ابني ومراتة كامله
ابني ومراتة كامله
ابني ومراته طلبوا مني أقعد مع طفلهم اللي عنده شهرين بس، لحد ما ينزلوا يشتروا شوية حاجات.
لكن مهما شلته أو حاولت أهدّيه… كان بيعيّط بشكل مش طبيعي.
حسّيت فورًا إن في حاجة غلط.
لما رفعت هدومه علشان أبص على الحفاضة… اتجمّدت مكاني.
كان في حاجة هناك… حاجة ما تتوصفش.
إيدي كانت بتترعش. شلته وجريت بيه فورًا على المستشفى.
ابني أحمد ومراته سارة لسه يدوب من شهرين ربنا رزقهم بالمولود الجديد. وزي أي اتنين أول مرة يشيلوا شيل وعيال، كانوا طالع عيونهم والهم والتعاب باينين عليهم طول الوقت.
سارة كان تحت عينيها هالات سودة من قلة النوم، وأحمد ضحكته مابقتش تطلع من القلب زي زمان من كتر السهر والمسؤولية. بس رغم كل ده، كانت الفرحة مش سيعاهم بـ “يوسف” حتة العيل الصغير اللي مالي عليهم الدنيا.
في صباح يوم سبت، لقيتهم داخلين عليا وبيطلبوا مني خدمة بسيطة.
أحمد كان بيلبس الجاكيت بتاعه وقال لي:
“بقولك إيه يا أمي، معلش هتقل عليكِ.. ممكن تخلي يوسف معاكِ ساعة زمن أو ساعتين بالكتير؟ هننزل “المول” اللي جنبا هنا سريًعا.. سارة محتاجة تشتري شوية غيارات وحاجات ناقصاها ونفسها تتنفس شوية.”
حكايات رومانى مكرم
رديت عليه من غير تفكير وقلت له:
“يا حبيبي تنزلوا وتروحوا بالسلامة، ده أنا عيوني ليكم.. انزلوا غيروا جو وفكوا عن نفسكم شوية، وأنا هشيل حفيدي في النني.”
سارة وطت باست راس يوسف بحنية، وحطته بالراحة في حضني. الواد كان دافي وناعم.. وريحة الأطفال اللي ترد الروح دي طالعة منه.
في اللحظة دي، حسيت براحة ونفسي هديت والدنيا بقت جميلة في عيني.
لكن يا دوب الباب اترزع وراهم من هنا..
والموال بدأ.. يوسف صرخ صرخة واحدة وفتح في العياط!
في الأول، قلت عياط عيل صغير عادي فرفوش وبيدلع. حضنته لصدري وبدأت أدندن له الأغنية القديمة اللي كنت بنيم بيها أبوه أحمد وهو قد كف الإيد.
افتكرت “الببرونة” اللي سارة سيباها ليا، قمت دفيتها بالراحة وعلى أقل من مهلي وجيت أديهالها.
لكن يوسف قفل بقه ورفض تماماً يشرب نقطة واحدة.
العياط بدأ يزيد.. ويعلى.. ويعلى..
بقى صوت حاد، غريب، يقطع القلب.
مش عياط واد جعان ولا عايز يغير..
ده كان عياط فيه كمية خوف.. ووجع مش طبيعي!
بقيت ألف بيه في الصالة، أهزه براحة، وأطبطب على ضهره وأنا بسمي الله. وش الواد الصغير بقى دم من كتر الكتمة، وإيديه اتشنجت وقفلت جامد.
الواد كان بيصرخ لدرجة إن نفسه كان بيتقطع ومبقاش عارف يلقطه.
هنا بقى، قلبي بدأ يدق زي الطبل، وحسيت بركبي بتخبط في بعضها.
أنا ربيت عيال، وشلت أطفال أشكال وألوان، وعارفة لغة العيال كويس.. والعياط ده وراه إنّ.. مش طبيعي أبدًا!
قلت له وصوتي كله بتوع ويرتعش:
“ششش.. بس يا حبيبي.. مالك يا قلب تيتا؟ فيك إيه بس؟”
العياط زاد أكتر وأكتر..
وجسمه الطري الصغير بدأ يتنفض في حضني.
وفجأة، لقيت الواد قوس ضهره لورا وطلع صرخة خلت الدم يتجمد في عروقي من الرعب!
