لازم أتحكم في أعصابي عشانها. قلتلها بصوت هادي وثابت على قد ما أقدر: “أنا معاكِ يا حبيبتي، متخافيش، الإسعاف جاية في السكة حالا.. خليكِ بس معايا ومتقفليش عينك”.
في الوقت ده، “إيفان” ظهر عند باب الأوضة، وكان واقف بيعدل هدومه بمنتهى البرود، وبص لـ “مارا” بنظرة تخويف وقال: “قوليلها الحقيقة يا مارا.. أنتِ اتكعبلتي في السجادة ووقعتِ وأنتِ رايحة الحمام، صح؟ هي اللي دايماً بتفهم غلط”. أول ما نطق، أنا لاحظت إن “مارا” انكمشت في مكانها واتفضت بجسمها كله قبل حتى ما هو يتحرك خطوة واحدة ناحيتها. الرد الفعل التلقائي ده، الخوف الفطري اللي بيخلّي الضحية تترعب من مجرد نبرة صوت الجاني، كان الكلمة الأخيرة اللي كشفتلي كل حاجة وأكدتلي الجريمة.
قمت وقفت وواجهته، وكنت خلاص هطلع الكلبشات، بس عيني لقطت حاجة غريبة في سقف الأوضة. فوق في زاوية جهاز إنذار الحريق، كان فيه لمضة حمراء صغيرة جداً، بتنور وتطفي بانتظام. اللمضة دي مكنتش بتاعة إنذار الحريق العادي. ابتسمت غصب عني وسط كل الحزن ده، وعرفت إن “مارا” طلعت سمعت كلامي ونصيحتي في الآخر.
من حوالي تلات شهور، لما زاد قلقي عليها، اشتريت كاميرا مراقبة مخفية صغيرة جداً وبتسجل صوت وصورة وبتتربط بالإنترنت، واديتها لها في السر وقلتلها: “شغليها وحطيها في مكان مستخبي لما تحسي إنك جاهزة، ولما يجي الوقت اللي تقرري فيه تحمي نفسك وتحمي ابنك”. “مارا” نفذت الكلام وحطتها جوه جهاز الإنذار.
”إيفان” كان واقف ورايا، فاكر ومطمن إنه حابس ست ضعيفة ومرعوبة جوه بيته، وفاكر إن مفيش حد هيصدقها قصاد نفوذه وفلوسه، وميعرفش إن الكاميرا دي كانت بتلقط كل نفس، وكل كلمة، وكل ضربة وكل إهانة وجهها ليها في الليلة دي. الراجل ده ببساطة، وبسبب غروره الأعمى، سجل بإيده ومستنداته لحظة دمار نفسه، وقدم الدليل اللي هيوديه ورا الشمس ويقضي على حياته للأبد.
أصوات سارينات عربيات البوليس والإسعاف بدأت تقرب وتعلى في الشارع، والضوء الأحمر والأزرق بقى يلف على حيطان الأوضة من برة. “إيفان” ملامحه بدأت تتغير؛ الثقة العمياء اللي كانت في عينه اتهزت لأول مرة لما شاف البوكسات وهي بتقف قدام الفيلا. أمه “سيلست” دخلت الأوضة وهي بتزعق ومخضوضة: “إيفان! البوليس مالي المكان برة! أنت عملت إيه؟”.
أنا مبصتلهمش، فضلت مركزة مع أختي. القوة وصلت، ودخل اتنين من زمايلي الظباط ومعاهم دكاترة الإسعاف. أول ما شافوا “مارا” في الحالة دي، اتصدموا. المسعفين نزلوا على الأرض بسرعة وبدأوا يدولها إسعافات أولية ويركبولها محاليل، وشالوها براحة جداً على النقالة. “مارا” كانت ماسكة في إيدي بجنون، وعينها مليانة دموع ورعب وهي بتبص لـ “إيفان”. وطيت عليها وهمست في ودنها: “متخافيش يا قلب أختك، الكابوس ده انتهى خلاص، مفيش مخلوق هيقدر يلمسك تاني”.
بمجرد ما خرجوا بيها، التفت لـ “إيفان”. كان واقف بيحاول يجمع ثباته ويقول للظباط: “يا جماعة دي مراتي، ووقعت في الأوضة، وحضرة الضابط دي أختها وجاية تصفّي حسابات شخصية وتتبلى عليا”.