ساعتها قلت لنفسي مابدهاش بقى.. لازم أبص على الحفاضة، يمكن مسلوخ ولا حاجة قرصاه.
قلت وأنا بحاول أهدي روعي وأطمن نفسي:
“يمكن الحفاضة هي اللي مضايقاك ومقروطة عليك يا حبيبي.”
حكايات رومانى مكرم
حطيته على السرير، وبإيد بتترعش فتحت سوستة السالوبيت بتاعه.
في الأول كنت متماسكة..
لكن أول ما رفعت القماش وفتحت طرف الحفاضة..
اتسمرت في مكاني.. اللقمة وقفت في زوري!
كان في علامة غامقة، زرقا ومتورمة فوق الحفاضة علطول.. أسفل بطنه.
مش تسلخات من الحفاضة..
ولا هي وحمة مولود بيها..
دي كانت كدمة!
كدمة زرقا في بنفسجي غامق..
واللي قطع شكي باليقين.. إن شكلها كان باين زي ما يكون بصمات صوابع حد كبس عليه جامد!
حسيت بنار قادت في دمي، والدموية ضربت في نفوخي.
إيدي بقت تترعش لدرجة إني مابقتش عارفة أقفل الهدوم عليه، وكان هيقع مني.
وفي دماغي فكرة واحدة عمالة تخبط وتيجي وتصحى:
“في حد أذى الواد.. في حد مفترس داس عليه!”
يوسف صرخ تاني صرخة هزت الحيطة.. صرخته دي هي اللي فوقتني ورجعتني للواقع.
من غير ما أفكر ثانية واحدة، ولا أستنى حد..
لفتّه في البطانية بتاعته بسرعة الصاروخ، وشلته على ذراعي ونزلت جري على عربيتي.
ما فكرتش أتصل بأحمد..
ولا حتى خطرت على بالي سارة..
الكاتب_رومانى_مكرم
طرت بيه على طول على المستشفى العام اللي في أول الشارع..
وكل خطوة بخطوها، كنت بدعي ربنا من كل قلبي ودموعي على خدي: “يا رب أطلع عبيطة وبخرف.. يا رب أطلع غلطانة”.. بس الخوف اللي كابس على نفسي كان بيقولي: “لأ.. أنتِ مش غلطانة.. والواد وراه مصيبة”.
سيبلى لايك وكومنت بالصلاه على النبي وهرد عليك بباقى
دخلت المستشفى العام وأنا بجرى برجل مش شايلاني، الهوا طار من صدري والواد صوته بدأ يتنبح ويموت في إيدى. الأمن والدكاترة اتلموا على صراخي، خطفوه مني ودخلوا بيه فوراً على غرفة الطوارئ، والباب اتقفل في وشي.
وقفت ورا الباب الإزاز، دقات قلبي كانت أسرع من خطوتى، عيني مش مفارقة السرير اللي جوه. لقيت الدكتور بيشيل البطانية وبيقرب، وأول ما فتح الحفاضة وشاف الكدمة الزرقا اللي معلمة بأصابع واضحة، وشه اتقلب تماماً. بص للممرضة بنظرة غريبة، ونادا على دكتور تاني أكبر منه.
دقايق مرت عليا كأنها سنين، لحد ما الباب اتفتح وخرجلي الدكتور الكبير، وشه كان صارم وصوته ناشف وهو بيسألني:
“أنتِ تقربيله إيه يا مدام؟ وفين أبوه وأمه؟”
قلت له وصوتي بيترعش:
“أنا جدته.. أبوه وأمه سابوه معايا من ساعة زمن ونزلوا يشتورا حاجات.. ماله الواد يا دكتور؟ أرجوك طمني!”
الدكتور بص في الأرض وقال بنبرة فيها شك وقلق:
“الطفل عنده اشتباه في ارتجاج داخلي نتيجة ضغط عنيف، والكدمة اللي في أسفل بطنه دي مش خبطة عادية.. دي بصمات إيد بشرية واضحة جداً، وحد كان بيعصره بـغل! إحنا عملنا له إشاعة مقطعية فوراً وبلغنا نقطة الشرطة اللي في المستشفى.. ده بلاغ اعتداء على طفل!”
الكلمة نزلت على ودني زي الصاعقة.. شرطة؟ واعتداء؟ يوسف حفيدى حتة اللحمة الحمرا في حد عمل فيه كده؟ أحمد ابني مستحيل يعمل كدة، ده بيخاف عليه من الهواء الطاير.. طب سارة؟ سارة اللي كانت بتبوسه بحنية قبل ما تنزل؟
وفجأة، تليفوني رن في جيبى.. كان أحمد.
رديت وأنا بنهار وعياطي مسمع الممر الطويل:
“الحقني يا أحمد.. أنا في المستشفى العام بيوسف.. تعالوا فوراً!”
ما كملتش نص ساعة، ولقيت أحمد وسارة داخلين يجروا ووشهم أصفر زي الليمون. سارة كانت بتصرخ وتقول: “ابني فين؟ ماله يوسف؟”
أول ما أحمد شافني، مسك إيدي وهو مخضوض: “في إيه يا أمي؟ إيه اللي جابكم هنا؟”
قبل ما أنطق بكلمة، خرج ظابط المباحث من مكتب الأمن ومعه الدكتور، وقربوا مننا. الظابط بص لأحمد وسارة بحدة وقال:
“أنت أحمد وسارة؟ والدي الطفل يوسف؟”
أحمد قال بذهول: “أيوة أنا.. في إيه يا فندم؟”
الظابط قال ببرود يرعب:
“الطفل عليه آثار تعذيب واعتداء منزلي جسيم.. والتقرير الطبي بيقول إن الكدمة دي عمرها لا يقل عن 5 أو 6 ساعات، يعني اتعملت قبل ما الطفل يجي لجدته.. اتفضلوا معايا على النيابة!”
سارة أول ما سمعت الكلام ده، عينيها وسعت بطريقة مرعبة، وبصت لأحمد.. ولقيتها وفجأة ومن غير أي مقدمات، وقعت من طولها على الأرض مغمى عليها! أحمد اترمى فوقيها وهو بيزعق ويسألها بـهستيريا: “سارة! قومي كلميني! أنتِ عملتِ إيه في الواد من ورايا؟! أنتِ السبب؟!”
في اللحظة دي، الدكتور خرج بسرعة من الأوضة وشكله مخضوض، وبص لينا وقال: “الطفل يوسف حالته بتتدهور.. الإشاعة ظهرت وفي حاجة تانية أخطر بكتير اكتشفناها جوه جسمه!”
الدكتور وقف في وسط الممر ووشه خالي تماماً من الدم، وبص لأحمد اللي كان لسه واقِع في الأرض جنب سارة المغمى عليها، وقال بصوت واطي ومبحوح من الصدمة:
“الطفل يوسف عنده كسر مزدوج في عظمة الفخذ.. الكسر ده مش ناتج عن وقعة، ده ناتج عن لَويْ عنيف للرجل.. حد مسك رجله ولواها لورا بكل قوته!”
أحمد ساب سارة ووقف على رجليه زي المجنون، عينيه كانت حمرا ودموعه نازلة من غير ما يحس، وبدأ يرجع لورا وهو بيخبط دماغه في الحيطة ويصرخ:
“لأ.. لأ مستحيل! يوسف لأ.. مين اللي يعمل كده؟ مين اللي يلمس ابني؟!”
الظابط أشار للعساكر اللي معاه، وقوموا سارة من الأرض بعد ما الممرضة شمتها ريحة كحول. سارة أول ما فتحت عينيها وبدأت تستوعب كلام الدكتور، وشها اتشنج وبقت تبص لأحمد بنظرات رعب حقيقي، ونطقت بصوت مرعوش وهي بتبكي بهستيريا:
“أنا ماعملتش حاجة.. والله العظيم ما لمسته.. أحمد هو اللي كان معاه الفجر! أنا كنت نايمة في الأوضة التانية وهو اللي كان بيسكت الواد لما كان بيعيط!”
أحمد اتقدم ناحيتها وعينيه بطلع شرار، والظابط حجز بينه وبينها، أحمد زعق بأعلى صوته:
“أنا؟! أنا يا سارة؟ ده أنا كنت بلف بيه وببوس رجله عشان يسكت.. أنتِ اللي طول النهار بتدعي عليه وتقولي هيموتني من قلة النوم! أنتِ اللي زهقتي منه!”