قربت منه بكل برود، وطلعت الكلبشات الحديد من حزامي. بصلي بغضب وقال بصوت واطي: “أنتِ بتعملي إيه؟ أنتِ عارفة أنا مين؟ أنا هخرب بيتك وهرفدك من شغلانتك دي قبل الشمس ما تطلع!”.
رديت عليه وأنا بلوي دراعه ورا ضهره وبقفل الكلبشات على إيده بقوة: “أنت متهم بالاعتداء وحجز الحرية، والشروع في قتل سيدة حامل. ويا ريت توفر تهديداتك دي، لأن كل كلمة وكل حركة عملتها من ساعة ما دخلت متسجلة لايف على كاميرا المديرية”. وبصيت لفوق، لـ جهاز إنذار الحريق، وقلتله: “ومش بس كده… الكاميرا المخفية اللي فوق دي سجلت بالتفصيل أنت عملت إيه في أختي من أول دقيقة في السهرة. يعني نفوذك وفلوسك ومحامينك مش هينفعوك بمليم قدام النيابة”.
وشه اتقلب لونه أصفر كأنه جثة، وعينه راحت لجهاز الإنذار والصدمة شلته. أمه بدأت تصرخ وتلطم: “إيفان! لا! ابني ميعملش كده! أنتِ بتتبلي عليه يا مجرمة!”. شاورت لزمايلي وقلت لهم: “خدوهم هم الاتنين على القسم، وتحفظوا على جهاز إنذار الحريق ده كأحراز أساسية في القضية، ومحدش يلمسه غير المعمل الجنائي”.
نزلت جري ورا عربية الإسعاف، ورحت معاهم المستشفى. الساعات اللي وراها كانت أصعب ساعات مرت في حياتي. كنت واقفة قدام غرفة العمليات وبدعي ربنا يسترها. الدكاترة اضطروا يعملوا لـ “مارا” عملية قيصرية طارئة لإنقاذ الجنين بسبب النزيف اللي حصلها. بعد أربع ساعات، الدكتور خرج وهو يمسح عرق جيبنه، وابتسم وقال: “الحمد لله.. لحقنا الأم والطفل في آخر لحظة. الولد دخل الحضّانة بس حالته مستقرة، وأختك كمان بقت أحسن”.
في اللحظة دي، حسيت إن جبل انشال من على صدري. دموعي نزلت لأول مرة من أول الليلة.
تاني يوم الصبح، كنت واقفة في مكتب رئيس النيابة. “إيفان” كان جايب تيم محامين من كبار البلد، وكانوا بيحاولوا يلفوا ويقعدوا في القضية ويقولوا إن البلاغ كيدي من أخت الزوجة بسبب خلافات قديمة. وكيل النيابة بصلي وقال: “سيادة النقيب، الدفاع بيقول إن مفيش دليل مادي على الضرب، وإنها مجرد وقوع في البيت”.
ابتسمت بثقة، وطلعت فلاشة من جيبي وحطيتها على مكتبه. قلت له: “دي الفلاشة اللي عليها تفريغ الكاميرا المخفية اللي كانت في الأوضة يا فندم، وتفريغ كاميرا الجسم بتاعتي أثناء الضبط”.
وكيل النيابة شغل الفيديو. الأوضة كلها سكتت. صوت “إيفان” وهو بيشتمها ويضربها، وصوت صراخها وهي بتترجاه عشان خاطر اللي في بطنها، وصوت الخبط والألم… كان كفيل يهد أي دفاع. المحامين بتوعه أول ما شافوا الفيديو، نزلو إيديهم وبصوا للأرض؛ عرفوا إن القضية دي مفيهاش ثغرة واحدة.
التفتت وبصيت لـ “إيفان” اللي كان قاعد على الكرسي مكسور والكلبشات في إيده، ومبقاش فاضل من هيبته وفلوسه أي حاجة. قررت النيابة حبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق مع التجديد، والتحفظ على أمه بتهمة التستر والمشاركة في إخفاء معالم الجريمة.
بعد أسبوع، “مارا” خرجت من المستشفى وشايلة ابنها في حضنها، وجت عاشت معايا في بيتي. وهي قاعدة على الكنبة بتنيم ابنها، بصتلي وعينها مليانة سلام لأول مرة من سنين، وقالتلي: “شكراً يا لينا.. أنتِ منقذتيش حياتي أنا بس، أنتِ أنقذتي مستقبلي ومستقبل ابني”.
مسكت إيدها وقلت لها: “أنا عملت واجبي كـ أخت وكـ ظابط.. والراجل ده مش هيشوف الشمس تاني طول ما أنا عايشة”. الحكاية بدأت بمكالمة رعب الفجر، وانتهت بـ بداية جديدة ونظيفة، خالية تماماً من الخوف.