الظابط زعق فيهم هما الاتنين وقال بحسم:
“بس.. انتوا الاتنين هتيجوا معايا على القسم، وهناك السيناريو ده كله هيتكشف.. التقرير الطبي بيثبت إن الطفل اتعرض لتعذيب منظم على مدار الـ 48 ساعة اللي فاتوا، يعني مش واقعة واحدة!”
أنا كنت واقفة في النص، قلبي بيتقطع حتت.. ابني ونور عيني أحمد، ومراته اللي دخلت بيتنا.. حد فيهم يكون وحش كاسر بالمنظر ده؟ حد فيهم قدر يمد إيده على حتة اللحم دي ويقسي قلبه عليه؟
الظابط أخد أحمد وسارة ومشيوا في الممر وسط نظرات الناس والدكاترة اللي كانت كلها قرف واحتقار، وأنا فضلت واقفة لوحدي قدام باب العناية المركزة، ماليش غير الدموع والدعاء.
فاتت ساعتين وأنا قاعدة على الكرسي الخشب في الممر، لحد ما لقيت دكتور العناية خارج وبيمسح عرق من على جبينه. جريت عليه وأنا بترعش:
“طمني يا بني.. حفيدى عايش؟”
الدكتور بصلي بنظرة كلها أسى وقال:
“الحمد لله، قدرنا نثبت حالته ونربط الكسر، والنزيف الداخلي تحت السيطرة.. بس في حاجة غريبة جداً يا حجة لازم تعرفيها.. إحنا وعمال بنضف جسم الطفل قبل الجبس، لقينا تحت لسان الواد خيط أزرق رفيع جداً مش بتاع لبس.. ده خيط صوف تقيل، كأن حد كان بيكتم نفسه بشراب أو بقماشة عشان مايطلعش صوت وهو بيتوجع!”
الدم اتجمد في عروقي للمرة المليون، وبقيت بفتكر الخيط الأزرق ده أنا شفته فين قريب.. فجأة، افتكرت الكيماوي الغامق أو الجاكيت الصوف الأزرق اللي كان أحمد لابسه وهو خارج.. وافتركت برضه الشال الأزرق اللي سارة كانت لافاه حوالين رقبتها الصبح!
تليفوني رن، وكان رقم غريب.. رديت بسرعة وبصوت مخنوق: “ألو؟”
جالي صوت محامي عيلتنا وصديق أحمد المقرب، وصوته كان ملهوف ومصدم:
“يا مدام.. أنا في القسم مع أحمد وسارة.. الموضوع طلع أكبر من أحمد وسارة بكتير.. في مفاجأة في التحقيقات غيرت مجرى القض..ية تماماً.. لازم تيجي فوراً!”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء الرابع
نزلت من المستشفى وجريت على بره وأنا مش شايفه قدامي. ركبت أول تاكسي قابلني وقلت له يطلع على القسم بأقصى سرعة. طول الطريق كان شريط الذكريات بيعدي قدام عيني.. أحمد ابني اللي ما بيستحملش يشوف عصفور مجروح، وسارة اللي كانت بتبكي من فرحتها يوم ما عرفت إنها حامل.. مستحيل حد فيهم يكون بالوحشية دي! أمّال الخيط الأزرق ده جه منين؟ والكدمات دي وراها إيه؟
وصلت القسم، ولقيت “ماجد” محامي العيلة واقف مستنيني قدام الباب، وشه كان مخطوف وعلامات الذهول مرسومة على ملامحه. أول ما شافني، قرب عليا بسرعة وقال بصوت واطي:
“حمد الله على السلامة يا أمي.. اتمالكي نفسك، الكلام اللي بيحصل جوه في التحقيق مش طبيعي، القض..ية قلبت قلبة تانية خالص!”
سألته وأنا بنهج وخايفة من الإجابة:
“فهمّني يا ماجد يا بني.. مين اللي عمل في يوسف كده؟ أحمد ولا سارة؟”
ماجد هز رأسه بالنفي وقال:
“ولا أحمد ولا سارة.. تعالي معايا لـمكتب رئيس المباحث وهو بنفسه هيوريكي المفاجأة.”
دخلت المكتب، ولقيت أحمد وسارة قاعدين على الكراسي، بس الغريبة إن الخناق والاتهامات اللي كانت بينهم في المستشفى اختفت تماماً.. كانوا قاعدين جنب بعض، منهارين من العياط، ومسكين إيد بعض زي ما يكونوا عايشين في كابوس مش عارفين يفوقوا منه.
رئيس المباحث بصلي باحترام وقعدني، وبعدين لف شاشة الكمبيوتر بتاعته ناحيتي وقال بنبرة هادية بس تخوف:
“يا حجة.. إحنا واجهنا أحمد وسارة بالتقرير الطبي، وفحصنا تليفوناتهم، ومن خلال رصد الكاميرات المحيطة ببيتهم وكاميرا الممر الخاصة بـشقتهم.. اكتشفنا حاجة هما مكانوش يعرفوها.. الشقة مكنتش مقفولة عليهم هما التلاتة بس خلال الـ 48 ساعة اللي فاتوا.”
قلبي سقط في رجلي، وقلت له: “يعني إيه يا فندم؟ في حد دخل عندهم؟”
الظابط داس على زرار “تشغيل” في الفيديو، وقال:
“أحمد كان مركب كاميرا مراقبة صغيرة وسرية في الصالة من غير ما سارة تعرف، عشان كان شاكك إن في حد بيدخل الشقة في غيابهم لأن في حاجات كانت بتتحرك من مكانها.. الكاميرا دي سجلت اللي حصل الفجر والكل نايم.”
بصيت على الشاشة.. الشاشة كانت جايبة صالة الشقة، الساعة كانت 3:30 الفجر، والدنيا ضلمة كحل. وفجأة، ظهر خيال حد خارج من المطبخ.. الحد ده كان لابس عباية غامقة ولابس في إيده **جوانتي صوف أزرق تقيل**!
الخيال ده مشي براحة جداً ودخل أوضة الأطفال اللي فيها يوسف.. وبعد أقل من دقيقة، الكاميرا سجلت صوت مكتوم ليوسف وهو بيصرخ صرخة مخنوقة، كأن في حد حاطط إيده على بقه بـغل.. وبعدها بـدقايق، خرج الخيال ده من الأوضة بكل برود، وفتح باب الشقة بـمفتاح كان معاه، ونزل في وسط الضلمة!
الظابط عمل “إيقاف مؤقت” للفيديو، وعمل زووم (تقريب) على وش الشخص ده وهو خارج من باب الشقة وتحت إضاءة السلم الضعيفة..
أول ما الوش ظهر وبان بوضوح.. أنا صرخت صرخة هزت مكتب الظابط، وقمت وقفت على رجلي وأنا مش مصدقة عينيا.. الجسم كله بدأ يتنفض، والصدمة لجمت لساني لدرجة إني مكنتش قادرة أنطق الاسم!
الظابط بصلي بحدة وقال:
“أظن أنتِ عرفتِ الوش ده كويس يا حجة.. الشخص ده هو اللي دخل وعذب الطفل بالمنظر ده.. قوليلي، مين دي؟!”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء الخامس (قبل الأخير)
نطقت الاسم بالعافية، والصوت طالع من حنجرتي مشروخ وزي الصفير:
“دي.. دي نجوى! أخت سارة الكبيرة!”
سارة أول ما سمعت الاسم، قامت وقفت وصرخت صرخة هستيرية وبقت تلطم على وشها وهي بتقول:
“لأ.. لأ مستحيل! نجوى؟ نجوى تعمل في ابني أنا كده؟ دي هي اللي كانت بتيجي تساعدني.. دي كانت بتشيله وتطبطب عليه لما أكون تعبانة.. لأ يا فندم الكاميرا غلطانة.. أختي مستحيل تإذيني!”
أحمد وقف وعينيه كانت هتطلع من مكانها، ومسك سارة من كتفها وهزها بعنف وهو بيزعق:
“أختك! أختك اللي كنتِ بتأمنيها على بيتي في غيابي؟ أختك اللي معاها نسخة من المفتاح علشان تدخل تطمن عليكي؟ أظهري وباني على حقيقتك بقا.. الكاميرا مابتكذبش.. الوش وشها، والجوانتي الصوف الأزرق ده بتاعها أنا عارفه كويس!”