الحياة بدأت ترجع لطبيعتها بالتدريج، بس بطعم جديد ومختلف، طعم ملوش أي علاقة بالخوف اللي عاشت فيه “مارا” لسنين. بيتي اللي كان دايماً هادي وضلمة بسبب ظروف شغلي ومواعيدي الصعبة، اتقلب وبقى مليان حركة وصوت عياط بيبي صغير، وزحمة علب اللبن والهدوم البيضاء الصغيرة. “مارا” كانت بتقوم في نص الليل مخضوضة من أي صوت، تفتكر إن “إيفان” واقف فوق راسها، بس أول ما كانت بتشوفني قاعدة جمبها وبطمنها، كانت بتهدى وتأخد نفسها.
القضية مشيت في السكة القانونية بأسرع مما أي حد يتخيل. تفريغ الكاميرا المخفية كان بمثابة حبل المشنقة اللي لف حوالين رقبة “إيفان”. الفيديوهات مكنتش سايبة مجال للشك؛ كانت جايبة “إيفان” وهو بيتحرك في الأوضة زي الوحش، وصوته وهو بيقولها بوضوح: “محدش هيقدر ينجدك مني، ولا أختك ولا الحصانة بتاعتها هتنفعك”. الكلمات دي بالذات، مع تقرير الطب الشرعي اللي أثبت وجود كدمات في كل حتة في جسمها وكسر في ضلوعها، خلّت القضية تترفع لمحكمة الجنايات بتهمة الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار، والاعتداء على سيدة حامل، وحجز حرية بدون وجه حق.
في يوم الجلسة الأولى، المحكمة كانت زحمة جداً. الصحافة بدأت تشم خبر، خصوصاً إن “إيفان” راجل أعمال معروف وله اسمه. المحامين بتوعه حاولوا في اللحظات الأخيرة يلعبوا على وتر “المرض النفسي” وإن موكلهم كان بيمر بظروف ضغط عصبي ونفسي ومكنش في وعيه. لكن رئيس المحكمة كان حازم جداً، وبص للدفاع وقالهم: “الوعي باين جداً في تفريغ الفيديوهات، والتلذذ بالأذى ملوش علاقة بالمرض النفسي”.
”مارا” أصرت إنها تحضر الجلسة دي بالذات. كانت واقفة برة القاعة ساندة على كتفي، وشايلة ابنها “آدم” اللي سميناه على اسم بابا الله يرحمه. لما نادوا على اسم “إيفان” ودخل قفص الاتهام، كان باين عليه التبَهدل؛ الهدوم الغالية اختفت وحل مكانها لبس الحبس الاحتياطي الأبيض، دقنه كانت طويلة، وعينه مكسورة في الأرض ومبصش ناحيتنا ولا مرة. أمه “سيلست” كانت قاعدة في أول صف وبتعيط بـ حُرقة، بس المرة دي مكنتش لابسة حرير، كانت باينة عجوزة وضعيفة بعد ما قضت كام يوم في الحجز بتهمة التستر والمساعدة.
المستشار قرأ الحكم اللي نزل زي الصاعقة على القاعة: “حكمت المحكمة حضورياً بمعاقبة المتهم بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً عما أسند إليه، وإلزام المصاريف الجنائية”. أول ما الكلمة طلعت، أمه صرخت ووقعت من طولها، و”إيفان” مسك قضبان القفص وهو مش مصدق إن نفوذه وفلوسه مِقِدرتش تشيل عنه يوم واحد من العقاب.
أنا بصيت لـ “مارا”، لقيتها بتغمض عينيها وبتتنفس بعمق، وكأنها كانت شايلة حِمل تقيل على صدرها السنين دي كلها وأخيراً رمتْه. دموعها نزلت، بس المرة دي مكنتش دموع خوف ولا قهر، كانت دموع النصر والحرية.
بعد ما خلصنا الإجراءات وخرجنا من محكمة الجنايات، وقفنا على السلم برة والمطر الخفيف كان بيلمس وشوشنا، نفس المطر اللي كان مغرق الشوارع ليلة المكالمة المشؤومة، بس الإحساس كان مختلف تماماً. “مارا” بصلتي وقالتلي وهي بتبتسم: “أنا حاسة إني اتولدت النهاردة يا لينا.. أنا وآدم”.