رئيس المباحث خبط على المكتب بقوة وقال بحسم:
“بس! مش عايز اسمع صوت.. القوة والتحريات نزلت فوراً على بيتها وجاري القبض عليها.. بس اللي محيرني ومحير النيابة.. إيه الدافع؟ إيه اللي يخلي خالة الطفل، وبنت في سنها، تدخل في نص الليل تعذب رضيع عنده شهرين بالغل ده كله وتكتم نفسه؟”
سارة قعدت في الأرض وهي بتبكي وتنوح بكلام مش مفهوم، وأنا ركبي مكنتش شيلاني، قعدت على الكرسي وأنا بفتكر مواقف كتير فاتت..
افتكرت نجوى لما اتجوزت من سنتين ومعرفتش تخلف، وافتكرت نظرات عينها الغريبة ليوسف يوم سبوعه.. كانت نظرة حرقة وغل، بس إحنا قلوبنا طيبة وقلنا دي غلبانة ونفسها في عيل فـ زعلانة على حالها.. مكنّاش نعرف إن عينها فيها كل السواد ده!
مفاتش ساعة زمن، والباب اتفتح.. ودخلوا عساكر المباحث وجرين في إيديهم “نجوى”.
كانت لابه عبايتها، وشعرها منكوش، وعينيها فيها نظرة رعب وزيغ.. بس أول ما عينها جت في عين سارة وأحمد، ملامحها اتغيرت تماماً.. الخوف اختفى، وظهرت على وشها ابتسامة باردة ومرعبة، ابتسامة حد مش ندمان على اللي عمله!
أحمد كان هيتجنن ويتهجم عليها، بس العساكر مسكوه.. سارة زحفت على الأرض لحد ما وصلت لرجليها ومسكت في عبايتها وهي بتصرخ:
“ليه يا نجوى؟ ده أنا أختك من دمك.. يوسف عملك إيه؟ ده حتة لحمة حمرا.. لويتي رجله وعصرتي بطنه ليه؟ ردي عليا يا كافرة!”
نجوى نفضت رجلها من إيد سارة بكل قسوة، وبصت لها ونطقت بصوت فجأة بقى كله غل وحقد، صوت يقطع الخلف:
“علشان تدوقي النار اللي أنا عايشة فيها! بقالي سنتين بلف على الدكاترة وربنا حرمني، وأنتِ تتجوزي وتخلفي من أول سنة؟ وتجيبي الولد اللي كان نفسي فيه؟ وتفضلي تتباهي بيه قدامي وتقوليلي ‘عقبالك يا نجوى’؟ أنتِ كنتِ بتذ،،بحيني بالكلمة دي!”
أنا صرخت فيها: “تذ,,بحي الواد يا مجرمة عشان كلمة؟ ده عيل ملوش ذنب!”
نجوى ضحكت ضحكة هستيرية وقالت:
“أنا مكنتش عايزة أموته.. أنا كنت عايزة أعمل فيه عاهة! كنت عايزاه يعيش مكسح وعاجز.. علشان تفضلي طول عمرك تلفي بيه على الدكاترة وتبكي عليه، وتشوفي النكد والهم وتتلهي بيه عن دنيتك.. وماتفرغيش تفرحي أبداً!”
الظابط هز رأسه بقرف وأمر العساكر يخدوها على الحجز فوراً عشان تتعرض على النيابة الصبح.. وأحمد وسارة انهاروا تماماً وبقوا يحضنوا بعض وهما مش مصدقين إن القريب هو اللي طلع العقرب اللي بيلدغ في الضلمة.
الظابط بصلي وقال: “تقدري ترجعي المستشفى لحفيدك يا حجة.. المتهمة اعترفت والقض..ية اتقفلت خلاص.. والعدالة هتاخد مجراها.”
أخذت أحمد وسارة المنهارين وركبنا عربيتي ورجعنا على المستشفى العام.. جرينا على غرفة العناية المركزة علشان نشوف يوسف ونطمن عليه بعد ما الكابوس ظهرت حقيقته.
بس أول ما وصلنا للممر.. لقيت الممرضات بيجروا، وجهاز ضربات القلب جوه الأوضة مطلع صوت “صفارة مستمرة” وخط مستقيم على الشاشة.. والدكتور خارج ووشه عرقان وباصص في الأرض!
الصوت المستمر لجهاز ضربات القلب كان زي طعنة في صدرنا كلنا.. خط مستقيم على الشاشة يعني الحياة وقفت. سارة صرخت صرخة شقت سكون المستشفى ووقعت في الأرض، وأحمد مسك الدكتور من بالطوه وهو بيبكي ويقول: “ابني مات؟ ابني راح يا دكتور؟”
الدكتور مسك إيد أحمد بسرعة وقال بنبرة ملهوفة:
“صعق صدمات فوراً! لسه في أمل.. النبض وقف فجأة بسبب هبوط حاد في الدورة الدموية من الخوف والألم.. وسعوا من طريقي!”
دخل الدكتور وقفل الباب، وفضلنا ورا الإزاز نتابع المحاولات.. الدكتور يرفع جهاز الصدمات الكهربائية ويحطه على صدر يوسف الصغير، وجسم الواد يتنفض لفوق وينزل.. مرة.. وتانية.. وتالتة.. والخط لسه مستقيم.
في اللحظة دي، ملقيتش نفسي غير وأنا برمي غطى راسي في الأرض، وبسجد على بلاط المستشفى، وببكي بكاء مرير وبقول: “يا رب.. أنت اللي وهبته، وأنت اللي قادر تحميه.. يا رب لا تفجع قلب أبوه وأمه فيه.. يا رب ده حتة لحمة حمرا ملوش ذنب في غل البشر.. رده لينا سالماً يا رب.”
وفجأة.. قطع صوت بكائي ودعائي صوت “تيت.. تيت.. تيت” متقطعة من جهاز غرف العناية!
رفعت راسي وأنا بمسح دموعي، لقيت الدكتور بيبتسم من ورا الإزاز و do ضربات القلب رجعت تشتغل بانتظام، ونفس يوسف بدأ يعلى وينزل.. ربنا أحيا فيه الروح من جديد بعد ما كان بينه وبين الموت شعرة!
مرت الأيام والأسابيع، ويوسف بدأ يتعافى بالتدريج.. الجبس اتفك من رجله، والكدمات اللي في بطنه اختفت، ورجعت ضحكته تنور البيت من تاني بعد ما نجى من الموت بأعجوبة.
أما نجوى، فالقانون ميرحمهاش.. النيابة وجهت ليها تهمة الشروع في ق..تل طفل عمدًا مع سبق الإصرار والترصد، وبناءً على اعترافاتها المصورة وتقارير الطب الشرعي وكاميرات المراقبة، صدر ضدها حكم رادع بـ **الس..جن المشدد لمدة 15 سنة**، علشان تقضي أحسن أيام حياتها ورا القضبان، وتدوق مرارة السجن زي ما كانت عايزة تدوق أختها مرارة الكسرة على ابنها.
أحمد وسارة اتعلموا الدرس الصعب، وبقوا مبيفارقوش يوسف لحظة واحدة، وعرفوا إن مش كل اللي بيضحك في وشنا بيتمنى لينا الخير.
### الحكمة من القصة
خرجنا من الكابوس ده بحكم وعبر تخلي كل أب وأم يفتحوا عينيهم وسط الدنيا دي:
* **داري شمعتك تقيد (واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان):** مش كل الناس حواليك بتبص لـنعمتك بنفس راضية.. في ناس الحرمان بياكل في قلوبها لحد ما يتحول لـغل وحسد أسود.. مش لازم تشارك كل تفاصيل فرحتك، ولا خلفة عيالك، ولا نجاحك مع الكل، لأن العين حق، والغل بيعمي النفوس.
* **الحذر حتى من أقرب الناس:** الأمان الأعمى غباء.. لما يتعلق الأمر بسلامة عيالك الصغار اللي ملهمش حول ولا قوة، متأمنش عليهم أي مخلوق مهما كانت صلة القرابة، إلا لو كنت متأكد مليون في المية من سلامته النفسية تجاهك. الكاميرا اللي أحمد ركبها “بالصدفة” هي اللي أنقذت ابنه وبرأتهم، لولاها كان البيت اتخرب وضاع الواد.
* **قلب الجدة والحس الأمومي:** دايماً ثقوا في إحساس الأم أو الجدة.. لما تحس إن في حاجة غلط أو عياط مش طبيعي، متقولش “ده بيتدلع”.. الإهمال في اللحظات دي بيضيع أرواح، والتحرك السريع هو اللي بيصنع الفرق بين الحياة والموت.


تعليقات
إرسال تعليق