حضنتها وقلت لها: “أنتِ قوية يا مارا، وأنا دايماً في ضهرك”. ركبنا العربية ورجعنا بيتنا، ومن يومها، قفلنا الصفحة دي تماماً، وبدأنا نكتب كتاب جديد مفيش في سطوره غير الأمان، والسلام، والضحكة اللي غابت عننا كتير.
مرت خمس سنين على الليلة دي. خمس سنين كاملين والحياة اتغيرت فيهم 180 درجة، لدرجة إننا ساعات بنقعد أنا ومارا نبص لبعض ونستغرب إزاي قدرنا نعدي من النفق المظلم ده ونوصل لبر الأمان.
البيت مابقاش مجرد سكن، بقى مليان روح وحياة. “آدم” كبر وبقى عنده خمس سنين، ولد شقي وعينه كلها ذكاء ولمضة، بيملى البيت جري وضحك من أول الشروق لحد ما ينام. “مارا” كمان مابقتش الست الضعيفة الخايفة بتاعة زمان؛ الصدمة اللي عاشتها خلتها تكتشف قوتها الحقيقية. كملت دراستها وعملت دبلومة في الدعم النفسي، وبقت بتشتغل مع منظمات ومؤسسات بتساعد الستات اللي بيتعرضوا للعنف المنزلي. بقت بتقولهم دايماً: “الخوف سجن إحنا اللي بنقفل بابه على نفسنا، وأول خطوة للنجاة هي إنك تتكلمي”.
أما بالنسبة ليا، فـ أنا اتصعدت في شغلي وبقيت رئيسة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة في المديرية. كل حالة كانت بتجيلي، كنت بشوف فيها “مارا” قبل خمس سنين، وده كان بيديني طاقة وقوة مش طبيعية عشان أجيب لها حقها بكل الطرق القانونية المتاحة.
في يوم من الأيام، وأنا قاعدة في مكتبي بالمديرية، جالي إشعار قانوني على الكمبيوتر بخصوص قضية “إيفان”. محامينه كانوا مقدمين التماس جديد لإفراج صحي أو تخفيف العقوبة بحجة إن صحته تدهورت في السجن. مسكت الورق وبصيت فيه ببرود، وقررت أروح بنفسي أحضر جلسة الالتماس دي في المحكمة، مش كـ ظابط، لكن كـ أخت.
يوم الجلسة، وقفت في آخر القاعة. لما دخل “إيفان”، مكنتش قادرة أصدق إن ده الراجل اللي كان في يوم من الأيام بيهددني بنفوذه وفلوسه. وزنه نزل النص، شعره كله بقى أبيض، والغرور اللي كان مالي عينه اتمحى تماماً وحل مكانه انكسار وخوف حقيقي من الأيام اللي جاية ورا القضبان. بص ناحيتي ولقاني واقفة ببص له بثبات، وِشّه اتقلب ولف راسه الناحية التانية بسرعة.
المستشار قرأ تقرير المتابعة وتفريغ أدلة الجريمة القديمة تاني، وبص للمحامين وقال بلهجة حاسمة: “الالتماس مرفوض، والمتهم يقضي بقية عقوبته كاملة دون أي تخفيف”.
خرجت من قاعة المحكمة وأنا حاسة بنوع من العدالة المطلقة. الفلوس والنفوذ اللي كان فاكر إنهم درع بيحموه، مِقِدروش يغيروا حقيقة إنه مجرم بيموت بالبطيء في سجن انفرادي، والكل اتخلى عنه حتى أصحابه والمستثمرين اللي كانوا بينافقوه زمان.
رجعت البيت يومها بالليل، لقيت “مارا” مجهزة العشاء، و”آدم” قاعد على الأرض بيلعب بمكعباته. أول ما دخلت، آدم جِري عليا وحضن رجلي وهو بيضحك: “خالتو لينا جت!”. رفعتُه وحضنته وبصيت لمارا اللي كانت بتبتسملي بحب وسلام حقيقي.
قعدنا ناكل وإحنا بنخطط لرحلة مصيف الأسبوع الجاي. وأنا بتبسط لـ ضحكتهم، افتكرت مكالمة الساعة تلاتة الفجر، وافتكرت المطر، والدم، والخوف. بس المرة دي، الأفكار دي مجابتش معاقل قلق؛ بالعكس، حسستني بالفخر.
الكابوس انتهى تماماً، واللي اتولد من رحم الوجع ده كان عيلة قوية، مبنية على الأمان والعدل، ومفيش أي قوة في الدنيا هتقدر تهدها تاني.


تعليقات
إرسال تعليق